سعد الحريري 2020

خرجت في اليومين الماضيين الكثير من الأخبار فيما خص تشكيل الحكومة في لبنان، وتزامنت مع حركة لافتة قام بها الرئيس المكلف، سعد الحريري، تحديداً زيارته لدار الفتوى ومشاركته في اجتماع المجلس الشرعي الأعلى بعد خلوة مع المفتي، عبد اللطيف دريان، فيما كانت الأنظار تتجه إلى احتمال اعتذار الحريري ليتبين أنه الاعتذار غير وارد، الآن. 

سبق الاجتماع تواصل حصل بين الرئيس المكلف ونادي رؤساء الحكومة السابقين. هذا التواصل لم ينقطع إطلاقاً، إلا أن الحريري أراد أن يقف عن رأي الرؤساء السابقين من موضوع الاعتذار أو عدمه، فسمع ما يُشبه إجماعاً بأهمية عدم الاعتذار والتمسك بالتكليف الدستوري، توازياً مع فتح قنوات مع السياسيين السنة المعارضين له ليسمع من بعضهم دعمه لعدم الاعتذار والتمسّك بالصلاحيات. 

لم يقل الحريري إنه يريد الاعتذار أو الاستمرار، وتقول مصادر قيادية في "المستقبل" لموقع "الحرة": "هذا الأسبوع سيكون حاسماً لناحية خيار الاستمرار أو الاعتذار. في انتظار ما سيكون عليه الحال مع مبادرة الرئيس نبيه بري، وموقف حزب الله من كُل ما يحصل، خاصة من تعنّت حليفهم الأول الوزير السابق جبران باسيل". 

اللافت أن الحريري وللمرة الأولى، يُحاول إشراك جمهوره في القرار الذي سيتخذه، محاولة تبدو للحفاظ على مكاسبه عند جمهوره في المرحلة الماضية. إذ تقول المصادر: "أسهم الحريري عالية لدى السنّة اليوم وجمهوره ملتف حوله أكثر من أي وقت، وهذا ما لن يُفرط به الرئيس الحريري ومن هنا كان قرار إشراكهم من خلال الاستفتاء الداخلي الذي نُجريه". 

توازياً، ظهر رئيس مجلس النواب نبيه بري، في مقابلة مع قناة "الميادين"، ليعيد تأكيده على الاستمرار بمبادرته التي تحظى بدعم غالبية الأطراف، وقال: "مبادرتي في نسختها الثالثة للحل والخروج من المأزق الحالي تحظى بموافقة عربية وإقليمية ودولية وفرنسية". 

ولم يُعرف ما يقصده بالنسخة الثالثة، وهل ما إذا كان هناك من تعديل مطروح على المبادرة لا سيما فيما خص حصة باسيل وتسمية الوزيرين المسيحيين وإعطاء الثقة، وقالت أوساط مقربة من عين التينة لموقع "الحرة": "الأمور مقفلة ووصلنا إلى حائط مسدود ولا نعلم ما إذا كان هناك من إمكانية للخروج من هذا النفق في وقت قريب". 

ويدرس الحريري أيضاً كل خياراته، وتقول أوساط مقربة منه: "إضافة إلى الاستفتاء، يقوم الرئيس الحريري بدرس كُل المعطيات التي أمامه، محلياً وإقليمياً ودولياً، استناداً على ما سمعه في لقاءاته مع الروس والفرنسيين والمصريين وسيُفعل من مشاوراته أيضاً مع الأطراف المحليين ليأخذ قراره في الأيام المقبلة، بالاعتذار أو الاستمرار". 

وكان لافتاً في الفترة الماضية دعم حزب الله لتكليف الحريري، والتواصل المستمر فيما بين الطرفين في هذا الخصوص وبمواضيع أخرى، وهذا ما انعكس نوع من الهدوء والوئام بين الحزبين الخصمين مع معطيات توحي بأن الحزب يعتمد على الرئيس المكلف وجدي بدعم بقائه رئيساً للحكومة في الفترة المقبلة. 

وعلى هذا الأساس أتت مبادرة بري، إذ فوض الحزب لحليفه رئيس مجلس النواب تقريب وجهات النظر مع إشارة واضحة بأنه يدعم خطواته للوصول إلى حكومة، وهذا أيضاً ما انعكس على الأرض مع حركة رئيس المكتب السياسي في حزب الله حسين خليل والمعاون السياسي لبري علي حسن خليل مع رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل لإقناعه بتليين موقفه دون الوصول إلى نتيجة. 

لكن الأمور لم تتغيّر، ليبدو أن باسيل لا يستمع إلى أحد. هنا، تتوقف مصادر قيادية في "المستقبل" أمام هذا الواقع وتقول: "بعد كل هذا الوقت وبالنظر لما يحصل فيما يخص التشكيل وتحديداً تعنّت الوزير باسيل، يظهر من الواضح أن الأخير يُنفذ أجندة الحزب، لأنه لا يُقنعنا أخد بأن باسيل يستطيع أن يكسر كلام الحزب وأن يتحداه بهذا الشكل". 

وتضيف: "هناك تناغم بدأ يتضح أكثر، رئيس الجمهورية ميشال عون وباسيل من جهة، وحزب الله من جهة أخرى. والحزب اليوم يريد أن ينتظر نتائج الانتخابات الإيرانية واجتماعات فيينا قبل أن يقوم بأي مبادرة لتسهيل تشكيل الحكومة، حساباته ليست محلية بالرغم من الواقع المأساوي الذي نمر به". 

في المقابل، يرد قيادي في التيار الوطني الحر على هذا الكلام، بالقول في حديث لموقع "الحرة"، "طالما المقاربة لديهم صارت هكذا، أي الوزير باسيل واجهة حزب الله للتعطيل، بالتالي نحن نقول إن الرئيس المكلف هو واجهة الرئيس بري في عملية التعطيل".

ويُضيف القيادي، الذي طلب عدم الكشف عن هويته، إن "الأمور معقدة وليست كما تبدر في الظاهر، ولكن الأكيد أننا لا نعطل التأليف لحساب أيٍّ كان ومنفتحون على أي مبادرة أو مسعى للخروج من المراوحة على أن تكون ضمن المعقول".  

وكان زعيم حزب الله حسن نصرالله قد رفض الأسبوع الماضي طرح حليفه باسيل بالذهاب إلى انتخابات نيابية مبكرة مشيرًا إلى أن "أغلب الذين يدعون إليها يفعلون ذلك لحساباتٍ حزبية فئوية لا علاقة لها بالوطن والشعب وخطوات المعالجة، بل تهدف إلى زيادة عدد نوابهم مقابل تقلّص كتلة آخرين النيابية". 

اللافت في كلام نصرالله آنذاك أيضاً كان رسالته المباشرة إلى بري من دون أن يسميه، حين دعا إلى "عدم وضع تواريخ لتشكيل الحكومة ومواصلة السعي وبذل الجهود لحلّ الأزمة"، وهو ما تعتبره المصادر "إمعاناً في كسب الوقت ريثما يتضح المشهد الإقليمي". 

وفي انتظار الأيام المقبلة وقرار الحريري، تقول أوساط متابعة لعملية التشكيل: "سيكون هناك محاولات مستمرة، لكن النتيجة واضحة، الحكومة لن تتشكل الآن. حزب الله لم يعط الإشارة الخضراء لذلك، وسنرى في الأيام المقبلة إعادة تدوير للمبادرات، وكُل ذلك بلا نتيجة فعلية".
 

حزب الله والسلاح الفلسطيني

لبنان يتغير.

سقط النظام السوري. خسر حزب الله حربا جديدة مع إسرائيل. والدولة تبدو جادة في سحب سلاح الحزب.

لكن يظل سلاح آخر، سلاح التنظيمات الفلسطينية في لبنان، وهو أقدم من سلاح حزب الله، وربما يكون ورقة يستخدمها الحزب في مستقبل صراعاته داخل الحدود، وخارجها، وفق محللين.

نظام سقط وجيش تحرك

بعد سقوط نظام بشار الأسد وراء الحدود، في سوريا الجارة، شن الجيش اللبناني ما سماها عملية "إجهاز" على كل المراكز المسلحة خارج المخيمات الفلسطينية، في قوسايا والسلطان يعقوب وحشمش في البقاع شرق لبنان، وهي مراكز كان يدعمها نظام الأسد.

وأعلن الرئيس اللبناني جوزاف عون أن الجيش تسلم ستة مواقع فلسطينية وضبط ما فيها من أسلحة ومعدات.

لجنة الحوار اللبناني الفلسطيني أعلنت، من جانبها، خلو لبنان من أي سلاح فلسطيني خارج المخيمات.

لكن، ماذا عن السلاح داخل المخيمات؟

موقف الحكومة واضح. البيان الوزاري الصادر في السابع عشر من أبريل أكد التزامها ببسط سيادة الدولة على جميع أراضيها "بقواها الذاتية حصراً".

لكن المحلل السياسي اللبناني علي الأمين يقول لـ"الحرة" إن السلاح وإن كان سحب بالفعل من قوات فلسطينية في المناطق اللبنانية كلها، لكن تظل هناك أسلحة في مراكز لحركتي حماس والجهاد الإسلامي في مناطق تابعة لنفوذ حزب الله خصوصاً في ضاحية بيروت الجنوبية.

ويتحدث الأمين عن خلايا لحماس والجهاد الإسلامي "تحت حصانة وإدارة حزب الله ولا تزال موجودة حتى اليوم وتعمل بغطاء من الحزب وتحت إدراته". لكن الأسلحة الموجودة في هذه المراكز من النوعية المتوسطة مثل صواريخ 107 وصواريخ كاتيوشا وبعض المسيرات.

تاريخ إشكالي

منذ عقود، وملف السلاح الفلسطيني له دور محوري في توازنات لبنان، داخليا بين أقطابه السياسية، وخارجيا في علاقاته مع الإقليم.

اتفاق القاهرة الموقع عام 1969 سمح للفلسطينين بالتسلح ضمن المخيمات، والعمل عسكريا ضد إسرائيل انطلاقاً من الأراضي اللبنانية.

بعد سنوات قليلة، عام 1975، كان الاتفاق فتيلة أخرى أدت لانفجار الحرب الأهلية.

وفي يونيو 1987، وقع الرئيس اللبناني أمين الجميل، قانوناً يلغي اتفاق القاهرة مع منظمة التحرير، بعدما صوت البرلمان اللبناني على إلغائه.

لكن ظل السلاح الفلسطيني موجوداً. وخاض فلسطينيون معارك ضد جهات لبنانية وغير لبنانية. لكن دوره في المعارك مع إسرائيل ظل محدودا بعد ما استأثر بها حزب الله منذ بداية الثمانينات.

يعيش في لبنان، حسب تقرير للدولية للمعلومات، حوالي 300 ألف لاجئ فلسطيني، يتوزعون على 12 مخيما، أكبرها مخيم عين الحلوة (50 ألف نسمة) قرب صيدا، جنوب لبنان.

وتنشط عسكريا في لبنان حركة "فتح"، أقدم الحركات الفلسطينية، ولرئيسها محمود عباس موقف معلن يؤيد تسليم السلاح الموجود داخل المخيمات للدولة اللبنانية ضمن خطة أمنية واضحة وضمانات لحماية المخيمات.

تنشط كذلك حركة "حماس"، وهي حليفة لحزب الله، وتعرض عدد من قياداتها لاستهداف إسرائيلي في لبنان منذ اندلاع حرب غزة، أبرزهم صالح العاروري، الذي اغتالته إسرائيل في ضربة بالضاحية الجنوبية لبيروت في الثاني من يناير عام 2024، وحسن فرحات الذي اغتيل في الرابع من أبريل 2025 في صيدا.

وفي لبنان أيضا، نشطت "الجبهة الشعبية– القيادة العامة"، وهو فصيل احتفظ بمواقع عسكرية في البقاع بدعم سوري.

وينشط أيضا تنظيمان سلفيان هما "عصبة الأنصار" و"جند الشام"، ويتركزان في مخيم عين الحلوة ويُعدان من بين الأكثر تطرفاً.

كذلك، في السنوات الأخيرة، ظهرت تنظيمات عصابية مسلحة في غير مخيم تنشط في تجارة المخدرات وغيرها من الأنشطة الإجرامية.

"خرطوشة أخيرة"

تقدر مصادر أن 90 في المئة من السلاح في المخيمات هو سلاح فردي، لكن بعض المخازن تحتوي على ذخيرة من الصواريخ.

وتتولى لجان فلسطينية أمن المخيمات.

وتؤكد مصادر فلسطينية أن الجيش يسيطر بشكل كامل على مداخل هذه المخيمات ومخارجها في المناطق اللبنانية كافة، لكن لا سيطرة فعلية له بعد داخل هذه المخيمات.

يقول المحلل السياسي علي الأمين إن السلاح الموجود داخل المخيمات أو المراكز الأمنية القليلة المتبقية خارجه مرتبط بشكل كبير بسلاح حزب الله.

يضيف "الفصائل الفلسطينية الأساسية والرئيس الفلسطيني محمود عباس لا مانع لديهم من تسليم السلاح الموجود داخل المخيمات"، لكن حزب الله والأحزاب الموالية له ترفض تسليم هذه الأسلحة للتمسك بورقة ضغط على الحكومة اللبنانية واستعمالها كـ"خرطوشة أخيرة قبل الاستسلام".

ويرى الأمين أن سحب السلاح من المخيمات مرتبط بشكل وثيق بسلاح حزب الله وأن الأخير يقوم بإدارة ومراقبة هذا السلاح خصوصاً التابع لحركتي حماس والجهاد الإسلامي الموجود داخل المخيمات وخارجها كون الحزب كان المصدر الأساسي لهذه الأسلحة في مرحلة سابقة.

شمال الليطاني

حصر السلاح بيد الدولة اللبنانية لم يعد مطلبا دوليا فقط.

على وقع قرارات دولية (1701 و1559)، وبالتزامن مع إعادة طرح قانون بايجر 6 في الكونغرس مرة ثانية في مارس 2025، أعلن الجيش اللبناني أنه ضبط منطقة جنوب الليطاني، وسيطر على أكثر من 500 هدف ونقطة كانت تابعة لـ "حزب الله".

واليوم تتجه الأنظار إلى شمال الليطاني والخطوة التالية التي ستتخذ لضبط السلاح، كل السلاح، في لبنان.