تراشق لفظي بين سعد الحريري وميشال عون
تراشق لفظي بين سعد الحريري وميشال عون

في الوقت الذي تشتعل فيه المدن اللبنانية بالمظاهرات الغاضة بسبب تردي الأوضاع المعيشية، أطلت مشكلة سياسية بين رئيس الجمهورية ميشال عون والرئيس المكلف تشكيل الحكومة سعد الحريري لتزيد من ضبابية المشهد في بلد يرزح تحت أزمة اقتصادية - اجتماعية لم يسبق أن مرّ بها.

وتفجرت هذه الأزمة بين الرئيسين بعد مقال نُشر في صحيفة الأخبار اللبنانية اتهم عون فيها "الحريري بأنه يريد التعدي على صلاحيته وينفرد بتشكيل الحكومة بشكل مخالف للدستور، الذي تنص المادة 53 منه على أن رئيس الجمهورية شريك أساسي في تشكيل الحكومة مع رئيس الوزراء".

وقال إن الحريري يريد أن يكون شريكا في تسمية الوزراء المسيحيين، وهو ما لن يقبله "لأنه سيخل بالتوازن الحكومي". وكشف المقال عن انقطاع التواصل والتشاور بينه وبين الحريري.

وهنا يشبه المحلل السياسي أسعد بشارة هذا الخلاف بأنه "سجال بين متخاصمين على سطح باخرة غارقة"، مضيفا أن ما يحدث هو عنوان للمأساة اللبنانية المتمثلة في هذه "المنظومة الفاسدة".

وأضاف بشارة في تصريحات لموقع قناة "الحرة" أن الرئيس اللبناني يريد من هذا السجال توريث صهره جبران باسيل، والمحافظة على نفوذه.

تمثيلية

أما الكاتبة والمحللة السياسية، منى فياض منى فياض، فقد أكدت أن هذا السجال أصبح سمة السياسة في لبنان، وأن هذا التراشق الإعلامي وصل إلى مستويات غير مسبوقة، مشيرة إلى أن عون أصبح يستخدم ألفاظا لم تكن تستخدم في قاموس السياسة اللبنانية من قبل.

وأضافت فياض في تصريحات لموقع قناة الحرة أن هذا السجال بين الرئيسين ما هو إلا "تمثيلية لتمرير الوقت، وتأخير تشكيل الحكومة".

كان عون كلف الحريري بتشكيل الحكومة في أكتوبر الماضي، بعد تقديم حكومة حسان دياب استقالتها في أعقاب انفجار مرفأ بيروت، الذي راح ضحيته أكثر من 200 شخصا وأصيب الآلاف.

حفلة ردود

وعلى مدار 4 أشهر، فشل الحريري في التوصل إلى اتفاق مع القوى السياسية حول تشكيل الحكومة، في وقت يعاني فيه لبنان من أزمة اقتصادية ومعيشية صعبة وتفاقم لفيروس كورونا.

وبالعودة إلى الحرب الكلامية بين الطرفين، استنكر مكتب الحريري ما نقلت صحيفة الأخبار عن لسان عون، وأصدر بيانا قال فيه: "من المؤسف والمؤلم جداً أن يصدر الكلام المنقول عن فخامة رئيس الجمهورية في إحدى الصحف، فيما البلاد تواجه سيلاً من الأزمات الصحية والأمنية والسياسية وتشهد العاصمة الثانية طرابلس هجمة منظمة تثير الريبة في أكثر من اتجاه".

وأضاف أن "دوائر قصر بعبدا تريد توجيه الاشتباك الحكومي نحو مسارات طائفية، وهي تنزع بذلك عن رئيس الجمهورية صفة تمثيل اللبنانيين بمختلف أطيافهم، لتحصر هذا التمثيل بمسؤوليته عن حصص المسيحيين في الدولة والسلطة والحكومة".

وتابع البيان: "الخلاف السياسي الى ساحة التطييف، محاولة غير موفقة ومرفوضة ولن تمر، لتنظيم اشتباك اسلامي - مسيحي، يفترض البعض انه أقصر الطرق الموحلة لتعويم من يريدون تعويمه وتعبيد طريق بعبدا للإرث السياسي".

ليرد عليه مكتب رئيس الجمهورية ببيان يقول فيه: "إنّ البيان الذي صدر اليوم عن المكتب الإعلامي للرئيس المكلف سعد الحريري، احتوى على ردود مغلوطة ومعلومات في غير موقعها الحقيقي. وحرصاً على عدم الدخول في سجال لا طائل منه، نكتفي بالإشارة إلى أنّ الرئيس المكلف من خلال ما جاء في ردّه، مصمّم على التفرّد بتشكيل الحكومة، رافضاً الأخذ بملاحظات رئيس الجمهورية".

ورقة ضغط 

وأكد بشارة أن سبب تأخير تشكيل الحكومة هو ليس هذا الخلاف الظاهر الذي يتحدث عنه الطرفين، بل لأن "المايسترو حزب الله" لا يريد تشكيلها في الفترة الحالية، حتى تكون ورقة ضغط في يد إيران عندما تبدأ المفاوضات مع الولايات المتحدة.

وأوضح أن "هذه المنظومة هي واجهة لسيطرة حزب الله وإيران على لبنان"، مشيراً إلى أن لبنان لن يقوم إلا من خلال حكومة إنقاذ حقيقية تتكون من مستقلين.

بينما، ألمحت فياض إلى أن التيار الوطني الحر ورئيسه يسعى إلى إظهار السجال وكأنه خلاف بين السنة والمسيحيين، وأنه يعمل للحفاظ على حقوق الطائفة (المسيحية)، ليظل محافظا على أصواتهم الشعبوية والاستفادة منها في صناديق الاقتراع.

وأكدت أن الطرفين يتصارعون تحت سقف حزب الله، ورأت أن الحزب سيتدخل بعد فترة للتوفيق بين الطرفين.

ويأتي هذه الأزمة السياسية بعد أيام من تسريب تسجيل فيديو لعون يصف فيه الحريري بـ"الكاذب".

 

الفيديو، الذي لم يسحب منه الصوت كما جرت العادة، تم توزيعه على وسائل الإعلام
"كذّب فيها الحريري".. تسريبات للرئيس اللبناني تطرح تساؤلات عن "سلطات بديلة"
لم يكن يكفي لبنان انعكاسات الأزمة الصحية والاجتماعية والاقتصادية التي ظهرت في مشاهد اللبنانيين يتهافتون على محال البيع والمراكز التجارية لتأمين تموين 10 أيام من الإغلاق التام وحظر التجول، فقد نجحت الأزمة السياسية أيضاً أن تخترق المشهد وتسرق الأضواء حتى من أصعب الكوارث التي تعانيها البلاد. 

 

وأشار بشارة أنه بالرغم من هذا السجال بين الطرفين إلا أنه ليس هناك طرق مسدودة لتشكيل الحكومة، لأن المصالح المشتركة تربط هذه الأطراف المتخاصمة، وبالتالي ستحاول المحافظة على شعرة معاوية بينها.

مظاهرات طرابلس

وخلال الأيام الماضية، شهدت مدينة طرابلس شمالي البلاد، مظاهرات حاشدة غاضبة بسبب قيود الإغلاق الصارمة نتيجة تفشي وباء كورونا، وتردي الأوضاع المعيشية، واندلعت اشتباكات بين المتظاهرين وقوات الأمن التي استخدمت الرصاص المطاطي والغاز المسيل للدموع لتفريق المتظاهرين.

وأدت المواجهات طرابلس إلى سقوط قتيل ومئات الجرحى واحتراق عدد من المباني والمقار الحكومية، بينها مبنى بلدية المدينة، واقتحمت مجموعة من المحتجين مجمع العزم التربوي التابع لرئيس الوزراء الأسبق نجيب ميقاتي والذي يضم مدرسة وجامعة مهنية، كما حاول محتجون أيضا اقتحام مبنى وزارة المالية وعددا من مخافر الشرطة لكن الجيش اللبناني حال دون ذلك.

لليوم الثالث على التوالي احتجاجات ضد السلطة في طرابلس
طرابلس تفتح الباب أمام "ثورة جديدة".. ومنظمة تدين دور الأسلحة الفرنسية في القمع
بعد أيام على بدء التظاهرات الاحتجاجية في مدينة طرابلس (شمالي لبنان)، يبدو أنّ اللبنانيين قد عادوا إلى الشوارع مجدداً غير آبهين إلى قرار الإغلاق العام الذي فرضته جائحة فيروس كورونا، مع تفاقم الأزمة الاقتصادية في البلاد.

وعن تأثير هذا السجال على الشارع، أشار بشارة إلى أن حسابات هؤلاء المتظاهرين تختلف عن حسابات أهل السلطة، لذلك لا يتأثرون بهذا التراشق اللفظي، مضيفا أنهم يتظاهرون بسبب الأوضاع المعيشية الاقتصادية الكارثية، لذلك لا يستطيع أحد من أهل السلطة أن يركب هذه الموجة.

وطالب بشارة المجتمع الدولي بالضغط على السلطة السياسية "لكي تفرج عن لبنان وتفك آسر البلد".

علي

"أنا مين؟" سأل نفسه، عائدا، على حدود الوطن.

لم يجد جوابا.

منذ غادر لبنان، لم يكن الاسم وحده ما تغيّر.

علي، الشاب الشيعي المنتمي لحزب الله منذ الطفولة، لم يقرر أن يولد عليًّا، ولم يكن يتخيل يومًا أن يصير إيلي، يقول.

من الكشافة إلى القتال

في بيت فقير، في جنوب لبنان، وُلد علي يتيمًا بين عشرة.

أمه، بلا سند، لم تجد ملاذًا سوى في الحزب الذي يفرض حضوره على كل تفصيل في المجتمع: من المدرسة إلى المستشفى، من الطفولة إلى السلاح.

هناك، لم تكن الحياة مجرد حياة؛ بل عقيدة. "نحن على الحق"، يرددونها صباحًا ومساءً. ومنذ الطفولة، صارت البندقية جزءًا من المنهج.

في عمر العاشرة، انضم علي إلى "كشافة الإمام المهدي"، حيث يبدأ الغرس العقائدي والعسكري معًا. "دورة محو الأمية" لم تكن كما توحي تسميتها؛ بل تدريبًا أوليًا على حمل السلاح. في الثانية عشرة، كان الطفل الصغير يعرف كيف يفكك البندقية، وفي الثالثة عشرة، كان يفتخر باستشهاد أصدقاء في التدريبات.

يصف علي دورات القتال بأنها "مزج من العسكر والعقيدة"، لكن العقيدة كانت الغالبة دائمًا. يتعلم المنتسبون أنهم يدافعون عن "أمة، عن شرف، عن طائفة"، وأن كل ما هو خارج هذا المسار مشبوه، خطر، أو "كفر".

عالم بالألوان

لكن العالم ليس أبيض وأسود. في سن الثامنة عشرة، بدأت تظهر تصدعات الشك. تعرّف علي على أصدقاء خارج "الخط"، وبدأ يرى شيئًا مختلفًا: حياة أخرى، حوارات، ضحك، نساء، ملابس ملونة، وموسيقى. كلها ممنوعة.

في إحدى الليالي، عاد إلى البيت متأخرًا، فصفعته أمه بركوة قهوة. تلك الصفعة لم تكن مجرد غضب أم، بل لحظة صدع.

"هل هذا هو الحق؟"، تساءل لأول مرة.

ومن هذا السؤال، بدأ كل شيء يتغير.

الهروب من القدر

رفض علي دعوة الحزب للانضمام إلى دورة تؤهله ليصبح "متفرغًا". كان يعلم أن القبول بها يعني بلوغ نقطة اللاعودة. فقرر أن يغادر. هرب من عائلته، من أصدقائه، ومن اسمه.

سافر إلى تركيا، ومنها حاول عبور البحر إلى أوروبا على "قوارب الموت". غرق ثلاث مرات. في كل مرة، كان الموت قريبا وكان كأنه يولد من جديد. أعادته النجاة إلى السؤال الأصلي: من هو؟ وماذا يريد أن يكون؟

من علي إلى إيلي

بعد فشل محاولة اللجوء، عاد إلى لبنان. في مطار بيروت، وقف حائرًا: لا أهل، لا أصدقاء، ولا خط عودة إلى الحزب. دق باب صديق قديم، فأتاه الجواب:

"في عائلة بدها حدا يساعدها... بس في مشكلة: اسمك علي".

ضحك، وقال: "خليه إيلي".

هكذا بدأ فصلاً جديدًا من حياته، يعيش مع عائلة مسيحية، يذهب معهم إلى الكنيسة، يشاركهم التراتيل، ويشعر لأول مرة بأنه إنسان، فقط إنسان.

"أنا مين؟" يعيد السؤال، هذه المرة بثقة أكبر. لا يريد أن يكون تابعًا، ولا أن يُملى عليه ما هو الحق وما هو الباطل. "بدي أكون إنسان يقرر، يشوف، يعرف".

تغير الاسم، بقي السؤال، لكن صارت لديه حرية البحث عن إجابة.