لبنان
النظام الفدرالي طوق نجاة بالنسبة لبعض اللبنانيين

اعتاد اللبنانيون في كثير من الأحيان أن يبحثوا عن طوق نجاة كُلّما ساءت بهم الأحوال واستشعروا بالخطر، وهو الحاصل اليوم مع استفحال الأزمة الاقتصادية التي جعلتهم عرضة لمخاطر كثيرة، بدأت تظهر شيئاً فشيئاً مع فقدان أموالهم وانقطاع الخدمات الأساسية، و"عجز" الدولة حيث تحوّل لبنان ليكون من أسوأ البلدان التي يُمكن العيش فيها، فيما هاجس الانفجار الاجتماعي يلوح في الأفق.

اليوم، ينطلق الكثير من الباحثين والناشطين والسياسيين من هذا الواقع ليطرح الحل الذي يراه مناسباً. برأيهم، الوقت حان للفدرالية، ولكن هذا الطرح يختلف من شخص إلى آخر، ومن حزب لآخر، ولكن الجميع يجتمع حول السبب الذي دفعهم إلى هذا المكان: غياب الدولة.

غياب الدولة الذي يعاني منه كل اللبنانيين، سببه فشل النظام السياسي في الأساس، هذا الفشل يُحمله البعض لمن توالى على الحكم منذ ما بعد الطائف إلى اليوم، والبعض الآخر يذهب أبعد ليزيد حزب الله إلى المعادلة، كسبب أساسي في تقويض مشروع الدولة القادرة والقوية، وأهم من كل هذا: العادلة.

وتُعيد هذه المطالب إلى أذهان اللبنانيين مرحلة سوداء من تاريخهم، حين اشتبكت الطوائف مع بعضها البعض وفيما بينها أيضاً وصعد من يطالب بالتقسيم كحلّ للأزمة التي امتزج فيها العنصر الخارجي مع الداخلي والتي أدت إلى اقتتال دام حوالي 15 سنة انتهى بمئات آلاف الجرحى والمفقودين وباتفاق لم يُرض كُثر من المقتتلين.

المزاج العام المسيحي

يعتبر المسيحيون أنهم أعطوا الكثير لهذه الدولة وفي المقابل لم تعطهم شيئاً، بل يرون أنهم خارجها بسبب غلبة أطراف أخرى عليها وبسبب فشل الدولة في تعويضهم عما قدموه. يقول القيادي في التيار الوطني الحر وليد الأشقر في حديث لموقع "الحرة": "يرى المسيحيون أنهم لم يأخذوا حقوقهم من الدولة بشكل يوازي مع الواجبات المطلوبة منهم تجاهها، فيما غيرهم بمكان آخر تماماً. هم يرون أنهم معيلون لغيرهم وبالتالي اليوم هم ميالون إلى نوع من الاستقلالية".

من جهته، يرد رئيس جهاز الإعلام والتواصل حزب القوات اللبنانية شارل جبور النزعة إلى المطالبة بالفدرالية إلى غياب الدولة أو تغييبها، يقول: "الناس تبحث عن الاستقرار والازدهار وبالتالي حين يرى المواطن كيف أن هذه الدولة كما هو اليوم تنزلق نحو الانهيار فهو بطبيعة الحال يبدأ البحث عن خيارات أخرى تقيه من ويلات ما سيأتي، ومن هذه الخيارات، الفدرالية".

ويُعاني لبنان من غياب مفهوم الدولة التي ينضوي تحتها جميع المواطنين، ويرى جزء كبير منهم أنهم يضعون مجهودهم لكي يأتي غيرهم ويستفيد منه من دون أن يحصلوا هم على مقابل متوازن، وفي السابق على سبيل المثال خرجت العديد من الأصوات التي تُطالب الدولة بأن تُحصل فواتيرها من مناطق نفوذ أحزاب مسلحة كحزب الله مثلاً، كما تفعل في كسروان وهي منطقة يغلب عليها الوجود المسيحي ويعتبر أبناؤها أنهم يخضعون لسلطة القانون فيما غيرهم في مناطق أخرى لا يفعلون، والدولة من جهتها تغض الطرف عنهم لأسباب عدة، أهمها الحمايات الحزبية التي يتمتع بها أبناء تلك المناطق.

يقول الباحث والأستاذ الجامعي نبيل الخوري في حديث لموقع "الحرة": "بغض النظر عن موقفي السلبي منها، ولكن علينا اليوم أن نفهم الشعور المسيحي وهذه الاندفاعة نحو المطالبة بالفدرالية من دون نقمة عليهم. هم اليوم يعبرون عن غضبهم مما وصلت إليه الأمور وما يفعلونه أو يطلبونه هو رد فعل على فشل الدولة"، يُضيف: "الأمور لم تعد تصلح كما كانت في السابق، هناك غلبة لحزب الله على باقي الأطراف وبالتالي هناك من يقول فلتحكم كل طائفة نفسها".

أكثر من ذلك، يقول: "هناك إحباط مسيحي قوي وشعور بالتهميش لم يتغيّر بعد خروج الجيش السوري من لبنان، وبالتالي هناك من يعتبر اليوم أنه لم يعد بإمكانه أن يقدم أكثر وبالتالي فنذهب إلى التقسيم من دون أن ننتظر حزب الله الذي رهن الدولة للصراعات الإقليمية، وبنظر هذا التيار فإن انهيار الدولة سيكون كارثياً وبالتالي ذهب إلى التفكير في كيفية إدارة أموره بنفسه".

الواقع العام

لم يعد اليوم الطرف المسيحي هو الوحيد الذي يطمح للفدرالية، فإذا كان هناك في السابق ضوابط أو موانع أمام الطوائف الأخرى من الحديث عن هذا الطرح الذي يعتبرونه تقسيمياً، تحوّل اليوم الكثير من المسلمين وتحديداً سُنّة ودروز ليُجاهروا بأهمية النظام الاتحادي.

يبقى الشيعة حذرين أكثر من غيرهم في طرح هكذا أفكار، بالرغم من أصوات قليلة تظهر بين الحين والآخر ولكن تبقى خافتة، ويُرجح أن البيئة التي يُسيطر عليها الثنائي الشيعي تمنع تماماً مثل هذا النقاش ويقول باحثون مؤيدون لهذه النظم إن حزب الله تحديداً سيكون أكثر الخاسرين من أي تطبيق للفدرالية.

قبل فترة، استضاف الإعلامي اللبناني مارسيل غانم مجموعة منهم في حلقة خصصها للحديث عن الفدرالية، وخلقت نقاشاً في مكان ما، وخلافاً كبيراً في أمكنة أخرى، إلا أن واقع أن الفدرالية صارت مطلباً لدى شريحة كبيرة من اللبنانيين، وتحديداً لدى المسيحيين، لم يعد يقبل الشك.

أشد المنظرين للفدرالية هو الأمين العام للمؤتمر الدائم للفدرالية ألفرد رياشي. يقول في حديث لموقع "الحرة": "تجربة عام 1920 فشلت. الطائف أيضا. مر على إقرار مجلس الشيوخ 32 سنة ولكن أين هو اليوم، غير موجود. اللامركزية التي تحدث عنها الطائف كل طرف يراها بشكل مختلف"، يُضيف: "النظام المركزي هو حكم القوي للضعيف، ولا بد هنا من القول إن المسيحيين اليوم هم أكثر المتضررين من هذا الواقع".

ما العمل؟ يقول رياشي: "نبدأ بالحياد العسكري وصولاً إلى الحياد السياسي، والحياد وحده من دون حماية حقوق الطوائف أيضاً لا ينفع، وبالتالي فإن الأمثل اليوم هو تطبيق الحياد بالتوازي مع إقرار نظام فدرالي يراعي حقوق الجماعات، لأن غياب هكذا نظام يؤدي إلى ذهاب كُل طائفة لنسج سياسية خاصة بها". 
 
برأي رياشي أن الطرح عملي وأن التداخل قليل. هو يُقسم لبنان لكونتونات طائفية ويرى أن 96٪ منها غير متداخل فيما بينه. "هناك بعض الأقليات مثلاً الشيعة في الزعيترية والمسيحيون في صور. في هذه الحالات نعتم ما يُسمى وسيط الجمهورية لتنظر بالخلافات الخاصة بالناس وتعمل على حلّها".

الجيش اللبناني أقام حواجز على جميع المنافذ إلى ساحة النور في طرابلس خلال الاحتجاجات

وتنص الفقرة الأولى من الدستور اللبناني على أنّ "الإنماء المتوازن ثقافياً واجتماعياً واقتصادياً ركن أساسي من أركان وحدة الدولة واستقرار النظام"، كما تنص الفقرة "ط" من مقدمته على أن "أرض لبنان أرض واحدة لكل اللبنانيين فلا فرز للشعب على أساس أي انتماء كان ولا تجزئة ولا تقسيم ولا توطين".

طروحات متأنية

مقابل رياشي الذي يُعتبر من أشرس المدافعين والمطالبين بالنظام الفدرالي، يظهر الباحث والأكاديمي هشام أبو ناصيف الذي مؤخراً بدأ بطرح فكرة الفدرالية كحل متكامل من دون أن يُغلق الباب تماماً على الطروحات الأخرى بالرغم من اعتقاده أن لا حل الآن للأزمة اللبنانية إلا بالفدرالية التي "وحدها قادرة على حكم المجتمعات التعددية". 

يقول في حديث لموقع "الحرة": "المجتمعات التعددية لا تُحكم مركزياً، نحن طوائف مختلفة ولسنا حضارات. فلنعترف أننا غير منصهرين مع بعضنا البعض"، يُضيف مُختصراً الحالة اللبنانية كما يراها: "الوطنية اللبنانية بين بمنازل كثيرة". أيضاً، يعتبر أن "الدولة المركزية هي كارتيل للجريمة المنظمة ولا سبيل لإضعاف هذا الكارتيل إلا باللامركزية".

لاستعادة الدولة، يطرح أبو ناصيف المشروع الفدرالي على الطاولة. يقول إن الطرح ليس نقطة واحدة بل مجموعة من النقاط كُل واحدة تُكمل الأخرى: "أولاً الجيش اللبناني هو القوّة المسلحة الوحيدة على الأراضي اللبنانية، ثانياً، الحياد أي أن تكون سياستنا الخارجية بعيدة كل البعد عن المحاور، وثالثاً تطبيق شكل من أشكال إعادة التنظيم الفدرالي".

وهنا، يُصر أبو ناصيف أنه "ضد طرح الفدرالية من منطلق تشدد طائفي وكُل من يطرحها من هذا المنطلق هو خطر على الفدرالية وليس العكس. اليوم نحن نطالب بهذا النظام لأن فيه مصلحة لكل اللبنانيين"، ويشدد على أنه "ليس بالضرورة الذهاب إلى الفدرالية الطائفية ولكن دعونا لا نشيطنها".

البيكار يتوسع

إذا كانت الأحزاب الكبيرة لدى السُنة والدروز ترفض الفدرالية بالمبدأ، وترى فيها طرحاً تقسيمياً، إلا أنها لا تُعبر عن أصوات الجميع داخل الطوائف وداخل الأحزاب الكبيرة حتى، أي تيار المستقبل لدى الطائفة السنية والحزب التقدمي الاشتراكي لدى الدروز، بالرغم من الموقف الحزبي المعارض للنظام الاتحادي وغير الممانع تماماً للامركزية ولكن لا يبدي الطرفان رغبة في الدفع نحوها.

تقول المنسقة العامة للمؤتمر الدائم للفدرالية رشا عيتاني في حديث لموقع "الحرة": "الفكرة صارت موجودة وبقوة في الكثير من البيئات. إذا تحدثنا عن السنة مثلاً، اليوم صار هناك تقبل للنظام الاتحادي أكثر من أي وقت مضى لأن التوعية صارت أكبر وفهم هذا النظام صار أوضح بالرغم من أن هناك كُثر مترددون تحت شعار أن الجو ليس جاهزاً لهكذا طروحات".

تُضيف: "دائماً في لبنان ومنذ 100 سنة وحتى يومنا هذا هناك طائفة قوية وتفرض سيطرتها على باقي الطائف، مرة الموارنة ومرة السنة والآن الشيعة، وهذا يحصل لسبب أساسي وهو النظام المركزي المتحكم بنا وبالتالي فإن الفدرالية هي السبيل الوحيد لوقف هذه السيطرة وتأمين المساواة والعدل والتعايش بين مختلف أطياف المجتمع اللبناني".

من جهته، يقول الناشط والمستشار المالي عصام بو حمدان: "الفساد اليوم منتشر في كل مكان. كُل قضاء أو محافظة قادرة على أن تكون لديها اكتفاء ذاتي بل فائض في الإنتاج في بعضها، ولكن النظام المركزي يجعل اليوم من يتحكم بكل هذه المناطق وزارة المال المركزية. إذا تركنا لكل محافظة أو قضاء أن يتصرف ب 60٪ من ناتجه فنحن بذلك نفتح الباب أمام إنماء متوازن وعادل".

ويضيف في حديث لموقع "الحرة": "لقد بدأنا بالتوعية. الناس شيئاً فشيئاً بدأت تفهم معنى النظام الفدرالي وتتفاعل معنا بشكل إيجابي. والناس اليوم بدأت ترى أن الدولة المركزية تمنع تطورهم بشكل عام لأنها تحتكر ما يقومون به في مناطقهم وهذا الاحتكار يذهب إلى زعماء الطوائف".

وما الذي سيتغير إن كان التقسيم الجديد لن يُلغي هؤلاء الزعماء؟ يقول: "نحن اليوم نقوم بدراسة مالية لكل منطقة ولا نقف مكتوفي الأيدي. وبالتالي حين يتحول هؤلاء الزعماء من على الصعيد المركزي إلى المناطقي على سبيل المثال، لن يكون من السهل عليهم أن يمارسوا الفساد بالطريقة نفسها وسيكونوا مكشوفين أمام الناس".

الأحزاب المسيحية

لا تتبنى الأحزاب المسيحية الكبيرة النظام الفدرالي بالمباشر، ولكنها أيضاً في الوقت نفسه لا تُمانعه، وقد تُشجع عليه في حالات محددة خاصة إذا استمر النظام كما هو، وتنحو معظمها للمطالبة باللامركزية الإدارية الموسعة، التي هي في طبيعة الحال تُمهد في مكان لنوع من الفدرالية.

يقول جبور في حديثه لموقع "الحرة": "موقف القوات واضح، إما أن يُطبق الدستور بحذافيره بداً من الشق السيادي أي احتكار الدولة للسلاح، وإما في حال أراد البعض أن يلوّح بالمثالثة فنحن في المقابل جاهزون لطرح مقابل يوازي هذا الطرح. نحن من نضع جدول الأعمال على الأفكار التي يطرحها البعض (أي المثالثة)".

لا ينفي جبور ولا يؤكد أن القوات تضع الفدرالية مقابل المثالثة. على الضفة المسيحية الأخرى، أي لدى التيار الوطني الحر، يذهب الأشقر إلى القول: "الشريك الآخر يستعمل ورقة المثالثة بدل المناصفة التي أكد عليها اتفاق الطائف وبالتالي أي ذهاب نحو مؤتمر تأسيسي لهذه الغاية فنحن مستعدون لطرح الفدرالية في المقابل، لكي نصل إلى اللامركزية".

يُضيف: "الموقف الرسمي للتيار ليس مع الفدرالية، هو أقل بدرجة، لا مركزية إدارية ومالية موسعة التي تحل جزءاً كبيراً من مشاكلنا، لأنها تؤدي في النهاية إلى إنماء عادل، ولا أن يستفيد الشريك الآخر من حسابي وجهدي من دون أن يقدم في المقابل ما يُقدمه غيره للدولة ومؤسساتها".

كذلك، يتفق جبور مع الأشقر في هذا الطرح، يقول: "لا يجب النظر إلى اللامركزية الموسعة بخوف، فهي في النهاية ستُؤدي إلى تنمية المناطق وتحسين ظروف الحياة للمواطنين كافة وتأمين الخدمات لهم بشكل متوازن".

ولا يُعارض حزب الكتائب هذه الطروحات وهو سبق له وتقدم بمشروع للامركزية وأبدى تأييده لمشروع مفصل سبق وقدمه الوزير السابق زياد بارود حصل على تأييد أطراف مسلمة كالحزب التقدمي الاشتراكي وتيار المستقبل فيما عبر آنذاك رئيس مجلس النواب نبيه بري عن تخوفه من بعض النقاط لا سيما الأمنية كذلك فعل حزب الله على لسان نائبه السابق نواف الموسوي.

الموانع

يبدي المؤيدون للفدرالية حماسة في التعبير عن رأيهم ورغبتهم في تطبيق هذا النظام على الحالة اللبنانية، لكنهم في الوقت نفسه يعترفون أن الموانع كثيرة. يقول رياشي: "نحن اليوم أولاً بحاجة إلى توعية كبيرة في هذا المجال ولكن إلى الآن القوى السياسية في البلد مترددة لأن لكل منها أجندتها الخاصة المتعارضة مع هذا الأمر، كما أن الأولوية الدولية في مكان آخر ولبنان خارجها إلى اليوم".

من جهته، يقول أبو ناصيف: "لنكن واقعيين، حزب الله ضد طرح الفدرالية ولا شيء يحصل من دون موافقته". 

المعارضون

ولا يُعبر الموقف الحزبي ومواقف الكثير من المسيحيين عن الغالبية، إذ يُبدي الكثير منهم معارضته لهذه المطالب ولهذا النوع من الأنظمة معللين ذلك بعدة أسباب. 

يقول الخوري: "ما يتجاهله من هم مع هذا الطرح ومن يُروّج له أنه "حتى لو قسمنا لبنان إلى كونتونات، ما الذي سيتغير إذا ما عاد أرباب هذا النظام ليحكموا هذه الكونتونات. المشكلة أعمق مما يتصوره البعض، هيمنة البيوتات السياسية والتجار والأوليغارشية لن تزول إذا أقرت الفدرالية".

من جهته، يقول مدير معهد العلوم السياسية في جامعة القدّيس يوسف كريم بيطار في حديث لموقع "الحرة": "نحن بغنى اليوم عن فدرالية طائفية تُعيد إنتاج صراع حضارات كبير على بلد يكفيه ما لديه من مشاكل"، ويضيف: "الفدرالية لا تحل مشكلة السلاح ولا مُشكلة النظام المصرفي ولا أزمتنا المالية والاقتصادية ولا الصراعات الإقليمية ولا السياسة الخارجية والدفاعية".

برأيه، من يُطالب بالفدرالية لم يتنبه إلى أن "المسيحيين مثلاً غير متشابهين جميعهم بل على العكس ولا الشيعة وغيرهم من المذاهب أيضاً. أشد الصراعات كانت داخل الطوائف ولنا في القوات والعونيين خير مثال على ذلك. كذلك الأقليات السياسية، ماذا نفعل بها؟ هناك كِر من المسيحيين يعارضون الأحزاب المسيحية كذلك لدى الدروز والشيعة والسنة".

ما الحل إذا؟ يقول بيطار: "لا حل إلا بنظام ديمقراطي ودولة مدنية حديثة ولا مركزية". 

مصارف لبنان

في تحول تاريخي لعمل القطاع المصرفي اللبناني، أقرّ مجلس النواب الخميس تعديلات على قانون السرية المصرفية تسهّل للهيئات الناظمة الحصول على كامل المعلومات المتعلّقة بالحسابات.

جاءت الخطوة تلبية لمطلب رئيسي من مطالب صندوق النقد الدولي.

واعتبر رئيس الوزراء اللبناني، نواف سلام، القرار "خطوة ضرورية نحو الإصلاح المالي المنشود وركيزة أساسية لأي خطة تعافٍ، ولكشف الحقائق" بشأن الأزمة المالية التي بدأت عام 2019.

والجمعة، نُشر في الجريدة الرسمية اللبنانية قانون تعديل بعض المواد المتعلقة بسرية المصارف في لبنان، بما في ذلك تعديل المادة 7 (هـ) و (و) من القانون المتعلق بسرية المصارف الذي أقرّ عام 1956، وكذلك تعديل المادة 150 من قانون النقد والتسليف الصادر في عام 1963، بموجب القانون رقم 306 الصادر في 28 تشرين الأول 2022.

وينص التعديل الجديد على تعديل المادة 7 (هـ) من القانون المتعلق بسرية المصارف بما يسمح بمشاركة معلومات مصرفية بين مصرف لبنان، ولجنة الرقابة على المصارف، والمؤسسة الوطنية لضمان الودائع، في إطار تعزيز مراقبة القطاع المصرفي وحماية النظام المالي. 

ويشمل التعديل أيضا صلاحيات تعديل وإنشاء مؤسسة مختلطة لضمان الودائع المصرفية.

أما المادة 7 (و) فتتيح للجهات المعنية، مثل مصرف لبنان ولجنة الرقابة على المصارف، طلب معلومات مصرفية محمية بالسرية دون تحديد حساب أو عميل معين. ويتيح التعديل إصدار طلبات عامة للحصول على معلومات عن جميع الحسابات والعملاء، إلا أن هذه الطلبات يمكن أن تكون قابلة للاعتراض أمام قاضي الأمور المستعجلة، ويخضع الاعتراض للأصول القانونية المتعلقة بالاعتراض على العرائض.

وفي ما يتعلق بالمادة 150 من قانون النقد والتسليف، تضمن التعديل رفع السرية المصرفية بشكل كامل وغير مقيد أمام مصرف لبنان ولجنة الرقابة على المصارف، بالإضافة إلى المدققين والمقيمين المعينين من قبل مصرف لبنان أو اللجنة.

وتشمل التعديلات الحسابات الدائنة والمدينة، سواء كانت ضمن أو خارج الميزانية، كما تتيح رفع السرية المصرفية عن سجلات ومستندات ومعلومات تعود إلى أشخاص معنويين أو حقيقيين يتعاملون مع المصارف أو المؤسسات المالية الخاضعة للرقابة. ويشمل تطبيق هذا التعديل بأثر رجعي لمدة عشر سنوات من تاريخ صدور القانون.

وقد شهد لبنان خلال الأسابيع الماضية نقاشات حادة، رأى فيها معارضون للخطوة أن هذا القانون ورفع السرية المصرفية طي لصفحة من تاريخ لبنان المالي العريق من خلال "إلغاء ميزة تفاضلية،" وبأن كشف الفساد ليس معطلاً بسبب السرية المصرفية.

ويرى المتحمسون للقانون أن من شأن التعديلات الجديدة تعزيز الشفافية في القطاع المصرفي في لبنان وتحسين مراقبة ومراجعة العمليات المصرفية، في وقت يشهد فيه القطاع المصرفي تحديات كبيرة في ظل الأزمة المالية المستمرة.

وأوضحت "المفكرة القانونية" وهي منظمة حقوقية غير حكومية، في بيان أصدرته أن التعديل يخوّل "الهيئات الرقابيّة والهيئات النّاظمة للمصارف، وتحديدًا مصرف لبنان ولجنة الرقابة على المصارف والمؤسسة الوطنية لضمان الودائع، طلب الحصول على جميع المعلومات المصرفية، من دون أن يربط طلب المعلومات بأيّ هدف معيّن، وإمكانية التدقيق في الحسابات بالأسماء، تصحيحا لقانون 2022" والذي تضمن بعض التعديلات.

يعتمد لبنان السرية المصرفية منذ عام 1956، وكان لذلك أثر كبير في جذب رؤوس الأموال والودائع وتوفير مناخ الاستقرار الاقتصادي. وبموجب هذا القانون تلتزم المصارف الخاضعة لأحكامه السرية المطلقة، إذ لا يجوز كشف السر المصرفي سواء في مواجهة الجهات الخاصة أو السلطات العامة، وسواء كانت قضائية أو إدارية أو مالية، إلا في حالات معينة في القانون وردت على سبيل الحصر، وهي:

1- إذن العميل او ورثته خطيًا.
2- صدور حكم بإشهار افلاس العميل.
3- وجود نزاع قضائي بينه وبين البنك بمناسبة الروابط المصرفية. 
4- وجود دعاوى تتعلق بجريمة الكسب غير المشروع. 
5- توقف المصرف عن الدفع، إذ ترفع في هذه الحالة السرية المصرفية عن حسابات أعضاء مجلس الإدارة والمفوضين بالتوقيع ومراقبي الحسابات. 
6- الاشتباه في استخدام الأموال لغاية تبييضها، وعندها ترفع السرية المصرفية بقرار من هيئة التحقيق الخاصة لمصلحة المراجع القضائية المختصة والهيئة المصرفية العليا، وذلك عن الحسابات المفتوحة لدى المصارف أو المؤسسات المالية.

وبالفعل ومنذ إقرار هذا القانون ازدهر القطاع المصرفي اللبناني واستطاع جذب رؤوس أموال، لكن كل ذلك تغير مع اندلاع الحرب الأهلية في منتصف السبعينيات، وبدأت الليرة اللبنانية رحلة الانهيار. خمسة عشر عاما من الاقتتال، انتهت بتسويات سياسية، تبعها نظام اقتصادي جديد، قاده منذ عام 1993 الراحل رفيق الحريري رئيسا للحكومة، ورياض سلامة حاكما لمصرف لبنان المركزي، سعيا وراء الاستقرار. 

وبعد أربع سنوات من استلام منصبه، نجح سلامة في تثبيت سعر العملة اللبنانية، عند 1500 مقابل الدولار الأميركي.

استمرت تلك المعادلة أكثر من عقدين، لكنها كانت تحتاج إمدادات لا تنقطع من العملة الصعبة للمحافظة على استمرارها. وفي محاولة لسد العجز، سعت المصارف اللبنانية لجذب حصيلة كبيرة من العملة الخضراء عبر تقديم فوائد مرتفعة على الودائع الدولارية، فوائد تراوحت بين 15 و 16 في المئة.

نتيجة للفوائد البنكية المرتفعة، شهدت ودائع القطاع المصرفي اللبناني نمواً سنوياً وصل ذروته بقرابة 12 مليار دولار خلال عام 2009.

أغرت الفوائد العالية المقيمين والمغتربين، ليصل إجمالي الودائع في المصارف اللبنانية إلى أكثر من 177 مليار دولار في نهاية نوفمبر عام 2018. 

منذ عام 2017، تراجع الاحتياطي في خزينة مصرف لبنان، رغم محاولات جذب الدولار. وفي صيف عام 2019، لاحت بوادر صعوبة في توافر الدولار في الأسواق اللبنانية، فارتفع سعر صرفه مقابل الليرة للمرة الأولى منذ أكثر من 20 عاما، ما دفع الحكومة لاتخاذ إجراءات استثنائية. لكن البعض يرى أن تلك القرارات جاءت متأخرة.

في أكتوبر 2019، انفجر الشارع اللبناني مطالبا بإسقاط السلطة السياسية، وأغلقت المصارف أبوابها، لكن تقارير صحفية تحدثت عن عمليات تحويل لأرصدة ضخمة الى خارج البلاد.

في تقرير لصحيفة فاينانشال تايمز البريطانية، نُشر في صيف 2020، فإنه، وفقا لكبير موظفي الخدمة المدنية المالية السابق في لبنان ومدير عام وزارة المالية السابق ألان بيفاني، قام مصرفيون بتهريب ما يصل إلى 6 مليارات دولار من لبنان منذ  أكتوبر 2019، في تحايل على الضوابط التي تم إدخالها لوقف هروب رأس المال، مع غرق البلاد في أسوأ أزمة مالية منذ ثلاثين 30 عاما، بينما بات مصير مليارات الدولارات مجهولًا. 

بدأت الأزمة المالية بالظهور تدريجيا، لكنها انفجرت حرفيا منذ اندلاع الاحتجاجات في شهر أكتوبر عام 2019. وتشير تقارير رسمية إلى أن أموالا طائلة تصل إلى مليارات الدولارات تم تحويلها إلى الخارج، بينما تم حجز ودائع صغار زبائن البنوك، من دون ضمانات لحماية ودائع المواطنين، ولا سيولة نقدية.

وتقدر تقارير دولية والمصرف المركزي اللبناني أن ودائع صغار زبائن البنوك بحوالي 121 مليار دولار منها ودائع لغير المقيمين تُقدّر بـ20 مليار دولار، وأصحابها لبنانيون وعراقيون ويمنيون وليبيون ومصريون ومن دول الخليج، إضافة لودائع للسوريين، يقدر المصرفيون بأنها أكثر من 3 مليارات دولار.

وفيما تجري التحقيقات حول آلية تهريب الأموال، لم يصل المحققون المحليون ولا حتى الدوليون إلى جواب شاف، لكن كانت دائما "المصالح المتشابكة داخل النظام اللبناني" جزءا من الجواب.

وتعتبر البنوك اللبنانية مرآة للنظام من حيث التقسيم الطائفي، فغالبيتها تابعة لجهات سياسية ومقربين منها، الأمر الذيث كان واضحا في انعدام الرقابة على عمليات إدخال أموال حزب الله المهربة أو غير الشرعية إلى هذه البنوك، مما يعني عمليات تبييض وشرعنة لهذه الأموال.

منذ منذ عام 2001، وضعت الولايات المتحدة حزب الله على قائمة المنظمات الإرهابية، وفرضت عليه عقوبات ضمن خطة لمكافحة تمويل الإرهاب. وفي هذا الإطار صدر قانون مكافحة تبييض الأموال رقم 44، عام 2015، والذي لم يتم تعطبيقه، واكتفى مصرف لبنان بتعاميم، لم تغير واقع الحال.

بدأ لبنان في يناير 2022 مفاوضات رسمية مع صندوق النقد الذي طالما شدد على أنه لن يقدم أي دعم طالما لم تقرّ الحكومة إصلاحات على رأسها تصحيح الموازنة وإعادة هيكلة القطاع المصرفي وإصلاح المؤسسات العامة والتصدي للفساد المستشري.

وأعلن الصندوق في أبريل من العام ذاته اتفاقا مبدئيا على خطة مساعدة بقيمة ثلاثة مليارات دولار على أربع سنوات، لكنّ تطبيقها كان مشروطا بإصلاحات لم يتم تنفيذ معظمها.

في سبتمبر عام 2024، أوقف الحاكم السابق لمصرف لبنان، رياض سلامة، وهو حتى اليوم قيد التحقيق في اتهامات بغسيل الأموال وشراء وبيع سندات خزينة الحكومة اللبنانية. ومنذ انهيار حزب الله اللبناني، في حربه مع إسرائيل، وصعود ما سمي بالعهد الجديد، أقرت حكومة نواف سلام مشروع قانون لإعادة هيكلة المصارف، استجابةً لمطالب صندوق النقد الدولي، الذي اشترط تنفيذ إصلاحات جذرية، بينها رفع السرية المصرفية، كشرط أساسي لأي دعم مالي للبنان، كما تأتي في ظل إدراج مجموعة العمل المالي (FATF) لبنان على اللائحة الرمادية بسبب ثغرات خطيرة في مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب.

من المتوقع أن تسهم هذه التعديلات في تعزيز الشفافية المالية، ومكافحة الفساد وتبييض الأموال والتهرب الضريبي، كما يُتوقع أن تفتح الباب أمام إعادة هيكلة النظام المالي اللبناني بالكامل، واستعادة ثقة المجتمع الدولي، وتأمين الدعم المالي اللازم من الجهات المانحة.

إلا أن نجاح هذه الخطوة لا يقاس فقط بالكشف عن الحسابات، بل العبرة في التنفيذ في ظل نظام قضائي شبه مهترئ وتورط بعض من أصحاب النفوذ السياسي والمالي أنفسهم.

لبنان اليوم أمام مفترق طرق، فإما أن يسلك طريق العهد الجديد الذي وعد به اللبنانيون، أو يظل الفساد العنوان الأبرز في سياسات لبنان المالية المقبلة.