فرنسا-لبنان-بري-لودريان
لودريان استهل زيارته إلى لبنان بلقاء الرئيس اللبناني ميشال عون

استبق وزير الخارجية الفرنسي، جان إيف لودريان، لقاءاته بالسياسيين اللبنانيين، بتغريدة قال فيها إنه يزور لبنان "حاملا رسالة شديدة الحزم للمسؤولين اللبنانيين، وسنتعامل بحزم مع الذين يعطلون تشكيل الحكومة، واتخذنا تدابير (...) هذه ليست سوى البداية".

وكان لودريان أعلن، نهاية الشهر الماضي، أن بلاده فرضت قيودا على دخول شخصيات لبنانية تعتبر مسؤولة عن المراوحة السياسية، ولكن إلى الآن لم يتم الإفصاح عن الشخصيات المستهدفة ولا ماهية القيود وطبيعتها.

واستهل لودريان زيارته إلى لبنان التي تهدف إلى متابعة مصير المبادرة التي أطلقها رئيس بلاده إيمانويل ماكرون إثر انفجار مرفأ بيروت، بلقاء الرئيس اللبناني، ميشال عون، قبل أن ينتقل إلى عين التينة، ليلتقي رئيس مجلس النواب نبيه بري ولم يدل بعد اللقاءين بأي تصريح.

وتحدثت المعلومات أن لودريان شدد على أهمية "التعاون من أجل تشكيل حكومة وإلا سيدفع لبنان ثمن المماطلة الحاصلة من قبل المعطلين".

وفي قصر الصنوبر، استقبل لودريان رئيس  الحكومة البنانية المكلف سعد الحريري، وبعض النواب المستقيلين من مجلس النواب ومعهم ممثلين عن بعض مجموعات 17 أكتوبر، واستمع خلال اللقاء إلى وجهة نظر المجموعات التي شددت بحسب أحد الحاضرين على أن "لا ثقة لديهم بالطبقة السياسية وبقدرتها على التغيير، وأن الانتخابات النيابية هي الفصل".

واستمع الحاضرون من الوزير الفرنسي إلى رأي بلاده بما يحصل في لبنان، حيث شدد على أن "المعارضة بدأت تتكون وتتوحد وهذا أمر جيد ويؤسس للمستقبل وأن الانتخابات يجب أن تحصل في موعدها من دون تأجيل".

وكان لافتا خلال اللقاء الذي استمر أكثر من ساعتين أن الوزير الفرنسي لم يتحدث إطلاقا عن المبادرة الفرنسية، أي لم يأت على ذكرها بل فقط شدد على أهمية تشكيل حكومة لأنه من دون حكومة لن يكون هناك مساعدات للبنان".

وقال لودريان، خلال الاجتماع، إنه "لن يلتقي بمسؤولي الأحزاب الطائفية لأنهم مسؤولون عما وصلت إليه الحال في لبنان وأنهم إلى اليوم لم يقوموا بما يجب فعله لإنقاذ لبنان مما هو فيه".

وعلى الرغم من الغضب الشعبي والضغوط الدولية لتشكيل حكومة لبنانية جديدة تبدأ بتنفيذ إصلاحات مطلوبة وضرورية لفتح الباب أمام المساعدات الدولية، فإن الخلاف المستمر على توزيع الحقائب منذ استقالة حكومة حسان دياب يعرقل تشكيلها.

وبعد مرور ثمانية أشهر على استقالة حكومة دياب إثر الانفجار، ورغم ثقل الانهيار الاقتصادي والضغوط الدولية التي تقودها فرنسا خصوصا، لا تزال الأطراف السياسية عاجزة عن الاتفاق على تشكيل حكومة جديدة قادرة على القيام بالإصلاحات المطلوبة.

وفي المعلومات التي حصل عليها موقع "الحرة" فإن عدم الحديث عن المبادرة الفرنسية يحمل في طياته محاولة لفتح باب "تشكيل حكومة سياسية" أو أي حكومة كانت، من أجل الخروج من المأزق.

ووصلت معلومات إلى أكثر من جهة سياسية وحزبية في لبنان تشير إلى أن الفرنسيين يريدون الدفع نحو تشكيل حكومة حتى لو يعني هذا التراجع عن دعم تشكيل "حكومة مهمة" كما سُميت، والتي تولى الرئيس المكلف سعد الحريري تشكيلها بتكليف من غالبية في البرلمان اللبناني.

ولكن هذا التوجه يبدو أنه لا يلق ترحيبا في بيت الوسط إذ سرت شائعات في الأيام الماضية عن توجه لدى الحريري للاعتذار، وفي المعلومات التي حصل عليها موقع "الحرة" فإن هذا الاحتمال لا يزال مطروحا وبقوة لدى الحريري الذي "لن يُشارك في حكومة حزبية ولن يرأسها". 

وكان لافتا خلال اجتماعات لودريان في قصر الصنوبر قوله بشكل واضح لمن التقاهم إن "لبنان ليس فقط خارج الاهتمام الدولي، بل هو ليس حتى على طاولة البحث"، بحسب ما نقل المجتمعون معه، في إشارة إلى أن فرنسا اليوم وحيدة في الدفع نحو حل للأزمة أو بالحد الأدنى تشكيل "أي حكومة".

 

علي

"أنا مين؟" سأل نفسه، عائدا، على حدود الوطن.

لم يجد جوابا.

منذ غادر لبنان، لم يكن الاسم وحده ما تغيّر.

علي، الشاب الشيعي المنتمي لحزب الله منذ الطفولة، لم يقرر أن يولد عليًّا، ولم يكن يتخيل يومًا أن يصير إيلي، يقول.

من الكشافة إلى القتال

في بيت فقير، في جنوب لبنان، وُلد علي يتيمًا بين عشرة.

أمه، بلا سند، لم تجد ملاذًا سوى في الحزب الذي يفرض حضوره على كل تفصيل في المجتمع: من المدرسة إلى المستشفى، من الطفولة إلى السلاح.

هناك، لم تكن الحياة مجرد حياة؛ بل عقيدة. "نحن على الحق"، يرددونها صباحًا ومساءً. ومنذ الطفولة، صارت البندقية جزءًا من المنهج.

في عمر العاشرة، انضم علي إلى "كشافة الإمام المهدي"، حيث يبدأ الغرس العقائدي والعسكري معًا. "دورة محو الأمية" لم تكن كما توحي تسميتها؛ بل تدريبًا أوليًا على حمل السلاح. في الثانية عشرة، كان الطفل الصغير يعرف كيف يفكك البندقية، وفي الثالثة عشرة، كان يفتخر باستشهاد أصدقاء في التدريبات.

يصف علي دورات القتال بأنها "مزج من العسكر والعقيدة"، لكن العقيدة كانت الغالبة دائمًا. يتعلم المنتسبون أنهم يدافعون عن "أمة، عن شرف، عن طائفة"، وأن كل ما هو خارج هذا المسار مشبوه، خطر، أو "كفر".

عالم بالألوان

لكن العالم ليس أبيض وأسود. في سن الثامنة عشرة، بدأت تظهر تصدعات الشك. تعرّف علي على أصدقاء خارج "الخط"، وبدأ يرى شيئًا مختلفًا: حياة أخرى، حوارات، ضحك، نساء، ملابس ملونة، وموسيقى. كلها ممنوعة.

في إحدى الليالي، عاد إلى البيت متأخرًا، فصفعته أمه بركوة قهوة. تلك الصفعة لم تكن مجرد غضب أم، بل لحظة صدع.

"هل هذا هو الحق؟"، تساءل لأول مرة.

ومن هذا السؤال، بدأ كل شيء يتغير.

الهروب من القدر

رفض علي دعوة الحزب للانضمام إلى دورة تؤهله ليصبح "متفرغًا". كان يعلم أن القبول بها يعني بلوغ نقطة اللاعودة. فقرر أن يغادر. هرب من عائلته، من أصدقائه، ومن اسمه.

سافر إلى تركيا، ومنها حاول عبور البحر إلى أوروبا على "قوارب الموت". غرق ثلاث مرات. في كل مرة، كان الموت قريبا وكان كأنه يولد من جديد. أعادته النجاة إلى السؤال الأصلي: من هو؟ وماذا يريد أن يكون؟

من علي إلى إيلي

بعد فشل محاولة اللجوء، عاد إلى لبنان. في مطار بيروت، وقف حائرًا: لا أهل، لا أصدقاء، ولا خط عودة إلى الحزب. دق باب صديق قديم، فأتاه الجواب:

"في عائلة بدها حدا يساعدها... بس في مشكلة: اسمك علي".

ضحك، وقال: "خليه إيلي".

هكذا بدأ فصلاً جديدًا من حياته، يعيش مع عائلة مسيحية، يذهب معهم إلى الكنيسة، يشاركهم التراتيل، ويشعر لأول مرة بأنه إنسان، فقط إنسان.

"أنا مين؟" يعيد السؤال، هذه المرة بثقة أكبر. لا يريد أن يكون تابعًا، ولا أن يُملى عليه ما هو الحق وما هو الباطل. "بدي أكون إنسان يقرر، يشوف، يعرف".

تغير الاسم، بقي السؤال، لكن صارت لديه حرية البحث عن إجابة.