لقاء سابق بين سعد الحريري والرئيس ميشال عون بحضور نبيه بري
القانون اللبناني لم يضع آليات لـ"إلغاء التكليف" بالنسبة لرئيس الوزراء.. والحل الوحيد هو "انتخابات جديدة"

قبل يومين، عقد المجلس السياسي في التيار الوطني الحر في لبنان اجتماعه الدوري إلكترونيا بسبب جائحة كورونا، وخلص إلى دعوة لانتخابات نيابية مبكرة علما بأن رئيس التيار، جبران باسيل، كان قد صرح قبل حوالي أسبوعين أن "الحالة الوحيدة لسحب التكليف من (الرئيس المكلف) سعد الحريري هي باستقالة مجلس النواب، لكن الوقت غير مناسب لانتخابات مبكرة لن تُغيّر في الواقع السياسي ولن تُعالج المشاكل".

لكن الأمور على ما يبدو تغيرت، فقد اعتبر المجلس السياسي في بيانه، السبت، "أنه في حال الإصرار على عدم تشكيل حكومة، وفي ضوء الانحلال المتسارع في بنية المؤسسات، وامتناع الحكومة المستقيلة عن القيام بواجباتها في تصريف الأعمال (..) فإن خيار تقصير ولاية مجلس النواب سيصبح عملاً إجبارياً وإن كان سيتسبب بمزيد من هدر الوقت، فيما لبنان بأمسّ الحاجة للإسراع بإقرار القوانين الإصلاحية".

أفق مسدود

 إذاً ما الذي تغير في الأسبوعين الفارقين بين موقف باسيل وبين الموقف المعاكس للمجلس السياسي الذي أيضاً يرأسه باسيل ويدين بالولاء له؟ يقول عضو المجلس السياسي في التيار وليد الأشقر في حديث لموقع "لحرة": "وصلنا إلى أفق مسدود في موضوع تشكيل الحكومة ولا شيء في الدستور يسمح بسحب التكليف من رئيس الحكومة المكلف سعد الحريري وبالتالي لا خيار أمامنا سوى الانتخابات".

 وكان الرئيس اللبناني، ميشال عون، قد أرسل رسالة أشبه بمطالعة إلى مجلس النواب قبل نحو ثلاثة أسابيع "للشكوى من أداء الرئيس المكلف"، وقال فيها إنه "لا يجوز أن تبقى أسباب التأخير موضع تكهن أو اجتهاد ولا أن تأسر التأليف إلى أفق غير محدد، وعلى الرئيس السهر على عدم نشوء أعراف دستورية خاطئة عند التأليف".

لم تصل الرسالة إلى المراد منها. عليه، يقول الأشقر: "بموضوع عدم القدرة على تشكيل حكومة فنحن أمام خيارين، الأول اعتذار الرئيس المكلف وهذا يبدو مستحيلاً، والثاني إيجاد مخرج قانوني وهذا ما لم يحصل وغير ممكن أيضاً وبالتالي في ظل عدم القدرة على تغيير هذا الواقع دستورياً فإن الحل المتبقي هو إجراء انتخابات نيابية مبكرة يدعو رئيس الجمهورية على أثرها إلى استشارات نيابية لتكليف شخصية جديدة بتشكيل حكومة جديدة".

ولا يوجد ضمانات فعلية بعدم تسمية الحريري مرة جديدة لتأليف الحكومة ويبقى الرهان حول النتائج وما إذا كانت قد تؤدي إلى تغير كبير في التحالفات والتطلعات السياسية لكُل فريق، فيما يبدو أن الكتلة الشيعية الوازنة لن تزيح عن الحريري حتى لو بانتخابات جديدة وفي معلومات موقع "الحرة" فإن "التوجه لدى الثنائي لتمتين التحالف مع الحريري لما فيه من مصلحة مشتركة للطرفين"، فيما لا يبدو أيضاً أن الأطراف الأخرى لن تعود لتأييد الحريري مرة جديدة بعد الانتخابات.

 وكانت عدة شركات استطلاع رأي وإحصاء قد أجرت استطلاعات مختلفة حول المزاج العام للناخبين في حال إجراء انتخابات نيابية مبكرة وجاءت نتائجها متراوحة بين شركة وأخرى إلا أن الثابت أن الأحزاب السياسية تتراجع ولكن بنسب ليست كبيرة كما كان الحال في ظل احتجاجات 17 أكتوبر 2019.

 وذكر استطلاع للرأي أجرته "الدولية للمعلومات" أن "أقـل مـن نصـف المستطلعين (47.4 في المئة) الذين شاركوا في الانتخابات النيابية في العام 2018 قالوا أنهم سيعاودون الاقتراع للجهة ذاتها التي اقترعوا لهـا في حال إجراء انتخابات نيابية اليوم مقابل 27 في المئة ذكروا أنهم سيقترعون لجهة أخرى و11.2 % فضلوا المقاطعة. ورفـض 3.4 % مـن المسـتطلعين الإجابـة عـلى هـذا السـؤال فيمـا أجابـت نسـبة 10.4 % بــ لا أعـرف و0.6 % حسـب قانون الانتخاب".

نتائج متشابهة

يقول الأشقر: "لدينا الجرأة للدعوة إلى انتخابات نيابية مبكرة ولنقول إننا جاهزون لها بالرغم من أن البعض يدعي أننا تراجعنا ولكن الثابت أن الكتلة الشعبية التي كانت معنا في السنوات الماضية وساهمت في وصولنا إلى البرلمان بالحجم الذي نحن عليه لا تزال كما هي"، ويضيف: "قد يكون هناك تراجع ولكن كما كل الأحزاب في لبنان هذا التراجع كمعدل عام يبلغ 5٪ والأهم من كل هذا أن من تركنا لم يذهب إلى مكان آخر".

 يعبر الأشقر عن ثقته وبالتالي ثقة تياره في أن نتائج الانتخابات النيابية المبكرة لن تكون مغايرة لما كانت عليه الحال في عام 2018، ويستند في هذا التحليل إلى أن "المجتمع المدني مشرذم وإذا أخذنا مثلاً كسروان الفتوح، لم يستطيعوا أن يأتوا بحاصل انتخابي يخوّلهم من دخول البرلمان ولو بنائب في تلك المنطقة".

واستطاع التيار الوطني الحر في الانتخابات الماضية أن يدخل البرلمان بعدد كبير من النواب وصل إلى 29 نائباً قبل أن يغادره 5 نواب بعد احتجاجات أكتوبر 2019، وكان تحالف فيها مع تيار المستقبل الذي يشتبك معه اليوم ولا يزال اللبنانيون يتذكرون كيف دعا الحريري مناصريه للتصويت "لصديقه جبران"، قبل أن يفترقا ويخوضان اليوم معركة طاحنة فيما بينهما. 

 لكن ماذا عن قانون الانتخاب؟ يقول الأشقر: "لا تغيير لقانون الانتخاب. الانتخابات ستجري على القانون نفسه وإن كان هناك من تعديلات فستكون طفيفة من أجل تحسينه، كإنشاء "الميغا سنتر" والبحث في دائرة الزهراني التي أُلحقت بصور بطريقة غير مقنعة".

 أكثر من ذلك، يُراهن اليوم التيار الوطني الحر على "القوات" بالرغم من الجفاء بين الحزبين، إذ يقول الأشقر: "نحن إلى اليوم نتفق مع القوات اللبنانية على أن القانون الحالي هو القانون الأفضل".

وهذا الاتفاق في الظاهر، لا يُلغي المعركة التي ستجلبها الانتخابات بين الحزبين المسيحيين الساعيين لتثبيت وجودهما كُل على حساب الآخر، فيما يبدو أنها مرحلة متقدمة من معركة رئاسة الجمهورية التي بدأت تُخاض مبكراً ويبدو باسيل مرشحاً محتملاً لها، فيما لم يُعلن جعجع نيته الترشح علانية.

 "رئيس مُكلف مكتف الأيدي ولا يريد أن يقوم بأي شيء"، يقول الأشقر في معرض توصيفه الأسباب التي دفعتهم للدعوة إلى الانتخابات المبكرة، فيما يبدو أن الصراع بين التيارين سيستمر لجولات طوال، توازياً مع واقع اقتصادي مأساوي يعانيه لبنان.

 وكان البنك الدولي قد حذر من أن "لبنان يشهد ربما إحدى أشد ثلاث أزمات، على مستوى العالم منذ منتصف القرن التاسع عشر. وفي مواجهة هذه التحديات الهائلة، يهدّد التقاعس المستمر في تنفيذ السياسات الإنقاذية، في غياب سلطة تنفيذية تقوم بوظائفها كاملة، الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية المتردية أصلاً والسلام الاجتماعي الهش؛ ولا تلوح في الأفق أي نقطة تحوّل واضحة".

حزب الله والسلاح الفلسطيني

لبنان يتغير.

سقط النظام السوري. خسر حزب الله حربا جديدة مع إسرائيل. والدولة تبدو جادة في سحب سلاح الحزب.

لكن يظل سلاح آخر، سلاح التنظيمات الفلسطينية في لبنان، وهو أقدم من سلاح حزب الله، وربما يكون ورقة يستخدمها الحزب في مستقبل صراعاته داخل الحدود، وخارجها، وفق محللين.

نظام سقط وجيش تحرك

بعد سقوط نظام بشار الأسد وراء الحدود، في سوريا الجارة، شن الجيش اللبناني ما سماها عملية "إجهاز" على كل المراكز المسلحة خارج المخيمات الفلسطينية، في قوسايا والسلطان يعقوب وحشمش في البقاع شرق لبنان، وهي مراكز كان يدعمها نظام الأسد.

وأعلن الرئيس اللبناني جوزاف عون أن الجيش تسلم ستة مواقع فلسطينية وضبط ما فيها من أسلحة ومعدات.

لجنة الحوار اللبناني الفلسطيني أعلنت، من جانبها، خلو لبنان من أي سلاح فلسطيني خارج المخيمات.

لكن، ماذا عن السلاح داخل المخيمات؟

موقف الحكومة واضح. البيان الوزاري الصادر في السابع عشر من أبريل أكد التزامها ببسط سيادة الدولة على جميع أراضيها "بقواها الذاتية حصراً".

لكن المحلل السياسي اللبناني علي الأمين يقول لـ"الحرة" إن السلاح وإن كان سحب بالفعل من قوات فلسطينية في المناطق اللبنانية كلها، لكن تظل هناك أسلحة في مراكز لحركتي حماس والجهاد الإسلامي في مناطق تابعة لنفوذ حزب الله خصوصاً في ضاحية بيروت الجنوبية.

ويتحدث الأمين عن خلايا لحماس والجهاد الإسلامي "تحت حصانة وإدارة حزب الله ولا تزال موجودة حتى اليوم وتعمل بغطاء من الحزب وتحت إدراته". لكن الأسلحة الموجودة في هذه المراكز من النوعية المتوسطة مثل صواريخ 107 وصواريخ كاتيوشا وبعض المسيرات.

تاريخ إشكالي

منذ عقود، وملف السلاح الفلسطيني له دور محوري في توازنات لبنان، داخليا بين أقطابه السياسية، وخارجيا في علاقاته مع الإقليم.

اتفاق القاهرة الموقع عام 1969 سمح للفلسطينين بالتسلح ضمن المخيمات، والعمل عسكريا ضد إسرائيل انطلاقاً من الأراضي اللبنانية.

بعد سنوات قليلة، عام 1975، كان الاتفاق فتيلة أخرى أدت لانفجار الحرب الأهلية.

وفي يونيو 1987، وقع الرئيس اللبناني أمين الجميل، قانوناً يلغي اتفاق القاهرة مع منظمة التحرير، بعدما صوت البرلمان اللبناني على إلغائه.

لكن ظل السلاح الفلسطيني موجوداً. وخاض فلسطينيون معارك ضد جهات لبنانية وغير لبنانية. لكن دوره في المعارك مع إسرائيل ظل محدودا بعد ما استأثر بها حزب الله منذ بداية الثمانينات.

يعيش في لبنان، حسب تقرير للدولية للمعلومات، حوالي 300 ألف لاجئ فلسطيني، يتوزعون على 12 مخيما، أكبرها مخيم عين الحلوة (50 ألف نسمة) قرب صيدا، جنوب لبنان.

وتنشط عسكريا في لبنان حركة "فتح"، أقدم الحركات الفلسطينية، ولرئيسها محمود عباس موقف معلن يؤيد تسليم السلاح الموجود داخل المخيمات للدولة اللبنانية ضمن خطة أمنية واضحة وضمانات لحماية المخيمات.

تنشط كذلك حركة "حماس"، وهي حليفة لحزب الله، وتعرض عدد من قياداتها لاستهداف إسرائيلي في لبنان منذ اندلاع حرب غزة، أبرزهم صالح العاروري، الذي اغتالته إسرائيل في ضربة بالضاحية الجنوبية لبيروت في الثاني من يناير عام 2024، وحسن فرحات الذي اغتيل في الرابع من أبريل 2025 في صيدا.

وفي لبنان أيضا، نشطت "الجبهة الشعبية– القيادة العامة"، وهو فصيل احتفظ بمواقع عسكرية في البقاع بدعم سوري.

وينشط أيضا تنظيمان سلفيان هما "عصبة الأنصار" و"جند الشام"، ويتركزان في مخيم عين الحلوة ويُعدان من بين الأكثر تطرفاً.

كذلك، في السنوات الأخيرة، ظهرت تنظيمات عصابية مسلحة في غير مخيم تنشط في تجارة المخدرات وغيرها من الأنشطة الإجرامية.

"خرطوشة أخيرة"

تقدر مصادر أن 90 في المئة من السلاح في المخيمات هو سلاح فردي، لكن بعض المخازن تحتوي على ذخيرة من الصواريخ.

وتتولى لجان فلسطينية أمن المخيمات.

وتؤكد مصادر فلسطينية أن الجيش يسيطر بشكل كامل على مداخل هذه المخيمات ومخارجها في المناطق اللبنانية كافة، لكن لا سيطرة فعلية له بعد داخل هذه المخيمات.

يقول المحلل السياسي علي الأمين إن السلاح الموجود داخل المخيمات أو المراكز الأمنية القليلة المتبقية خارجه مرتبط بشكل كبير بسلاح حزب الله.

يضيف "الفصائل الفلسطينية الأساسية والرئيس الفلسطيني محمود عباس لا مانع لديهم من تسليم السلاح الموجود داخل المخيمات"، لكن حزب الله والأحزاب الموالية له ترفض تسليم هذه الأسلحة للتمسك بورقة ضغط على الحكومة اللبنانية واستعمالها كـ"خرطوشة أخيرة قبل الاستسلام".

ويرى الأمين أن سحب السلاح من المخيمات مرتبط بشكل وثيق بسلاح حزب الله وأن الأخير يقوم بإدارة ومراقبة هذا السلاح خصوصاً التابع لحركتي حماس والجهاد الإسلامي الموجود داخل المخيمات وخارجها كون الحزب كان المصدر الأساسي لهذه الأسلحة في مرحلة سابقة.

شمال الليطاني

حصر السلاح بيد الدولة اللبنانية لم يعد مطلبا دوليا فقط.

على وقع قرارات دولية (1701 و1559)، وبالتزامن مع إعادة طرح قانون بايجر 6 في الكونغرس مرة ثانية في مارس 2025، أعلن الجيش اللبناني أنه ضبط منطقة جنوب الليطاني، وسيطر على أكثر من 500 هدف ونقطة كانت تابعة لـ "حزب الله".

واليوم تتجه الأنظار إلى شمال الليطاني والخطوة التالية التي ستتخذ لضبط السلاح، كل السلاح، في لبنان.