المصارف لم تسلم من غضب اللبنانيين.
المصارف لم تسلم من غضب اللبنانيين.

في 1 أبريل 2021، تقدم كُل من المحامين باسكال ضاهر وجيسيكا القصيفي وشربل شبير بطلب أمام مجلس شورى الدولة لوقف تنفيذ تعميم مصرف لبنان رقم 151 الذي يُحدد سعر صرف الدولار على المنصة بـ3900 ليرة لبنانية، قبل أن يصدر المجلس، الاثنين الماضي، قراراً بوقف تنفيذ التعميم، ليتلقفه مصرف لبنان سريعاً ويوقف العمل بالتعميم ما أثار محاوف من عدم قدرة المودعين على سحب من ودائعهم، إلا وفق سعر الصرف الرسمي أي 1507. 

وكان ساد في اليومين الماضيين نوع من الترقب لدى اللبنانيين كون لا شيء واضحاً فيما يتعلق بالقرار ومن المعني فيه وكيفية تطبيقه. الثابت الوحيد كان توجه الكثير من المودعين لسحب المال من المصارف (ATM) ليتأكدوا إن كان لا يزال بإمكانهم سحب أموالهم على سعر 3900 للدولار علماً أن قيمته في السوق السوداء بلغت اليوم أكثر من 13000 ليرة. 

ولم يتأخر مصرف لبنان كثيراً كي يستفيد من القرار ويسارع إلى العمل به، إذ أصدر بعد الظهر قراراً يقضي "بتعليق العمل بالتعميم رقم 151 الذي يسمح للمودعين بسحب أموالهم من حساباتهم بالدولار على سعر ٣٩٠٠ل ل للدولار استناداً للقرار الإعدادي الصادر عن مجلس شورى".   

وإلغاء التعميم 151، يعني أن المصارف تستطيع أن تُعطي الناس أموالها بالعملة الأجنبية وتحديداً الدولار على سعر صرف 1507 متحججة بالقرار الصادر عن مجلس الشورى، الذي وبحسب أكثر من خبير قانوني تحدث موقع "الحرة" معهم، لم يكن واضحاً من حيث كيفية تسديد أموال المودعين وبالتالي هذا ما يفتح الباب للمصارف كي تعود إلى التعامل بسعر 1507 ومضاعفة الخسارة على المودعين، وبدل أن تكون وفق السوق السوداء اليوم أي 70 بالمئة، صارت خسارة المودع توازي أكثر من 85 بالمئة من قيمة ودائعه. 

وفي هذا السياق، يقول الرئيس السابق لمجلس شورى الدولة، القاضي شكري صادر، في حديث لموقع "الحرة"، إن "قرار مجلس شورى الدولة مؤقت وليس نهائياً والمعني به هو مصرف لبنان، وعندما يتبلّغ الأخير وقف تنفيذ إجرائه، هو من عليه أن يتّخذ التدابير وأن يُبلغ المصارف بأي تعديل سيقره".

ويضيف: "اليوم تم إلغاء المنصة التي تعطي للمودع الإمكانية بأن يسحب أموالي أو جزءاً منها على سعر 3900 وأبقينا أمامه خيار السحب على سعر 1507 ليرة أي أقل بثلاث مرات، وطبعاً سعر منصة 12000 لا يعني المودعين بل هي أكثر للتجار وأصحاب المؤسسات وغيره". 

وبرأيه، فإن "المودع الصغير الذي راتبه بالطبع لا يكفيه، يسحب من مدخراته على سعر صرف 3900 كي يستطيع مواجهة الغلاء الحاصل، وبالتالي ما حصل من خلال هذا القرار أننا اليوم نحرمه من هذا الأمر، وبالتالي هو المتضرر الوحيد كون المودعين الكبار والذين لديهم الملايين سيتأثرون بشكل أقل". 

في المقابل، كان لافتاً البيان الصادر عن رابطة المودعين، إذ قالت: "قرار مجلس شورى الدولة أعاد فرض سيادة القانون، فيما باتت تصدر الاجتهادات الغريبة عن المنطق القانوني حماية لسلطة المصارف". 

وأضافت: "أهمية هذا القرار تكمن في تأكيده على عدم قانونية تحديد سعر الصرف بـ 3900 ليرة للدولار بناء على بدع حاكم مصرف، والتي تجاوزت القانون الذي يضمن إعادة الوديعة كما هي".

وأسئلة كثيرة تُطرح حول ماهية القرار وخلفيته وهل فعلاً شورى الدولة كان يعلم تبعاته، أم لديه معطيات أخرى كما يسأل أكثر من قانوني ومن بينهم رئيسه السابق، الذي يقول إن "القرار بالنهاية واضح، أي وقف العمل بالتعميم وهو تدبير مؤقت يُمكن للمجلس في حال رأى أن تبعاته سلبية أن يتراجع عنه".

وفيما كان الحديث عن أن تطبيق القرار قد يأخذ وقتاً، تبين العكس، ليأتي قرار مصرف لبنان بإلغاء التعميم رقم 151 ليخلط الأوراق من جديد، ويقول صادر: "عادة مجلس الشورى يمتاز ببعد النظر، لا أعلم إن كان لديهم معطيات معيّنة استندوا إليها في قرارهم ولكن بالمجمل ما سيحصل هو أن المودع سيدفع الثمن". 

ويبقى السؤال هل كان مجلس الشورى على علم بما سيحصل وهل هو مُدرك لتبعات القرار؟ يقول صادر: "التدبير مؤقت ويمكن لمجلس الشورى التراجع عنه إذا رأى أن نتائجه أتت عكسية"، وبالتالي في انتظار ما سيكون عليه الواقع يوم غد الخميس إن من ناحية المودعين ورد فعلهم أو من ناحية موقف مجلس الشورى الذي طرح العديد من علامات الاستفهام. 

لبنان حزب الله

يترقب اللبنانيون أول اختبار لقياس حجم التأييد الشعبي لحزب الله بعد الخسائر التي مُنّي بها، والدمار الذي لحق بالسكان، والبلد عموما، جراء الحرب مع إسرائيل.

وستعبر نتائج الانتخابات البلدية المقررة في مايو المقبل، ضمنا، عن مزاج الشارع، الشيعي خصوصا، حيال قضايا أبرزها سلاح الحزب وتقاعسه في إعادة إعمال المناطق المتضررة جراء الحرب.

يأتي ذلك على خلفية حالة تملل، متزايدة، من تداعيات الحرب، وما رافقها من دمار واسع في القرى الجنوبية، ونزوح آلاف العائلات من مناطقها، وتراجع في الخدمات الأساسية، إلى جانب أزمات اقتصادية خانقة.

وبينما يحاول حزب الله الإيحاء بتماسك قاعدته من خلال رفع شعارات بعيدة عن الواقع، فإن جزءا من جمهوره بات يبحث عن حلول ملموسة لأزماته اليومية، ولإعمار ما دمرته الحرب، بعيدا عن الخطابات الأيديولوجية.

المؤشرات كثيرة إلى أن الباب بات مشرعا أمام تغييرات مفصلية في المشهد المحلي، ولو على مستوى بعض البلديات، ويرجح مراقبون، تحدثوا موقع "الحرة"، أن يقول الشارع الشيعي كلمته بشأن حزب الله في الانتخابات النيابية  2026.

تحدي الانتخابات

رغم الدمار الهائل الذي خلفته الحرب لا سيما جنوب لبنان، ورغم استمرار عمليات الاغتيال الإسرائيلية ضد عناصر من حزب الله واستهداف ترسانته العسكرية، "تتجه السلطات اللبنانية إلى إجراء الانتخابات البلدية، بعد أن كانت قد أجلتها لعامين متتاليين دون مبرر قانوني أو مقنع، متذرعة تارةً بغياب التمويل وتارةً أخرى بأوضاع أمنية ولوجستية"، كما يقول الباحث في تطوير القوانين والأنظمة الانتخابية، عاصم شيّا.

وفي حديث لموقع "الحرة"، يرى شيا أن "المشكلة الحالية التي تواجه إجراء الانتخابات البلدية ليست تقنية بقدر ما هي تنظيمية، خاصة في البلدات الجنوبية المدمرة". 

"هناك خياران أمام الجهات المعنية: إما نصب خيام داخل البلدات المتضررة إذا أصرّ السكان على الاقتراع فيها، أو نقل مراكز الاقتراع إلى بلدات مجاورة أكثر استقرارًا، على أن تُستخدم مبانٍ عامة مثل المدارس، الحسينيات، أو الكنائس لهذا الغرض".

لكن التحدي الأبرز، بحسب شيا، يكمن في تأمين "هيئة القلم"، أي الموظفين المكلفين بإدارة العملية الانتخابية، ومعظمهم من النساء العاملات في القطاع العام، لا سيما في التعليم، واللواتي يُبدين تحفظًا على التوجه إلى مناطق غير آمنة.

وتجدر الإشارة إلى أنه بحسب تقرير التقييم السريع للأضرار والاحتياجات في لبنان لعام 2025، الصادر عن البنك الدولي في 7 مارس، تقدّر احتياجات إعادة الإعمار والتعافي في أعقاب الصراع الذي شهده لبنان بنحو 11 مليار دولار أميركي.

ويعد قطاع الإسكان الأكثر تضرراً، مع أضرار تقدَّر بنحو 4.6 مليار دولار، فيما بلغت الأضرار التي لحقت بالمقومات المادية 6.8 مليار دولار.

أما من الناحية الجغرافية، فيشير التقرير إلى أن أكثر المناطق تضرراً هي محافظتا النبطية والجنوب، تليهما محافظة جبل لبنان التي تضم الضاحية الجنوبية لبيروت.

حقل تجارب؟

يلاحظ الباحث عاصم شيا، الذي يراقب الأنماط الانتخابية منذ عام 2009، أن القوى السياسية استخدمت الانتخابات البلدية عام 2016 كـ"حقل تجارب" لقراءة المزاج الشعبي، بعدما راودها القلق من قانون الانتخاب رقم 25/2008 (قانون الستين)، الذي أصبح يشكل خطراً عليها بسبب تطور وعي الخصوم المستقلين.

يقول شيا إن "تأجيل الانتخابات النيابية عامي 2013 و2015، مقابل إجراء الانتخابات البلدية عام 2016، كان مدروساً، الهدف منه مراقبة اتجاهات الناخبين. وفعلاً، كشفت الانتخابات عن نقمة واسعة، ما دفع الأحزاب إلى اللجوء إلى تكتيكات جديدة، أبرزها الدفع بمرشحين "نظيفي الكف" وغير حزبيين ظاهرياً، ليترأسوا اللوائح، ثم إحاطتهم بأعضاء بلديين حزبيين يضمنون ولاء المجلس للحزب. هذه المقاربة ساعدت في ضمان المكاسب لاحقاً في انتخابات 2018".

كذلك، "تم اللجوء إلى توظيف آلاف في مؤسسات رسمية رغم عدم الحاجة الفعلية إليهم، كما جرى التعاقد مع أعداد كبيرة في الوزارات، خصوصاً التعليم، فيما اعتُبر رشوة انتخابية مقنّعة لتأمين الأصوات".

اليوم يتكرر المشهد نفسه، بحسب شيّا، "تُسرع القوى السياسية إلى إجراء الانتخابات البلدية لا لمعالجة أزمات المجالس، بل لرصد اتجاهات الناخبين، تمهيداً لاستخدام الوظائف العامة والعسكرية مجددًا كأداة لاستمالة الأصوات"، فهذه الانتخابات، في نظره، ليست سوى مختبر سياسي يساعد القوى التقليدية على إعادة تنظيم صفوفها استعداداً للمعركة الأهم: انتخابات 2026 النيابية.

في المناطق التي تعرف بـ"الحاضنة" لحزب الله، يعاني معظم السكان، الذين تعرضت منازلهم للتدمير جزئياً أو كلياً، من بطء الإجراءات المتعلقة بإعادة الإعمار، إضافة إلى تأخر استجابة الحزب لتقديم التعويضات اللازمة لترميم المنازل أو تعويض الأثاث المتضرر.

وقال الأمين العام لحزب الله، نعيم قاسم، بشأن إعادة إعمار المناطق المتضررة من الحرب، في 14 ديسمبر، أن "إعادة الإعمار مسؤولية الدولة،" التي تعاني أصلا من أزمة مالية خانقة. ودعا "الأشقاء العرب والدول الصديقة في المساعدة في إعادة الاعمار".

صراع عائلي تحت رايات حزبية؟

لا تعكس الانتخابات البلدية بالضرورة موازين القوى السياسية بشكل دقيق، وفقا لشيّا، "لأنها غالباً ما تكون امتداداً لصراعات عائلية داخلية.

"قد تُطرح لوائح تبدو متنافسة لكنها في الواقع تابعة للحزب نفسه، تختلف فقط حول المواقع أو التفاصيل، في مشهد يختلط فيه النفوذ العائلي بالحسابات الحزبية"، يقول شيا.

وعند تحليل تأثير الحرب الأخيرة على توجهات الناخبين، يرى شيّا ضرورة التمييز بين فئتين "الأولى تضمّ مؤيدي حزب الله، الذين رغم تضررهم من الحرب، زاد ارتباطهم به. أما الفئة الثانية، فهي من الشيعة غير المنضوين ضمن الثنائي الشيعي، هؤلاء يبدون استياءً واضحاً من الحرب ويحملون "الثنائي" مسؤولية ما جرى. ويُتوقع أن تتخذ هذه الفئة موقفاً مغايراً في الانتخابات المقبلة".

ويرى الكاتب، الصحفي مجد بو مجاهد أن "ثمة طابعا مجتمعيّا خاصا باستحقاق الانتخابات البلدية والاختيارية في لبنان في غالبية المناطق اللبنانية بخاصّة في القرى، ولا يمكن الحديث عن طابع سياسي سوى في بعض المدن الكبرى المتنوعة طائفياً كمدينة بيروت. 

"لذلك لا يمكن اعتبار الاستحقاق البلديّ بمثابة مقياس للتوجه الشعبيّ السياسي لدى المواطنين الشيعة أو سواهم من المواطنين اللبنانيين، من دون إغفال أنّ ثمة مدناً يغيب عنها التنافس السياسي في الاستحقاق الانتخابيّ البلديّ الحاليّ رغم أنه كان ظاهراً في استحقاقات بلدية سابقة".

اللافت وفق ما يقوله بو مجاهد لموقع "الحرة" أنّ "الأجواء الشيعية المجتمعية لا تبدو مهتمّة في استحقاق الانتخابات البلديّة مقارنة مع بيئات مجتمعية مغايرة تتطلّع بحيوية نحو خوض الاستحقاق والتنافس بين اللوائح على مستوى مجتمعيّ، لا سياسي".

ويشرح: "خروج المجتمع الشيعي من حرب ألحقت به خسائر كبرى، منها ضرب البنى التحتية والأراضي، سبب لتراجع الاهتمام الشيعي بخوض تنافس مجتمعيّ على الانتخابات البلدية، ولذلك كانت لافتة ظاهرة تشكيل لائحة واحدة فحسب في كثير من البلدات بعيداً عن خوض منافسة بين اللوائح".

إذا تضاعفت النقمة على "الثنائي الشيعي" _ أي حزب الله وحركة أمل _ من المواطنين في المناطق ذات الحضور الشيعي، فإنها ستظهر، وفق بو مجاهد، "في استحقاق الانتخابات النيابية المقبلة، لا في استحقاق الانتخابات البلدية".

"حتى الآن، هناك امتعاض شيعيّ واضح من حزب الله بخاصة بسبب تأخّر إعادة الإعمار، لكنّ تطوّر ذلك الامتعاض من عدمه سيكون مرتبطاً بما ستعرفه الأشهر اللاحقة من متغيرات".

النزاهة موضع شك؟

الحديث عن انتخابات نزيهة "غير واقعي"، يشدد شيّا، "لا بسبب حزب الله فقط، بل بسبب جميع الأحزاب التي تسيطر على مناطق نفوذها بشكل كامل ومدروس، ما يقيد قدرة المعارضين على خوض المعركة بتكافؤ".

يستشهد شيا بلائحة معارضة في بعلبك "تواجه صعوبات جمّة في التواصل مع الناخبين، في وقت تُستغل فيه الحرب والخطاب السياسي في الجنوب لتأليب الرأي العام عبر العاطفة، خصوصاً من قبل حزب الله وحركة أمل".

ويؤكد أن المعركة البلدية يجب أن تبقى محلية الطابع، "هدفها تحسين الخدمات وتفعيل دور البلديات". ويذكّر شيّا أن "الثنائي الشيعي لم يحصل في انتخابات 2022 النيابية على أكثر من 47% من أصوات الناخبين الشيعة مجتمعَين"، ما يعكس تراجعاً في شعبيته.

أما بو مجاهد فيرى أنه "قد يكون لتسليم حزب الله سلاحه والتقليل من سيطرته على المناطق الشيعية إذا حصل، نتائج تسرّع الحلول في المناطق المتضرّرة من الحرب".

ويضيف "كيفية تغيّر المزاج الانتخابي داخل البيئة الشيعية ستظهر في الانتخابات النيابية السنة المقبلة، لا في الانتخابات البلدية التي ستحصل خلال أسابيع. وتالياً، لا ترجيحات في قدرة الانتخابات البلدية على التغيير، والرهان سيكون على الانتخابات النيابية".