وزير الصحة في حكومة تصريف الأعمال حمد حسن يحقن لبنانية بلقاح فايزر ضد فيروس كورونا
وزير الصحة في حكومة تصريف الأعمال حمد حسن يحقن لبنانية بلقاح فايزر ضد فيروس كورونا

دشنت السلطات اللبنانية، الأحد، حملتها للوقاية من تفشي وباء كورونا بتطعيم الكادر الصحي، بعد يوم من وصول 28500 عينة من لقاح شركتي فايزر وبايونتيك، في إطار حملة تهدف إلى تطعيم ثمانين بالمئة من السكان بحلول نهاية العام.

لبنان الذي يواجه أزمات اقتصادية وسياسية لا سيما في القطاع الصحي، أكد عزمه المضي قدما في تذليل العقبات بغية تحقيق هدفه المنشود، مؤكدا أن الحملة تتم بالتنسيق مع الاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر، والذي  بشكل مستقل عمل على تخزين وتوزيع اللقاحات الممولة بمساعدة من البنك الدولي.

مستشفى رفيق الحريري

ولم يكن المشهد في في مستشفى رفيق الحريري الحكومي، الذي بدأ في برنامج التطعيم يوحي بوجود وباء يستدعي التباعد الاجتماعي، بسبب الاكتظاظ الذي كان يرافق زيارة رئيس حكومة تصريف الأعمال، حسان دياب، ووزير الصحة، حمد حسن، وغيرهم من المسؤولين ومن اللجنة الطبية الخاصة بكورونا.

حسان دياب يطلع على عملية التطعيمات في اليوم الأول

فالمشهد في المستشفى كان حاشدا، ووجوه ضاحكة ومهللة، أبرزها وأوّلها رئيس حكومة تصريف الأعمال الذي عبر عن فرحه بهذا اليوم، والتذكير مجددا بأنه لن يتلقى اللقاح "التزاما مني ببرنامج اللجنة الوطنية للقاح وبالجدول الزمني، لأن الأولوية هي لكم أنتم، للقطاع الصحي الذي يجب أن نقدّم له الحماية من هذا الخطر". 

وما أن غادر المسؤولون، الذين تحدثوا عن أهمية مكافحة الفيروس والالتزام بالتباعد الاجتماعي، فإن عطلا طارئا حدث، استدعى إيقاف التطعيم باللقاح في مستشفى رفيق الحريري الجامعي، وتوزيع ما تبقى من الواردة أسماؤهم على مراكز أخرى في بيروت، قبل أن ينفض الجميع ويبقى عمال النظافة يُعيدون ترتيب المكان على أمل أن ينطلق العمل غدا. 

وكان وزير الصحة في حكومة تصريف الأعمال، حمد حسن، وقبل أن يتوجه ليُطلق اليوم الأول من عملية التطعيم، قد قال في تغريدة: "تحقق الهدف المنشود وفي الوقت الموعود بكل مهنية وحرفية رغم العقبات الجسام ورغم بعض التشكيك والتشويش؛ اللقاح سلاح ناجع وحاسم في محاربة الوباء؛ علينا الإقبال بالتسجيل على المنصة والتشدد بالوقاية والإجراءات". 

الإجراءات الناجحة التي تحدث عنها الوزير لم تنعكس في المركز الرسمي الأكبر لتقديم اللقاح، أي مستشفى الحريري الجامعي، ولا فيما يخص المنصة التي أطلقتها وزارة الصحة من أجل تنظيم العملية، فهي متوقفة عن العمل جزئيا، إذ بإمكان اللبنانيين تسجيل أسمائهم عليها، ولكنهم لم يحصلوا على موعد إطلاقا كون المنصة لا تعمل بشكل جيد. 

التطعيم في المراكز الأخرى

الأعطال الفنية المفاجئة لم تظهر في المراكز الأخرى، والتي هي مراكز خاصة، كمستشفى القديس جاورجيس (مستشفى الروم). حيث كانت تسير الأمور على ما يرام من حيث التنظيم الجيد والكادر المتمرس، في عملية كانت تتم بسلاسة وسرعة لا تبدو مألوفة كثيراً في لبنان. 

ويقول مدير المستشفى وعضو اللجنة الوطنية لمكافحة كورونا، عيد عازار: "اليوم بدأنا اليوم الأول من عملية التلقيح. الأمور تتم بسلاسة وطبعا نحن تجهزنا لهذا الأمر على مدى الأسابيع الماضية ولا مشاكل إلى الآن، بل العكس، العملية بسيطة وسهلة هنا". 

ويراعي المركز الذي أقيم في باحة المستشفى التباعد الاجتماعي والسلامة الطبية، وهو عبارة عن خيمة كبيرة تغطي حوالي نصف مساحة الباحة، في داخلها صالة كبيرة وعلى جانبها 20 غرفة قُسمت بشكل متلاصق لتستقبل من يريد الحصول على اللقاح، وفي الخارج، وُزعت المقاعد لمن ينتظر دوره. 

جانب من عملية التطعيمات في المركز الطبي للجامعة الأميركية في بيروت

يرى عازار أن العملية سهلة والتنظيم يساعد في إنجاز الكثير: "بالإمكان تلقيح كُل اللبنانيين في وقت قصير ولكن هذا بحاجة لكثير من الجهد والتنسيق"، ويقول: "اللقاح الآن لا بد منه وهو صار متوفرا وإذا سارت الأمور على ما يرام ومع تعاون من الناس سنعبر هذه الأزمة وسنقي أنفسنا من موجة ثالثة، لننتظر ونرى كيف سيكون عليه الوضع". 

وكان قد وصل صباحا إلى مستشفى الروم مجموعة من اللقاحات هي المخصصة له ليوم الأحد، ثُم وصلت إليه دفعة ثانية مع إرسال الوزارة له أكثر من 160 اسماً ليتلقوا اللقاح في المستشفى، بعد أن توقف العمل في مركز الحريري. 

واللافت أيضا، أن وصول اللقاح كان في الصباح الباكر بمرافقة مسلحة من قبل رجال أمن الدولة، ليتراجع هذا المشهد ولتتحول العملية إلى شبه طبيعية. 

وإلى جانب القاعة جهز المستشفى مركز اسعافات في حال ظهور أي مضاعفات على من يتلقى اللقاح، مثل الشعور بدوار خفيف وهو ما سجلناه على إحدى الحالات التي تم الاهتمام بها قبل رحيلها. 

أمام مستشفى الروم، يتوقف المارة ليسألوا كيف ومتى يستطيعون أن يأخذوا اللقاح، فيجيبهم موظف الاستقبال، بأن عليهم تسجيل أسمائهم بالمنصة ومن ثم الانتظار إلى حين إبلاغهم بموعد حصولهم على تطعيمهم. 

انتهى اليوم الأول من عملية التطعيمات التي بدأت، ولكن كل المؤشرات تشير إلى أنها ستأخذ وقتا طويلا. 

سلاح حزب الله

في مقابلة أجراها غسان شربل ونشرها في كتابه "لعنة القصر،" يقول رئيس الحكومة اللبنانية الأسبق، رفيق الحريري، الذي اغتيل في العام ٢٠٠٥ في تفجير ضخم، إن إنهاء الميليشيات بعد اتفاق الطائف شهد محاولتين:

الأولى اعتمدها ميشال عون (قائد الجيش حينذاك)، عبر محاولة إنهاء القوات اللبنانية بالقوة، "استخدم المدفع فماذا كانت النتيجة؟"، يسأل الحريري، ثم يجيب: "دُمرت المنطقة الشرقية ودُمّر الجيش وبقيت الميليشيات". 

والطريقة الثانية التي يتحدث عنها الحريري كانت تلك التي اعتمدها رئيس الجمهورية في تلك الفترة، الياس الهراوي، الذي قال للميليشيات (بحسب الحريري): "الدولة تتسع للجميع. سلموا أسلحتكم للدولة وشاركوا". يتابع الحريري: "أسألك أين هي الميليشيات اليوم؟ ذابت الميليشيات".

ما يحكي عنه الحريري حدث في العام 1990 بعد شهور على توقيع اتفاق الطائف في أكتوبر ١٩٨٩، الذي أنهى الحرب الأهلية اللبنانية. 

نص الاتفاق آنذاك بوضوح على أن الحكومة الأولى بعد الطائف تضع خطة هدفها "بسط سلطة الدول اللبنانية تدریجیاً علـى كامل الأراضي اللبنانیة بواسطة قواتها الذاتیة". ل

يس ذلك فقط، بل وضع الاتفاق جدولاً زمنياً لهذا الانتقال من عهد الميليشيات إلى عهد الدولة: 

"الإعلان عن حل جمیع المیلیشیات اللبنانية وغیـر اللبنانية وتسليم أسـلحتها إلـى الدولـة اللبنانية خـلال سـتة أشـهر تبـدأ بعـد التصديق علـى وثیقـة الوفـاق الـوطني وانتخـاب رئيس الجمهورية وتشكيل حكومـة الوفـاق الـوطني وإقـرار الإصـلاحات السياسية بصورة دستورية".

"ذابت الميليشيات" في الدولة، بحسب المصطلح الذي استخدمه الحريري، وهذا الذوبان تمّ، على ما يشرح غسان شربل، عبر "رشوة الميليشيات بحصة من الدولة". دخل كثير من عناصر هذه الميليشيات إلى القوى العسكرية والأمنية الرسمية، وتسلّم الجيش اللبناني منها السلاح الثقيل والمتوسط، فيما بقي كثير من السلاح الخفيف (رشاشات ومسدسات) في بيوت عديد من اللبنانيين حتى يومنا هذا.

ما كان لافتاً لدى تطبيق هذا الاتفاق، أن "حزب الله" وحده لم "يذب" في الدولة، وجرى الإبقاء على سلاحه، بحجة "مقاومة إسرائيل"، بتواطؤ من أطراف محلية واقليمية، وبغض نظر من الأطراف الدوليين. 

بقي "حزب الله" الميليشيا المسلحة الوحيدة بعد الطائف. وراح يكبر في منظومته العسكرية حتى بات جيشاً رديفاً، يغرّد وحيداً بأجندة إيرانية- سورية، في مخالفة واضحة لنص اتفاق الطائف، وفي تحايل على أحد بنوده الذي ينص على "اتخـاذ كافـة الإجراءات اللازمة لتحرير جمیع الأراضـي اللبنانية مـن الاحتلال الإسرائيلي وبسط سـیادة الدولـة علـى جمیع أراضيها ونشر الجیش اللبناني في منطقة الحـدود اللبنانیة المعتـرف بهـا دولیاً والعمـل علـى تـدعیم وجـود قـوات الطوارئ الدولية فـي الجنـوب اللبنـاني لتأمين الانسحاب الإسرائيلي ولإتاحـة الفرصـة لعـودة الأمـن والاسـتقرار إلـى منطقـة الحدود". 

هذه الفقرة تبدو مطابقة إلى حد كبير لنص القرار 1701، موضع التنفيذ حاليا في جنوب لبنان.

اليوم، بعد حرب طاحنة مع إسرائيل أفقدته قوته العسكرية، يعود الحديث عن تسليم سلاح "حزب الله" للدولة على غرار ما حدث مع باقي الميليشيات في العام ١٩٩٠، وقد تحدث رئيس الجمهورية، جوزاف عون، في مقابلة تلفزيونية عن حوار ثنائي مع الحزب لتسليم سلاحه. وفي تصريح آخر- أثار بلبلة ديبلوماسية مع العراق- أكد عون أنه من غير الوارد تكرار تجربة الحشد الشعبي في لبنان.

الخبير الأمني والعسكري الجنرال المتقاعد خليل الحلو، يرى في مقابلة مع موقع "الحرة" أن تجربة الحشد الشعبي في العراق غير مقبولة في لبنان، "ويجب أن تمر عبر مجلس الوزراء ولا أعتقد أن أي مجلس وزراء يستطيع تمرير هكذا قرار كما تحتاج إلى قانون من مجلس النواب، من أجل التمويل، وهذا غير وارد".

يشرح الحلو أن "ميليشيات الحشد الشعبي تستحصل على رواتبها من الحكومة العراقية، وهي تأتمر نظرياً من الحكومة، لكن عملياً هناك فصائل عدة تأتمر بشكل مباشر أو غير مباشر من إيران ولديها أيديولوجيتها الخاصة. وهذه التجربة دلت على أن الحكومة العراقية لا تسيطر على الحشد الشعبي".

وهذا، برأي الحلو، هو بيت القصيد في مسألة استيعاب عناصر "حزب الله" داخل الجيش اللبناني. 

بالنسبة إلى الحلو فإن المسألة سياسية وعسكرية: "لا يمكن أن يكون هناك أمرة عسكرية على حشد شعبي-نسخة لبنانية، وهذا الحشد الشعبي يفعل كما يحلو له ويجر لبنان إلى حروب لا يريدها".

معضلة أخرى تبرز في الحالة اللبنانية ترتبط بحساسية التوازن الطائفي القائم على قاعدة يطلق عليها اللبنانيون تسمية "ستة وستة مكرر". وهي تعود إلى فترة الانتداب الفرنسي، ومرتبطة بمراسلات بين رئيس الجمهورية آنذاك والمفوض السامي الفرنسي تتعلق بالمساواة في الحقوق السياسية والمدنية بين اللبنانيين.

كانت هناك مراسلة رقمها ٦، أرسلها الرئيس إلى المفوض أكد فيها على التزام المساواة في التعيينات والوظائف الرسمية، وبعد رد المفوض أرسل الرئيس رسالة ثانية حملت عنوان "٦ مكرر"، جدد فيها الرئيس التزامه السابق، وتحول الأمر مع الوقت إلى عرف لبناني، نص عليه اتفاق الطائف عبر المناصفة في مجلس النواب بين المسلمين والمسيحيين.

مراعاة "الستة وستة مكرر" ستكون صعباً في حالة ضم آلاف العناصر من "حزب الله" إلى الجيش اللبناني. الحلو يذكر أنه "عندما جرى استيعاب الميلشيات في العام ١٩٩٠ داخل الجيش اللبناني، كان الأمر مقبولاً لأن العدد لم يكن كبيراً، وأكثرية الميليشياويين في ذلك الوقت اختاروا الذهاب إلى الحياة المدنية وليس إلى الجيش".

إذا حصل الأمر كما يتم تداوله، أي ضم مقاتلي "حزب الله" إلى الجيش دفعة واحدة، فإنه بلا شك سيكسر التوازن الطائفي داخل المؤسسة العسكرية، كما يؤكد الحلو، "وقيادة الجيش حريصة على الحفاظ ليس فقط على التوازن الطائفي (إسلامي – مسيحي) بل أيضاً التوازن المذهبي (سني-شيعي مثلاً)". 

ولهذا يرى حلو أن "هناك استحالة في ضم عناصر حزب الله بالآلاف إلى الجيش، لأن المسألة لا تتعلق فقط بالأعداد، بل العقيدة القتالية وبالموازنة والتسليح وهي مسألة متكاملة".

هل حزب الله مستعد للتخلي عن ثلاثين ألف مقاتل؟ يسأل الحلو. ثم يجيب: "واقعياً المعضلة موجودة ولا حل عملياً لها، إلا بفتح باب التطويع وتدريب المقاتلين وفق عقيدة الجيش اللبناني واستيعابهم داخل المؤسسة إذا كانوا مقتنعين، رغم انتمائهم لحزب الله، بالالتزام بعقيدة الجيش والالتزام بالأوامر على المستويين العسكري والسياسي". 

الحلو يقول إن هناك ضباطاً شيعة في الجيش اليوم من الجو السياسي لـ"حزب الله"، و"هؤلاء مندمجون في الجيش في تجربة تعتبر إلى حد كبير ناجحة، وإذا كان حزب الله لا يثق بهؤلاء الضباط فإنه لن يثق بالدولة اللبنانية".

لماذا يقوم الجيش اللبناني بإتلاف السلاح الذي يصادره من "حزب الله" ولا يحتفظ به؟

هذا السؤال، الذي يترافق غالباً مع قضية ضم مقاتلي "حزب الله" يطرحه كثيرون، ويرى البعض أن الأمر يعود لأسباب سياسية. لكن الحلو يقول إن الأمر تقني بحت، "في ألف-باء الأمور العسكرية، عندما يكون هناك ذخائر لا يمكن استخدامها أو صيانتها، تصبح خطرة، وتخزينها خطر، وأكبر دليل على ذلك ذخائر لحزب الله انفجرت بعناصر من الجيش اللبناني وهم ينقلونها وقتلت ٣ عسكريين".

في السابق كانت تقع حوادث يصادر على إثرها الجيش ذخائر وأسلحة لـ"حزب الله" وكانت تعاد هذه الأسلحة للحزب بقرار من السلطة السياسية، استنادا إلى البيانات الوزارية السابقة التي كانت تغطي تسليح الحزب وعمله العسكري. اليوم اختلف الأمر تماماً، كما يقول الحلو، "البيان الوزاري يلتزم بتطبيق القرار ١٧٠١ والسلطة السياسية كلها ملتزمة بهذا الأمر تحت رقابة دولية".