التدقيق الجنائي في حسابات مصرف لبنان أبرز بنود خطة النهوض الاقتصادي
استمرار تداعيات قرار مجلس شورى الدولة في لبنان القاضي بوقف العمل بالتعميم رقم 151 الصادر عن مصرف لبنان

لم تنته تداعيات قرار مجلس شورى الدولة القاضي بوقف العمل بالتعميم رقم 151 الصادر عن مصرف لبنان، والذي يُحدد سعر صرف الدولار على 3900 ليرة، فيما السعر الرسمي 1507 وسعر السوق السوداء بلغ في اليومين الماضيين ما يفوق 13 ألف ليرة للدولار الواحد. 

أمس الأربعاء، كان اللبنانيون في انتظار ما سيحصل بعد القرار. لم ينتظر حاكم مصرف لبنان رياض سلامة طويلا قبل أن يُعلن عبر بيان وقف العمل بالتعميم رقم 151، قبل أن يعود بعد ساعات، ليقول إنه نظرا لأهمية التعميم 151 للاستقرار الاجتماعي وتنشيط الحركة الاقتصادية في البلد على أنه سيتقدم غدا بمراجعة لدى مجلس شورى الدولة لكي يعيد النظر بالقرار الذي اتخذه بما يتعلق بهذا التعميم".

اليوم الخميس، لم يُلغ أي مصرف العمل بالتعميم 151، بقيت المنصة تعمل وكان باستطاعة أي كان أن يسحب المال على سعر 3900 وليس 1507. توازياً، استدعى رئيس الجمهورية ميشال عون كُل من سلامة ورئيس مجلس شورى الدولة القاضي فادي الياس، للبحث بموضوع القرار والتعميم، بحضور مستشار رئيس الجمهورية الوزير السابق سليم جريصاتي. 

وبنتيجة اللقاء، تقرّر، وفق ما تقوله رئاسة الجمهورية، "اعتبار التعميم 151 الصادر عن مصرف لبنان ما زال ساري المفعول بما أنه لم يتبلغ صورة صالحة للتنفيذ عن القرار الإعدادي لمجلس شورى الدولة بوقف تنفيذه وتقدم بمراجعة لدى المجلس المذكور تضمنت عناصر إضافية جديدة لم تكن واردة في الملف"، وهو كلام معاد لما كان قد صرح به سلامة إثر الاجتماع في بعبدا. 

ماذا يعني هذا الكلام وما الذي جرى منذ يومين إلى الآن؟ 

تقول المحامية وعضو رابطة المودعين ديالا شحادة في حديث لموقع "الحرة": "مصرف لبنان قام بردين، المرة الأولى قال تبلغنا، ومن ثم يقول لم نتبلغ صورة صالحة للتنفيذ، وبالتالي يدخل بأمور إجرائية لكي يتخلص منه وأسوأها لجوؤه إلى السياسيين للتنصل من تنفيذه كما رأينا في الاجتماع الذي حصل في بعبدا، واليوم ليس هناك أي صلاحية لجهة غير قضائية في أن تفسر قرار قضائي أو قانون". 

تُضيف: "ما حصل اليوم هو انتهاك سافر لصلاحية القضاء بالاشتراك بين رئيس الجمهورية، والحاكم وكل من حضر هذا الاجتماع الذي أقل ما يُقال فيه أنه يُشوّه ما تبقى لدينا من صورة عن القضاء وعن المؤسسات واستقلاليتها في عملها". 

وكان موقع "الحرة" تحدث لرئيس مجلس شورى الدولة السابق القاضي شكري صادر الذي قال إن "التدبير مؤقت ويمكن لمجلس الشورى التراجع عنه إذا رأى أن نتائجه أتت عكسية"، وعليه يظهر أن اجتماع بعبدا دفع مجلس الشورى ليتراجع عن القرار، فيما يقول القانونيون إن المخرج الذي تم اليوم لم يحفظ ماء وجه القضاء كما يعتد من حضروا الاجتماع بل على العكس تماماً. 

المصارف لم تسلم من غضب اللبنانيين.
مصرف لبنان ومجلس الشورى.. غموض بشأن "القرارين"
في 1 أبريل 2021، تقدم كُل من المحامين باسكال ضاهر وجيسيكا القصيفي وشربل شبير بطلب أمام مجلس شورى الدولة لوقف تنفيذ تعميم مصرف لبنان رقم 151 الذي يُحدد سعر صرف الدولار على المنصة بـ3900 ليرة لبنانية، قبل أن يصدر المجلس، الاثنين الماضي، قراراً بوقف تنفيذ التعميم. 

وتعود شحادة للقرار بحد ذاته لتؤكد: "المهم أكثر في القرار أنه يقول بشكل واضح إنه من غير القانوني تسليم الوديعة بغير العملة التي أودعت فيها بغض النظر عن سعر الصرف، يعني ما يحصل اليوم غير قانوني في ظل استحداث بدعة التصريف البدلي أي على سعر 3900 والتي كانت من أجل أن يخففوا من غضب الناس على المصارف، وبالتالي أتى القرار لكي يُلزم المصارف بتسليم أموال المودعين بالعملة التي أودعت فيها". 

ولكن كيف سيسلمون أموال المودعين طالما الأموال تبخرت كما يقول غالبية المطلعين على الواقع المالي في البلد؟ تقول شحادة: "ليبيعوا بعض المصارف أو يقفلوا الفروع التي نبتت بشكل غير معقول. بلد مثل لبنان فيه أكثر من 30 مصرفاً بينما بريطانيا فيها 10 مصارف. وبالتالي دمج وتسكير مصارف يفترَض معه أن يعود الوضع المالي لأن يكون طبيعياً ومتوازيا مع حجم الاقتصاد اللبناني". 

وتُضيف: "والأسوأ كلام سلامة بعد الاجتماع أن الودائع ستُرد، فهو إما أنه يكذب كما فعل السنة الماضية حين قال لنا إن الليرة بألف خير أو أنه فعلاً الدولارات موجودة بعكس ما كانوا يقولون لنا منذ أكثر من سنة إلى اليوم".

في المحصلة، أُلغي القرار، أو وُجد مخرج لمصرف لبنان والمصارف كي يبقى الدفع بالليرة اللبنانية وعلى سعر 3900، فيما يبدو أن استحصال المودعين على أموالهم بالعملة التي أودعوا بها، صار من المستحيل بحسب الاقتصاديين، وإن كانت السلطة لا تزال إلى اليوم تقول إن الأموال موجودة. 
 

حزب الله والسلاح الفلسطيني

لبنان يتغير.

سقط النظام السوري. خسر حزب الله حربا جديدة مع إسرائيل. والدولة تبدو جادة في سحب سلاح الحزب.

لكن يظل سلاح آخر، سلاح التنظيمات الفلسطينية في لبنان، وهو أقدم من سلاح حزب الله، وربما يكون ورقة يستخدمها الحزب في مستقبل صراعاته داخل الحدود، وخارجها، وفق محللين.

نظام سقط وجيش تحرك

بعد سقوط نظام بشار الأسد وراء الحدود، في سوريا الجارة، شن الجيش اللبناني ما سماها عملية "إجهاز" على كل المراكز المسلحة خارج المخيمات الفلسطينية، في قوسايا والسلطان يعقوب وحشمش في البقاع شرق لبنان، وهي مراكز كان يدعمها نظام الأسد.

وأعلن الرئيس اللبناني جوزاف عون أن الجيش تسلم ستة مواقع فلسطينية وضبط ما فيها من أسلحة ومعدات.

لجنة الحوار اللبناني الفلسطيني أعلنت، من جانبها، خلو لبنان من أي سلاح فلسطيني خارج المخيمات.

لكن، ماذا عن السلاح داخل المخيمات؟

موقف الحكومة واضح. البيان الوزاري الصادر في السابع عشر من أبريل أكد التزامها ببسط سيادة الدولة على جميع أراضيها "بقواها الذاتية حصراً".

لكن المحلل السياسي اللبناني علي الأمين يقول لـ"الحرة" إن السلاح وإن كان سحب بالفعل من قوات فلسطينية في المناطق اللبنانية كلها، لكن تظل هناك أسلحة في مراكز لحركتي حماس والجهاد الإسلامي في مناطق تابعة لنفوذ حزب الله خصوصاً في ضاحية بيروت الجنوبية.

ويتحدث الأمين عن خلايا لحماس والجهاد الإسلامي "تحت حصانة وإدارة حزب الله ولا تزال موجودة حتى اليوم وتعمل بغطاء من الحزب وتحت إدراته". لكن الأسلحة الموجودة في هذه المراكز من النوعية المتوسطة مثل صواريخ 107 وصواريخ كاتيوشا وبعض المسيرات.

تاريخ إشكالي

منذ عقود، وملف السلاح الفلسطيني له دور محوري في توازنات لبنان، داخليا بين أقطابه السياسية، وخارجيا في علاقاته مع الإقليم.

اتفاق القاهرة الموقع عام 1969 سمح للفلسطينين بالتسلح ضمن المخيمات، والعمل عسكريا ضد إسرائيل انطلاقاً من الأراضي اللبنانية.

بعد سنوات قليلة، عام 1975، كان الاتفاق فتيلة أخرى أدت لانفجار الحرب الأهلية.

وفي يونيو 1987، وقع الرئيس اللبناني أمين الجميل، قانوناً يلغي اتفاق القاهرة مع منظمة التحرير، بعدما صوت البرلمان اللبناني على إلغائه.

لكن ظل السلاح الفلسطيني موجوداً. وخاض فلسطينيون معارك ضد جهات لبنانية وغير لبنانية. لكن دوره في المعارك مع إسرائيل ظل محدودا بعد ما استأثر بها حزب الله منذ بداية الثمانينات.

يعيش في لبنان، حسب تقرير للدولية للمعلومات، حوالي 300 ألف لاجئ فلسطيني، يتوزعون على 12 مخيما، أكبرها مخيم عين الحلوة (50 ألف نسمة) قرب صيدا، جنوب لبنان.

وتنشط عسكريا في لبنان حركة "فتح"، أقدم الحركات الفلسطينية، ولرئيسها محمود عباس موقف معلن يؤيد تسليم السلاح الموجود داخل المخيمات للدولة اللبنانية ضمن خطة أمنية واضحة وضمانات لحماية المخيمات.

تنشط كذلك حركة "حماس"، وهي حليفة لحزب الله، وتعرض عدد من قياداتها لاستهداف إسرائيلي في لبنان منذ اندلاع حرب غزة، أبرزهم صالح العاروري، الذي اغتالته إسرائيل في ضربة بالضاحية الجنوبية لبيروت في الثاني من يناير عام 2024، وحسن فرحات الذي اغتيل في الرابع من أبريل 2025 في صيدا.

وفي لبنان أيضا، نشطت "الجبهة الشعبية– القيادة العامة"، وهو فصيل احتفظ بمواقع عسكرية في البقاع بدعم سوري.

وينشط أيضا تنظيمان سلفيان هما "عصبة الأنصار" و"جند الشام"، ويتركزان في مخيم عين الحلوة ويُعدان من بين الأكثر تطرفاً.

كذلك، في السنوات الأخيرة، ظهرت تنظيمات عصابية مسلحة في غير مخيم تنشط في تجارة المخدرات وغيرها من الأنشطة الإجرامية.

"خرطوشة أخيرة"

تقدر مصادر أن 90 في المئة من السلاح في المخيمات هو سلاح فردي، لكن بعض المخازن تحتوي على ذخيرة من الصواريخ.

وتتولى لجان فلسطينية أمن المخيمات.

وتؤكد مصادر فلسطينية أن الجيش يسيطر بشكل كامل على مداخل هذه المخيمات ومخارجها في المناطق اللبنانية كافة، لكن لا سيطرة فعلية له بعد داخل هذه المخيمات.

يقول المحلل السياسي علي الأمين إن السلاح الموجود داخل المخيمات أو المراكز الأمنية القليلة المتبقية خارجه مرتبط بشكل كبير بسلاح حزب الله.

يضيف "الفصائل الفلسطينية الأساسية والرئيس الفلسطيني محمود عباس لا مانع لديهم من تسليم السلاح الموجود داخل المخيمات"، لكن حزب الله والأحزاب الموالية له ترفض تسليم هذه الأسلحة للتمسك بورقة ضغط على الحكومة اللبنانية واستعمالها كـ"خرطوشة أخيرة قبل الاستسلام".

ويرى الأمين أن سحب السلاح من المخيمات مرتبط بشكل وثيق بسلاح حزب الله وأن الأخير يقوم بإدارة ومراقبة هذا السلاح خصوصاً التابع لحركتي حماس والجهاد الإسلامي الموجود داخل المخيمات وخارجها كون الحزب كان المصدر الأساسي لهذه الأسلحة في مرحلة سابقة.

شمال الليطاني

حصر السلاح بيد الدولة اللبنانية لم يعد مطلبا دوليا فقط.

على وقع قرارات دولية (1701 و1559)، وبالتزامن مع إعادة طرح قانون بايجر 6 في الكونغرس مرة ثانية في مارس 2025، أعلن الجيش اللبناني أنه ضبط منطقة جنوب الليطاني، وسيطر على أكثر من 500 هدف ونقطة كانت تابعة لـ "حزب الله".

واليوم تتجه الأنظار إلى شمال الليطاني والخطوة التالية التي ستتخذ لضبط السلاح، كل السلاح، في لبنان.