لبنان يعد ثالث أكبر مصدر للحشيش في العالم بعد المغرب وأفغانستان
لبنان يعد ثالث أكبر مصدر للحشيش في العالم بعد المغرب وأفغانستان

أصبحت نكتة رائجة في لبنان أن يقال "في هذه الأحوال الصعبة لم يعد هناك تاجر نزيه لم يستغل الأزمة ويرفع أسعاره إلا تاجر المخدرات".

لم تأت هذه النكتة من فراغ، ففي البلاد التي تعيش الانهيار الاقتصادي الأكبر في تاريخها، وتعاني من أسوأ أزمة مالية ارتفعت بسببها أسعار كل السلع في الأسواق، مواكبة لارتفاع سعر الدولار مقابل الليرة، بقيت معظم أصناف المخدرات المتوفرة في لبنان على سعرها، وبعضها انخفض بشكل لافت يدفع للتساؤل عن أسباب هذا الأمر ونتائجه. 

في مقارنة لما كانت عليه أسعار المواد المخدرة نهاية العام 2019 ومطلع العام 2020، أي قبل استفحال الأزمة الاقتصادية، وبين أسعار اليوم، يظهر أنه لم يطرأ تغيير كبير عليها كما هي حال كل ما له سوق في لبنان، رغم أن الدولار الذي كان يساوي 1500 ليرة لبنانية بات اليوم يتجاوز الـ 8700 ليرة.

الحشيشة والـ "ماريجوانا" أرخص

زينة اسم مستعار لمروجة مخدرات تنشط في ضواحي بيروت، تتحدث لموقع "الحرة" عن واقع أسعار المواد التي تبيعها اليوم، مقارنة بما كانت عليه قبل الأزمة المالية. حينها كان الغرام الواحد من الحشيشة يباع بمعدل وسطي 1500 ليرة لبنانية (نحو 1$).

وفي وقت تضاعفت فيه كافة أسعار السلع نحو 5 مرات، ارتفع سعر الحشيشة نحو 30% فقط بالليرة ليتراوح اليوم بين الـ 2000 و3000 ليرة، أما بحسابات الدولار فقد انخفضت إلى ما يساوي اليوم 30 سنتاً."

"الحشيشة إنتاج وتصنيع وطني، لا علاقة لها بحركة الدولار من الزراعة إلى الإنتاج، والارتفاع الذي طرأ على سعرها بالليرة هو مجرد انعكاس لارتفاع تكاليف التوزيع والترويج إضافة إلى نسبة أرباح المروج والتاجر التي تلحق بالسوق عموماً، أما استلامها فلا يزال تقريباً بالسعر نفسه." يقول "حسن" وهو مزارع حشيشة وتاجر في الوقت نفسه، مشيراً إلى أن الموسم الماضي شهد كساداً بسبب صعوبة تهريب الإنتاج إلى الخارج، وهو ما يتكل عليه تجار الحشيشة خصوصاً أكثر من السوق الداخلي التي لا تستهلك أكثر من 25% من عموم الإنتاج السنوي وتباع للخارج بنحو 10 أضعاف سعرها، المتضرر الحقيقي هنا هو المزارع الذي يبيع بالليرة على أسعار فقدت 80% من قيمتها."

ويعد لبنان ثالث أكبر مصدر للحشيش في العالم بعد المغرب وأفغانستان وفقاً لتقارير الأمم المتحدة، وبالتالي فإن عرقلة التصدير بفعل الأزمة الاقتصادية وانفجار مرفأ بيروت الذي يشهد نسبة كبيرة من عمليات التهريب إلى الخارج، إضافة إلى إقفال الدول لأسواقها والتدقيق في عملية التصدير والاستيراد بسبب جائحة كورونا، أدى إلى محافظة الحشيشة على سعرها المنخفض في الداخل حيث جرى تصريف نسبة كبيرة من الموسم الماضي. 

أما بالنسبة إلى الماريجوانا، فكان يتراوح سعر "الأونصة" منها، أي نحو 28 غ، بين الـ600 و 800 ألف ليرة (400 – 550$)، انخفض اليوم ليتراوح بين الـ 400 و 600 ألف ليرة (50 – 70$)، هذا الانخفاض تفسره زينة بقصة هذه النبتة في السوق اللبنانية، حيث لم تكن قبل سنوات قليلة تحظى بشهرتها اليوم، كان يطلبها زبائن محددون، ويلبى سوقهم عبر التهريب من الخارج أو زراعات منزلية محدودة لما يعرف بالـ" indoor weed"، لكن وفي السنوات الماضية ارتفع الطلب على هذه النبتة وبات استيراد بذورها المهجنة من الخارج أسهل وأقل تكلفة، فأصبح لها مزارع أكبر ما زاد الإنتاج بتكاليف أقل في البقاع والشمال والجبل، كما دخلت أصناف محلية رخيصة على السوق الجديد، ما أدى إلى انخفاض أسعارها أيضاً.

للـ"كوكايين" قصة أخرى 

100 دولار كان معدل سعر الغرام الواحد من مادة الكوكايين قبل الانهيار الاقتصادي في لبنان، يرتفع أو ينخفض بحسب نوعيته ونقائه، أي ما يساوي حينها 150 ألف ليرة، بات سعر الغرام اليوم نحو 350 ألف ليرة، يقدم للزبائن على اعتبار أنه من الجودة نفسها. "ولكن قد تجد اليوم غراماً واحداً بسعر مليون ليرة، هذا شديد النقاء، وقد تجد بـ200 ألف ليرة فقط، لكن قصة الكوكايين في مكان آخر، فهو اليوم مصدر الدولارات بالنسبة إلى التجار والمروجين"، تقول زينة لتشرح أن "زبائن الكوكايين" عادة من ميسوري الحال بسبب ارتفاع سعره، و"ميسور الحال في لبنان اليوم هو من يملك ويتعامل بالدولار، وبالنسبة إلى هؤلاء فإما أنهم يتخطون بثرواتهم حسابات الأسعار، أو يملكون مصدراً للدولار، وفي الحالتين يكون سعر غرام الكوكايين قد انخفض بالنسبة لهم من 100 دولار إلى ما يقارب الـ 30 دولار ولغيرهم تضاعف مرة ونصف فقط". 

ولكون إنتاج الكوكايين يتطلب استيراد مواد خام من الخارج، تشكك زينة بأن تكون النوعية المقدمة هي نفسها أو بالنقاء نفسه وتتحدث عن غش كبير واحترافي بات يطال مادة الكوكايين في لبنان وزبائن يشتكون باستمرار من هذا الأمر، "إلا إذا كان السبب أيضاً صعوبة التصدير، فلبنان سوق للكوكايين ومحطة إنتاج وتوزيع أيضاً على بلدان مجاورة."

تراجع في سوق الهيرويين

أما بالنسبة إلى الهيرويين، فلم تطرأ تغييرات كبيرة على سعره، إذ كان يتراوح سعر الغرام بين 25 و40 ألف ليرة لبنانية اليوم لا يزال بالمقدور الحصول عليه بحدود الـ 50 ألف ليرة، لكن اللافت أن سوق هذه المادة آخذ بالتراجع في لبنان،  تقول زينة "لم أعمل بهذه المادة طيلة حياتي، لكن بإمكاني أن ألحظ كم تراجع حجم الطلب عليها، وازداد حجم وعي الناس تجاه خطورتها حتى المتعاطين، كذلك انخفض عدد تجارها كثيراً."

تشير لينا خوري، مديرة دائرة التواصل وتطوير البرامج في جمعية "أم النور" للعلاج من الإدمان، إلى أنه "في السنوات العشر الأخيرة تقريباً ظهرت أنواع جديدة من المخدرات وانتشرت لتأخذ مكان الأصناف الكلاسيكية المعروفة في السابق، وتغير معها سلوك المدمن بات أذكى وانتقائي أكثر، صار يستهلك وقتاً أطول ليطلب المساعدة، ويأتي السعر الرخيص مساعد أكبر في ازدياد الأعداد وارتفاع في كميات الاستهلاك الفردي أيضاً."

من جهته يرى الدكتور رمزي حداد، أحد مؤسسي جمعية سكون للعلاج من إدمان المخدرات، أن استخدام دواء الـ “أبومورفين" لعلاج المدمنين على الهيرويين في لبنان، وعلى مدى نحو 10 سنوات ماضية، ساهم في تراجع أعداد متعاطي هذه المادة والعائدين إليها بعد العلاج.

الـ "كيتامين" السوري و"السالفيا" اللبنانية

يطلق على مادة "السالفيا" في لبنان وصف "مخدر الفقراء"، نظرا لانخفاض سعرها بالأساس، حيث كان يتراوح سعر الكيس منها الكافي لإعداد نحو 5 سجائر 20 ألف ليرة لبنانية، سعر الكيس نفسه لا يزال بـ 25 ألف ليرة لبنانية. "هذه المادة من أكثر المواد خطورة" يقول "بودي"، أحد مروجي المخدرات في بيروت، ويضيف أن مشكلتها تكمن في كونها باتت تنتج في المنازل وبطبخات تتنوع كيميائياً حسب التاجر والهواة، بعضها يحتوي اسيتون وبعضها كيتامين وأحيانا يصنعونها بأدوية معدة لقتل الصراصير، وتباع باسم نبتة "السالفيا" فيما طبخاتها الكيميائية تشبه "السبايس" أي الحشيش الصناعي.

بالنسبة إلى هذه المواد، يشرح الدكتور حداد أن خطورتها تكمن في كونها لم تخضع لدراسات واختبارات تحدد تأثيراتها الذهنية والجسدية، كذلك لم يمض على استعمالها وقت كافٍ لتحديد الآثار بعيدة الأمد، وقد تكون خطورتها أكبر بكثير مما يراه المتعاطون لها. فيما تؤكد خوري أنه "كلما ازداد الغش في المواد وإضافة مواد أخرى وجديدة، كلما أدى إلى تعريض المتعاطي لمخاطر صحية إضافية واضطرابات نفسية ونصبح في مكان مختلف وأعقد من الإدمان."

من جهة أخرى تكتسب مادة "الكيتامين" سوقاً حديثاً ومتنامياً في لبنان، وتوصف بالمخدرات الجديدة كما هو حال حبوب الإكستاسي والترامادول والكابتاغون، هذا المخدر الطبي كان يأتي غالباً من دول أوروبية مصنعة له كألمانيا ويباع وفقاً لأسعار استيرادها، الإغلاق العالمي وصعوبات وتكلفة الإستيراد، خلقت سوقاً آخراً للمادة مصدرها مصنع طبي سوري في حلب، بأسعار أرخص بكثير مما كان يصل من أوروبا، تقول زينة إن سعر "فايل" الكيتامين الألماني "كان يتراوح بين ال20 وال30 دولاراً أي نحو 40 ألف ليرة، اليوم استلم الكيتامين السوري المهرب عبر الحدود بـ17 ألف ليرة لبنانية وقد يصل سعره بيعه بالحد الأقصى 30 ألف ليرة حسب الزبون."

مصنع طبي سوري في حلب يقدمه بأسعار أرخص

"حبوب الحدود"

الأمر نفسه ينطبق على حبوب الإكستاسي والـ MDMA لناحية حداثة سوقها في لبنان واستيرادها من الخارج، هذه الحبوب توقف استيرادها بعد جائحة كورونا وانخفض استخدامها عالمياً بسبب الإغلاق الشامل للملاهي الليلية والمراقص حيث تستخدم بالدرجة الأولى. 

"بودي" يروج لهذه الحبوب في عدد من الملاهي الليلية في بيروت، يؤكد لموقع "الحرة" أنه "ومع الأزمة المالية بات استيرادها أيضاً شبه منعدم إلا من حالات فردية، واستبدلت بمنتجات محلية معدل عليها لناحية نسب المواد المخدرة فيها ونوعيتها، وباتت في حالات كثيرة تحتوي مواد أخرى كتلك المستعملة في إنتاج الكابتاغون وغيرها من عائلة "الأمفيتامينات" قد تحمل خطورة أكبر في بعض الأحيان.

لا يزال سعر الحبة يتراوح بين الـ 20 والـ 50 ألف ليرة حسب العيار، الإقفال وضعف الإقبال ساهم باستقرار سعرها لتصريف التجار إنتاجهم، ثم حين بات إنتاجها محلياً واستقدمت مكابس حبوب إلى المناطق النائية والحدودية في البقاع بقي سعرها على ما هو عليه، فيما المستورد من الخارج يباع بالدولار."

أما الكابتاغون فيكاد يصبح علامة مسجلة للمنطقة الحدودية بين لبنان وسوريا، ومنها يتم توزيعه على السوق اللبنانية وأسواق المنطقة بأسرها، حيث أنتجت الحرب السورية واقع انفلات تام للقرى والمناطق الحدودية السورية مع لبنان وداخله من قبضة الدولة اللبنانية، لاسيما بعد استباحة حزب الله للحدود وسيطرته على معابرها خلال مشاركته في الحرب.

ازدهرت في تلك المنطقة عملية تصنيع الكابتاغون بتكاليف زهيدة، حيث يؤكد "حسن" أن الحبة الواحدة تكلف نحو 250 ليرة وكانت تباع بـ 1000، اليوم لم يختلف الأمر كثيراً، 1500 أو 2000 ليرة بحده الأقصى، السوق كبير والطلب لا يتوقف عليها وميزتها سعرها الرخيص، قبل الإنهيار وبعده لا يزال سعر الحبة أقل من دولار واحد".

مخاطر كبيرة بين السعر والتوقيت

تؤكد خوري أن "الأزمة الاقتصادية الراهنة وتداعياتها إضافة إلى الإغلاق العام والتزام المنازل بسبب كورونا، كلها أسباب ترفع من نسبة اللاجئين إلى المخدرات والانتكاسات للمتعاطين، فالضغط النفسي هو من أبرز الدوافع المشجعة على تعاطي المخدرات، وفي مركز "أم النور" لاحظنا هذا العام ارتفاعا كبيراً في أعداد الذين يطلبون المساعدة، وفي حالات الانتكاسات للمدمنين السابقين أيضاً، وبحسب تقريرنا السنوي الذي نعمل على إصداره خلال الأسابيع المقبلة فإن نسبة الارتفاع تصل إلى 20% عما كانت عليه قبل ثورة 17 أكتوبر 2019."

وتختم خوري "في المقابل أيضاً فإن رخص الأسعار يرفع عن المتعاطين هاجس التكلفة المرتفعة ويخفف من الذنب الناتج عن شراء المخدرات في ظل الأزمة الاقتصادية التي تضع أولويات أمام الناس ومصاريفها. ولكن لا تقتصر الدوافع على الأزمة الاقتصادية والصحية، وإنما أيضاً لا يمكن أن ننسى الصدمة النفسية الجماعية التي يعيشها اللبنانيون نتيجة انفجار مرفأ بيروت والحالة الأمنية وتأتي آثار الصدمة النفسية في السنوات المقبلة، كما حصل مع جيل الحرب الأهلية الذي عانى آثار الصدمة بعد انتهاءها ولا تزال آثرها في المجتمع حتى اليوم، في هذه الحالات والأوقات من المتوقع أن يزداد للأسف اللجوء إلى المخدرات والمسكنات والإدمان عموماً هروباً من آثار الصدمة والضغط النفسي."

حزب الله تلقى ضربات كبيرة في لبنان عسكريا وسياسيا وماليا
حزب الله تلقى ضربات كبيرة في لبنان عسكريا وسياسيا وماليا

في تطوّر لافت وغير مسبوق، نقلت وكالة "رويترز" عن مسؤول كبير في حزب الله قوله إن الجماعة مستعدة لمناقشة مستقبل سلاحها مع الرئيس اللبناني جوزاف عون، في سياق استراتيجية دفاع وطني، وذلك بشرط انسحاب إسرائيل من النقاط الخمس الحدودية في جنوب لبنان ووقف الغارات. الإعلان بحد ذاته شكّل كسراً لما يعتبر أحد أبرز "التابوهات" في قاموس حزب الله منذ تأسيسه.

مصادر سياسية كشفت للوكالة أن الرئيس عون يعتزم إطلاق حوار مع الحزب بشأن السلاح، في إطار ما وصفه بـ"استراتيجية الأمن الوطني"، التي أعلن عن نيّته العمل على صياغتها فور توليه المنصب، مؤكداً أن السلاح يجب أن يكون محصوراً بيد الدولة دون سواها.

هذا التطور يأتي في سياق تصاعد الضغوط الدولية والمحلية على الحزب، حيث أكدت المبعوثة الأميركية مورغان أورتاغوس، التي زارت بيروت الأسبوع الماضي، موقف واشنطن القوي بضرورة نزع سلاح حزب الله والجماعات المسلحة الأخرى، مشددة على أن هذا يجب أن يتم في أقرب وقت ممكن.

وفي مقابلة مع قناة (إل.بي.سي.آي) اللبنانية في السادس من أبريل، قالت أورتاغوس "من الواضح أنه يجب نزع سلاح حزب الله، ومن الواضح أن إسرائيل لن تقبل بإطلاق الإرهابيين النار عليها داخل أراضيها، وهذا موقف نتفهمه".

هذا الموقف فتح الباب أمام تساؤلات جوهرية: هل حزب الله مستعد فعلاً للدخول في مفاوضات جديّة تنهي الثنائية الأمنية التي أرساها منذ عقود؟ أم أن ما يطرح لا يعدو كونه مناورة سياسية لشراء مزيد من الوقت؟ وما مدى واقعية الرهان على استراتيجية دفاعية وطنية تشمل الحزب؟

لكن الحزب لم يترك التأويلات مفتوحة طويلاً، إذ سارع العضو في مجلسه السياسي غالب أبو زينب إلى توضيح الموقف خلال مقابلة مع قناة "الجديد"، أمس الأربعاء، قائلاً "لم نوافق على تسليم السلاح أو نزعه. نحاور حول كيف يمكن للبنان أن يمتلك أوراق قوة أساسية يستطيع من خلالها أن يحافظ على وجوده في ظل هذه المتغيرات الكبيرة. لن نكون إلا في موقع قوة للبنان، وهذا السلاح ليس معروضاً للتسليم".

واليوم الخميس، قال النائب عن حزب الله حسن فضل الله، خلال مؤتمر صحفي في مجلس النواب، إن الحزب "أبدى كامل الاستعداد للحوار بهدف التوصل إلى استراتيجية دفاع وطني لحماية السيادة اللبنانية"، مؤكداً أن "من أولوياتنا الحفاظ على لبنان محرراً، محمياً وقوياً، وحماية إنجازات مقاومته".

أبعاد إقليمية

رغم مسارعة أبو زينب إلى نفي استعداد الحزب لتسليم سلاحه، إلا أن مجرد ربط هذا السلاح بشروط محددة، "يُفرغ أي حوار مرتقب من مضمونه محوّلاً إياه إلى مجرد فولكلور ووعد نظري"، كما يرى المحلل السياسي إلياس الزغبي، "لأن نزع السلاح مشروط بتنفيذ تفاهمات وقف الأعمال العدائية أي وقف إطلاق النار ابتداء من 27 نوفمبر الفائت وبالقرارات الدولية واتفاق الطائف وخطاب القسم والبيان الوزاري".

ويذهب الزغبي أبعد من ذلك في حديث مع موقع "الحرة"، معتبراً أن الحزب لا يربط سلاحه بشروطه، بل بمصير الحوار الإيراني–الأميركي، ويقول "على ضوء نتائج هذا الحوار يتلقى التوجيه الإيراني بالموقف المناسب، وحتى ذلك الحين يسعى إلى كسب الوقت والمماطلة".

من جانبه يرى رئيس جهاز الإعلام والتواصل في حزب القوات اللبنانية، شارل جبور، أن "المشهد الإقليمي يشهد تغييرات جذرية تنعكس بشكل مباشر على وضع حزب الله في لبنان"، معتبراً أن الحزب أصبح أمام معادلة جديدة تفرض عليه التخلي عن سلاحه.

ويقول جبور لموقع "الحرة" إن "المسألة لم تعد مرتبطة بما يقوله حزب الله أو لا يقوله، بل بالواقع الإقليمي المتبدل كلياً"، موضحاً أن "الحزب خرج من الحرب الأخيرة مهزوماً، ووقّع اتفاقاً لوقف إطلاق النار ينص بوضوح على تفكيك بنيته العسكرية في كل لبنان، فيما انقطع طريق إمداده من إيران نتيجة سقوط نظام الأسد".

ويشير جبور إلى أن هذه التطورات تتزامن مع معطيات أخرى لا تقل أهمية، أبرزها "الإعلان الرسمي عن المفاوضات الإيرانية-الأميركية في سلطنة عمان، وتخلي الفصائل المدعومة من إيران في العراق عن مشروع السلاح، بالإضافة إلى إعلان طهران عدم مسؤوليتها عن الحوثيين في اليمن". واعتبر أن "هذه المؤشرات تؤكد أن إيران بدأت إرسال رسائل 'حسن نية' إلى واشنطن، تتماشى مع شروط الأخيرة الثلاثة: التخلي عن الأذرع العسكرية، الصواريخ الباليستية، والمشروع النووي".

والأربعاء، اعتبر رئيس لجنة الإدارة والعدل النائب جورج عدوان أن "ربط مسألة نزع السلاح بقضايا أخرى يُعدّ مخالفة واضحة لتعهدات لبنان، ونكون نُضيّع وقتنا إذا اعتقدنا أن الإصلاح ممكن من دون حصر السلاح بيد الدولة".

كما أضاف في مؤتمر صحافي من المجلس النيابي "سمعنا الوزير غسان سلامة يتحدث عن أن موضوع السلاح خارج الدولة يرتبط بمسألة إعادة الإعمار، ونقول لرئيس الحكومة نواف سلام إن المطلوب منه اليوم هو تدبير سريع بحق الوزير سلامة لأنه يخالف البيان الوزاري والقرارات الدولية، وإن لم يتم فنحن كتكتل الجمهورية القوية قد نطرح الثقة به".

حوار بلا جدوى؟

"نزع السلاح ليس في حاجة إلى الحوار الذي قرره رئيس الجمهورية جوزف عون مدعوماً من الرئيسين بري وسلام"، كما يرى الزغبي "لأن قرار تسليمه "نافذ على أصله" كما في الأحكام القضائية، ولا يتطلّب سوى تنفيذ الاتفاقات والتعهدات المكتوبة، لكن السلطة تبرر الحوار بتفادي الصدام واهتزاز السلم الأهلي كما تقول. وفي أي حال، على هذا الحوار ألّا يطرح مبدأ نزع السلاح، بل الآلية والجدول الزمني للتنفيذ لئلّا يغرق في متاهات تساعد الحزب في المماطلة إلى درجة التملّص من تسليم سلاحه".

ويضيف الزغبي "الواضح أن الرئاسة اللبنانية تطرح "إستراتيجية الأمن الوطني" الأشمل بحيث تكون "الاستراتيجية الدفاعية" جزءاً منها، خلافاً لما يريده حزب الله للاحتفاظ بسلاحه تحت حجة عجز الجيش اللبناني وضرورة بقاء "المقاومة" لمواجهة إسرائيل، كما أن هناك خلافاّ داخله بين فريق متشدد يريد الاستمرار في المواجهة العسكرية وفريق يطالب باستخلاص دروس الحرب والانضواء تحت لواء الدولة، الأمر الذي يضاعف تعقيد الحوار وإفشاله".

من جانبه يقول جبور، "حزب الله أصبح اليوم أمام واقع لا يمكن الانقلاب عليه، ويتوجب عليه أن يتأقلم مع المستجدات، ويتخلى عن مشروعه المسلح، ويسلّم سلاحه".

وفي هذا السياق، لفت جبور إلى أن "المبعوثة الأميركية مورغان أورتاغوس وصفت حزب الله بـ'السرطان الذي يجب استئصاله'، بعد زيارتها الأخيرة إلى بيروت، كما أن السفارة الأميركية أعلنت في أعقاب الزيارة أن المحادثات تركزت على شقين أساسيين: سلاح حزب الله والإصلاحات، وأكدت أن لا مساعدات دولية للبنان ما لم يُسلّم الحزب سلاحه للدولة".

وفي السياق، رد رئيس الحكومة نواف سلام، من بكركي أمس الأربعاء، على سؤال حول الجدول الزمني لسحب سلاح حزب الله مؤكداً أن مسألة حصر السلاح بيد الدولة ستكون قريباً على جدول أعمال مجلس الوزراء، وقال "عندما طُرح هذا الموضوع في مجلس الوزراء، كان جوابي أننا سنطلب سريعاً من الوزراء المعنيين، ولا سيما وزير الدفاع، تزويدنا بتقرير حول ما التزمنا به في البيان الوزاري، وكيف يمكننا التقدم في بسط سلطة الدولة على كامل أراضيها بقواها الذاتية".

فرصة مؤقتة

يعيش لبنان في مرحلة "وقت ضائع"، كما يصفها جبور، "حيث كان يفترض أن تشهد البلاد انطلاقة جديدة مع عودة الانتظام الدستوري والمؤسساتي، وأن تستعاد الدورة الاقتصادية والمالية. لكن ذلك لم يتحقق، والسبب تمسّك حزب الله بسلاحه".

ويتابع جبور "لقد تبيّن أن هذا السلاح لم ينجح في حماية الحزب، لا خلال الحرب ولا بعدها. وحدها الدولة تمتلك القدرة على تأمين الحماية لجميع اللبنانيين، بما فيهم حزب الله".

ويختم جبور بالتأكيد على أن "موضوع سلاح حزب الله انتهى"، معتبراً أن "كلما تم تسريع احتكار الدولة للسلاح، كلما اقترب لبنان من استعادة عافيته، ومن قيام دولة فاعلة تستعيد سيادتها ودورتها الاقتصادية والمالية".

من جانبه يرى الزغبي أن لبنان "أمام فرصة محدودة في الزمن لتلبية رغبة المواطنين في الاستقرار وشروط المجتمع الدولي، ولا يملك ترف الوقت المفتوح لحوار تم تجربته سابقاً على الطاولات الجامعة وانتهى إلى الفشل".

ولذلك لا بد بحسب الزغبي "من برمجة الحوار ضمن مهلة محددة، وفي حال بلوغه طريقاً مسدوداً تستعيد الدولة مبادرة معالجة السلاح تنفيذاً لكل الوثائق التي تؤكد حصر السلاح في يد الدولة. وإذا تلكأت أو فشلت فإن خطر تجدد الحرب يصبح ماثلاً وتعود إسرائيل إلى تدمير ما تبقى من ترسانات "الحزب"، ويدفع لبنان أثماناً إضافية".