اتهامات متبادلة بين عون والحريري حول تأخر تشكيل الحكومة وبري يحاول حل الخلاف
اتهامات متبادلة بين عون والحريري حول تأخر تشكيل الحكومة وبري يحاول حل الخلاف

لا جديد في بعبدا، بعد اللقاء الذي كان منتظراً بين رئيس الحكومة المكلف، سعد الحريري، ورئيس الجمهورية، ميشال عون، فقد خرج الحريري من الاجتماع ليدلي بتصريح يعيد الأمور إلى نقطة الصفر، وكان يقرأ من الورقة أمامه بانفعال، وكأنه يريد أن يوصل رسالته ويرحل عن المكان.

خرج الرئيس المكلف، "الذي وصلته أمس من عون تشكيلة فيها الثلث المعطل"، من القصر الجمهوري بعد أن أوضح موقفه: "رسالة عون غير مقبولة، لأن الرئيس المكلف مش شغلتو (ليس جزءا من عمله) يعبي ورق من حدا، ولأن رئيس الحكومة هو من يشكلها وأبلغته أن الرسالة كأنها لم تكن وأعدتها إليه ووضعت تشكيلتي بيده منذ مئة يوم ومستعد لأي تعديلات وسهلت له الحل في وزارة الداخلية ولكنه مصر على الثلث المعطل".

دقائق بعد مغادرة الرئيس المكلف، كان مكتبه الإعلامي يوزع التشكيلة التي قدمها الحريري لعون خلال لقائهما، في 9 ديسمبر من العام الماضي. التشكيلة الموزعة فيها خليط من "الاختصاصيين" كما يقول الحريري، إلا أنها تُراعي بعض الأطراف الذين أعطوا مباركتهم للأسماء وهو الشيء الذي يزعم رئيس الجمهورية أنه لم يفعله معه الرئيس المكلف، بحسب ما ورد في بيان الرئاسة رداً على تصريح الحريري.

تشكيلة سعد الحريري للحكومة

وهذا الأمر، تنفيه مصادر رئيس الحكومة، إذ تقول لموقع "الحرة": "الكلام عن أن الأحزاب الأخرى سمّت وزراء غير صحيح إطلاقاً، (وليد) جنبلاط كان يريد شخصاً غير المسمّى، كذلك الأمر بالنسبة للوزراء الشيعة الذين هم مستقلون وطبعاً لا أحد يعترض عليهم، وحتى الوزراء السنّة هناك من لا يعرفهم الرئيس الحريري ولا علاقة تجمعه بهم. حتى المسمّى للداخلية هم من أتوا به في التشكيلات القضائية الماضية، ولكنه مشهود له بمهنيته فأتت تسميته وفقاً لهذا المعيار فقط لا غير".

وبالعودة إلى بيان الرئاسة، فقد ذكّر الحريري بأن الرئيس شريك التأليف، وأنه وضع أسس التأليف للرئيس المكلف كما فعل في الحكومتين السابقتين اللتين شكلها الحريري في عهده. وفي الأسس، عدد الوزراء إما 18 أو 19 أو 20 وزيراً، وتوزيع الوزارات على المذاهب، ومرجعية التسمية، ومن ثم أخيراً الأسماء بعد الاتفاق على المرجعية والتسمية، بما يعني أن الاختصاصيين لن يكونوا مستقلين.

حرب البيانات والتصاريح المتقابلة لم تنته. فرداً على بيان الرئاسة، أصدر المكتب الإعلامي للرئيس المكلف بياناً يأسف فيه للمغالطات التي تضمنها بيان الرئاسة، كما تعمّد المكتب نشر الرسالة التي وصلته، أمس الأحد، من القصر الجمهوري وهي مغايرة تماماً لما كان وزعه مكتب الرئاسة، إذ يظهر من خلال اللوائح أن رئيس الجمهورية أرسل التشكيلة من دون أسماء ولكن مع توزيع الحقائب على الأحزاب وطلب من الحريري تعبئتها.

عون يرسل للحريري التشكيلة من دون أسماء مع توزيع الحقائب على الأحزاب
عون يرسل للحريري التشكيلة من دون أسماء مع توزيع الحقائب على الأحزاب

ويظهر أيضاً أن عون، يُصر على الثلث المعطل وعلى إضافة أحزاب إلى الحكومة التي يُقال إنها من الاختصاصيين وفق المبادرة الفرنسية.

وتقول أوساط رئيس الحكومة المكلف لموقع "الحرة" إن "رئيس الجمهورية منذ بدء المشاورات حول الحكومة يُصر على الثلث المعطل ولا يريد أن يبحث بأي شيء آخر ولا حتى الحلول الوسط.

وتضيف "اليوم هناك من هو خارج الحكم ومُعاقب دولياً وهو الوزير السابق، جبران باسيل، يحاول بكل بساطة أن يفرض الثلث المعطل كي يبقى في الحكم من خلال وزراء ينتقيهم وهو ليقوموا بالدور الذي يريده هو منهم، أي تعطيل أيّ إصلاح خاصة في الوزارات التي كان يمسكها هو مثل الطاقة والاتصالات".

ويقول المبعوث الأميركي السابق لشؤون الشرق الأوسط، دايفيد شنكر لـ"الحرة"، إنه "يتعذر تشكيل حكومة في لبنان الآن، لأنه يبدو أن جبران باسيل والرئيس يتمسكان بالثلث المعطل للحكومة الجديدة بسبب تطلعات جبران باسيل الشخصية لضمان كونه الرئيس القادم للبنان".

في المحصلة، يبدو أن الطرفين لا يزالان مصرَّين على مواقفهما، إذ يتمسّك رئيس الجمهورية بتسمية الوزراء من حصته، إضافة إلى وزير أرمني وبالتالي حكماً حصوله على الثلث المعطل في حكومة من 18 وزيراً، فيما يرفض الرئيس المكلف إعطاء الثلث المعطل للرئيس أي كما تقول أوساطه، لجبران باسيل، الذي سيعود بسطوته التعطيلية بشكل مقنع إلى حكومة مطلوب منها العمل ووقف الانهيار، عدا عن عقدة الحقائب لا سيما موضوع وزارة الداخلية الذي أبدى الحريري استعداداً للبحث فيه.

ولكن، أين العقدة الفعلية وما الذي كان يجري في الفترة الماضية لا سيما في الأيام المنصرمة؟ تقول أوساط مطلعة على ملف التأليف: "هناك أكثر من مبادرة ومسعى من أكثر من طرف، إذ حاول مدير عام الأمن العام اللواء عباس ابراهيم تقريب وجهات النظر وكذلك فعل الرئيس نبيه بري. ومؤخراً، بادر النائب السابق وليد جنبلاط أيضاً وزار بعبدا بعد يومين من لقاء الحريري".

وتضيف "تلتقي المبادرات على أهمية إنجاز الحكومة بأسرع وقت ممكن، وبالتالي محاولة إيجاد صيغة مقبولة من الرئيس المكلف ومن رئيس الجمهورية أو فعلياً من الوزير السابق جبران باسيل، وهي إلى الآن لم تصل إلى نتيجة لأنها تصطدم بتعنّت الطرفين".

فما هي هذه المبادرات أو المبادرة إن أمكن القول؟ في المعلومات التي حصل عليها موقع "الحرة" فإن كُل البحث كان ينحصر في الفترة الماضية في موضوع العدد. وهناك أفكار طُرحت على الرئيس المكلّف لتوسيع الحكومة وعدم التمسك حصراً بحكومة من 18 وزيراً. الفكرة من وراء هذا الاقتراح إرضاء عون من خلال توسيع العدد وفي الوقت نفسه كسر الجمود، وعدم إعطاء الثلث المعطل لأي كان.

إلا أن هذا الطرح الذي قُدّم للرئيس المكلف، لم يجد آذاناً صاغية كثيراً، فبرأي الحريري بحسب ما تقول أوساط مطلعة إن "التنازل عن فكرة 18 وزيراً سيجعلهم يطلبون أكثر وإذا رفعنا العدد لن يُغيّر شيءٌ من إصرارهم على الثلث المعطل. سيعودون لطلب وزراء أكثر للغاية نفسها". سعد الحريري لا يُريد تقديم أي تنازل إضافي.

هناك من يُذكّر أيضاً بأن الحريري نفسه كان قد قال لرئيس الجمهورية، أول مرحلة التأليف، إن بإمكانه الحصول على حقائب الداخلية والعدل والدفاع، قبل أن يعود ويتراجع عن هذا الأمر بعد أن جلس مع رؤساء الحكومات السابقين، الذين أقنعوه بأن الاستغناء عن الداخلية ليس بالأمر المقبول. 

وسط كُل ذلك، يبرز أيضاً الموقف الصادر عن المكتب السياسي في حركة أمل، التي يتزعمها رئيس مجلس النواب نبيه بري، الذي أكد على "الإسراع بتشكيل حكومة اختصاصيين غير حزبيين وفق ما تم التوافق عليه في المبادرة الفرنسية، بعيداً عن منطق الأعداد والحصص المعطلة وتحوز ثقة المجلس النيابي وكتله"، وهو معاكس تماماً لما دعا إليه أمين عام حزب الله، حسن نصرالله، منذ يومين، بأن الظروف تستدعي العودة إلى حكومة تكنوسياسية.

علي

"أنا مين؟" سأل نفسه، عائدا، على حدود الوطن.

لم يجد جوابا.

منذ غادر لبنان، لم يكن الاسم وحده ما تغيّر.

علي، الشاب الشيعي المنتمي لحزب الله منذ الطفولة، لم يقرر أن يولد عليًّا، ولم يكن يتخيل يومًا أن يصير إيلي، يقول.

من الكشافة إلى القتال

في بيت فقير، في جنوب لبنان، وُلد علي يتيمًا بين عشرة.

أمه، بلا سند، لم تجد ملاذًا سوى في الحزب الذي يفرض حضوره على كل تفصيل في المجتمع: من المدرسة إلى المستشفى، من الطفولة إلى السلاح.

هناك، لم تكن الحياة مجرد حياة؛ بل عقيدة. "نحن على الحق"، يرددونها صباحًا ومساءً. ومنذ الطفولة، صارت البندقية جزءًا من المنهج.

في عمر العاشرة، انضم علي إلى "كشافة الإمام المهدي"، حيث يبدأ الغرس العقائدي والعسكري معًا. "دورة محو الأمية" لم تكن كما توحي تسميتها؛ بل تدريبًا أوليًا على حمل السلاح. في الثانية عشرة، كان الطفل الصغير يعرف كيف يفكك البندقية، وفي الثالثة عشرة، كان يفتخر باستشهاد أصدقاء في التدريبات.

يصف علي دورات القتال بأنها "مزج من العسكر والعقيدة"، لكن العقيدة كانت الغالبة دائمًا. يتعلم المنتسبون أنهم يدافعون عن "أمة، عن شرف، عن طائفة"، وأن كل ما هو خارج هذا المسار مشبوه، خطر، أو "كفر".

عالم بالألوان

لكن العالم ليس أبيض وأسود. في سن الثامنة عشرة، بدأت تظهر تصدعات الشك. تعرّف علي على أصدقاء خارج "الخط"، وبدأ يرى شيئًا مختلفًا: حياة أخرى، حوارات، ضحك، نساء، ملابس ملونة، وموسيقى. كلها ممنوعة.

في إحدى الليالي، عاد إلى البيت متأخرًا، فصفعته أمه بركوة قهوة. تلك الصفعة لم تكن مجرد غضب أم، بل لحظة صدع.

"هل هذا هو الحق؟"، تساءل لأول مرة.

ومن هذا السؤال، بدأ كل شيء يتغير.

الهروب من القدر

رفض علي دعوة الحزب للانضمام إلى دورة تؤهله ليصبح "متفرغًا". كان يعلم أن القبول بها يعني بلوغ نقطة اللاعودة. فقرر أن يغادر. هرب من عائلته، من أصدقائه، ومن اسمه.

سافر إلى تركيا، ومنها حاول عبور البحر إلى أوروبا على "قوارب الموت". غرق ثلاث مرات. في كل مرة، كان الموت قريبا وكان كأنه يولد من جديد. أعادته النجاة إلى السؤال الأصلي: من هو؟ وماذا يريد أن يكون؟

من علي إلى إيلي

بعد فشل محاولة اللجوء، عاد إلى لبنان. في مطار بيروت، وقف حائرًا: لا أهل، لا أصدقاء، ولا خط عودة إلى الحزب. دق باب صديق قديم، فأتاه الجواب:

"في عائلة بدها حدا يساعدها... بس في مشكلة: اسمك علي".

ضحك، وقال: "خليه إيلي".

هكذا بدأ فصلاً جديدًا من حياته، يعيش مع عائلة مسيحية، يذهب معهم إلى الكنيسة، يشاركهم التراتيل، ويشعر لأول مرة بأنه إنسان، فقط إنسان.

"أنا مين؟" يعيد السؤال، هذه المرة بثقة أكبر. لا يريد أن يكون تابعًا، ولا أن يُملى عليه ما هو الحق وما هو الباطل. "بدي أكون إنسان يقرر، يشوف، يعرف".

تغير الاسم، بقي السؤال، لكن صارت لديه حرية البحث عن إجابة.