يعيش لبنان أزمة محروقات حادة مع تراجع قدرة المصرف المركزي على تغطية عملية الاستيراد بالدولار
يعيش لبنان أزمة محروقات حادة مع تراجع قدرة المصرف المركزي على تغطية عملية الاستيراد بالدولار

قبل نحو عام تقريباً، أطل زعيم حزب الله حسن نصرالله على اللبنانيين ليتحدث عن الأزمة الاقتصادية التي تمر بها البلاد. في تلك الإطلالة، اعتبر أن لبنان يخضع لحصار اقتصادي، "موجه ضد المقاومة" وبرأيه فإن الرد على هذا الحصار وحرب الدولار والعقوبات يكون من خلال "التوجّه نحو الشرق والتعاون مع دولٍ أبدت استعدادها لدرء خطر الجوع عن لبنان، كالصين وإيران وغيرها".

في ذلك الخطاب طرح نصرالله العديد من الاستراتيجيات وقال إن حزبه لديه الحلول، من بينها معامل كهرباء وسكك حديد مشيراً إلى أن الشركات الصينية تنتظر. وقال: "يمكن أن نجد دولة إقليمية صديقة مثلاً إيران وأن تبيعنا بنزين، غاز، مازوت، فيول، مشتقات نفطية، واحتياجات أخرى بدون دولار".

ومن المعلوم أنه إلى اليوم لم يحصل أي شيء من هذا القبيل علماً أن الحكومة التي أصبحت حكومة تصريف أعمال تُعتبر مقربة منه ورئيسها وغالبية وزرائها يدينون له بالولاء بطريقة أو بأخرى، إن كان مباشرة أو عبر حلفائه وتحديداً التيار الوطني الحر وحركة أمل.

أمس الثلاثاء، وفي ذكرى تأسيس قناة "المنار" الناطقة باسم حزب الله عاد نصرالله للحديث عن البنزين في معرض تعليقه على الأزمة الاقتصادية مبدياً امتعاضه من "طوابير الذل"، في دلالة على وقوف المواطنين في الطوابير على محطات الوقود في انتظار دورهم، وقال: "إذا استمر هذا الوضع، نحن سنذهب إلى إيران ونحصل على البنزين بالليرة اللبنانية ونأتي به إلى ميناء ‏بيروت، ولتمنع الدولة اللبنانية البنزين عن اللبنانيين عندئذ".

ويعيش لبنان اليوم أزمة حادة في ما يخص المحروقات مع تراجع قدرة المصرف المركزي على تغطية عملية الاستيراد بالدولار وهو ما يؤثر على استيراد النفط، وليس فقط البنزين، إذ يشهد لبنان تقنيناً حاداً في الكهرباء لهذا السبب وفي اليومين الماضيين بدأ يشهد انقطاعاً متكرراً في الإنترنت أيضاً للسبب نفسه.

يقول الخبير الاقتصادي ومحلل شؤون الشرق الأوسط سامي نادر في حديث لموقع "الحرة": "أولاً هو (نصرالله) ليس الدولة ليُقرر ما سيدخله وما لن يدخله، هذا بأبسط الأحوال ضرب للسيادة. ثانياً، أزمتنا أساساً ليست أزمة محروقات، بل أزمة اقتصادية نتيجتها أزمة المحروقات، وبالتالي الحل يجب أن يكون للأزمة الاقتصادية أساساً".

أكثر من ذلك، يقول نادر: "إذا كان نصرالله يريد أن يريحنا بموضوع المحروقات ممتاز. فليرسل هذه المحروقات من إيران إلى سوريا. الأموال المخصصة في مصرف لبنان للمحروقات تكفي لسنتين أو ثلاثة، ولكن التهريب إلى سوريا جعلتهم لا يكفوا أبداً، ثم يخرج ويتحدث عن أزمة وعن عقم الدولة".

أيضاً، برأي النائب السابق مصطفى علوش أن "هذا هو اللعب التاريخي لهذه المنظومة، يقولون إن الحل بيدي، ولكن أنتم لا تريدونه. ولكن السؤال الأساسي، إذا كان الوضع هكذا، لماذا تُهرّب المحروقات إلى سوريا".

وكان المرصد السوري لحقوق الإنسان قد نقل منذ حوالي الأسبوع عن مصادر تأكيدها وجود "تصاعد كبير في عمليات تهريب المحروقات من لبنان والمتاجرة بها في سوريا، من قبل حزب الله إلى جانب قوات الفرقة الرابعة التابعة لماهر الأسد" شقيق الرئيس السوري بشار الأسد، واعتبر أن "هذه التجارة تأتي في إطار استغلال العقوبات الاقتصادية المفروضة على النظام ووسط عجز الأخير عن تلبية احتياجات المواطنين ما يدفعهم إلى التوجه نحو السوق السوداء".

يذهب علوش في حديث لموقع "الحرة" أبعد من مجرد تعويم إيران، يقول: "الكلام السابق حول التوجه شرقاً هو ما تستند إليه اليوم منظومة الحكم وتحديداً الوزير السابق جبران باسيل ورئيس الجمهورية ميشال عون أي إيران ذاهبة إلى انتصار لأنها ستحرر أموالها بعد الاتفاق مع الأميركيين وبالتالي جزء من هذه الأموال ستأتي إلى لبنان عدا عن السلع الغذائية والدواء وكل هذه الأمور".

ويضيف: "الكلام تحدي، ولكن فعلياً هو لإخراج المسؤولية ليقول إنه فتح لنا الباب ولكن نحن لم نكترث، والسؤال إيران لا تزال تحت العقوبات الآن، كيف يريد أن يستورد، عدا عن ذلك شاهدنا طوابير الناس على محطات البنزين في إيران مثل لبنان تماماً فهل سيرسلون البنزين إلى لبنان في هذه الحالة؟".

وبحسب المرصد، يقوم حزب الله بجلب المحروقات، وعلى رأسها البنزين والمازوت، من لبنان إلى سوريا عبر معابر غير شرعية في الريف الحمصي، لتتحول المنطقة هناك إلى إحدى كبرى منابع المحروقات في السوق السوداء بسوريا، وتنتقل منها المواد إلى باقي المحافظات.

عدا ذلك، يراهن حزب الله وحلفاؤه على رفع العقوبات عن إيران، ويترقبون مفاوضات فيينا التي يرون أنها ستنتهي قريباً وسيكون نتيجتها إطلاق يد إيران في المنطقة ورفع العقوبات عنها ما يخولها أن تعود لاعباً أساسياً لكونها تملك من الموارد ما يكفي لبسط نفوذها.

يقول علوش: "المنظومة تعتبر أن هذا الأمر سيخوّل إيران دفع الأموال وبالتالي سيستفيدون من هذا الأمر كي يعود باسيل رئيساً للجمهورية، والرهان أكثر أن تأتي نهاية العهد مع مجلس نواب ممدد له وغير شرعي لانتخاب رئيس جمهورية وحكومة مستقيلة أو مقالة ولهذا الإصرار على الثلث المعطل وبالتالي يبقى في القصر الجمهورية حتى انتخاب مجلس نواب جديد وبالتالي رئيس جديد كما يشتهون".

أما كُل الحديث عن الاهتمام بوجع الناس، فهو بحسب نادر ليس سوى محاولة "من نصرالله لتبييض صفحته وصفحة إيران".

حزب الله والسلاح الفلسطيني

لبنان يتغير.

سقط النظام السوري. خسر حزب الله حربا جديدة مع إسرائيل. والدولة تبدو جادة في سحب سلاح الحزب.

لكن يظل سلاح آخر، سلاح التنظيمات الفلسطينية في لبنان، وهو أقدم من سلاح حزب الله، وربما يكون ورقة يستخدمها الحزب في مستقبل صراعاته داخل الحدود، وخارجها، وفق محللين.

نظام سقط وجيش تحرك

بعد سقوط نظام بشار الأسد وراء الحدود، في سوريا الجارة، شن الجيش اللبناني ما سماها عملية "إجهاز" على كل المراكز المسلحة خارج المخيمات الفلسطينية، في قوسايا والسلطان يعقوب وحشمش في البقاع شرق لبنان، وهي مراكز كان يدعمها نظام الأسد.

وأعلن الرئيس اللبناني جوزاف عون أن الجيش تسلم ستة مواقع فلسطينية وضبط ما فيها من أسلحة ومعدات.

لجنة الحوار اللبناني الفلسطيني أعلنت، من جانبها، خلو لبنان من أي سلاح فلسطيني خارج المخيمات.

لكن، ماذا عن السلاح داخل المخيمات؟

موقف الحكومة واضح. البيان الوزاري الصادر في السابع عشر من أبريل أكد التزامها ببسط سيادة الدولة على جميع أراضيها "بقواها الذاتية حصراً".

لكن المحلل السياسي اللبناني علي الأمين يقول لـ"الحرة" إن السلاح وإن كان سحب بالفعل من قوات فلسطينية في المناطق اللبنانية كلها، لكن تظل هناك أسلحة في مراكز لحركتي حماس والجهاد الإسلامي في مناطق تابعة لنفوذ حزب الله خصوصاً في ضاحية بيروت الجنوبية.

ويتحدث الأمين عن خلايا لحماس والجهاد الإسلامي "تحت حصانة وإدارة حزب الله ولا تزال موجودة حتى اليوم وتعمل بغطاء من الحزب وتحت إدراته". لكن الأسلحة الموجودة في هذه المراكز من النوعية المتوسطة مثل صواريخ 107 وصواريخ كاتيوشا وبعض المسيرات.

تاريخ إشكالي

منذ عقود، وملف السلاح الفلسطيني له دور محوري في توازنات لبنان، داخليا بين أقطابه السياسية، وخارجيا في علاقاته مع الإقليم.

اتفاق القاهرة الموقع عام 1969 سمح للفلسطينين بالتسلح ضمن المخيمات، والعمل عسكريا ضد إسرائيل انطلاقاً من الأراضي اللبنانية.

بعد سنوات قليلة، عام 1975، كان الاتفاق فتيلة أخرى أدت لانفجار الحرب الأهلية.

وفي يونيو 1987، وقع الرئيس اللبناني أمين الجميل، قانوناً يلغي اتفاق القاهرة مع منظمة التحرير، بعدما صوت البرلمان اللبناني على إلغائه.

لكن ظل السلاح الفلسطيني موجوداً. وخاض فلسطينيون معارك ضد جهات لبنانية وغير لبنانية. لكن دوره في المعارك مع إسرائيل ظل محدودا بعد ما استأثر بها حزب الله منذ بداية الثمانينات.

يعيش في لبنان، حسب تقرير للدولية للمعلومات، حوالي 300 ألف لاجئ فلسطيني، يتوزعون على 12 مخيما، أكبرها مخيم عين الحلوة (50 ألف نسمة) قرب صيدا، جنوب لبنان.

وتنشط عسكريا في لبنان حركة "فتح"، أقدم الحركات الفلسطينية، ولرئيسها محمود عباس موقف معلن يؤيد تسليم السلاح الموجود داخل المخيمات للدولة اللبنانية ضمن خطة أمنية واضحة وضمانات لحماية المخيمات.

تنشط كذلك حركة "حماس"، وهي حليفة لحزب الله، وتعرض عدد من قياداتها لاستهداف إسرائيلي في لبنان منذ اندلاع حرب غزة، أبرزهم صالح العاروري، الذي اغتالته إسرائيل في ضربة بالضاحية الجنوبية لبيروت في الثاني من يناير عام 2024، وحسن فرحات الذي اغتيل في الرابع من أبريل 2025 في صيدا.

وفي لبنان أيضا، نشطت "الجبهة الشعبية– القيادة العامة"، وهو فصيل احتفظ بمواقع عسكرية في البقاع بدعم سوري.

وينشط أيضا تنظيمان سلفيان هما "عصبة الأنصار" و"جند الشام"، ويتركزان في مخيم عين الحلوة ويُعدان من بين الأكثر تطرفاً.

كذلك، في السنوات الأخيرة، ظهرت تنظيمات عصابية مسلحة في غير مخيم تنشط في تجارة المخدرات وغيرها من الأنشطة الإجرامية.

"خرطوشة أخيرة"

تقدر مصادر أن 90 في المئة من السلاح في المخيمات هو سلاح فردي، لكن بعض المخازن تحتوي على ذخيرة من الصواريخ.

وتتولى لجان فلسطينية أمن المخيمات.

وتؤكد مصادر فلسطينية أن الجيش يسيطر بشكل كامل على مداخل هذه المخيمات ومخارجها في المناطق اللبنانية كافة، لكن لا سيطرة فعلية له بعد داخل هذه المخيمات.

يقول المحلل السياسي علي الأمين إن السلاح الموجود داخل المخيمات أو المراكز الأمنية القليلة المتبقية خارجه مرتبط بشكل كبير بسلاح حزب الله.

يضيف "الفصائل الفلسطينية الأساسية والرئيس الفلسطيني محمود عباس لا مانع لديهم من تسليم السلاح الموجود داخل المخيمات"، لكن حزب الله والأحزاب الموالية له ترفض تسليم هذه الأسلحة للتمسك بورقة ضغط على الحكومة اللبنانية واستعمالها كـ"خرطوشة أخيرة قبل الاستسلام".

ويرى الأمين أن سحب السلاح من المخيمات مرتبط بشكل وثيق بسلاح حزب الله وأن الأخير يقوم بإدارة ومراقبة هذا السلاح خصوصاً التابع لحركتي حماس والجهاد الإسلامي الموجود داخل المخيمات وخارجها كون الحزب كان المصدر الأساسي لهذه الأسلحة في مرحلة سابقة.

شمال الليطاني

حصر السلاح بيد الدولة اللبنانية لم يعد مطلبا دوليا فقط.

على وقع قرارات دولية (1701 و1559)، وبالتزامن مع إعادة طرح قانون بايجر 6 في الكونغرس مرة ثانية في مارس 2025، أعلن الجيش اللبناني أنه ضبط منطقة جنوب الليطاني، وسيطر على أكثر من 500 هدف ونقطة كانت تابعة لـ "حزب الله".

واليوم تتجه الأنظار إلى شمال الليطاني والخطوة التالية التي ستتخذ لضبط السلاح، كل السلاح، في لبنان.