متظاهر يلوح بالعلم اللبناني خلال مواجهات مع قوات الأمن في مدينة طرابلس
متظاهر يلوح بالعلم اللبناني خلال مواجهات مع قوات الأمن في مدينة طرابلس

أثارت الاحتجاجات التي اندلعت في طرابلس شمال لبنان، قبل نحو أسبوعين، وما أعقبها من أحداث وصدامات وإحراق لمقر البلدية، تسؤالات عن ملابسات ما تشهده منطقة يُطلق عليها لبنانيون لقب "عاصمة الشمال". 

وفي وقت لم تتكشف بعد ملابسات واضجة لاحتجاجات طرابلس التي استمرت زهاء أسبوعين، وطرحت أطراف عدة مجموعة من النظريات تبعاً لانتماءاتها، فإن الثابت الوحيد أن لا أحد باستطاعته أن يقول إنه يملك الجواب الواضح لما أُحيك ويُحاك.

وخلال تنقلك  في المدينة تكاد لا تسمع إلا هذه العبارة: "نحن فقراء متروكين لمصيرنا"، كل ما عدا ذلك، تكهنات لا تعني الطرابلسيين أكثر مما تعني من يريد أن يُحلل أو يفهم أو يحاول البحث عن أجوبة في ظل سُلطة يرميها طرابلسيون بأبشع الاتهامات.

بدأت الاحتجاجات يوم الاثنين قبل الماضي. مجموعة من الشُبان الذين ضاقوا ذرعاً مما يحصل في مدينتهم ومن الحرمان الذي يعانون منه، نزلوا إلى الشراع ليُعبروا عن رأيهم.

رددوا شعارات ضد النظام ورئيس البلاد ميشال عون، الذي كان قد وعد حين تولى الرئاسة عام 2016 بأن يُسلم البلاد أحلى مما كانت، كما ردد دائما إن عهده قوي وسيضرب بيد من حديد ليحارب الفساد ويعيد المؤسسات إلى العمل.

وبعد نحو 5 سنوات من توليه السلطة، يعاني لبنان من أسوأ أزمة مالية واقتصادية وسط انهيار لليرة اللبنانية وحجز المصارف أموال المودعين وارتفاع جنوني في أسعار السلع الاستهلاكية وفوضى أمنية وسياسية.

الاحتجاجات التي ارتفعت حدتها مع مرور الأيام وصلت يوم الخميس ذروتها مع حرق مدخل السرايا ومن ثم توجه بعضهم لحرق مبنى البلدية.

غضب كبير كان في المدينة. من ينزل إلى الشارع، تظهر عليه علامات القهر من دون أن يُعبّر. أطفال وشُبان يظهر عليهم أنهم يُريدون الانتقام ممن أوصلهم إلى هذا الحال. محرومون من كُل شيء، ينتقمون من كُل شيء.

جدارية بعنوان "تعبنا" في مدينة طرابلس شمالي لبنان

الروايات المتعددة

روايات كثيرة تحدثت عما يحصل في المدينة. أي منها لا يُمكن أن يكون دقيقاً كفاية. الجميع لديهم "معلوماتهم". الأمن لديه واحدة، حتى كُل فرع لديه قصته الخاصة. السياسيون والأحزاب لديهم سيناريوهاتهم المختلفة، بعض المجموعات لديها رواياتها أيضاً. الكُل يتحدث بما يُناسب توجهه وأهدافه. وحدهم أبناء المدينة، الفقراء منهم على وجه الخصوص، ليس لديهم شيء سوى الغضب، من السلطة وممن بدأ ينسج الروايات حولهم.

في أول يومين من الاحتجاجات، كانت الرواية الأمنية التي حصل عليها موقع "الحرة" من مصدر عسكري مطلع تتمحور حول قيام البعض بدفع شُبان من المدينة كي يقوموا بالاحتجاج وبأعمال شغب. من؟ يقول: "معلوماتنا تُشير إلى مجموعات مدفوعة من قبل بهاء الحريري والمنتدى وأيضاً كان هناك تواجد لأشخاص تابعين لأشرف ريفي ومصباح الأحدب".

السؤال الذي يطرح نفسه هنا. لماذا هؤلاء يُريدون أن يدفعوا إلى "العنف" كما يصف الأمنيون الاحتجاجات؟ لا جواب شافٍ لدى المصدر الأمني ولا لدى العسكريين. يقولون إنهم يحاولون أن يضعوا المعطيات التي لديهم في سياقها الواضح. بما معناه، سياقها السياسي والإقليمي. فكُل شيء مُرتبط بما يحدث على الساحة الداخلية والخارجية.

متظاهر يرمي بالحجارة على مبنى السراي في مدينة طرابلس اللبنانية أثناء الاشتباكات مع قوى الأمن

رفض الاتهامات!

مع مرور الأيام تغيرت الروايات. اختفى الحديث عن بهاء الحريري وأشرف ريفي ومصباح الأحدب. والثلاثة، نفوا تماماً  أي دور فيما جرى في المدينة.

يقول اللواء أشرف ريفي لموقع "الحرة": "علينا أن ننتظر التحقيقات. نحن أبناء هذه المدينة ونُحبها ولا يُمكن أن نقوم بأي عمل تخريبي فيها. أساساً، أنا منذ أكتوبر 2019 وليس لدي أي عمل ميداني".

بدوره، نفى المستشار الإعلامي لبهاء الحريري، جيري ماهر، تماما أي دور لشقيق رئيس الوزراء المكلف سعد الحريري، بالأحداث التي شهدتها طرابلس.

وقال  "ليس لنا أي دور تخريبي والتخريب حاصل منذ سنوات في طرابلس وليتحمل مسؤوليته فريق معين موجود في هذه المنطقة ومارس هذا التخريب لسنوات".

وأردف ماهر قائلا لموقع "الحرة": "هذه المنظومة وحدها مسؤولة ولتتحمل مسؤولية ما فعلته في المدينة. ليس لدينا أي دور تخريبي ونحن قلنا ونعيد، مشروعنا مساعدة كُل الناس وليس لدينا أي مطلب بالمقابل. هذا ما نؤمن به ونقوم به".

بقي الحديث عن المنتديات وعن نبيل الحلبي ودوره في تحريك الساحة. يقول منسق المنتديات في الشمال، أحمد حلواني، لموقع "الحرة": "كُل هذه الاتهامات لا أساس لها من الصحة. نحن لم ننزل إلى الشارع، ولم ندع إلى الاحتجاجات على الرغم أننا نفهم وجع الناس وما يحصل معهم، والظلم الذي يعانون منه".

ولكن لماذا اتهام الحلبي ومن خلفه المنتديات؟ يقول حلواني: "هناك أطراف يستسهلون رمي التهم جزافاً وهذا اعتدنا عليه نحن منذ أن بدأ عملنا يظهر إلى العلن ويتوسع". ماذا عن الدور التركي؟ "نحن لا علقة لنا بتركيا. ولا نحصل على تمويل منهم وبالتالي من المستغرب إقحامنا دائماً في هذا الموضوع. وفي الأساس لا نخجل إن كان لدينا علاقات مع أي أحد شرط طبعاً ألا تكون علاقة تبعية..".

متظاهر يرتدي عبوة ماء للحماية من الغاز المسيل للدموع أثناء الاحتجاجات في مدينة طرابلس شمالي لبنان

صراع الأجهزة

كان لافتاً الأسبوع المنصرم أداء القوى الأمنية والعسكرية في المدينة. يقول أبو عمر، وهو كان على الأرض يوم إضرام النار ببلدية طرابلس، إن "الجيش كان متواجداً لكنه لم يتدخل"، ويطرح الكثير من "علامات الاستفهام حول ما الهدف الفعلي وما يُرسم للمدينة أمنياً"، وقال إن الطرابلسيين "اعتادوا هذا النوع من الرسائل. والمدينة أرض خصبة أيضاً للعب الأجهزة".

ويقول النائب السابق مصطفى علوش: "هناك مخابرات كثيرة ومتعددة في المدينة. يعرفون كُل واحد من الذين كانوا يقومون بأعمال عنف وبالتالي السؤال مشروع حول دور الأجهزة في توصيل الرسائل في طرابلس، توصيل رسائل سياسية أو حتى بين بعضهم البعض".

اللافت أيضاً، بعد ليل الخميس الطويل، أن المدينة تحولت فجأة إلى ثكنة عسكرية. صباح الجمعة، كانت الحياة طبيعية مع غياب كُلي لأي مظهر أمني. ثُم، ومع انتهاء اجتماع المجلس الأعلى للدفاع، بدأ انتشار عناصر الجيش اللبناني في محيط السرايا ومنها إلى ساحة النور والطرق المتفرعة عنها وصولاً إلى البلدية ومحيطها. انتهى ليل الجمعة بهدوء، تراجع الاستنفار الأمني إلى حده الأدنى، فعاد التوتر يوم السبت.

وفي متابعة ميدانية لما يحدث، يبدو واضحاً وكأن السيناريو مرسوم، تبدأ الاحتجاجات وتتصاعد فتظهر القوى الأمنية وكأنها تعرف ما الذي سيحصل، بل والطرق التي سيستخدمها المحتجون. 

وهناك أيضاً من يتحدث عن رسائل أمنية. يسأل حلواني: "أليس بغريب أن تصل رسائل أمنية في وقت واحد لقادة فرع المعلومات في المنية وفي طرابلس وفي عكار؟ مُستغرب هذا الأمر وهذا يوضح أن هناك من يُحرك وهناك من يُريد أن يستثمر في المدينة".

وعند كُل حدث تتجه أصابع الاتهام للطرابلسيين كي يكونوا في نهاية المطاف "كبش فداء" مخططات لا دخل لهم بها كما يقول شهوان، وهو أحد النشطاء في الساحة منذ 17 أكتوبر 2019.

ويوضح الناشط قائلا: "انتظر أياماً قليلة وستسمع عن داعش في المدينة. يريدون أن يُسكتوا الناس ويقمعونهم بعد أن قاموا بتجويعهم. هذه السلطة التي نتعامل معها. ثُم يخرج من يسأل لماذا نتظاهر ولماذا العنف والشغب".

رواية أخرى يتداولها ناشطون في ساحات التظاهر، إذ يقولون إن من "يتحكم بالأمور هم حزب الله، ومن يتحكم بالأجهزة هو الحزب وبالتالي كل السيناريوهات الأمنية التي تُرسم للمدينة هي نتيجة أو تطبيق لسياسة حزب الله لا أكثر ولا أقل ومن مصلحته أن تكون طرابلس مدمرة وشيطنتها في هذا الظرف كيف يتخلص من آخر بؤرة معارضة".

هذه الرواية، يُفندها أحمد حلواني، الذي يقول: "حزب الله لديه مجموعاته وهو من يحركها. من يقوم بأعمال الشغب هم هذه المجموعات الموزعة في أحياء المدينة والتي تأتمر به وهذا أمر معروف للجميع". هل هي جزء من سرايا المقاومة؟ "نعم وأوسع من السرايا أيضاً".

يكشف حلواني أن "في طرابلس ومحيطها حوالي 800 عنصر لحزب الله. هم من أبناء المنطقة وجندهم الحزب وهم موزعون على كل المحاور والمناطق ويستخدمهم في ما يُخطط له للمدينة".

يقول حلواني إنه يعرف كُثر من هؤلاء. ولكن كيف بالإمكان أن نتأكد من هذه المزاعم؟ "لا أحد منهم سيُجيب أو سيعترف إذ لا يريدون أن يقطعوا مصدر تمويلهم". يربط تحركهم بالهلال الشيعي من طهران إلى البحر المتوسط، و"كون طرابلس هي المنطقة الوحيدة التي تشكل خطراً على مخططاتها كونها تعارض سياسته، فهو من مصلحته شيطنتها وحصارها".

هنا أيضاً، لا يستبعد ريفي أن يكون لحزب الله دوراً فيما يحدث من خلال سرايا المقاومة والمجموعات المنتشرة في المدينة.

ناشطون: لسنا فقراء!

أبعاد كثيرة أعطيت لما يحصل في طرابلس. دائماً هناك رسالة، خلفها شخص ما وجهاز ما وجهة ما. اعتادت المدينة على هذه السيناريوهات حتى ملّتها. الثابت أن لا أحد من السياسيين ورجال السلطة ينظر إلى الطرابلسيين على أنهم ضحايا. هذا ما يقول الناشطون من مختلف المجموعات. "ينظرون إلينا كصندوق بريد، لا أكثر".

يقول عبيدة تكريتي وهو ناشط ينتمي إلى مجموعة مواطنون ومواطنات في دولة: "يغيب عن بال الجميع أن طرابلس محرومة. في كل مرة ينظرون إلينا بالطريقة نفسها. يمررون الرسائل فيما بينهم لا أكثر. نحن نستحق أكثر من ذلك. نحن لسنا ضعفاء، ومن تراهم في الشارع هم ناس دمرتهم هذه السلطة، وحتى لو فعلوا أكثر من كل ما رأيناه، الحق ليس عليهم بل من أوصلهم إلى هذه الحال".

يُضيف: "لا أريد أن يُنظر إلي على أنني فقير. مدينتنا وصلت إلى هذه الحال بسبب السلطة. نحن لسنا فقراء، نحن أُقرنا ونريد حقنا. نحن أصحاب حق وسنحصل عليه عاجلاً أم آجلاً". عتب عبيدة ليس فقط على السلطات، بل على مجموعات ثورية أيضاً. يقول: "ستأتي "بيروت مدينتي" إلى طرابلس مع كمامات وطعام. لا نريدهم ولا نريد من ينظر إلينا هكذا".

يتفق كثيرون في الساحة مع عبيدة. علاء حسين المنتسب إلى حزب سبعة، الذي أيضاً طالته اتهامات الأمن بأنه من يُحرك الشارع، يقول: "أبناء المدينة يعانون الفقر وهناك من يستغلهم ويُفبرك الروايات وغير مستعد لأن يزور المدينة ليعرف ما تعيشه. جميعهم يفعلون الأمر نفسه ولا فرق بينهم".

يأتي شاب اسمه عمر، يحمل معه 3 عبوات ماء صغيرة. يبحث عمن يشتريهم. يعرف جميع الناشطين في ساحة النور. يتحدث مع أحدهم ويقول له "لم أجد سوى هذه العبوات لكي أبيعها وآتي بالطعام لوالدتي وأشقائي". يبتسم عمر وهو يتحدث، فيما الصحيح أن واقعه يجب أن يجعله غاضباً. يقول محمد الذي كان واقفاً يستمع إليه ويبدو غاضباً.

يوم السبت الماضي، كما يوم الأحد. الساحة مكتظة بوجوه كثيرة ومتنوعة. أطفال لا تتجاوز أعمارهم العشر سنوات لديهم من الغضب ما يكفي لإحراق الكوكب. يقول طارق، وهو ناشط مُستقل. ويضيف: "لقد حولوا النقاش ليكون حول مندسين وغير مندسين، فيما النقاش يجب أن يكون في مكان آخر. النقاش يجب أن يتمحور حول حاجات هؤلاء الناس وما قدمت لهم دولتهم. هناك طرف واحد يُحاسب وبالطبع ليس من أحرق البلدية. الحساب يكون لهذه السلطة وليس لضحاياها".

المدينة تُحتضر!

من ساحة النور باتجاه شارع الكورة وصولاً إلى أمام البلدية المحترقة. مشهد واحد. وجوه كئيبة وحذرة. محال مُقفلة وبعضها جلس أصحابها في الداخل يبيعون من يعرفونه أو يفتحون الباب لإدخال الزبائن ثُم يغلقون خوفاً من دورية شرطة. صاحب محل ألبسة بالقرب من ساحة التل، يقول: "أُقفل وأترك 3 عائلات تتضور جوعاً؟ فليأتي رجال الشرطة فأنا أنتظرهم".

في السوق القديم، لافتات كثيرة لُصقت على المحال. "للاستثمار" للبيع". يقول أحد الباعة على ناصية الشارع وهو يرتشف القهوة التي يبيعها في عربته الصغيرة النقالة: "معظم هؤلاء توقف عملهم بعد أن ارتفع الدولار. يريدون أن يبيعوا لأن هذا كُل ما تبقى لهم لكي يجدوا لقمة عيش. كبرنا في السن. هم لديهم محالهم وقد يعيشون من بيعها لسنوات، أنا ومثلي غالبية، ماذا نفعل بعرباتنا؟ كيف نعيش؟ لهم يوم هؤلاء المجرمين".

بين باب التبانة وجبل محسن جولات كثيرة من المعارك التي انتهت في العام 2016 بسحر ساحر. تتقاسم المنطقتان اليوم الفقر. أنزلت المتاريس فاحتل الحزن المكان، لم يهنأوا بسلامهم الذي أنهى سنوات من صراع أقيم باسمهم وبأيديهم. وانتهى فعاد معظم من قاتل خالي الوفاض، وُضعوا خلف المتاريس ليموتوا بالرصاص. اليوم على وشك الموت جوعاً.

الحياة عادية هناك، تقريباً. حركة كثير ولكن من دون نتيجة. المحال غير مقفلة في الجهتين، والحال واحد: أعداء بحروب الآخرين وفقراء بسبب الآخرين. يقول أبو عمر وهو يتكئ على سيارة أجرة. يضيف: "هنا سقط الجميع، بمشاريعهم وشعاراتهم وكُل ما قالوا به. اليوم ليس لدينا سوى الله لنطلب منه. لا ثقة بأحد. وحقنا ضاع ولن يعود. لنا الانتظار والموت البطيء".

يقول مصطفى علوش: "العنف ليس من طبع أبناء المدينة. قد يحصل بشكل مفاجئ ويبدأ حتماً في طرابلس لأنها الأكثر فقراً. لكن الأيام المقبلة لن تكون سهلة، سيُرفع الدعم وسنرى كيف الناس ستتحول جميعها إلى وقود للعنف. من هنا إلى كُل منطقة في لبنان".

اللافت في طرابلس هذه الأيام، أن المدينة خالية من صور زعمائها. ففي خضم كُل الأحداث يبدو أن الزعامات التقليدية قد اختفت أو لم يعد لديها أي أثر في الشارع. "الطرابلسيون كشفوهم واحداً واحداً كما يقولون. حتى الأحزاب والتيارات تعترف بعدم قدرتها على أن تقوم بشيء يُذكر من أجل ناس المدينة. هم في الأساس لم يقوموا بواجباتهم حين كانوا في السلطة". يقول عبيدة.

ليل الأحد لاحق الجيش المحتجين في شوارع المدينة. في ساحة النجمة كان يُطلق الغاز المسيل للدموع ويستخدم الرصاص المطاطي بكثافة، والشبان يردون من الجهة المقابلة برمي الحجارة وشتم كل من في السلطة. وسط كُل ذلك، ترتفع صورتان متوسطتان لكل من فيصل كرامي ونجيب ميقاتي على طوابق عليا من مبنيين محيطين بالساحة. زعيمان من ضمن زعماء كُثر يشاهدون المدينة تحترق وأناسها يموتون، بالعنف والجوع.

جنوب لبنان

عادت إلى الواجهة خلال الأيام القليلة الماضية، مشاهد اعتراض دوريات قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان "اليونيفيل"، إثر سلسلة حوادث في بلدات جنوبية عدة، حيث عرقل سكان مرور الدوريات، وأطلقوا هتافات رافضة لتحركاتها من دون مرافقة الجيش اللبناني.

"هل تعكس  تلك الأحداث احتجاجات عفوية أم تعبئة موجّهة؟"، سؤال تداوله كثيرون، لا سيما في ظل اتهامات متكررة لحزب الله بتحريض الأهالي ضد تحركات القوة الدولية.

وتداول ناشطون عبر مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع مصوّرة تظهر احتجاجات في بلدات، أبرزها، عند مفرق بلدة العباسية، وفي بلدات قانا، صديقين، بنت جبيل وطيردبا.

ورغم أن الاعتراضات ليست جديدة، فإن تصاعد وتيرتها في الآونة الأخيرة يثير مخاوف من فرض أمر واقع جديد، يُضعف قدرات  اليونيفيل على تنفيذ المهام الموكلة إليها بموجب التفويض الدولي.

تكتيك سياسي أم اعتراض شعبي؟

ما يشهده جنوب لبنان "لا يعكس رفضاً شعبياً حقيقياً"، بل يأتي، وفق الكاتب، المحلل السياسي الدكتور مكرم رباح، في سياق "تكتيكات تعتمدها مختلف الأحزاب المحلية، وفي مقدّمها حزب الله، في محاولة لفرض سلطتها على حساب الشرعية الدولية".

وتهدف هذه التحركات ضد "اليونيفيل"، يقول رباح لموقع "الحرة"، إلى إيصال رسالة "مفادها أن هذه القوات متآمرة على الجنوب، وهو خطاب يتقاطع بشكل لافت مع الرواية الإسرائيلية التي تتهم اليونيفيل بالتواطؤ مع حزب الله".

في المقابل، يشير الخبير الاستراتيجي، العميد المتقاعد ناجي ملاعب، إلى أن "القرار 1701 الصادر عن مجلس الأمن عقب حرب يوليو 2006 ألزم قوات اليونيفيل بمنع أي نشاط عسكري لحزب الله أو غيره جنوب نهر الليطاني، إلا أن هذه القوات لم تقم بالدور المطلوب منها خلال ما يُعرف بـ'حرب الإسناد'، إذ وُجهت إليها انتقادات عديدة لغياب دورها في منع إطلاق النار من الأراضي اللبنانية، أو منع اجتياح الجيش الإسرائيلي لجنوب لبنان".

ويتابع ملاعب في حديث مع موقع "الحرة" قوله: "صحيح أن المهام القتالية تقع على عاتق الجيش اللبناني، لكن وجود اليونيفيل يستند إلى تفويض دولي يمنحها صفة قوات حفظ سلام، ما يفرض عليها مسؤوليات تتجاوز المراقبة وتسجيل الخروقات، لتشمل المساهمة الفعلية في حفظ الاستقرار ومنع التصعيد".

ويلفت ملاعب إلى أن "التساؤلات التي يطرحها أهالي الجنوب حول جدوى وجود اليونيفيل ليست جديدة، بل تعود إلى ما قبل التصعيد الأخير".

وأوضح أن "الاعتراض على تحرك دوريات اليونيفيل بشكل منفرد ومن دون تنسيق مع الجيش اللبناني ليس أمراً طارئاً، بل كان قائماً قبل الحرب الأخيرة بين حزب الله وإسرائيل، والتي أدت إلى سقوط ما لا يقل عن 50 قتيلا في كل بلدة جنوبية، فكيف الحال اليوم، بعد كل الخسائر البشرية والمادية التي تكبدها الأهالي؟".

ويقول ملاعب إن "تحرك اليونيفيل خارج التنسيق مع الجيش اللبناني يُعد خرقاً للإطار الذي حدده لها القرار 1701".

خلفية تاريخية

يعود وجود قوات اليونيفيل في لبنان إلى عام 1978 وذلك بعد الاجتياح الإسرائيلي وسيطرته على جنوب البلاد، حين قدمت الحكومة اللبنانية احتجاجاً إلى مجلس الأمن ليتبنى بعدها القرارين 425 و426 اللذين يدعوان إسرائيل إلى وقف أعمالها العسكرية وسحب قواتها من جميع الأراضي اللبنانية.

وبعد انسحاب إسرائيل من لبنان في عام 2000. وفي غياب حدود متفق عليها، حددت الأمم المتحدة خط انسحاب بطول 120 كيلومترا يعرف باسم الخط الأزرق. تقوم اليونيفيل بمراقبته وتسيير دوريات على طوله.

وفي أعقاب حرب يوليو 2006، عزز مجلس الأمن بعثة اليونيفيل بالقرار 1701 الذي وسّع ولايتها الأصلية لتشمل مراقبة وقف الأعمال العدائية. كما كلف حفظة السلام التابعين لليونيفيل بمرافقة ودعم القوات المسلحة اللبنانية أثناء انتشارها في جميع أنحاء جنوب لبنان.

وبحسب الأمم المتحدة "تؤدي قوات حفظ السلام، دوراً مهما في المساعدة على تجنب التصعيد غير المقصود وسوء التفاهم بين إسرائيل ولبنان من خلال آلية الاتصال التابعة للبعثة. وتقوم بدوريات في جنوب لبنان لمراقبة ما يحدث على الأرض بشكل محايد والإبلاغ عن انتهاكات القرار 1701".

كما "تدعم قوات حفظ السلام الجيش اللبناني من خلال التدريب، للمساعدة في تعزيز انتشاره في جنوب لبنان حتى يتمكن في نهاية المطاف من تولي المهام الأمنية التي تؤديها حاليا قوات حفظ السلام".

وفي أغسطس الماضي، وافق مجلس الأمن الدولي بالإجماع، على تجديد مهمة اليونيفيل لعام آخر، في خطوة اعتبرها رئيس الحكومة اللبنانية السابق، نجيب ميقاتي، ضرورية للحفاظ على الاستقرار في جنوب البلاد.

وأعرب ميقاتي، حينها في بيان، عن امتنان لبنان العميق لأعضاء مجلس الأمن على جهودهم الدؤوبة في تجديد ولاية اليونيفيل، وشكر الولايات المتحدة على " تفهمها الخصوصية اللبنانية التي لم تدخر جهداً في سبيل الحفاظ على مهام اليونيفيل، لا سيما في هذا الظرف الدقيق".

مستقبل على المحك؟

عقب اعتراض دورية تابعة لجنود حفظ السلام قرب بلدة طيردبا في قضاء صور، جنوبي لبنان، في 25 أبريل، أعلنت نائبة الناطق باسم قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل)، كانديس آرديل، أن جنود حفظ السلام كانوا ينفذون دورية دعماً لتطبيق القرار 1701، وقد اعترضهم أشخاص يرتدون ملابس مدنية مرتين.

وأضافت آرديل في بيان "سلك الجنود طريقاً بديلاً وتعرّضوا للملاحقة لبعض الوقت، لكنهم تمكنوا من مواصلة الدورية كما كان مخططاً لها. وقد أبلغنا الجيش اللبناني بالحادثة".

وشددت على أن "قوات حفظ السلام تعمل بالتنسيق الوثيق مع الجيش اللبناني، دعماً للحكومة اللبنانية في تنفيذ القرار 1701، لا سيما في هذه المرحلة الحساسة". وحذّرت من أن "أي محاولة للتدخل في مهام قوات حفظ السلام تعد انتهاكاً لالتزامات لبنان بموجب القرار 1701".

وجاء هذا الحادث بعد يوم واحد من لقاء جمع رئيس بعثة اليونيفيل وقائدها العام، الجنرال أرولدو لاثارو، برئيس الجمهورية اللبنانية، العماد جوزاف عون، في بيروت، وجرى البحث في الوضع جنوبي البلاد، وسبل توجيه جهود البعثة بما يتناسب مع التحديات والفرص الحالية لدعم تنفيذ القرار 1701.

ولا تقتصر التحديات التي تواجهها "اليونيفيل" على مناطق انتشارها في الجنوب. ففي فبراير الماضي، تعرضت قافلة تابعة لليونيفيل لهجوم عنيف خارج نطاق عملها الميداني أثناء توجهها إلى مطار رفيق الحريري الدولي. وبحسب بيان صادر عن البعثة، أضرمت النيران في إحدى مركبات القافلة خلال الاعتداء، ما أسفر عن إصابة نائب قائد القوة الذي كان في طريقه لمغادرة لبنان بعد انتهاء مهمته.

ويحذر رباح من أن "حزب الله يستخدم كل الوسائل الممكنة لتأليب الشارع ضد اليونيفيل، رغم استفادته من وجودها سواء على المستوى السياسي أو الاقتصادي في الجنوب". ويرى أن "هذه الحملات قد تمهد الطريق لعدم تجديد ولاية البعثة في الصيف المقبل، خصوصاً في ظل توفر مبررات واضحة للإدارة الأميركية وإسرائيل للمطالبة بإنهاء هذا الوجود الأممي".

من جهته، يشير ملاعب إلى أن "إسرائيل سعت، منذ ما قبل عام 2023، إلى تعديل تفويض اليونيفيل ليشمل مهام ذات طابع قتالي، إلا أن هذا التوجه قوبل برفض فرنسي مستمر، خشية تحول البعثة إلى طرف في النزاع، ما قد يهدد سلامة عناصرها ويقوّض دورها".

ويضيف ملاعب أنه "بعد السابع من أكتوبر، تحوّلت المواقف الإسرائيلية إلى دعوات صريحة لإنهاء مهمة اليونيفيل واستبدالها بقوة متعددة الجنسيات ذات طبيعة مختلفة"، ولفت إلى أن "التطورات الأخيرة تشير إلى أن تجديد مهمة البعثة هذه المرة لن يكون بالسهولة التي جرت بها في السنوات السابقة".