قوى الأمن اللبنانية تواجه الاحتجاجات ضد فساد الطبقة السياسية بقسوة
تساؤلات حول غياب اتحاد نقابات العمال في لبنان عن الاحتجاجات التي تشهدها البلاد

يعاني لبنان من أكبر أزمة اقتصادية تشهدها البلاد منذ سنوات، وكان من المتوقع أن تجعل هذه الأزمة من النقابات العمالية وقود المطالب الإصلاحية، لكن النقابات العمالية، التي تنضوي تحت "الاتحاد العمالي العام"، لم تشكل رافعة للاحتجاجات،  ما أثار علامات الاستفهام لدى الرأي العام اللبناني وتحديدا النقابيين منهم، وفق ما صرحوا لموقع "الحرة".
 
منذ 17 أكتوبر 2019، بدأت حركة احتجاجية كبيرة في لبنان، تحولت لما يُشبه انتفاضة شارك فيها آلاف اللبنانيين. كان عنوانها تغيير كل المنظومة الفاسدة التي حكمت لبنان منذ ما بعد الحرب الأهلية اللبنانية. اللافت كان غياب الاتحاد عنها، وتعليقا على ذلك، يقول رئيس الاتحاد بشارة الأسمر، لموقع "الحرة": نحن لم ندع رسميا للمشاركة، لكن بكل الأحوال الذين كانوا في الشارع، عمال وطلاب وغيرهم، هم أيضا اتحاد عمالي..".
 
وتأسس الاتحاد العمالي العام عام 1970 بعد مرحلة من الانقسامات العمالية والنقابية. على موقعه الإلكتروني، الذي يبدو مهملا منذ حوالي السنة من دون أي تحديث، نبذة تتحدث عن تاريخ العمل النقابي من دون الدخول في تفاصيل ما يقوم به الاتحاد، مع استعانة بدراسة قام بها الاتحاد الأوروبي ومؤسسة فريدريش إيبيرت، عام 2002، توضح أن عدد المنتسبين إلى جميع الاتحادات التي تكوّن الاتحاد العمالي العام نحو 58690 منتسبا من أصل 745760 عاملا وأجيرا يحق لهم الانتساب، وفقا لدراسة القوى العاملة الصادرة عن إدارة الإحصاء المركزي.
 
وبحسب الدراسة، يستند هذا الضعف في التمثيل الفعلي إلى كثرة الانتسابات الوهمية، ولا سيما تلك المسؤولة عنها الأحزاب المختلفة. وتقترح الدراسة الركون إلى عدد المقترعين في انتخابات هذه النقابات كمؤشر إلى التمثيل الفعلي الذي تبيّن أنه قد لا يتجاوز 3,5 % من عدد الأجراء.
 
ومن غير المعروف ما إذا كان أعضاء الاتحاد على دراية فعلية بالدراسة التي وُضعت على الموقع كمُكمّل للنبذة التعريفية عن الاتحاد، كونها تحدد لهم مكامن الخلل في مؤسستهم والتي تختصرها بأن "تركيبته (الاتحاد) باتت محكومة بتوازناتها السياسية الداخلية التي يمنع اختلالها أي اتجاه وحدوي في العمل النقابي، والتي تقتضي معالجتها بإصلاح جذري لتركيبة التنظيم النقابي يرتكز على التمثيل الحقيقي لمختلف الأجراء في جميع القطاعات الاقتصادية.
 
ويتألف الاتحاد اليوم من نحو 60 اتحاداً ونقابة ورابطة. أكثر من ثلثيه، نقابات صورية، وُجدت لكي تتحكم الأحزاب السياسية الطائفية بالعمل النقابي ولكي تمنع أي معارضة فعلية. والطبقة السياسية عرفت كيف تدير هذه اللعبة بإتقان، كما يقول النقابي العريق أديب أبو حبيب، الذي كان شاهداً على أبرز محطات نزع الاتحاد عن الهدف الذي وُجد من أجله: الدفاع عن حقوق العمال.
 
ويشهد لبنان ضائقة اقتصادية هي الأسوأ في تاريخه، ويتحرك غالبية اللبنانيين للاعتراض على الواقع المعيشي الذي يعانون منه إلا أن كُل هذه التحركات لم يُشارك فيها الاتحاد الذي يقول رئيسه إنه لا يُحبذ قطع الطرقات: "الاتحاد بادر في الصيف الفائت لإعلان إضراب من أجل الإسراع في تأليف الحكومة ولكن نحن ضد قطع الطرقات إذ لا يُمكننا أن نطالب بحقوقنا من خلال منع حق الآخرين من متابعة أعمالهم وأشغالهم".
 
ونقابات كثيرة تنضوي تحت الاتحاد كانت تقوم بقطع الطرقات خلال إضراباتها لاسيما اتحاد النقل البري، إلا أن الأسمر يُبرر هذا الأمر بالقول إن "قطع الطرق كان له هدف واضح وكان يحصل في وقت محدد ولفترة محددة يكون متفق عليها من قبل".
 
اليوم، وحسب رئيسه، ينقسم دور الاتحاد العمالي العام إلى شقين:
 
الأول، متابعة ومعالجة المشاكل اليومية التي يواجهها العمال مع مستخدميهم، كتدخلنا منذ أيام مع وزارة الشؤون الاجتماعية من أجل العاملين في برنامج الأسر الأكثر فقراً لتجديد عقودهم، كذلك تواجدنا مع عمال الصيانة في الجامعة اللبنانية بسبب عدم تجديد عقودهم، وغيرها من مشاكل، إضافة لمتابعة مجالس العمل التحكيمية.
 
الشق الثاني، هو التحرك على الأرض، من الدعوة للإضراب كما حصل الصيف الماضي، ومتابعتنا لكل ما يحصل على الصعيد الحكومي، فحين طُرح موضوع رفع الدعم عن المواد الأولية كنا من أشد المعارضين له في حين كانت السلطة تحاول أن تجعلنا نقبل بالقانون، ولكننا رفعنا الصوت وهددنا بالإضراب وعدنا ورفعناه حين حصلنا على تفاهمات معينة منها إقرار البطاقة التمويلية مقابل رفع الدعم.
 
ويحضّر الاتحاد اليوم لسلسة من التحركات، سيبدأ إعلانها قريباً مع مراعاة الأصول الديمقراطية فيها ومن دون قطع طرقات طبعاً. يقول الأسمر: "لا شيء يكفي للإنقاذ إذا لم تتوافر الإرادة الصادقة عند الجميع".
 
ولا تبدو الفقرة التعريفية التي استعان بها الاتحاد من دراسة للاتحاد الأوروبي غائبة عن الأسمر، الذي يعترف أن الاتحاد جزء من هذا المجتمع اللبناني وهو نموذج مصغر عنه وهناك أجندات سياسية داخله. هذا الاعتراف هو بمعرض التأكيد على دور السياسة في التحكم بعمل الاتحاد في بعض الأحيان بحسب رئيسه.
 
وللأسمر سياقه في وصف الحالة التي يعيشها الاتحاد، وتبريرها في الوقت نفسه، إذ يقول: "كل الفئات ممثلة بالاتحاد، وكل الفرقاء متواجدون داخله، وكل تحرك يُسمى على فريق معين أو يُعتبر ضد فريق معين نرى أن الآخرين جميعهم يشاركون فيه"، وهذا برأي الأسمر دليل على أن العمل النقابي لا زال موجوداً وأن الأولوية النقابية محفوظة.
 
والاتحاد غير مستعجل للقيام بتحركات كبيرة أو مؤثرة، ويُطرح السؤال حول قدرته على القيام بمثل هذه التحركات بمعزل عن الغطاء الحزبي المطلوب، ووفقاً للدراسة نفسها وعمرها حوالي 20 عاماً، فإن تزايد عدد النقابات (210 نقابات) بشكل أكبر من تزايد عدد المنتسبين إليها خلال الحرب الأهلية اللبنانية، إذ تأسّست 40% من النقابات بعد عام 1975، لكنها لم تضم سوى 17,2 % من المنتسبين.
 
وكانت أحداث 7 مايو 2008 إحدى المحطات التي ساهمت بتعميق الفجوة بين العمال واتحادهم، إذ إن التاريخ الذي شهد احتلال بيروت من قبل أحزاب مسلحة محلية وفي طليعتها حزب الله، كان بالتنسيق، واستفادوا من التحرك الذي كان دعا إليه الاتحاد العمالي آنذاك والذي كان يرأسه غسان غصن، لتنفيذ انقلاب مسلح أدى إلى قلب موازين القوى السياسية في البلاد.
 
يقول أبو حبيب: "أيام غسان غصن، دعا الاتحاد إلى اعتصام أمام الضمان الاجتماعي، كلنا يعلم ما يعانيه اللبنانيون من هذه المؤسسات، إلا أن الاعتصام لم يحضره أكثر من 50 شخصاً. بالرغم من أن القضية تهم كل اللبنانيين الذين يعنيهم أن يكون لديهم آمان اجتماعي".
 
يُضيف: "الناس فقدت ثقتها بالاتحاد لأنه تحول لذراع للسلطة وليس منصة للدفاع عن حقوق العمال. أيام أنطون بشارة (رئيس الاتحاد الأسبق) قُمنا باعتصام أمام المصرف المركزي وكان آنذاك حاكم المصرف إدمون نعيم، وفرضنا عدم المس باحتياطي الذهب. كان هناك حركة نقابية فاعلية تغيب عنها الحسابات الحزبية".
 
يعتبر أبو حبيب أن الحركة النقابية كانت حتى العام 1992 هي المحرك والمدافع الأول عن قضايا الناس. عام 1987، وصل حوالي 300 ألف متظاهر إلى منطقة المتحف، من مناطق الانقسام الأهلي آنذاك، الشرقية والغربية، فالتقى العمال وأزالوا بأيديهم المتاريس والعوائق تحت شعار وقف الحرب والعيش وحقوق العمال وغيرها.
 
ولكن كيف انتهت الحركة النقابية الفاعلة إلى ما نراه اليوم؟
 
يعود أبو حبيب إلى أوائل التسعينيات، وتحديداً إلى تظاهرة 6 أيار 1992 بدعوة من الاتحاد برئاسة أنطون بشارة آنذاك والذي تمرد فيها على قرار النظام السوري باعتبار إضرابهم لثلاثة أيام خطاً أحمر وهو ما أبلغهم إياه نائب الرئيس السوري المكلف بالملف اللبناني عبد الحليم خدام.
 
كان الهدف الأساسي لدى النظام السوري، الذي كان وصياً على لبنان آنذاك، هو وضع اليد على العمل النقابي. نجح في ذلك بشكل كبير، ومع الوقت أُفرغ الاتحاد من كوادره ومن هدفه حتى. يقول أبو حبيب: "افتتح وزير العمل حينذاك عبد الله الأمين ومن بعده أسعد حردان، خطة لإفقاد الحركة النقابية دورها عبر تفريخ النقابات والاتحادات بعد رفض الاتحاد هيكلية نقابية جديدة اعتبرها محاولة لوضع اليد عليه. وقتها قال الوزير البعثي للاتحاد: إما تمشوا معي بما أريد وإلا سأدخل الطوائف والأحزاب إلى الاتحاد، وهكذا حصل حين رفض الاتحاد العمالي طلب وزير العمل آنذاك.
 
منذ ذلك الوقت، بدأ تراجع العمل النقابي يأخذ منحى متسارعاً، فالهيمنة على القرار المستقل للاتحاد العمالي سرعان ما أدى إلى تحول هذا الاتحاد إلى ورقة ضغط حزبية، يقول نقابيون.
 
برأي كثير من النقابيين ومنهم أبو حبيب أن الياس أبو رزق كان آخر رئيس نقابي للاتحاد العمالي. لكن الأخير ابتعد منذ 21 عاماً عن العمل النقابي. يقول لموقع "الحرة": أنا ابتعدت ولم أعد أتابع ما يجري منذ أن قرروا إقصائي".
 
الانقضاض على أبو رزق جرى من خلال انتخابات فُصلت لكي يأتي من تريده الأحزاب رئيساً لاتحاد عمالي كان يُعنى بشؤون العمال. يروي أبو حبيب أنه حينها كان رئيس مجلس المندوبين ومُنع من حضور الانتخابات. كان يريدون الانقلاب على الاتحاد وعلى العمل النقابي وهكذا حصل. أتى غنيم الزغبي رئيساً.
 
والزغبي، وبالرغم من أنه كان مدعوماً من السلطة آنذاك، كان نقابياً أيضاً، وهو أمضى سنة واحدة في منصبه قبل أن يقرر الرحيل. يُنقل عنه أنه في إحدى الجلسات توجه لأعضاء المجلس بالقول: "أقفلوا هواتفكم، أأتيتم إلى هنا فقط لتنقلوا ما يجري في الاجتماع لأحزابكم مباشرة.
 
بنظر أبو حبيب: "الحركة النقابية لكي تؤدي دورها يجب أن تكون لها عوامل عديدة تشكل هرمها، الاستقلالية والديمقراطية ومن ثم أن تكون فاعلة. جل النقابات والاتحادات تجري انتخاباتها عن طريق التزكية".
في الأيام المقبلة، سيدعو الاتحاد لتظاهرات، هكذا يقول رئيسه. من سيُشارك؟ ليس الجمهور المنتفض منذ 19 أكتوبر بالتأكيد. الأجندة؟ يبدو حتى الأحزاب لم تعد تعتمد على جسم انتهى منذ سنوات، وليس اليوم، أو بعد احتجاجات 2019.

بين المنازل السكنية في الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية، يزرع حزب الله الموت.. صواريخ وذخائر في أقبية المباني والمستودعات.
بين المنازل السكنية في الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية، يزرع حزب الله الموت.. صواريخ وذخائر في أقبية المباني والمستودعات.

بين المنازل السكنية في الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية، يزرع حزب الله الموت.. صواريخ وذخائر في أقبية المباني والمستودعات.

قبل أيام، عرض الجيش الإسرائيلي مشاهد لقصف استهدف بنية تحتية قال إنها خُصصت لتخزين صواريخ دقيقة في الضاحية الجنوبية لبيروت، مؤكداً أنه دمرها بالكامل. لم تكن هذه المرة الأولى التي تنشر فيها إسرائيل مقاطع تُظهر استهداف مستودعات أسلحة لحزب الله تتطاير منها الذخائر والصواريخ وسط أحياء سكنية.

أعادت واقعة الضاحية الجنوبية تسليط الضوء على المخاطر الجسيمة التي تتهدد حياة المدنيين في مناطق نفوذ حزب الله.

الدروع البشرية تحمي السلاح؟

بلغ حزب الله من حال الارتباك والضعف درجة الاحتماء بالمدنيين، كما يقول المحلل السياسي الياس الزغبي وهذا ما يفسّر برأيه "تخزينه الأسلحة في عمق المناطق الآهلة وفقاً لما ظهر في الهنغار الذي استهدفته إسرائيل قبل بضعة أيام في الضاحية الجنوبية لبيروت".

وهذا ما يفسّر أيضاً وفق ما يقوله الزغبي لموقع الحرة "الإنذار الذي وجهته إسرائيل إلى المدنيين القاطنين في محيط هذا الموقع كي تتفادى نقمة عالمية في حال سقوط قتلى من الأهالي. ولوحظ هذه المرة أن فترة الانذار كانت أطول من سابقاتها بهدف إتاحة الوقت الكافي لإخلاء الأبنية المحيطة بالموقع المستهدف".

عملياً، لم يعد حزب الله يقيم وزنا للمدنيين، يقول الزغبي، بل لعلّه يفضل وفق ما يشدد "سقوط قتلى كي يستثير العواطف ويؤجج مشاعر بيئته، فهو يضع أولوية الحفاظ على سلاحه قبل أي أمر آخر، حتى لو سقطت أرواح بريئة. وبذلك يكون قد استبدل شعاره "السلاح يحمي السلاح" بشعار جديد "الدروع البشرية تحمي السلاح"!.

يذكر أن للبنانيين تجارب عديدة مع استخدام حزب الله للمناطق اللبنانية في سبيل أنشطته العسكرية، لا سيما في حرب عام 2006، حيث أجرت منظمة "هيومن رايتس ووتش" تحقيقاً موسعاً حول أداء حزب الله خلال تلك الحرب، بيّن أن الميليشيا التي تصنفها الولايات المتحدة منظمة إرهابية، عرّضت في مواقف عدة موثقة بالتواريخ والأمكنة حياة المدنيين للخطر، إما بسبب نشاطها العسكري أو بسبب إخفاء مخازن أسلحة بين المدنيين.

ووثقت المنظمة حينها عدداً من الحالات التي انتهك فيها حزب الله قوانين الحرب عبر تخزين الأسلحة والذخيرة في مناطق مأهولة وعدم بذل أي جهد بغرض إبعاد المدنيين الواقعين تحت سيطرته عن تلك المناطق.

ونقل التحقيق معلومات مفادها أن حزب الله خزن أسلحةً في مناطق مدنية بضواحي بيروت الجنوبية. وقابل مدنيين في الضاحية الجنوبية نقلوا لـ"هيومن رايتس ووتش" مشاهداتهم لتخزين ونقل الأسلحة من مبان سكنية في الضاحية الجنوبية والاحتماء في ملاجئ مدنية، وهو ما اعتبره التحقيق انتهاكاً للقانون الدولي الإنساني بتعريض المدنيين للخطر.

في حينها، رأت المنظمة أن الحالات التي قام بها الحزب بتخزين الأسلحة ونشر المقاتلين في أحياء كثيفة السكان، فإنه كان يرتكب انتهاكاً جسيماً لقوانين الحرب، تتضمن "اتخاذ المدنيين دروعاً".

مخاوف محلية وتحذيرات دولية

منذ سنوات، يواصل الجيش الإسرائيلي نشر صور ومقاطع مصورة تُظهر منشآت ومخازن ومصانع صواريخ تابعة لحزب الله، أقيمت وسط مناطق مدنية مأهولة، بعضها يقع قرب مدارس ومساجد ومرافق حيوية. وتتهم إسرائيل الحزب باستخدام السكان المدنيين كدروع بشرية وكساتر لتخزين سلاحه وتنفيذ مخططاته العسكرية، في حين ينفي حزب الله هذه الاتهامات بشكل متكرر.

"والمشكلة أن المدنيين لا حول لهم ولا قدرة على مواجهة ما يقرره حزب الله"، كما يقول الزغبي، "وهم مجبرون على تنفيذ مشيئته ولو على حساب استقرارهم وسلامتهم، لكنهم يتهامسون فيما بينهم عن المصيبة التي أوقعهم فيها الحزب ويناشدون الدولة لإنقاذهم ويسلّمون أمرهم لله".

وشكّل هذا الملف على الدوام محور تجاذب وخلاف داخلي في لبنان، في ظل رفض شريحة واسعة من اللبنانيين لتحويل مناطقهم إلى ساحات عسكرية، وقد برزت هذه المعارضة بشكل واضح في حادثة بلدة شويا في قضاء حاصبيا عام 2021، حين اعترض الأهالي على إطلاق صواريخ من منطقتهم، وقاموا بتوقيف راجمة تابعة لحزب الله. وتكررت مشاهد التوتر في بلدة الكحالة، حيث اندلع اشتباك بين سكان المنطقة وعناصر من الحزب، إثر سقوط شاحنة كانت تنقل أسلحة في قلب البلدة.

وشهدت السنوات الماضية تصاعداً في التحذيرات المحلية من خطورة هذه الممارسات، والتي لم يقتصر على الساحة اللبنانية فحسب، بل اتخذ أبعاداً دولية. ففي عام 2020، أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو، من على منبر الجمعية العامة للأمم المتحدة، عن وجود مصنع صواريخ في منطقة الجناح في بيروت، ما أثار موجة من الجدل والقلق. ورداً على الاتهامات، نظّم الجانب اللبناني جولة ميدانية لسفراء عدد من الدول الأجنبية إلى الموقع المذكور، في مسعى لنفي صحة الاتهامات الإسرائيلية وتأكيد خلو المنطقة من أي نشاط عسكري.

وعقب الحرب الأخيرة بين حزب الله وإسرائيل، عاد الحديث عن سلاح الحزب إلى الواجهة، في ضوء اتفاق وقف إطلاق النار الذي يستند إلى القرار الدولي 1701، والذي يشدد بدوره على تنفيذ القرار 1559 القاضي بحصر السلاح بيد الدولة اللبنانية ونزع سلاح الميليشيات.

خرق للقانون الإنساني

يفرض تخزين الأسلحة والصواريخ الالتزام بإجراءات دقيقة وبروتوكولات صارمة تأخذ في الحسبان مختلف الاحتمالات، بما في ذلك خطر الاستهداف، أو التعرض لخلل تقني، أو نشوب حريق، أو تلف المواد المخزنة. ويستدعي ذلك دراسة منهجية لمواقع التخزين، وضمان ابتعادها عن المناطق السكنية لتفادي أي أضرار محتملة. كما يشترط، في هذا السياق، تفكيك المقذوفات كالصواريخ وجعلها غير مفعّلة أثناء التخزين، بهدف الحد من تداعيات أي طارئ قد يؤدي إلى انفجارها أو تسرب مواد خطرة إلى محيطها.

ويلزم القانون الإنساني الأطراف المتقاتلة اتخاذ الاحتياطات اللازمة لحماية ما تحت سيطرتها من سكان مدنيين من الأخطار الناجمة عن العمليات العسكرية، ويشمل هذا تجنب إقامة أهداف عسكرية (كالأسلحة والذخيرة) في المناطق المكتظة بالسكان، وعند تعذر ذلك نقل السكان المدنيين بعيداً عن المناطق المجاورة للأهداف.

وتشدد اللجنة الدولية للصليب الأحمر على اتخاذ أقصى "الاحتياطات المستطاعة" خلال الحروب لتجنيب المدنيين آثار العمليات العسكرية، حيث تدعو لاتخاذ الخطوات المطلوبة للتعرف على الهدف العسكري المشروع "في الوقت المناسب وبالشكل الذي يعفي السكان المدنيين من الضرر قدر المستطاع".

ومن بين الاحتياطات، تجنب "إقامة أهداف عسكرية داخل المناطق المكتظة بالسكان أو بالقرب منها، وتدعو أطراف النزاع للسعي بجهد إلى "نقل ما تحت سيطرتهم من السكان المدنيين بعيداً عن المناطق المجاورة للأهداف العسكرية".

وتحذر من أنه لا يجوز لأطراف النزاع استخدام المدنيين لصالح "درء الهجمات عن الأهداف العسكرية" أو التذرع بوجودهم في "درء الهجوم عن الأهداف العسكرية، أو تغطية، أو تحبيذ، أو إعاقة العمليات العسكرية، وإذا استخدم أحد أطراف النزاع المدنيين كدروع يجب ألا يفعل الطرف الآخر مثله، وأن يستمر في اتباع قواعد القانون الإنساني الدولي، وتفادي الهجمات العشوائية واتخاذ الاحتياطات لحماية المدنيين".

معادلة مكشوفة

منذ توريط حزب الله للبنان بالحرب الأخيرة مع إسرائيل، تتعالى أصوات داخل لبنان وخارجه تطالب حزب الله بالالتزام الكامل بالقرارات الدولية، إلا أن الحزب لا يزال يرفض التخلي عن سلاحه في شمال الليطاني، ويضع شروطاً مسبقة للدخول في أي حوار وطني حول هذه المسألة.

من أبرز شروط الحزب، بحسب تصريحات مسؤوليه، أن أي نقاش حول تسليم سلاحه يجب أن يسبقه انسحاب إسرائيل من خمس نقاط في جنوب لبنان.

وحتى الآن لا تبدو الدولة اللبنانية وفق ما يقوله الزغبي "قادرة على حماية الناس من سطوة الحزب، وتتعامل بحذر شديد معه تخوفاً من التصادم وشبح الحرب الأهلية، لكن المجتمع الدولي لن يسمح باستمرار هذا الوضع الضاغط على الدولة، وقد بدأ يضعها أمام استحقاق نزع السلاح غير الشرعي ضمن مهلة محددة قبل أن تتمادى إسرائيل في عملياتها العسكرية".

وفي أي حال بات لبنان كما يشدد الزغبي "أمام معادلة مكشوفة: حصر السلاح فعلياً في يد الجيش أو التعرض المستمر للغارات الإسرائيلية. والمسألة ليست مفتوحة، بل تقاس بالأسابيع".