لبنان يُقر قانون استرداد الأموال المتأتية من الفساد بعد تقديمه بأربع سنوات
لبنان يُقر قانون استرداد الأموال المتأتية من الفساد بعد تقديمه بأربع سنوات

أقر مجلس النواب اللبناني، الاثنين، قانون استعادة الأموال المتأتية من الفساد بمادة وحيدة. وكانت اللجان المشتركة قد أقرّت القانون الأسبوع الماضي وأحالته إلى التصويت عليه في الجلسة العامة. 

والقانون كان قد تقدم به تكتل "لبنان القوي" الذي يرأسه رئيس التيار الوطني الحر، جبران باسيل، وقال في تغريدة تعليقاً على إقرار القانون: "جيّد جدّاً إقرار قانون الأموال المنهوبة ويبقى التنفيذ. أهمّ بكثير إقرار قانون كشف حسابات وأملاك السياسيين والموظفين. رهاننا أن يحقق مجلس النواب للبنانيين حقهم بمعرفة من سرقهم ومن لم يمدّ يده على أموالهم".

وتُطبق أحكام القانون المُقر، الاثنين، استناداً إلى اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد المعتمدة بالقرار رقم 58/4 الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة.

وكان حزب سبعة قد تقدم، عام 2017، بقانون مماثل لمكافحة الفساد واسترداد الأموال المنهوبة وسأل إن كان هناك من يجرؤ على تبني هذا القانون.

حينها، قام النائب سامي الجميل بتحويله إلى اقتراح قانون وقدمه لمجلس النواب، لكن الملف بقي دون أن يُناقش في اللجان تمهيداً لعرضه في جلسة عامة.

وفي عام 2019، قبل بدء الاحتجاجات في لبنان، قام تكتل لبنان القوي بتقديم قانون استرداد الأموال المنهوبة وتحرك في مجلس النواب إثر اندلاع الاحتجاجات في أكتوبر 2019 إلى أن تم إقراره، ويقول قانونيون إنه "نسخة معدلة من قانون الإثراء غير المشروع، مع تعديلات تمس بجوهر فكرة استرداد الأموال المنهوبة". 

تقول ميريام مهنا، باحثة في المفكرة القانونية، في حديث لموقع "الحرة": "القانون الذي أقر اليوم لا فعالية له، لأنهم خلقوا هيكلية من خلال إقرار إنشاء الصندوق السيادي في قلب هيئة مكافحة الفساد غير الموجودة إلى اليوم، ولم يضعوا في القانون أي معايير وهذا غير كاف، لأن القانون يجب أن ينص على معايير واضحة، ونحن نعلم في لبنان كيف يتم خلق كل شيء عن طريق المحاصصة وهذا ما كان يحصل في السابق في كل الصناديق التي خُلقت".

وتُضيف "كنا ننتظر أن يكون القانون والجواب على المطالبة باسترداد الأموال المنهوبة، جدياً أكثر من الذي أقر اليوم. في مرحلة يسودها انعدام ثقة بين الشعب والسلطة، فإن المطلوب كان أن تُضع ضمانات التطبيق في نص القانون ذاته، لا أن يقولوا لنا غداً المرسوم سيحدد الآلية، لأن هذا المرسوم قد لا يأتي إطلاقا".

ويقول قانونيون متابعون للملف إن التعديل الذي طرأ اليوم على القانون "رُبط بهيئة مكافحة الفساد غير الموجودة، وخلقوا لجنة سمّوها دائرة استرداد الأموال المنهوبة التي سترفع طلبها إلى وزارة العدل وبالتالي نعود إلى الحلقة المفرغة وإمكانية تعطيل كُل شيء".

وبحسب مهنا فإن "آليات استرداد الأموال رُبطت بالإثراء غير المشروع وجرائم مكافحة تبييض الأموال والإرهاب، ما يعني أن الإثراء غير المشروع تحدده النيابة العامة ومكافحة الفساد أي هناك صلاحيات لهيئة التحقيق الخاصة بالمصرف المركزي، بالتالي ما نقوله إذا لم يحصل عمل حقيقي فيما خص استقلالية القضاء وبالدرجة الأولى النيابات العامة وهيئة التحقيق فهذا القانون لا يُقدم ولا يؤخر". 

من جهته، قال أمين سر تكتل لبنان القوي، النائب ابراهيم كنعان: "هذا القانون يضع لبنان جدياً تشريعياً بالمعاهدة الدولية للأمم المتحدة التي تفتح التعاون وتبادل المعلومات والتعاون القضائي مع أكثر من 90 دولة".

وأضاف "هذا الموضوع أساسي، وليس مسألة مزايدات شعبوية وإعلامية وسياسية، والرهان يبقى على استكمال المنظومة التشريعية من خلال إقرار المحكمة الخاصة للجرائم المالية".

وحدد القانون الأموال المنهوبة وآلية استردادها، على أن توضع في الصندوق السيادي لتُستخدم وفق اتجاهين: أولاً، للمساهمة في تغطية نفقاته ونفقات "دائرة استعادة الأموال" و"الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد"، ومكافأة وتعويض كاشفي الفساد وحمايتهم؛ وثانياً، لتقديم ما يزيد من هذه الأموال، بشكل هبات، إلى مشاريع الدولة الرامية إلى مكافحة الفقر وتحقيق التنمية المستدامة.

ولم يأت القانون على ذكر استخدام الأموال التي يتم استرجاعها للتعويض عن المتضررين من الفساد.

ويعيش لبنان حالياً أوضاعاً اقتصادية صعبة وغير مسبوقة، إذ وصل سعر الدولار في السوق السوداء إلى نحو عشرة آلاف ليرة، وبالتالي خسرت العملة الوطنية 90 في المئة من قيمتها، وتبخرت أموال المودعين الذين خسروا ودائعهم في المصارف.

وحضر النائب بلال عبدالله، جلسة الاثنين، وصوّت مع إقرار القانون بعد أن "أُشبع نقاشاً في اللجان لكي يُقر ويكون منسجماً مع المعايير الدولية". ويقول لموقع "الحرة": "كل القوانين ممتازة ولكن فعلياً إذا لم تكن هناك استقلالية فعلية للقضاء فهذا يعني أن الأمور ستبقى على حالها". 

ويُضيف "طالما النظام الطائفي فلا أمل بإصلاح. من دون دولة علمانية لن يتغير أي شيء وسيبقى حمايات طائفية، (بدءا) من رئيس الجمهورية ونزولاً إلى أصغر موظف". 

بين المنازل السكنية في الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية، يزرع حزب الله الموت.. صواريخ وذخائر في أقبية المباني والمستودعات.
بين المنازل السكنية في الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية، يزرع حزب الله الموت.. صواريخ وذخائر في أقبية المباني والمستودعات.

بين المنازل السكنية في الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية، يزرع حزب الله الموت.. صواريخ وذخائر في أقبية المباني والمستودعات.

قبل أيام، عرض الجيش الإسرائيلي مشاهد لقصف استهدف بنية تحتية قال إنها خُصصت لتخزين صواريخ دقيقة في الضاحية الجنوبية لبيروت، مؤكداً أنه دمرها بالكامل. لم تكن هذه المرة الأولى التي تنشر فيها إسرائيل مقاطع تُظهر استهداف مستودعات أسلحة لحزب الله تتطاير منها الذخائر والصواريخ وسط أحياء سكنية.

أعادت واقعة الضاحية الجنوبية تسليط الضوء على المخاطر الجسيمة التي تتهدد حياة المدنيين في مناطق نفوذ حزب الله.

الدروع البشرية تحمي السلاح؟

بلغ حزب الله من حال الارتباك والضعف درجة الاحتماء بالمدنيين، كما يقول المحلل السياسي الياس الزغبي وهذا ما يفسّر برأيه "تخزينه الأسلحة في عمق المناطق الآهلة وفقاً لما ظهر في الهنغار الذي استهدفته إسرائيل قبل بضعة أيام في الضاحية الجنوبية لبيروت".

وهذا ما يفسّر أيضاً وفق ما يقوله الزغبي لموقع الحرة "الإنذار الذي وجهته إسرائيل إلى المدنيين القاطنين في محيط هذا الموقع كي تتفادى نقمة عالمية في حال سقوط قتلى من الأهالي. ولوحظ هذه المرة أن فترة الانذار كانت أطول من سابقاتها بهدف إتاحة الوقت الكافي لإخلاء الأبنية المحيطة بالموقع المستهدف".

عملياً، لم يعد حزب الله يقيم وزنا للمدنيين، يقول الزغبي، بل لعلّه يفضل وفق ما يشدد "سقوط قتلى كي يستثير العواطف ويؤجج مشاعر بيئته، فهو يضع أولوية الحفاظ على سلاحه قبل أي أمر آخر، حتى لو سقطت أرواح بريئة. وبذلك يكون قد استبدل شعاره "السلاح يحمي السلاح" بشعار جديد "الدروع البشرية تحمي السلاح"!.

يذكر أن للبنانيين تجارب عديدة مع استخدام حزب الله للمناطق اللبنانية في سبيل أنشطته العسكرية، لا سيما في حرب عام 2006، حيث أجرت منظمة "هيومن رايتس ووتش" تحقيقاً موسعاً حول أداء حزب الله خلال تلك الحرب، بيّن أن الميليشيا التي تصنفها الولايات المتحدة منظمة إرهابية، عرّضت في مواقف عدة موثقة بالتواريخ والأمكنة حياة المدنيين للخطر، إما بسبب نشاطها العسكري أو بسبب إخفاء مخازن أسلحة بين المدنيين.

ووثقت المنظمة حينها عدداً من الحالات التي انتهك فيها حزب الله قوانين الحرب عبر تخزين الأسلحة والذخيرة في مناطق مأهولة وعدم بذل أي جهد بغرض إبعاد المدنيين الواقعين تحت سيطرته عن تلك المناطق.

ونقل التحقيق معلومات مفادها أن حزب الله خزن أسلحةً في مناطق مدنية بضواحي بيروت الجنوبية. وقابل مدنيين في الضاحية الجنوبية نقلوا لـ"هيومن رايتس ووتش" مشاهداتهم لتخزين ونقل الأسلحة من مبان سكنية في الضاحية الجنوبية والاحتماء في ملاجئ مدنية، وهو ما اعتبره التحقيق انتهاكاً للقانون الدولي الإنساني بتعريض المدنيين للخطر.

في حينها، رأت المنظمة أن الحالات التي قام بها الحزب بتخزين الأسلحة ونشر المقاتلين في أحياء كثيفة السكان، فإنه كان يرتكب انتهاكاً جسيماً لقوانين الحرب، تتضمن "اتخاذ المدنيين دروعاً".

مخاوف محلية وتحذيرات دولية

منذ سنوات، يواصل الجيش الإسرائيلي نشر صور ومقاطع مصورة تُظهر منشآت ومخازن ومصانع صواريخ تابعة لحزب الله، أقيمت وسط مناطق مدنية مأهولة، بعضها يقع قرب مدارس ومساجد ومرافق حيوية. وتتهم إسرائيل الحزب باستخدام السكان المدنيين كدروع بشرية وكساتر لتخزين سلاحه وتنفيذ مخططاته العسكرية، في حين ينفي حزب الله هذه الاتهامات بشكل متكرر.

"والمشكلة أن المدنيين لا حول لهم ولا قدرة على مواجهة ما يقرره حزب الله"، كما يقول الزغبي، "وهم مجبرون على تنفيذ مشيئته ولو على حساب استقرارهم وسلامتهم، لكنهم يتهامسون فيما بينهم عن المصيبة التي أوقعهم فيها الحزب ويناشدون الدولة لإنقاذهم ويسلّمون أمرهم لله".

وشكّل هذا الملف على الدوام محور تجاذب وخلاف داخلي في لبنان، في ظل رفض شريحة واسعة من اللبنانيين لتحويل مناطقهم إلى ساحات عسكرية، وقد برزت هذه المعارضة بشكل واضح في حادثة بلدة شويا في قضاء حاصبيا عام 2021، حين اعترض الأهالي على إطلاق صواريخ من منطقتهم، وقاموا بتوقيف راجمة تابعة لحزب الله. وتكررت مشاهد التوتر في بلدة الكحالة، حيث اندلع اشتباك بين سكان المنطقة وعناصر من الحزب، إثر سقوط شاحنة كانت تنقل أسلحة في قلب البلدة.

وشهدت السنوات الماضية تصاعداً في التحذيرات المحلية من خطورة هذه الممارسات، والتي لم يقتصر على الساحة اللبنانية فحسب، بل اتخذ أبعاداً دولية. ففي عام 2020، أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو، من على منبر الجمعية العامة للأمم المتحدة، عن وجود مصنع صواريخ في منطقة الجناح في بيروت، ما أثار موجة من الجدل والقلق. ورداً على الاتهامات، نظّم الجانب اللبناني جولة ميدانية لسفراء عدد من الدول الأجنبية إلى الموقع المذكور، في مسعى لنفي صحة الاتهامات الإسرائيلية وتأكيد خلو المنطقة من أي نشاط عسكري.

وعقب الحرب الأخيرة بين حزب الله وإسرائيل، عاد الحديث عن سلاح الحزب إلى الواجهة، في ضوء اتفاق وقف إطلاق النار الذي يستند إلى القرار الدولي 1701، والذي يشدد بدوره على تنفيذ القرار 1559 القاضي بحصر السلاح بيد الدولة اللبنانية ونزع سلاح الميليشيات.

خرق للقانون الإنساني

يفرض تخزين الأسلحة والصواريخ الالتزام بإجراءات دقيقة وبروتوكولات صارمة تأخذ في الحسبان مختلف الاحتمالات، بما في ذلك خطر الاستهداف، أو التعرض لخلل تقني، أو نشوب حريق، أو تلف المواد المخزنة. ويستدعي ذلك دراسة منهجية لمواقع التخزين، وضمان ابتعادها عن المناطق السكنية لتفادي أي أضرار محتملة. كما يشترط، في هذا السياق، تفكيك المقذوفات كالصواريخ وجعلها غير مفعّلة أثناء التخزين، بهدف الحد من تداعيات أي طارئ قد يؤدي إلى انفجارها أو تسرب مواد خطرة إلى محيطها.

ويلزم القانون الإنساني الأطراف المتقاتلة اتخاذ الاحتياطات اللازمة لحماية ما تحت سيطرتها من سكان مدنيين من الأخطار الناجمة عن العمليات العسكرية، ويشمل هذا تجنب إقامة أهداف عسكرية (كالأسلحة والذخيرة) في المناطق المكتظة بالسكان، وعند تعذر ذلك نقل السكان المدنيين بعيداً عن المناطق المجاورة للأهداف.

وتشدد اللجنة الدولية للصليب الأحمر على اتخاذ أقصى "الاحتياطات المستطاعة" خلال الحروب لتجنيب المدنيين آثار العمليات العسكرية، حيث تدعو لاتخاذ الخطوات المطلوبة للتعرف على الهدف العسكري المشروع "في الوقت المناسب وبالشكل الذي يعفي السكان المدنيين من الضرر قدر المستطاع".

ومن بين الاحتياطات، تجنب "إقامة أهداف عسكرية داخل المناطق المكتظة بالسكان أو بالقرب منها، وتدعو أطراف النزاع للسعي بجهد إلى "نقل ما تحت سيطرتهم من السكان المدنيين بعيداً عن المناطق المجاورة للأهداف العسكرية".

وتحذر من أنه لا يجوز لأطراف النزاع استخدام المدنيين لصالح "درء الهجمات عن الأهداف العسكرية" أو التذرع بوجودهم في "درء الهجوم عن الأهداف العسكرية، أو تغطية، أو تحبيذ، أو إعاقة العمليات العسكرية، وإذا استخدم أحد أطراف النزاع المدنيين كدروع يجب ألا يفعل الطرف الآخر مثله، وأن يستمر في اتباع قواعد القانون الإنساني الدولي، وتفادي الهجمات العشوائية واتخاذ الاحتياطات لحماية المدنيين".

معادلة مكشوفة

منذ توريط حزب الله للبنان بالحرب الأخيرة مع إسرائيل، تتعالى أصوات داخل لبنان وخارجه تطالب حزب الله بالالتزام الكامل بالقرارات الدولية، إلا أن الحزب لا يزال يرفض التخلي عن سلاحه في شمال الليطاني، ويضع شروطاً مسبقة للدخول في أي حوار وطني حول هذه المسألة.

من أبرز شروط الحزب، بحسب تصريحات مسؤوليه، أن أي نقاش حول تسليم سلاحه يجب أن يسبقه انسحاب إسرائيل من خمس نقاط في جنوب لبنان.

وحتى الآن لا تبدو الدولة اللبنانية وفق ما يقوله الزغبي "قادرة على حماية الناس من سطوة الحزب، وتتعامل بحذر شديد معه تخوفاً من التصادم وشبح الحرب الأهلية، لكن المجتمع الدولي لن يسمح باستمرار هذا الوضع الضاغط على الدولة، وقد بدأ يضعها أمام استحقاق نزع السلاح غير الشرعي ضمن مهلة محددة قبل أن تتمادى إسرائيل في عملياتها العسكرية".

وفي أي حال بات لبنان كما يشدد الزغبي "أمام معادلة مكشوفة: حصر السلاح فعلياً في يد الجيش أو التعرض المستمر للغارات الإسرائيلية. والمسألة ليست مفتوحة، بل تقاس بالأسابيع".