مستشفيات لبنان تعاني من نقص الوقود والأدوية والمواد الطبية
مستشفيات لبنان تعاني من نقص الوقود والأدوية والمواد الطبية

لم يختبر اللبنانيون معاناة، في عز أيام الاقتتال الأهلي فيما بينهم، كالتي يختبرونها اليوم نتيجة الأزمة الاقتصادية التي تمر بها البلاد والتي تأخذ بالتوسع شيئاً فشيئاً ومعها بدأ انهيار قطاعات أساسية وضرورية يأتي على رأسها القطاع الصحي الذي يُعتبر من أهم ركائز صمود الناس في زمن الأزمات. 

روايات كثيرة يرويها لبنانيون يذوقون الذل كي يحصلوا على الحد الأدنى من العناية الطبية، فيما المستشفيات بدأت بمعظمها تُجاهر بعدم قدرتها على الاستمرار في حال بقيت الأمور على حالها، خاصة لناحية ارتفاع سعر صرف الدولار وانقطاع المواد الطبية الأساسية. مثال بسيط، مخزون البنج على وشك أن ينضب في كل المستشفيات، ولا أفق لحل هذه المشكلة التي يصفها الأطباء بالكارثة. 

وبين واقع الناس والمستشفيات، يدخل عامل جديد على الخط، هجرة الأطباء والممرضين والتي بدأت منذ أكثر من سنة ونصف والأرقام صارت مُقلقة كثيراً. لا إحصاءات دقيقة اليوم ولكن، بحسابات العاملين في هذا القطاع، فقد تجاوز هجرة الأطباء حاجز الخمسين في المئة منهم. أما قطاع التمريض الذي بالأساس يعاني لبنان من نقص فيه، الهجرة مضاعفة. 

شقيق كريمة جمعة، خالد، يُعاني من سرطان الدم، وتعالج أكثر من مرة. مؤخراً، ظهرت عوارض جديدة لديه فقام بالفحوصات اللازمة ليتبين أن المرض، الورم، وصل إلى الرئتين. تروي كريمة لموقع "الحرة": اتصل بأكثر من شخص وطرف لكي يساعدونه في إجراء العلاج الكيميائي اللازم له. الضمان وافق والمستشفى أيضاً (المستشفى في بيروت). قبل يوم من أول جلسة، تلقى اتصالاً من المستشفى يقولونه له إنهم لن يسمحوا له بالدخول إلى المستشفى لإجراء الجلسة". 

"حاولنا مجدداً مع المستشفى وتحدثنا مع مسؤول في الضمان الاجتماعي الذي اتصل بمدير المستشفى فوافق الأخير على إجراء العلاج. بدأ بجلساته ليتبين بعد الجلسة الثالثة أن الدواء المستخدم في العلاج خفيف جداً ولا يُناسب حالته وهذا ما قاله الطبيب. الدواء لا يصلح للعلاج الكيميائي لحالة مثل حالة أخي". تقول كريمة، وتُضيف: "قال له الطبيب إنه بحاجة لإجراء عملية نخاع شوكي كلفتها 100 ألف دولار أميركي". 

إذا باعت كريمة ك ما تملك عائلتها من أراضٍ وممتلكات، فهي لا تستطيع أن تُغطي تكلفة العملية التي إذا احتُسبت على سعر الصرف، فكلفتها مليار و700 مليون. شقيقها ينتظر، وطبعاً غير قادر على إجراء العملية. شقيقها حالته ليست جيدة، وتحاول ألّا تُخبر والدتها عن وضعه. ماذا عن الوالدة؟ تقول كريمة: "والدتي عمرها 84 سنة وتعاني من مرض السكري. دخلت مستشفى في منطقة مرجعيون بعد أن تردت حالتها، ليكتشفوا بعد 4 أيام أنها تعاني من جلطات متكررة في بطنها". 

تأخر الطبيب ليكتشف هذا الأمر، مع أن كريمة كانت قد ذكرت أمامهم أنها تشك في أن هناك شيئاً غير طبيعي في معدتها فهي سبق وعايشت أحد أقربائها الذي كان عنده العوارض نفسها أي تجلطات في البطن. والدتها بحاجة لدم، المُتبرع عليه أن يدفع ثمن الكيس الذي يبلغ 400 ألف. والدة كريمة لا يُمكن أن يغرسوا لها الإبرة في العروق، وهي بحاجة لأنبوب لتلك العملية. ثمنه 350 ألف أيضاً دفعت ثمنه كريمة ولكنها تفاجأت بعد يومين بأن الأنبوب لم يُضع على يد والدتها. 

طبعاً لا تستطيع كريمة أن تُكمل على هذا الحال، ولا شقيقها ولا والدتها. كمال المقداد، مريض قلب سبق وأجرى أكثر من عملية قلب مفتوح. تعب كثيراً فذهب إلى الطبيب الذي طلب له عملية ثالثة ليُغير صمامات مقفلة. كلفة العملية تتجاوز 155 مليون ليرة وكمال سائق أجرة ليس بقدرته تأمين هذا المبلغ ولا حتى تأمين 10 بالمئة من المبلغ. 

يقول لموقع "الحرة": "المستشفى لا تأخذ من وزارة الصحة. حاولنا تأمين المبلغ واستطعنا الحصول على جزء منه والمستشفى خفضت قيمة فاتورتها أيضاً. ليتكون الكلفة النهائية قرابة 100 مليون. أجريت العملية ولكن المبلغ الذي جمعته لا يكفي. أبقوني لديهم ليومين وبعد أن تدخل أكثر من شخص سمحوا لي بالخروج"، يُضيف: "أنا لا أتابع علاجي لديهم بالرغم من أنه من الضروري أن أفعل ذلك ولكن كيف سأذهب إلى مستشفى تريد مني مالاً لا أملكه، وأطلب منهم علاجاً لا أملك تكلفته. أشعر بالخجل والحزن". 

تتابع فرح ساعاتي علاجها. بحاجة لإجراء فحوصات دم ضرورية، حاولت مع أكثر من مستشفى في بيروت. الجواب كان أن المحلول الذي يستخدمونه في الفحص غير متوفر. ممرضة في إحدى المستشفيات التي قالت إن الفحص غير متوفر قالت لها إنهم يقومون به لمرضاهم ويحددون هم لمن يقدمون هذه الخدمة ولمن لا. كذلك الأمر في المستشفى الثاني. انتهت فرح تقوم بالفحص في مختبر ودفعت ثمنه نقداً، بسعر السوق السوداء.  

ما يُعانيه الناس في المستشفيات لا تتحمل مسؤوليته الأخيرة بشكل كامل. الكلفة الاستشفائية ارتفعت كثيراً وصارت مضطرة لمجاراة سوق الدولار وبالتالي صاروا بمعظمهم يحتسبون الدولار على سعر 6 آلاف ليرة إذ بحسب مدراء مستشفيات وأطباء فإن احتساب الدولار على هذا السعر يعطيهم القدرة على الاستمرار في هذه الظروف. 

في المقابل، هناك مستشفيات خاصة تُسعر كما يُناسبها. على سبيل المثال الصورة الإشعاعية في إحدى مستشفيات بيروت تبلغ قيمتها 4 ملايين ونصف. الصورة نفسها، بالآلة نفيها والمعدات نفسها في مستشفى في منطقة البقاع، تُكلف حوالي 700 ألف ليرة أي فارق يُقارب الأربع ملايين ليرة للخدمة نفسها. يقول طبيب يعمل في مستشفى خاص ولكن في الجنوب: "إذا سعرنا نصف تسعيرة مستشفيات بيروت الناس ستأكلنا". 

لم تعلن بعد أي تعاونية من تعاونيات الموظفين ولا الضمان وقف دعم وتغطية فواتير الاستشفاء. لكن الأمور تتجه شيئاً فشيئاً إلى هناك. يقول الطبيب شفيع فوعاني، وهو يعمل في مستشفى خارج بيروت، لموقع "الحرة": "في بيروت انتهى موضوع الضمان والتأمين والتعاونيات. المستشفيات لم تعد تقبل بشيء من هذا القبيل. أما في الأرياف، معظم المستشفيات لا تزال تعمل كما السابق". 

يروي فوعاني لموقع "الحرة" المعاناة اليومية. يقول: "الأدوية مفقودة. مثلاً ليس لدينا أكياس دم الذي تبلغ قيمته 16 دولار حسب سعر الصرف أي ما يوازي 250 ألف ليرة، يعني وحدة الدم تُكلف حوالي 500 إلى 600 ألف ليرة وتصل في بيروت إلى المليون. وكل شيء ندفعه اليوم نقدي. نحن في مستشفى يتسع ل 80 تختاً بحاجة لقفازات شهرياً بقيمة 40 مليون ليرة". 

ماذا عن تغطية الوزارة؟ يقول: "وزارة الصحة غطت أول 6 أشهر من عام 2020 على سبيل المثال، على سعر صرف 1500 ليرة، فيما اليوم الدولار يوازي 17 ألفاً. الجزء الثاني من عام 2020 كان الدولار وصل إلى 10 آلاف، سنقبض مستحقاتنا على سعر 1500 ليرة للدولار أي بعملية حسابية بسيطة نحن ندفع من جيوبنا كي نعمل، هذا ولم نتحدث بعد عن عام 2021".  

يُحاول فوعاني بالمستشفى الذي يعمل به أن يقتصد قدر الإمكان. حين يكون هناك إمكانية، يوزعون المرضى في الطابق الأرضي ويغلقون الطابق العلوي لتوفير الكهرباء والمازوت. حتى الماسك (الكمامة)، يحصل الممرض على ماسك واحد ويكون مسجلاً باسمه ليستعمله طيلة فترة دوامه. أما الكفوف فهي غير متوفرة. فوعاني يؤمن لبعض العمال مكاناً للنوم كي يوفروا وقود جراء انتقالهم من البيت إلى العمل. يقول: "إذا لم نفعل ذلك، نُقفل المستشفى".  

قبل فترة، انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي تغريدة لمدير مستشفى رفيق الحريري الجامعي في بيروت فراس أبيض يقول فيها: "وضع تغذية الكهرباء للمستشفى غير مقبول. انقطاع لأكثر من 21 ساعة في اليوم. الفيول غير متوفر، وإذا توفر، نعاني مشاكل سيولة. المرضى لا يستطيعون تغطية الفروقات. أخذنا قرار بإيقاف أجهزة التكييف إلا في الأقسام الطبية رغم موجة الحر. لا داع لاستعمال المخيلة أو للتهويل، نحن في جهنم حقاً".  

تغريدة كافية لتُعبر عن واقع مستشفى يُعتبر من الأكبر في لبنان وقام بمجهودات جبارة زمن كورونا. يقول أبيض في حديث لموقع "الحرة": "اليوم في المستشفيات الحكومية على سبيل المثال، التعريفات صارت خارج إطار السوق أي أقل بكثير من الكلفة التي نتكبدها. هناك من دون مبالغة نوع من الانفصام بين الكلفة والمصروف".  

يضيف: "من المستحيل اليوم تأمين تغطية الفروقات من دون رفع الأسعار. مثلاً الضمان الاجتماعي وتعاونيات الموظفين لا يمكن لهم أن يغطوا الفروقات من دون رفع الاشتراكات، وكيف سيرفعونها إذا كانت الناس غير قادرة على دفع الاشتراكات كما هي الآن. كذلك الأمر بالنسبة للتأمين والفروقات غير الممكن تأمين مبالغها كونهم يُسعرون اليوم على سعر 3900 مقابل الدولار الواحد".  

ما الحل؟ يقول أبيض: "نحن كأي قطاع آخر نتأثر بما يحصل في البلد وبالتالي المطلوب بالأساس هو استقرار وحلحلة على الصعيد الوطني، أما مشكلتنا ضمن القطاع فهو أمر يمكن أن يجد له الحلول قصيرة وطويلة المدى ولكن هذا أيضاً يبدو غير متوفر اليوم. نحن اليوم بحاجة للجميع في هذا القطاع أن يكونوا مع بعضهم البعض". يُفصل أكثر: "اليوم نجتمع لنتقاذف كرة النار بدل أن نتفق على تقاسم المشكلة وإيجاد الحلول لها، وكالعادة الحلقة الأضعف تكون المريض، والفقير تحديداً".  

مصارف لبنان

في تحول تاريخي لعمل القطاع المصرفي اللبناني، أقرّ مجلس النواب الخميس تعديلات على قانون السرية المصرفية تسهّل للهيئات الناظمة الحصول على كامل المعلومات المتعلّقة بالحسابات.

جاءت الخطوة تلبية لمطلب رئيسي من مطالب صندوق النقد الدولي.

واعتبر رئيس الوزراء اللبناني، نواف سلام، القرار "خطوة ضرورية نحو الإصلاح المالي المنشود وركيزة أساسية لأي خطة تعافٍ، ولكشف الحقائق" بشأن الأزمة المالية التي بدأت عام 2019.

والجمعة، نُشر في الجريدة الرسمية اللبنانية قانون تعديل بعض المواد المتعلقة بسرية المصارف في لبنان، بما في ذلك تعديل المادة 7 (هـ) و (و) من القانون المتعلق بسرية المصارف الذي أقرّ عام 1956، وكذلك تعديل المادة 150 من قانون النقد والتسليف الصادر في عام 1963، بموجب القانون رقم 306 الصادر في 28 تشرين الأول 2022.

وينص التعديل الجديد على تعديل المادة 7 (هـ) من القانون المتعلق بسرية المصارف بما يسمح بمشاركة معلومات مصرفية بين مصرف لبنان، ولجنة الرقابة على المصارف، والمؤسسة الوطنية لضمان الودائع، في إطار تعزيز مراقبة القطاع المصرفي وحماية النظام المالي. 

ويشمل التعديل أيضا صلاحيات تعديل وإنشاء مؤسسة مختلطة لضمان الودائع المصرفية.

أما المادة 7 (و) فتتيح للجهات المعنية، مثل مصرف لبنان ولجنة الرقابة على المصارف، طلب معلومات مصرفية محمية بالسرية دون تحديد حساب أو عميل معين. ويتيح التعديل إصدار طلبات عامة للحصول على معلومات عن جميع الحسابات والعملاء، إلا أن هذه الطلبات يمكن أن تكون قابلة للاعتراض أمام قاضي الأمور المستعجلة، ويخضع الاعتراض للأصول القانونية المتعلقة بالاعتراض على العرائض.

وفي ما يتعلق بالمادة 150 من قانون النقد والتسليف، تضمن التعديل رفع السرية المصرفية بشكل كامل وغير مقيد أمام مصرف لبنان ولجنة الرقابة على المصارف، بالإضافة إلى المدققين والمقيمين المعينين من قبل مصرف لبنان أو اللجنة.

وتشمل التعديلات الحسابات الدائنة والمدينة، سواء كانت ضمن أو خارج الميزانية، كما تتيح رفع السرية المصرفية عن سجلات ومستندات ومعلومات تعود إلى أشخاص معنويين أو حقيقيين يتعاملون مع المصارف أو المؤسسات المالية الخاضعة للرقابة. ويشمل تطبيق هذا التعديل بأثر رجعي لمدة عشر سنوات من تاريخ صدور القانون.

وقد شهد لبنان خلال الأسابيع الماضية نقاشات حادة، رأى فيها معارضون للخطوة أن هذا القانون ورفع السرية المصرفية طي لصفحة من تاريخ لبنان المالي العريق من خلال "إلغاء ميزة تفاضلية،" وبأن كشف الفساد ليس معطلاً بسبب السرية المصرفية.

ويرى المتحمسون للقانون أن من شأن التعديلات الجديدة تعزيز الشفافية في القطاع المصرفي في لبنان وتحسين مراقبة ومراجعة العمليات المصرفية، في وقت يشهد فيه القطاع المصرفي تحديات كبيرة في ظل الأزمة المالية المستمرة.

وأوضحت "المفكرة القانونية" وهي منظمة حقوقية غير حكومية، في بيان أصدرته أن التعديل يخوّل "الهيئات الرقابيّة والهيئات النّاظمة للمصارف، وتحديدًا مصرف لبنان ولجنة الرقابة على المصارف والمؤسسة الوطنية لضمان الودائع، طلب الحصول على جميع المعلومات المصرفية، من دون أن يربط طلب المعلومات بأيّ هدف معيّن، وإمكانية التدقيق في الحسابات بالأسماء، تصحيحا لقانون 2022" والذي تضمن بعض التعديلات.

يعتمد لبنان السرية المصرفية منذ عام 1956، وكان لذلك أثر كبير في جذب رؤوس الأموال والودائع وتوفير مناخ الاستقرار الاقتصادي. وبموجب هذا القانون تلتزم المصارف الخاضعة لأحكامه السرية المطلقة، إذ لا يجوز كشف السر المصرفي سواء في مواجهة الجهات الخاصة أو السلطات العامة، وسواء كانت قضائية أو إدارية أو مالية، إلا في حالات معينة في القانون وردت على سبيل الحصر، وهي:

1- إذن العميل او ورثته خطيًا.
2- صدور حكم بإشهار افلاس العميل.
3- وجود نزاع قضائي بينه وبين البنك بمناسبة الروابط المصرفية. 
4- وجود دعاوى تتعلق بجريمة الكسب غير المشروع. 
5- توقف المصرف عن الدفع، إذ ترفع في هذه الحالة السرية المصرفية عن حسابات أعضاء مجلس الإدارة والمفوضين بالتوقيع ومراقبي الحسابات. 
6- الاشتباه في استخدام الأموال لغاية تبييضها، وعندها ترفع السرية المصرفية بقرار من هيئة التحقيق الخاصة لمصلحة المراجع القضائية المختصة والهيئة المصرفية العليا، وذلك عن الحسابات المفتوحة لدى المصارف أو المؤسسات المالية.

وبالفعل ومنذ إقرار هذا القانون ازدهر القطاع المصرفي اللبناني واستطاع جذب رؤوس أموال، لكن كل ذلك تغير مع اندلاع الحرب الأهلية في منتصف السبعينيات، وبدأت الليرة اللبنانية رحلة الانهيار. خمسة عشر عاما من الاقتتال، انتهت بتسويات سياسية، تبعها نظام اقتصادي جديد، قاده منذ عام 1993 الراحل رفيق الحريري رئيسا للحكومة، ورياض سلامة حاكما لمصرف لبنان المركزي، سعيا وراء الاستقرار. 

وبعد أربع سنوات من استلام منصبه، نجح سلامة في تثبيت سعر العملة اللبنانية، عند 1500 مقابل الدولار الأميركي.

استمرت تلك المعادلة أكثر من عقدين، لكنها كانت تحتاج إمدادات لا تنقطع من العملة الصعبة للمحافظة على استمرارها. وفي محاولة لسد العجز، سعت المصارف اللبنانية لجذب حصيلة كبيرة من العملة الخضراء عبر تقديم فوائد مرتفعة على الودائع الدولارية، فوائد تراوحت بين 15 و 16 في المئة.

نتيجة للفوائد البنكية المرتفعة، شهدت ودائع القطاع المصرفي اللبناني نمواً سنوياً وصل ذروته بقرابة 12 مليار دولار خلال عام 2009.

أغرت الفوائد العالية المقيمين والمغتربين، ليصل إجمالي الودائع في المصارف اللبنانية إلى أكثر من 177 مليار دولار في نهاية نوفمبر عام 2018. 

منذ عام 2017، تراجع الاحتياطي في خزينة مصرف لبنان، رغم محاولات جذب الدولار. وفي صيف عام 2019، لاحت بوادر صعوبة في توافر الدولار في الأسواق اللبنانية، فارتفع سعر صرفه مقابل الليرة للمرة الأولى منذ أكثر من 20 عاما، ما دفع الحكومة لاتخاذ إجراءات استثنائية. لكن البعض يرى أن تلك القرارات جاءت متأخرة.

في أكتوبر 2019، انفجر الشارع اللبناني مطالبا بإسقاط السلطة السياسية، وأغلقت المصارف أبوابها، لكن تقارير صحفية تحدثت عن عمليات تحويل لأرصدة ضخمة الى خارج البلاد.

في تقرير لصحيفة فاينانشال تايمز البريطانية، نُشر في صيف 2020، فإنه، وفقا لكبير موظفي الخدمة المدنية المالية السابق في لبنان ومدير عام وزارة المالية السابق ألان بيفاني، قام مصرفيون بتهريب ما يصل إلى 6 مليارات دولار من لبنان منذ  أكتوبر 2019، في تحايل على الضوابط التي تم إدخالها لوقف هروب رأس المال، مع غرق البلاد في أسوأ أزمة مالية منذ ثلاثين 30 عاما، بينما بات مصير مليارات الدولارات مجهولًا. 

بدأت الأزمة المالية بالظهور تدريجيا، لكنها انفجرت حرفيا منذ اندلاع الاحتجاجات في شهر أكتوبر عام 2019. وتشير تقارير رسمية إلى أن أموالا طائلة تصل إلى مليارات الدولارات تم تحويلها إلى الخارج، بينما تم حجز ودائع صغار زبائن البنوك، من دون ضمانات لحماية ودائع المواطنين، ولا سيولة نقدية.

وتقدر تقارير دولية والمصرف المركزي اللبناني أن ودائع صغار زبائن البنوك بحوالي 121 مليار دولار منها ودائع لغير المقيمين تُقدّر بـ20 مليار دولار، وأصحابها لبنانيون وعراقيون ويمنيون وليبيون ومصريون ومن دول الخليج، إضافة لودائع للسوريين، يقدر المصرفيون بأنها أكثر من 3 مليارات دولار.

وفيما تجري التحقيقات حول آلية تهريب الأموال، لم يصل المحققون المحليون ولا حتى الدوليون إلى جواب شاف، لكن كانت دائما "المصالح المتشابكة داخل النظام اللبناني" جزءا من الجواب.

وتعتبر البنوك اللبنانية مرآة للنظام من حيث التقسيم الطائفي، فغالبيتها تابعة لجهات سياسية ومقربين منها، الأمر الذيث كان واضحا في انعدام الرقابة على عمليات إدخال أموال حزب الله المهربة أو غير الشرعية إلى هذه البنوك، مما يعني عمليات تبييض وشرعنة لهذه الأموال.

منذ منذ عام 2001، وضعت الولايات المتحدة حزب الله على قائمة المنظمات الإرهابية، وفرضت عليه عقوبات ضمن خطة لمكافحة تمويل الإرهاب. وفي هذا الإطار صدر قانون مكافحة تبييض الأموال رقم 44، عام 2015، والذي لم يتم تعطبيقه، واكتفى مصرف لبنان بتعاميم، لم تغير واقع الحال.

بدأ لبنان في يناير 2022 مفاوضات رسمية مع صندوق النقد الذي طالما شدد على أنه لن يقدم أي دعم طالما لم تقرّ الحكومة إصلاحات على رأسها تصحيح الموازنة وإعادة هيكلة القطاع المصرفي وإصلاح المؤسسات العامة والتصدي للفساد المستشري.

وأعلن الصندوق في أبريل من العام ذاته اتفاقا مبدئيا على خطة مساعدة بقيمة ثلاثة مليارات دولار على أربع سنوات، لكنّ تطبيقها كان مشروطا بإصلاحات لم يتم تنفيذ معظمها.

في سبتمبر عام 2024، أوقف الحاكم السابق لمصرف لبنان، رياض سلامة، وهو حتى اليوم قيد التحقيق في اتهامات بغسيل الأموال وشراء وبيع سندات خزينة الحكومة اللبنانية. ومنذ انهيار حزب الله اللبناني، في حربه مع إسرائيل، وصعود ما سمي بالعهد الجديد، أقرت حكومة نواف سلام مشروع قانون لإعادة هيكلة المصارف، استجابةً لمطالب صندوق النقد الدولي، الذي اشترط تنفيذ إصلاحات جذرية، بينها رفع السرية المصرفية، كشرط أساسي لأي دعم مالي للبنان، كما تأتي في ظل إدراج مجموعة العمل المالي (FATF) لبنان على اللائحة الرمادية بسبب ثغرات خطيرة في مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب.

من المتوقع أن تسهم هذه التعديلات في تعزيز الشفافية المالية، ومكافحة الفساد وتبييض الأموال والتهرب الضريبي، كما يُتوقع أن تفتح الباب أمام إعادة هيكلة النظام المالي اللبناني بالكامل، واستعادة ثقة المجتمع الدولي، وتأمين الدعم المالي اللازم من الجهات المانحة.

إلا أن نجاح هذه الخطوة لا يقاس فقط بالكشف عن الحسابات، بل العبرة في التنفيذ في ظل نظام قضائي شبه مهترئ وتورط بعض من أصحاب النفوذ السياسي والمالي أنفسهم.

لبنان اليوم أمام مفترق طرق، فإما أن يسلك طريق العهد الجديد الذي وعد به اللبنانيون، أو يظل الفساد العنوان الأبرز في سياسات لبنان المالية المقبلة.