الجيش اللبناني تدخل لفض الاشتباك
المعروف أن المؤسسة العسكرية اللبنانية هي إلى اليوم الأكثر تماسكاً بين المؤسسات

منذ مدة لاحقت دورية لعناصر في مديرية المخابرات في الجيش اللبناني سيارتين مسروقتين، وتمكنت من توقيف المشتبه بهما، ليتبين أنهما عنصران في قوى الأمن الداخلي.

وقبلها، اندلعت مواجهات بين الجيش اللبناني وسارقي كابلات كهربائية تبادل خلالها الطرفان إطلاق نار، ما اسفر عن مقتل مشتبه بهما، ليتبين أيضا أنهما عنصران في الجيش اللبناني.

الحوادث تتكرر، وتزداد أيضا، وسط أزمة مالية خانقة تشهدها البلاد منذ 2019، ضربت بتداعياتها كافة شرائح المجتمع اللبناني والقطاعات، بينها الجيش اللبناني وقوى الأمن.

يستعمل الجيش اللبناني الأسلحة والمعدات الأميركية.. صورة من الإرشيف

ويسود تخوف كبير من أن امتداد هذه الأزمة من دون إيجاد حلول تخفف من حدة الانهيار، سيؤدي إلى مزيد من التفكك في المؤسسات الأمنية.

ومن المعروف أن المؤسسة العسكرية هي إلى اليوم الأكثر تماسكاً بين المؤسسات، ويعوّل عليها كونها الضامن للأمن والوحدة بين اللبنانيين الذين سبق لهم أن خاضوا نزاعات كثيرة فيما بينها منذ الحرب الأهلية وما تلاها من معارك متقطعة زمن السلم.

ويقول مصدر قيادي في الجيش في حديث لموقع "الحرة": "الجيش هم من الناس وما يحصل للناس يحصل لهم ويتأثرون به. اليوم لا يكفي راتب العنصر في الجيش أكل ومشرب ولا يمكن للقيادة أن تتعامل مع هذا الموضوع بشكل عابر، لأن وحدة المؤسسة وبقاءها أولوية في هذه الظروف".

الجيش اللبناني تعامل مع الاحتجاجات التي شهدتها لبنان

تحذير!

وحذر قائد الجيش، جوزيف عون، أكثر من مرة من خطورة الوضع، وفي مارس الماضي، وبعد اجتماعه مع القادة العسكريين، انتقد السياسيين "الطائفيين" في لبنان وتعاملهم مع الأزمة.

كما حذر من عدم استقرار الوضع الأمني، مضيفا أن الضباط العسكريين جزء من المجتمع اللبناني الذي يعاني من صعوبات اقتصادية، وقال: "العسكريون يعانون ويجوعون مثل الشعب".

وتوجه عون للمسؤولين بالقول: "إلى أين نحن ذاهبون، ماذا تنوون أن تفعلوا، لقد حذرنا أكثر من مرة من خطورة الوضع وإمكان انفجاره".

حينها، تلقف بعض المسؤولين كلام عون باعتباره "طرحاً رئاسياً"، وبدأ الحديث عن أن قائد الجيش بدأ يُقدم أوراق اعتماد وصوله إلى سدة الرئاسة، فيما بدا واضحاً في أكثر من مناسبة خلال احتجاجات 17 أكتوبر أن الجيش مُربك في كيفية التعامل مع الوضع على الأرض، واختلف تعاطيه بين منطقة وأخرى ما طرح آنذاك الكثير من علامات الاستفهام.

الجيش اللبناني في إحدى ساحات طرابلس في شمال لبنان

ومن المعروف عن لبنان منذ ما بعد الحرب الأهلية واتفاق الطائف، أنه اعتاد وصول قادة الجيش إلى الرئاسة، ومن بين أربعة رؤساء توالوا على المنصب، 3 من بينهم هم قادة جيش سابقون، ويُعتبر الرئيس الحالي أشهرهم لخوضه حربي التحرير والإلغاء بين 1989 و1990، قبل أن يقضي حوالي 15 سنة في منفاه الباريسي ولم يعد إلا عام 2005 بعد خروج جيش النظام السوري من لبنان.

الواقع وخطة "الصمود"!

ولكن فعليا ما هو واقع المؤسسة العسكرية اليوم؟  تُشير الوقائع إلى أن الأمور ليست على ما يُرام إطلاقاً، فرسمياً تعترف قيادة الجيش أن هناك أكثر من 1000 طلب تسريح وأذونات سفر.

ويقول المصدر القيادي: "هناك من يطلب إجازة لثلاثة أشهر ليسافر بحثاً عن عمل، في حال استطاع إيجاد عمل يُناسبه يعود ليقدم استقالته. هذه الظاهرة تكبر مؤخراً وهي مرشحة للتصاعد أكثر".

وماذا عن حالات الهرب؟ إلى الآن لا تزال محصورة. يقول القيادي، ويضيف: "عقيدة الجيش لا تزال قوية وستعاد في مثل هذه الظروف. حالات الهرب معدودة إلى اليوم، وهي الأقل مقارنة بالمؤسسات الأمنية الأخرى، واستطعنا في الفترة الماضية من اتخاذ مجموعة من الإجراءات ساعدت في التخفيف من الضغط عن العسكريين، ولكن لن نستطيع الاستمرار إذا لم يكن هناك من حلول جذرية وكبيرة".

لهذا الغرض، قام الجيش بإعداد خطة طوارئ لمواجهة الأزمة. في بيت الجندي ومؤسسة الاقتصاد يستطيع الجندي وعائلته أن يحصلوا على السلع الغذائية وغيرها بأسعار تصل إلى 50 بالمئة أقل من السوق، كما لجأت المؤسسة العسكرية إلى العديد من الدول للحصول على مساعدات غذائية وبدأ توزيعها على العناصر.

كذلك، اتجهت أيضاً المؤسسة إلى الخارج لتأمين تكلفة تعليم أولاد عناصر الجيش، ونجحت في الحصول على أموال لذلك، كذلك مع مساعدة من الفرنسيين أيضاً، يبدو أنها متجهة لتأمين استمرارية دعم العناصر بالمساعدات المدرسية.

قوات من الجيش اللبناني في شوارع طرابلس

وفي مايو الماضي، أعلن العراق عن هبة مالية للجيش اللبناني الذي إلى تحويلها لمساعدة العناصر في الطبابة العسكرية، كون الفارق بين المستشفى وتغطية الجيش كان يُطلب من الجندي دفعها، وذلك بسبب فرق الدولار، ولكن الآن تستطيع المؤسسة أن تغطي الفارق من دون أن يتكبد الجنود بدفع أي شيء.

فرنسا مجددا

بعد انفجار المرفأ، 4 أغسطس من العام الماضي، تدخلت فرنسا بقوة في الملف اللبناني، ولكن رئيسها، إيمانويل ماكرون، لم يستطع أن يصل مع القادة السياسيين المحليين إلى نتيجة إذ إلى اليوم لم يتمكن الرئيس المكلف سعد الحريري من تشكيل حكومة، بسبب خلافات على الحصص والأولويات بينه وبين رئيس البلاد ومن خلفه صهره، وزير الخارجية السابق جبران باسيل.

اليوم، تعود أيضاً فرنسا لتتدخل من باب مساعدة الجيش. قبل أكثر من 10 أيام، زار قائد الجيش فرنسا والتقى ماكرون ونظيره رئيس أركان الجيش الفرنسي فرانسوا لوكوانتر، وبحث عون خلالها واقع المؤسسة العسكرية.

وتقول مصادر مطلعة على الزيارة لموقع "الحرة" إن "عون سمع من الفرنسيين رغبة في تقديم مساعدات عاجلة للجيش ولمس تعويلاً فرنسياً على هذه المؤسسة في ظل الظروف التي يمر فيها لبنان".

ويُعقد هذا الشهر مؤتمر في فرنسا لمساعدة الجيش، وزيارة عون لباريس أتت للتحضير له، إذ يقول القيادي في الجيش لموقع "الحرة": "الزيارة كانت لتنسيق الجهود لتأمين كل الدعم الممكن خلال المؤتمر، الذي وعدت فرنسا أنها ستحاول أيضاً في خلاله مع الدول العربية كي يساعدوا في إمداد الجيش بما أمكن ليتمكن من تخطي المرحلة".

وفي حسابات المؤسسة العسكرية أن 100 مليون يورو سنوياً كافية للحفاظ على استمراريتها، بالحد الأدنى الموجود حالياً.

والاثنين، زار قائد الجيش السفير السعودي في لبنان، وليد البخاري، وقالت مصادر مطلعة إنها أتت في إطار الجولات التي يقوم بها عون لتأمين الدعم للجيش، لا سيما قبيل مؤتمر باريس، وأيضاً بعد سوء التفاهم الذي حصل مع السعودية بعد ضبط كميات كبيرة من الكبتاغون آتية من لبنان والحملة التي أطلقها الجيش لملاحقة وإقفال المعامل الكثيرة المنتشرة في منطقة البقاع لإنتاج هذه المادة.

ولا يزال موضوع إقفال المعامل مبهما قليلا من دون أن يكون هناك معلومات كثيرة حوله وحول من يقوم بعملية التصنيع ومن يُصدر ومن الجهة التي تحمي هذه العصاباتن التي يُقال إنها تهرب مادة الكبتاغون إلى الأسواق الأوروبية والعربية، وطبعاً للميليشيات التي تُقاتل في أكثر من منطقة من سوريا وصولاً إلى اليمن.

عناصر من الجيش اللبناني، ارشيف

التعويل الأميركي

من جهتها، جددت وزارة الخارجية الأميركية التزامها للجيش اللبناني من خلال الإعلان عن 120 مليون دولار في شكل مساعدات تمويل عسكري خارجي إلى لبنان للسنة المالية 2021، بزيادة مقدارها 15 مليون دولار على مستويات السنة الماضية.

وتم الحديث كذلك عن سبل الاستفادة من النطاق الكامل للسلطات، بموجب القانون الأميركي، التي يمكن للولايات المتحدة من خلالها تقديم مساعدة إضافية للجيش اللبناني، في الوقت الذي يواجه فيه العديد من الأزمات في الداخل اللبناني.

ويعول المجتمع الدولي، ولاسيما الولايات المتحدة، على الجيش ويرون فيها المؤسسة التي يمكن الاعتماد عليها في الأزمات، وهي المؤسسة شبه الوحيدة بالنسبة للمجتمع الدولي التي يثق بها، لا سيما أن هناك خوفا دائما يردده الدبلوماسيون من أن تراجع هذه المؤسسة يعني صعود حزب الله، وهذا ما لا يريده الأوروبيون والأميركيون.

وأعلن، في أواخر مايو الماضي، عن رسالة وجهها نحو 25 برلمانياً أميركياً إلى إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن، ممثلة بوزير الخارجية أنتوني بلينكن، أكدوا في خلالها "ضرورة توفير مزيد من المساعدات للجيش الذي هو شريك قديم للولايات المتحدة ومؤسسة محترمة وضرورية للأمن في لبنان".

وأشار هؤلاء إلى أن "تراجع قيمة رواتب عناصر الجيش والمصاعب الاقتصادية التي تواجههم قد تؤدي إلى تخليهم عن الخدمة وتراجع أداء الجيش، ما سيؤدي إلى مزيد من التدهور في الوضع الأمني".

السياسة والفساد

لا يُخفي ضباط المؤسسة العسكرية امتعاضهم من السياسيين ومما وصلت إليه البلاد. في مكان ما يُلمح بعضهم إلى أن الفساد ينخر كثيراً في كل المؤسسات ولا يعفون المؤسسة العسكرية من هذا الأمر أيضاً، وبعضهم يوجه ويُلمّح إلى تورط قائد الجيش السابق، جان قهوجي، في قضايا فساد، ويُذكر أنه تم الادعاء على قهوجي منذ مدة بتهمة الإثراء غير المشروع.

ويقول ضابط كبير لموقع "الحرة": "يريدون استنزاف المؤسسة العسكرية. كُل شيء يحملونه للجيش، في المرفأ لم يساعدنا أحد، انفجار دمر نصف العاصمة لم نر آلية لمساعدتنا، أين كانت وزارة الأشغال وآلياتها في كل هذا، أين غيرها من مؤسسات. لقد حملنا على عاتقنا كُل شيء ولم نقل أي شيء ولكن هذا الأمر لن يستمر إلى الأبد".

ويضيف: "يجتمع مجلس الدفاع الأعلى ويأخذ قرارات والتنفيذ للجيش. لا يقومون بأي شيء. السياسيون فصّلوا كُل شيء على قياسهم ويريدون من الجيش أن يحمي سرقاتهم".

وكان برز في ملف التحقيق بانفجار المرفأ مراسلة جوابية بعث بها رئيس أركان الجيش السابق، اللواء وليد سلمان، إلى المدير العام السابق للجمارك، شفيق مرعي، تبلغه فيها قيادة الجيش أنها ليست بحاجة إلى مادة نيترات الأمونيوم البالغ وزنها 2755 طناً.

واقترحت قيادة الجيش على الجمارك "مراجعة مالك الشركة اللبنانية للمتفجرات مجيد الشماس لتبيان إمكانية الاستفادة من المادة المذكورة في حال عدم الرغبة في إعادة تصديرها إلى بلد المنشأ على نفقة مستورديها".

وكان مجلس الدفاع الأعلى قد طلب من المؤسسة العسكرية في السابق أن تفتح الطرقات للمواطنين وتمنع قطعها، في ظل احتجاجات سادت الشارع اللبناني على فساد السلطة السياسية.

وتحدث قائد الجيش في أكثر من مناسبة أنه لن يكون في مواجهة مع الناس، إلا أن في العديد من المحطات قام الجيش بعملية قمع للمواطنين المحتجين على الوضع المعيشي لا سيما في جل الديب وطرابلس وصيدا والبقاع وغيرها من مناطق.

وتبدو المؤسسة العسكرية إلى الآن متماسكة، ولكنها ليست كما كانت عليه قبل سنتين. الأزمة الاقتصادية أثرت فيها كثيراً، الهمة تراجعت والالتزام يخبو مع انعدام الاستقرار، مثلها مثل كل مؤسسات البلاد، إلا أن الفارق أنها مؤسسة يعوّل عليها كثيرون وتحديداً الخارج، ويقولون إنها الملاذ للحفاظ على ما تبقى من استقرار ولعل هذا من العوامل القليلة التي تؤدي في نهاية المطاف إلى تمديد صلاحيتها.

ماذا عن طموح قائدها ليكون رئيساً للجمهورية؟ يقول الضابط البارز: "الآن جهده منصب على هموم المؤسسة، ولا أحد يعرف ما سيحصل لاحقاً"، ويضيف: "الطموح مشروع وحق له".

ويُعبر كثير من اللبنانيين عن امتعاضهم من تحوّل المؤسسة العسكرية إلى مكان لتخريج رؤساء الجمهورية، وإلى الآن يبدو أن كل ضابط يصل إلى موقع القيادة يعتبر نفسه حكماً مرشحاً فوق العادة للرئاسة.

لبنان حزب الله

يترقب اللبنانيون أول اختبار لقياس حجم التأييد الشعبي لحزب الله بعد الخسائر التي مُنّي بها، والدمار الذي لحق بالسكان، والبلد عموما، جراء الحرب مع إسرائيل.

وستعبر نتائج الانتخابات البلدية المقررة في مايو المقبل، ضمنا، عن مزاج الشارع، الشيعي خصوصا، حيال قضايا أبرزها سلاح الحزب وتقاعسه في إعادة إعمال المناطق المتضررة جراء الحرب.

يأتي ذلك على خلفية حالة تملل، متزايدة، من تداعيات الحرب، وما رافقها من دمار واسع في القرى الجنوبية، ونزوح آلاف العائلات من مناطقها، وتراجع في الخدمات الأساسية، إلى جانب أزمات اقتصادية خانقة.

وبينما يحاول حزب الله الإيحاء بتماسك قاعدته من خلال رفع شعارات بعيدة عن الواقع، فإن جزءا من جمهوره بات يبحث عن حلول ملموسة لأزماته اليومية، ولإعمار ما دمرته الحرب، بعيدا عن الخطابات الأيديولوجية.

المؤشرات كثيرة إلى أن الباب بات مشرعا أمام تغييرات مفصلية في المشهد المحلي، ولو على مستوى بعض البلديات، ويرجح مراقبون، تحدثوا موقع "الحرة"، أن يقول الشارع الشيعي كلمته بشأن حزب الله في الانتخابات النيابية  2026.

تحدي الانتخابات

رغم الدمار الهائل الذي خلفته الحرب لا سيما جنوب لبنان، ورغم استمرار عمليات الاغتيال الإسرائيلية ضد عناصر من حزب الله واستهداف ترسانته العسكرية، "تتجه السلطات اللبنانية إلى إجراء الانتخابات البلدية، بعد أن كانت قد أجلتها لعامين متتاليين دون مبرر قانوني أو مقنع، متذرعة تارةً بغياب التمويل وتارةً أخرى بأوضاع أمنية ولوجستية"، كما يقول الباحث في تطوير القوانين والأنظمة الانتخابية، عاصم شيّا.

وفي حديث لموقع "الحرة"، يرى شيا أن "المشكلة الحالية التي تواجه إجراء الانتخابات البلدية ليست تقنية بقدر ما هي تنظيمية، خاصة في البلدات الجنوبية المدمرة". 

"هناك خياران أمام الجهات المعنية: إما نصب خيام داخل البلدات المتضررة إذا أصرّ السكان على الاقتراع فيها، أو نقل مراكز الاقتراع إلى بلدات مجاورة أكثر استقرارًا، على أن تُستخدم مبانٍ عامة مثل المدارس، الحسينيات، أو الكنائس لهذا الغرض".

لكن التحدي الأبرز، بحسب شيا، يكمن في تأمين "هيئة القلم"، أي الموظفين المكلفين بإدارة العملية الانتخابية، ومعظمهم من النساء العاملات في القطاع العام، لا سيما في التعليم، واللواتي يُبدين تحفظًا على التوجه إلى مناطق غير آمنة.

وتجدر الإشارة إلى أنه بحسب تقرير التقييم السريع للأضرار والاحتياجات في لبنان لعام 2025، الصادر عن البنك الدولي في 7 مارس، تقدّر احتياجات إعادة الإعمار والتعافي في أعقاب الصراع الذي شهده لبنان بنحو 11 مليار دولار أميركي.

ويعد قطاع الإسكان الأكثر تضرراً، مع أضرار تقدَّر بنحو 4.6 مليار دولار، فيما بلغت الأضرار التي لحقت بالمقومات المادية 6.8 مليار دولار.

أما من الناحية الجغرافية، فيشير التقرير إلى أن أكثر المناطق تضرراً هي محافظتا النبطية والجنوب، تليهما محافظة جبل لبنان التي تضم الضاحية الجنوبية لبيروت.

حقل تجارب؟

يلاحظ الباحث عاصم شيا، الذي يراقب الأنماط الانتخابية منذ عام 2009، أن القوى السياسية استخدمت الانتخابات البلدية عام 2016 كـ"حقل تجارب" لقراءة المزاج الشعبي، بعدما راودها القلق من قانون الانتخاب رقم 25/2008 (قانون الستين)، الذي أصبح يشكل خطراً عليها بسبب تطور وعي الخصوم المستقلين.

يقول شيا إن "تأجيل الانتخابات النيابية عامي 2013 و2015، مقابل إجراء الانتخابات البلدية عام 2016، كان مدروساً، الهدف منه مراقبة اتجاهات الناخبين. وفعلاً، كشفت الانتخابات عن نقمة واسعة، ما دفع الأحزاب إلى اللجوء إلى تكتيكات جديدة، أبرزها الدفع بمرشحين "نظيفي الكف" وغير حزبيين ظاهرياً، ليترأسوا اللوائح، ثم إحاطتهم بأعضاء بلديين حزبيين يضمنون ولاء المجلس للحزب. هذه المقاربة ساعدت في ضمان المكاسب لاحقاً في انتخابات 2018".

كذلك، "تم اللجوء إلى توظيف آلاف في مؤسسات رسمية رغم عدم الحاجة الفعلية إليهم، كما جرى التعاقد مع أعداد كبيرة في الوزارات، خصوصاً التعليم، فيما اعتُبر رشوة انتخابية مقنّعة لتأمين الأصوات".

اليوم يتكرر المشهد نفسه، بحسب شيّا، "تُسرع القوى السياسية إلى إجراء الانتخابات البلدية لا لمعالجة أزمات المجالس، بل لرصد اتجاهات الناخبين، تمهيداً لاستخدام الوظائف العامة والعسكرية مجددًا كأداة لاستمالة الأصوات"، فهذه الانتخابات، في نظره، ليست سوى مختبر سياسي يساعد القوى التقليدية على إعادة تنظيم صفوفها استعداداً للمعركة الأهم: انتخابات 2026 النيابية.

في المناطق التي تعرف بـ"الحاضنة" لحزب الله، يعاني معظم السكان، الذين تعرضت منازلهم للتدمير جزئياً أو كلياً، من بطء الإجراءات المتعلقة بإعادة الإعمار، إضافة إلى تأخر استجابة الحزب لتقديم التعويضات اللازمة لترميم المنازل أو تعويض الأثاث المتضرر.

وقال الأمين العام لحزب الله، نعيم قاسم، بشأن إعادة إعمار المناطق المتضررة من الحرب، في 14 ديسمبر، أن "إعادة الإعمار مسؤولية الدولة،" التي تعاني أصلا من أزمة مالية خانقة. ودعا "الأشقاء العرب والدول الصديقة في المساعدة في إعادة الاعمار".

صراع عائلي تحت رايات حزبية؟

لا تعكس الانتخابات البلدية بالضرورة موازين القوى السياسية بشكل دقيق، وفقا لشيّا، "لأنها غالباً ما تكون امتداداً لصراعات عائلية داخلية.

"قد تُطرح لوائح تبدو متنافسة لكنها في الواقع تابعة للحزب نفسه، تختلف فقط حول المواقع أو التفاصيل، في مشهد يختلط فيه النفوذ العائلي بالحسابات الحزبية"، يقول شيا.

وعند تحليل تأثير الحرب الأخيرة على توجهات الناخبين، يرى شيّا ضرورة التمييز بين فئتين "الأولى تضمّ مؤيدي حزب الله، الذين رغم تضررهم من الحرب، زاد ارتباطهم به. أما الفئة الثانية، فهي من الشيعة غير المنضوين ضمن الثنائي الشيعي، هؤلاء يبدون استياءً واضحاً من الحرب ويحملون "الثنائي" مسؤولية ما جرى. ويُتوقع أن تتخذ هذه الفئة موقفاً مغايراً في الانتخابات المقبلة".

ويرى الكاتب، الصحفي مجد بو مجاهد أن "ثمة طابعا مجتمعيّا خاصا باستحقاق الانتخابات البلدية والاختيارية في لبنان في غالبية المناطق اللبنانية بخاصّة في القرى، ولا يمكن الحديث عن طابع سياسي سوى في بعض المدن الكبرى المتنوعة طائفياً كمدينة بيروت. 

"لذلك لا يمكن اعتبار الاستحقاق البلديّ بمثابة مقياس للتوجه الشعبيّ السياسي لدى المواطنين الشيعة أو سواهم من المواطنين اللبنانيين، من دون إغفال أنّ ثمة مدناً يغيب عنها التنافس السياسي في الاستحقاق الانتخابيّ البلديّ الحاليّ رغم أنه كان ظاهراً في استحقاقات بلدية سابقة".

اللافت وفق ما يقوله بو مجاهد لموقع "الحرة" أنّ "الأجواء الشيعية المجتمعية لا تبدو مهتمّة في استحقاق الانتخابات البلديّة مقارنة مع بيئات مجتمعية مغايرة تتطلّع بحيوية نحو خوض الاستحقاق والتنافس بين اللوائح على مستوى مجتمعيّ، لا سياسي".

ويشرح: "خروج المجتمع الشيعي من حرب ألحقت به خسائر كبرى، منها ضرب البنى التحتية والأراضي، سبب لتراجع الاهتمام الشيعي بخوض تنافس مجتمعيّ على الانتخابات البلدية، ولذلك كانت لافتة ظاهرة تشكيل لائحة واحدة فحسب في كثير من البلدات بعيداً عن خوض منافسة بين اللوائح".

إذا تضاعفت النقمة على "الثنائي الشيعي" _ أي حزب الله وحركة أمل _ من المواطنين في المناطق ذات الحضور الشيعي، فإنها ستظهر، وفق بو مجاهد، "في استحقاق الانتخابات النيابية المقبلة، لا في استحقاق الانتخابات البلدية".

"حتى الآن، هناك امتعاض شيعيّ واضح من حزب الله بخاصة بسبب تأخّر إعادة الإعمار، لكنّ تطوّر ذلك الامتعاض من عدمه سيكون مرتبطاً بما ستعرفه الأشهر اللاحقة من متغيرات".

النزاهة موضع شك؟

الحديث عن انتخابات نزيهة "غير واقعي"، يشدد شيّا، "لا بسبب حزب الله فقط، بل بسبب جميع الأحزاب التي تسيطر على مناطق نفوذها بشكل كامل ومدروس، ما يقيد قدرة المعارضين على خوض المعركة بتكافؤ".

يستشهد شيا بلائحة معارضة في بعلبك "تواجه صعوبات جمّة في التواصل مع الناخبين، في وقت تُستغل فيه الحرب والخطاب السياسي في الجنوب لتأليب الرأي العام عبر العاطفة، خصوصاً من قبل حزب الله وحركة أمل".

ويؤكد أن المعركة البلدية يجب أن تبقى محلية الطابع، "هدفها تحسين الخدمات وتفعيل دور البلديات". ويذكّر شيّا أن "الثنائي الشيعي لم يحصل في انتخابات 2022 النيابية على أكثر من 47% من أصوات الناخبين الشيعة مجتمعَين"، ما يعكس تراجعاً في شعبيته.

أما بو مجاهد فيرى أنه "قد يكون لتسليم حزب الله سلاحه والتقليل من سيطرته على المناطق الشيعية إذا حصل، نتائج تسرّع الحلول في المناطق المتضرّرة من الحرب".

ويضيف "كيفية تغيّر المزاج الانتخابي داخل البيئة الشيعية ستظهر في الانتخابات النيابية السنة المقبلة، لا في الانتخابات البلدية التي ستحصل خلال أسابيع. وتالياً، لا ترجيحات في قدرة الانتخابات البلدية على التغيير، والرهان سيكون على الانتخابات النيابية".