لبنان
النظام الفدرالي طوق نجاة بالنسبة لبعض اللبنانيين

اعتاد اللبنانيون في كثير من الأحيان أن يبحثوا عن طوق نجاة كُلّما ساءت بهم الأحوال واستشعروا بالخطر، وهو الحاصل اليوم مع استفحال الأزمة الاقتصادية التي جعلتهم عرضة لمخاطر كثيرة، بدأت تظهر شيئاً فشيئاً مع فقدان أموالهم وانقطاع الخدمات الأساسية، و"عجز" الدولة حيث تحوّل لبنان ليكون من أسوأ البلدان التي يُمكن العيش فيها، فيما هاجس الانفجار الاجتماعي يلوح في الأفق.

اليوم، ينطلق الكثير من الباحثين والناشطين والسياسيين من هذا الواقع ليطرح الحل الذي يراه مناسباً. برأيهم، الوقت حان للفدرالية، ولكن هذا الطرح يختلف من شخص إلى آخر، ومن حزب لآخر، ولكن الجميع يجتمع حول السبب الذي دفعهم إلى هذا المكان: غياب الدولة.

غياب الدولة الذي يعاني منه كل اللبنانيين، سببه فشل النظام السياسي في الأساس، هذا الفشل يُحمله البعض لمن توالى على الحكم منذ ما بعد الطائف إلى اليوم، والبعض الآخر يذهب أبعد ليزيد حزب الله إلى المعادلة، كسبب أساسي في تقويض مشروع الدولة القادرة والقوية، وأهم من كل هذا: العادلة.

وتُعيد هذه المطالب إلى أذهان اللبنانيين مرحلة سوداء من تاريخهم، حين اشتبكت الطوائف مع بعضها البعض وفيما بينها أيضاً وصعد من يطالب بالتقسيم كحلّ للأزمة التي امتزج فيها العنصر الخارجي مع الداخلي والتي أدت إلى اقتتال دام حوالي 15 سنة انتهى بمئات آلاف الجرحى والمفقودين وباتفاق لم يُرض كُثر من المقتتلين.

المزاج العام المسيحي

يعتبر المسيحيون أنهم أعطوا الكثير لهذه الدولة وفي المقابل لم تعطهم شيئاً، بل يرون أنهم خارجها بسبب غلبة أطراف أخرى عليها وبسبب فشل الدولة في تعويضهم عما قدموه. يقول القيادي في التيار الوطني الحر وليد الأشقر في حديث لموقع "الحرة": "يرى المسيحيون أنهم لم يأخذوا حقوقهم من الدولة بشكل يوازي مع الواجبات المطلوبة منهم تجاهها، فيما غيرهم بمكان آخر تماماً. هم يرون أنهم معيلون لغيرهم وبالتالي اليوم هم ميالون إلى نوع من الاستقلالية".

من جهته، يرد رئيس جهاز الإعلام والتواصل حزب القوات اللبنانية شارل جبور النزعة إلى المطالبة بالفدرالية إلى غياب الدولة أو تغييبها، يقول: "الناس تبحث عن الاستقرار والازدهار وبالتالي حين يرى المواطن كيف أن هذه الدولة كما هو اليوم تنزلق نحو الانهيار فهو بطبيعة الحال يبدأ البحث عن خيارات أخرى تقيه من ويلات ما سيأتي، ومن هذه الخيارات، الفدرالية".

ويُعاني لبنان من غياب مفهوم الدولة التي ينضوي تحتها جميع المواطنين، ويرى جزء كبير منهم أنهم يضعون مجهودهم لكي يأتي غيرهم ويستفيد منه من دون أن يحصلوا هم على مقابل متوازن، وفي السابق على سبيل المثال خرجت العديد من الأصوات التي تُطالب الدولة بأن تُحصل فواتيرها من مناطق نفوذ أحزاب مسلحة كحزب الله مثلاً، كما تفعل في كسروان وهي منطقة يغلب عليها الوجود المسيحي ويعتبر أبناؤها أنهم يخضعون لسلطة القانون فيما غيرهم في مناطق أخرى لا يفعلون، والدولة من جهتها تغض الطرف عنهم لأسباب عدة، أهمها الحمايات الحزبية التي يتمتع بها أبناء تلك المناطق.

يقول الباحث والأستاذ الجامعي نبيل الخوري في حديث لموقع "الحرة": "بغض النظر عن موقفي السلبي منها، ولكن علينا اليوم أن نفهم الشعور المسيحي وهذه الاندفاعة نحو المطالبة بالفدرالية من دون نقمة عليهم. هم اليوم يعبرون عن غضبهم مما وصلت إليه الأمور وما يفعلونه أو يطلبونه هو رد فعل على فشل الدولة"، يُضيف: "الأمور لم تعد تصلح كما كانت في السابق، هناك غلبة لحزب الله على باقي الأطراف وبالتالي هناك من يقول فلتحكم كل طائفة نفسها".

أكثر من ذلك، يقول: "هناك إحباط مسيحي قوي وشعور بالتهميش لم يتغيّر بعد خروج الجيش السوري من لبنان، وبالتالي هناك من يعتبر اليوم أنه لم يعد بإمكانه أن يقدم أكثر وبالتالي فنذهب إلى التقسيم من دون أن ننتظر حزب الله الذي رهن الدولة للصراعات الإقليمية، وبنظر هذا التيار فإن انهيار الدولة سيكون كارثياً وبالتالي ذهب إلى التفكير في كيفية إدارة أموره بنفسه".

الواقع العام

لم يعد اليوم الطرف المسيحي هو الوحيد الذي يطمح للفدرالية، فإذا كان هناك في السابق ضوابط أو موانع أمام الطوائف الأخرى من الحديث عن هذا الطرح الذي يعتبرونه تقسيمياً، تحوّل اليوم الكثير من المسلمين وتحديداً سُنّة ودروز ليُجاهروا بأهمية النظام الاتحادي.

يبقى الشيعة حذرين أكثر من غيرهم في طرح هكذا أفكار، بالرغم من أصوات قليلة تظهر بين الحين والآخر ولكن تبقى خافتة، ويُرجح أن البيئة التي يُسيطر عليها الثنائي الشيعي تمنع تماماً مثل هذا النقاش ويقول باحثون مؤيدون لهذه النظم إن حزب الله تحديداً سيكون أكثر الخاسرين من أي تطبيق للفدرالية.

قبل فترة، استضاف الإعلامي اللبناني مارسيل غانم مجموعة منهم في حلقة خصصها للحديث عن الفدرالية، وخلقت نقاشاً في مكان ما، وخلافاً كبيراً في أمكنة أخرى، إلا أن واقع أن الفدرالية صارت مطلباً لدى شريحة كبيرة من اللبنانيين، وتحديداً لدى المسيحيين، لم يعد يقبل الشك.

أشد المنظرين للفدرالية هو الأمين العام للمؤتمر الدائم للفدرالية ألفرد رياشي. يقول في حديث لموقع "الحرة": "تجربة عام 1920 فشلت. الطائف أيضا. مر على إقرار مجلس الشيوخ 32 سنة ولكن أين هو اليوم، غير موجود. اللامركزية التي تحدث عنها الطائف كل طرف يراها بشكل مختلف"، يُضيف: "النظام المركزي هو حكم القوي للضعيف، ولا بد هنا من القول إن المسيحيين اليوم هم أكثر المتضررين من هذا الواقع".

ما العمل؟ يقول رياشي: "نبدأ بالحياد العسكري وصولاً إلى الحياد السياسي، والحياد وحده من دون حماية حقوق الطوائف أيضاً لا ينفع، وبالتالي فإن الأمثل اليوم هو تطبيق الحياد بالتوازي مع إقرار نظام فدرالي يراعي حقوق الجماعات، لأن غياب هكذا نظام يؤدي إلى ذهاب كُل طائفة لنسج سياسية خاصة بها". 
 
برأي رياشي أن الطرح عملي وأن التداخل قليل. هو يُقسم لبنان لكونتونات طائفية ويرى أن 96٪ منها غير متداخل فيما بينه. "هناك بعض الأقليات مثلاً الشيعة في الزعيترية والمسيحيون في صور. في هذه الحالات نعتم ما يُسمى وسيط الجمهورية لتنظر بالخلافات الخاصة بالناس وتعمل على حلّها".

الجيش اللبناني أقام حواجز على جميع المنافذ إلى ساحة النور في طرابلس خلال الاحتجاجات

وتنص الفقرة الأولى من الدستور اللبناني على أنّ "الإنماء المتوازن ثقافياً واجتماعياً واقتصادياً ركن أساسي من أركان وحدة الدولة واستقرار النظام"، كما تنص الفقرة "ط" من مقدمته على أن "أرض لبنان أرض واحدة لكل اللبنانيين فلا فرز للشعب على أساس أي انتماء كان ولا تجزئة ولا تقسيم ولا توطين".

طروحات متأنية

مقابل رياشي الذي يُعتبر من أشرس المدافعين والمطالبين بالنظام الفدرالي، يظهر الباحث والأكاديمي هشام أبو ناصيف الذي مؤخراً بدأ بطرح فكرة الفدرالية كحل متكامل من دون أن يُغلق الباب تماماً على الطروحات الأخرى بالرغم من اعتقاده أن لا حل الآن للأزمة اللبنانية إلا بالفدرالية التي "وحدها قادرة على حكم المجتمعات التعددية". 

يقول في حديث لموقع "الحرة": "المجتمعات التعددية لا تُحكم مركزياً، نحن طوائف مختلفة ولسنا حضارات. فلنعترف أننا غير منصهرين مع بعضنا البعض"، يُضيف مُختصراً الحالة اللبنانية كما يراها: "الوطنية اللبنانية بين بمنازل كثيرة". أيضاً، يعتبر أن "الدولة المركزية هي كارتيل للجريمة المنظمة ولا سبيل لإضعاف هذا الكارتيل إلا باللامركزية".

لاستعادة الدولة، يطرح أبو ناصيف المشروع الفدرالي على الطاولة. يقول إن الطرح ليس نقطة واحدة بل مجموعة من النقاط كُل واحدة تُكمل الأخرى: "أولاً الجيش اللبناني هو القوّة المسلحة الوحيدة على الأراضي اللبنانية، ثانياً، الحياد أي أن تكون سياستنا الخارجية بعيدة كل البعد عن المحاور، وثالثاً تطبيق شكل من أشكال إعادة التنظيم الفدرالي".

وهنا، يُصر أبو ناصيف أنه "ضد طرح الفدرالية من منطلق تشدد طائفي وكُل من يطرحها من هذا المنطلق هو خطر على الفدرالية وليس العكس. اليوم نحن نطالب بهذا النظام لأن فيه مصلحة لكل اللبنانيين"، ويشدد على أنه "ليس بالضرورة الذهاب إلى الفدرالية الطائفية ولكن دعونا لا نشيطنها".

البيكار يتوسع

إذا كانت الأحزاب الكبيرة لدى السُنة والدروز ترفض الفدرالية بالمبدأ، وترى فيها طرحاً تقسيمياً، إلا أنها لا تُعبر عن أصوات الجميع داخل الطوائف وداخل الأحزاب الكبيرة حتى، أي تيار المستقبل لدى الطائفة السنية والحزب التقدمي الاشتراكي لدى الدروز، بالرغم من الموقف الحزبي المعارض للنظام الاتحادي وغير الممانع تماماً للامركزية ولكن لا يبدي الطرفان رغبة في الدفع نحوها.

تقول المنسقة العامة للمؤتمر الدائم للفدرالية رشا عيتاني في حديث لموقع "الحرة": "الفكرة صارت موجودة وبقوة في الكثير من البيئات. إذا تحدثنا عن السنة مثلاً، اليوم صار هناك تقبل للنظام الاتحادي أكثر من أي وقت مضى لأن التوعية صارت أكبر وفهم هذا النظام صار أوضح بالرغم من أن هناك كُثر مترددون تحت شعار أن الجو ليس جاهزاً لهكذا طروحات".

تُضيف: "دائماً في لبنان ومنذ 100 سنة وحتى يومنا هذا هناك طائفة قوية وتفرض سيطرتها على باقي الطائف، مرة الموارنة ومرة السنة والآن الشيعة، وهذا يحصل لسبب أساسي وهو النظام المركزي المتحكم بنا وبالتالي فإن الفدرالية هي السبيل الوحيد لوقف هذه السيطرة وتأمين المساواة والعدل والتعايش بين مختلف أطياف المجتمع اللبناني".

من جهته، يقول الناشط والمستشار المالي عصام بو حمدان: "الفساد اليوم منتشر في كل مكان. كُل قضاء أو محافظة قادرة على أن تكون لديها اكتفاء ذاتي بل فائض في الإنتاج في بعضها، ولكن النظام المركزي يجعل اليوم من يتحكم بكل هذه المناطق وزارة المال المركزية. إذا تركنا لكل محافظة أو قضاء أن يتصرف ب 60٪ من ناتجه فنحن بذلك نفتح الباب أمام إنماء متوازن وعادل".

ويضيف في حديث لموقع "الحرة": "لقد بدأنا بالتوعية. الناس شيئاً فشيئاً بدأت تفهم معنى النظام الفدرالي وتتفاعل معنا بشكل إيجابي. والناس اليوم بدأت ترى أن الدولة المركزية تمنع تطورهم بشكل عام لأنها تحتكر ما يقومون به في مناطقهم وهذا الاحتكار يذهب إلى زعماء الطوائف".

وما الذي سيتغير إن كان التقسيم الجديد لن يُلغي هؤلاء الزعماء؟ يقول: "نحن اليوم نقوم بدراسة مالية لكل منطقة ولا نقف مكتوفي الأيدي. وبالتالي حين يتحول هؤلاء الزعماء من على الصعيد المركزي إلى المناطقي على سبيل المثال، لن يكون من السهل عليهم أن يمارسوا الفساد بالطريقة نفسها وسيكونوا مكشوفين أمام الناس".

الأحزاب المسيحية

لا تتبنى الأحزاب المسيحية الكبيرة النظام الفدرالي بالمباشر، ولكنها أيضاً في الوقت نفسه لا تُمانعه، وقد تُشجع عليه في حالات محددة خاصة إذا استمر النظام كما هو، وتنحو معظمها للمطالبة باللامركزية الإدارية الموسعة، التي هي في طبيعة الحال تُمهد في مكان لنوع من الفدرالية.

يقول جبور في حديثه لموقع "الحرة": "موقف القوات واضح، إما أن يُطبق الدستور بحذافيره بداً من الشق السيادي أي احتكار الدولة للسلاح، وإما في حال أراد البعض أن يلوّح بالمثالثة فنحن في المقابل جاهزون لطرح مقابل يوازي هذا الطرح. نحن من نضع جدول الأعمال على الأفكار التي يطرحها البعض (أي المثالثة)".

لا ينفي جبور ولا يؤكد أن القوات تضع الفدرالية مقابل المثالثة. على الضفة المسيحية الأخرى، أي لدى التيار الوطني الحر، يذهب الأشقر إلى القول: "الشريك الآخر يستعمل ورقة المثالثة بدل المناصفة التي أكد عليها اتفاق الطائف وبالتالي أي ذهاب نحو مؤتمر تأسيسي لهذه الغاية فنحن مستعدون لطرح الفدرالية في المقابل، لكي نصل إلى اللامركزية".

يُضيف: "الموقف الرسمي للتيار ليس مع الفدرالية، هو أقل بدرجة، لا مركزية إدارية ومالية موسعة التي تحل جزءاً كبيراً من مشاكلنا، لأنها تؤدي في النهاية إلى إنماء عادل، ولا أن يستفيد الشريك الآخر من حسابي وجهدي من دون أن يقدم في المقابل ما يُقدمه غيره للدولة ومؤسساتها".

كذلك، يتفق جبور مع الأشقر في هذا الطرح، يقول: "لا يجب النظر إلى اللامركزية الموسعة بخوف، فهي في النهاية ستُؤدي إلى تنمية المناطق وتحسين ظروف الحياة للمواطنين كافة وتأمين الخدمات لهم بشكل متوازن".

ولا يُعارض حزب الكتائب هذه الطروحات وهو سبق له وتقدم بمشروع للامركزية وأبدى تأييده لمشروع مفصل سبق وقدمه الوزير السابق زياد بارود حصل على تأييد أطراف مسلمة كالحزب التقدمي الاشتراكي وتيار المستقبل فيما عبر آنذاك رئيس مجلس النواب نبيه بري عن تخوفه من بعض النقاط لا سيما الأمنية كذلك فعل حزب الله على لسان نائبه السابق نواف الموسوي.

الموانع

يبدي المؤيدون للفدرالية حماسة في التعبير عن رأيهم ورغبتهم في تطبيق هذا النظام على الحالة اللبنانية، لكنهم في الوقت نفسه يعترفون أن الموانع كثيرة. يقول رياشي: "نحن اليوم أولاً بحاجة إلى توعية كبيرة في هذا المجال ولكن إلى الآن القوى السياسية في البلد مترددة لأن لكل منها أجندتها الخاصة المتعارضة مع هذا الأمر، كما أن الأولوية الدولية في مكان آخر ولبنان خارجها إلى اليوم".

من جهته، يقول أبو ناصيف: "لنكن واقعيين، حزب الله ضد طرح الفدرالية ولا شيء يحصل من دون موافقته". 

المعارضون

ولا يُعبر الموقف الحزبي ومواقف الكثير من المسيحيين عن الغالبية، إذ يُبدي الكثير منهم معارضته لهذه المطالب ولهذا النوع من الأنظمة معللين ذلك بعدة أسباب. 

يقول الخوري: "ما يتجاهله من هم مع هذا الطرح ومن يُروّج له أنه "حتى لو قسمنا لبنان إلى كونتونات، ما الذي سيتغير إذا ما عاد أرباب هذا النظام ليحكموا هذه الكونتونات. المشكلة أعمق مما يتصوره البعض، هيمنة البيوتات السياسية والتجار والأوليغارشية لن تزول إذا أقرت الفدرالية".

من جهته، يقول مدير معهد العلوم السياسية في جامعة القدّيس يوسف كريم بيطار في حديث لموقع "الحرة": "نحن بغنى اليوم عن فدرالية طائفية تُعيد إنتاج صراع حضارات كبير على بلد يكفيه ما لديه من مشاكل"، ويضيف: "الفدرالية لا تحل مشكلة السلاح ولا مُشكلة النظام المصرفي ولا أزمتنا المالية والاقتصادية ولا الصراعات الإقليمية ولا السياسة الخارجية والدفاعية".

برأيه، من يُطالب بالفدرالية لم يتنبه إلى أن "المسيحيين مثلاً غير متشابهين جميعهم بل على العكس ولا الشيعة وغيرهم من المذاهب أيضاً. أشد الصراعات كانت داخل الطوائف ولنا في القوات والعونيين خير مثال على ذلك. كذلك الأقليات السياسية، ماذا نفعل بها؟ هناك كِر من المسيحيين يعارضون الأحزاب المسيحية كذلك لدى الدروز والشيعة والسنة".

ما الحل إذا؟ يقول بيطار: "لا حل إلا بنظام ديمقراطي ودولة مدنية حديثة ولا مركزية". 

سلاح حزب الله

الحوار، والاستراتيجية الدفاعية، مفردات خطاب لطالما استخدمته السياسة اللبنانية في نقاش ملف سلاح حزب الله، لكن هل تملك الدولة رفاهية الوقت لإدارة حوار ونقاش استراتيجيات، أم أن الخيارات تصبح أكثر كلفة وتداعياتها أقل قابلية للتحكّم؟

المجتمع الدولي يشترط بسط السيادة الكاملة للدولة اللبنانية على كامل أراضيها كمدخل أساسي لأي دعم سياسي أو اقتصادي، فيما تحذر إسرائيل من أنها "ستنفذ المهمة" بنفسها، في حال استمر "تقاعس الدولة".

فهل لا يزال الانتظار خياراً قابلاً للصرف في ميزان التطورات الإقليمية والدولية؟ وهل يُمكن للتعويل على عامل الوقت أن يصمد طويلاً في وجه التحوّلات المتسارعة؟

مصادر تتحدث للحرة عن مؤشرات على نهج جديد.

قنبلة موقوتة

الوقت يداهم لبنان، تؤكد عضو كتلة "الجمهورية القوية" النائب غادة أيوب.

وتشرح "لبنان يعيش تحت وطأة سلاح غير شرعي منذ سنوات، وهذا السلاح جرّ علينا الويلات، من عزلة عربية ودولية، إلى انهيار اقتصادي، إلى تهديد دائم للسلم الأهلي".

ومن يظن "أن ملف السلاح غير الشرعي هو بلا مهلة، واهم أو متواطئ"، تؤكد أيوب. "لأن استمرار سلاح حزب الله هو قنبلة موقوتة قد تنفجر في أي وقت بوجه مشروع بناء الدولة وبوجه العهد، ولا يجوز لأي مسؤول في الدولة اللبنانية أن يدفن رأسه في الرمال".

وتشدد أيوب في حديث لموقع "الحرة" على أنه "لا مجال بعد الآن للتسويات ولا للتنازلات ولا يمكن أن يبقى هذا الموضوع موضوعًا مؤجّلًا أو قابلًا للمراوغة".

فالبلاد "أمام خطر دائم، ليس فقط على المستوى الأمني، بل على مستوى الاستقرار السياسي والاقتصادي والعلاقات الدولية".

حان "وقت التنفيذ"، تقول، لأنه "لا يمكن أن يُبنى وطن أو يُستعاد الاقتصاد في ظل دويلة ضمن الدولة".
والوقت "ليس مفتوحًا، وكل تأخير هو تراكم إضافي للأزمات".

تفكيك المخازن

من جانبه، يرى المحلل السياسي، المحامي أمين بشير، أن مقاربة الدولة اللبنانية لملف سلاح حزب الله تشهد تحوّلاً جذرياً، "فبعد أن كان هذا الملف يطرح في إطار الاستراتيجية الدفاعية والحوار الوطني، جاءت زيارة المبعوثة الأميركية مورغان أورتاغوس إلى بيروت لتحدث نقطة تحوّل مفصلية في مسار التعاطي مع هذا الملف".

الزيارة الأميركية الأخيرة حملت رسالة واضحة، كما يقول بشير لموقع "الحرة"، "مفادها أن أي خطوة تتعلق بتفكيك أو تسليم سلاح حزب الله يجب أن تكون معلنة للرأي العام، لا أن تبقى طي الكتمان. هذا الطرح، لم يكن تفصيلاً، بل كان بمثابة فرض واقع جديد على الدولة اللبنانية، سرعان ما تجلّى بالإعلان عن تفكيك 193 مخزناً من أصل 260 تابعاً لحزب الله، وفق ما كشفه مصدر عسكري لأحد الصحفيين".

ويضيف بشير "هذا التطوّر شكّل صدمة للرأي العام، الذي اعتاد سماع وعود مكرّرة بالحوار دون نتائج ملموسة، وسط نفي دائم من حزب الله لأي نية لتسليم السلاح. لكن ما كان يدار في الغرف المغلقة خرج فجأة إلى العلن، وأصبح تفكيك المخازن مسألة لا تحتمل التعتيم".

حلقة مفرغة؟

سياسة كسب الوقت، أو ما يسمى بسياسة "النعامة"، وفق ما تصف أيوب لا تحمي لبنان، بل تعرّضه كما تقول "أكثر فأكثر للخطر. حزب الله لا ينتظر الدولة ليقرر خطواته، بل يورّط لبنان بقرارات لصالح إيران ومن إيران من دون الرجوع إلى المؤسسات الدستورية". 

"هذا الواقع،" يضيف، "يفتح الباب على مصير مجهول، وربما مواجهة عسكرية تُفرض على اللبنانيين جميعاً من دون رأيهم أو موافقتهم. وحدها الدولة، من خلال قرارها السيادي، تستطيع أن تحمي لبنان، لا الميليشيات".

وتشدد أيوب "نحن مع الحوار، لكن ليس الحوار الذي يطالبون به حول موضوع السلاح لأن الحوار لا يمكن أن يكون غطاءً للشلل أو للاستمرار في الأمر الواقع. إن تجربة السنوات الماضية أثبتت أن طاولات الحوار و'الاستراتيجية الدفاعية' تحوّلت إلى عنوان للاستهلاك الداخلي من دون أي تقدّم فعلي، بل أتت بمفاعيل عكسية وكارثية على البلد ولم تكن سوى وسائل استفاد منها حزب الله لكسب الوقت وللانقضاض على ما تبقى من هيبة الدولة".

"كل طاولات الحوار التي شارك فيها حزب الله انقلب عليها مباشرة"، تقول أيوب. وتوضح "أسقط حوار 2006 عبر حرب يوليو، وأسقط حوار سان كلو 2007 عبر اجتياح بيروت في العام التالي، وأسقط حوار الدوحة 2008 عبر تعطيل الحكومة والسلطة التنفيذية، وأسقط حوار بعبدا 2012 عبر مشاركته في الحرب السورية، وأسقط حوار بعبدا 2017 عبر تمسّكه بالسلاح، وأسقط حوار بعبدا 2019 عبر ضرب النظام المالي، وهذه بعض الأمثلة". 

"لذلك، لا يمكن أن نتوقع من حزب الله أن يتخلى عن سلاحه طوعاً، لكن لا يمكن أيضًا للدولة أن تستسلم لهذا الواقع. المطلوب ضغط سياسي وشعبي ودولي، وموقف وطني موحّد، لاكتساب السيادة كاملة. وهذه ليست مهمة مستحيلة، لكنها تتطلب قراراً".

الحوار حول التنفيذ فقط

أما بشير فيشير إلى تراجع بعض رؤساء الأحزاب عن تحفظاتهم حول الحوار، إثر اتصالات مباشرة مع رئيس الجمهورية "الأخير أوضح أن الحوار لا يعني العودة إلى طاولة وطنية جامعة، بل هو حوار مباشر بينه وبين حزب الله، لبحث آليات تسليم السلاح: هل يسلّم للجيش؟ هل يعاد إلى إيران؟ أم يفكك بطريقة أخرى؟

هذا التوضيح، وفق بشير، "أزال القلق من احتمال العودة إلى الحلقة المفرغة من الحوارات، وفتح الباب أمام نقاش جدي في تنفيذ القرار 1701 بشكل فعلي لا شكلي".

الموقف الدولي واضح وصارم تجاه لبنان كما يشدد بشير "لا مساعدات، لا إعادة إعمار، ولا دعم استثماري أو اقتصادي، من دون حل جذري لملف سلاح حزب الله. هذا ما عبّرت عنه بوضوح الدول الخليجية، والدول الأوروبية، والإدارة الأميركية، التي لم تعد تقبل بتسويف أو مماطلة".

كذلك تؤكد أيوب أن "المجتمع الدولي ينظر إلى هذا الملف كأحد الأسباب الأساسية لفشل الدولة اللبنانية في استعادة سيادتها واستقرارها". وتقول "هناك قناعة متزايدة لدى المجتمع الدولي أن غياب القرار الحاسم في هذا الملف ينعكس سلباً على كل مسار الدعم والمساعدة". 

"هذا التردّد قد لا يُفهم على أنه حكمة، بل على أنه عجز أو تواطؤ. وإذا لم تُظهر الدولة إرادة فعلية في معالجة السلاح غير الشرعي، فإن أي مساعدة دولية ستبقى مشروطة ومحدودة".

منظومة هيمنة

من جانبه، يرى بشير أن المشكلة لا تتعلق فقط بالسلاح كرمز للهيمنة، "بل بحزب الله كمنظومة متكاملة تهيمن على مفاصل الدولة، اقتصادياً وأمنياً وحتى قضائياً.

ويقول "نحن لا نتحدث فقط عن سلاح، بل عن شبكة مصالح موازية تنخر جسم الدولة من الداخل"، في إشارة إلى مؤسسات الحزب المالية، "كمؤسسة القرض الحسن، وشبكة المؤسسات الموازية التي أنشأها في قطاعات الكهرباء، والمرافئ، وحتى القضاء".

لبنان اليوم، كما يقول بشير، يقف بين خيارين "إما نجاح المفاوضات الأميركية–الإيرانية وانعكاساتها الإيجابية على الداخل اللبناني، وإما انفجار عسكري جديد في حال فشلها، فيما إسرائيل تترقب لاستغلال أي فراغ لتبرير تدخلها العسكري، تحت ذريعة بناء حزام أمني لسكان شمالها".

من هنا، يحذّر من الاكتفاء بدور المتفرّج على طاولة المفاوضات. ويشدد على ضرورة أن "تمتلك الدولة اللبنانية، ممثلة بالرئيس والحكومة، موقفاً وطنياً واضحاً حيال هذا الملف، لا يقتصر فقط على المهلة الزمنية، بل يتجاوزها إلى ما بعدها. يجب أن نكون جاهزين للاستفادة من الفرص أو مواجهة التحديات، لا أن نكون مجرد ضحايا على طاولة مفاوضات تدار من الخارج".

ويختم بشير بالتأكيد على أن تفكيك منظومة حزب الله ليس مجرد مطلب سياسي، "بل ضرورة لبناء دولة حديثة قادرة على استعادة سيادتها وثقة المجتمع الدولي بها، ويقول "لبنان لا يمكن أن ينهض طالما هناك مجموعة مذهبية تعمل وفق نظام مصالح خاص، وتخضع لسلطة خارجية. المطلوب ليس فقط نزع السلاح، بل تفكيك كامل للشبكات الرديفة التي أضعفت الدولة ودمّرت مؤسساتها".