مستشفيات لبنان تعاني من نقص الوقود والأدوية والمواد الطبية
مستشفيات لبنان تعاني من نقص الوقود والأدوية والمواد الطبية

لم يختبر اللبنانيون معاناة، في عز أيام الاقتتال الأهلي فيما بينهم، كالتي يختبرونها اليوم نتيجة الأزمة الاقتصادية التي تمر بها البلاد والتي تأخذ بالتوسع شيئاً فشيئاً ومعها بدأ انهيار قطاعات أساسية وضرورية يأتي على رأسها القطاع الصحي الذي يُعتبر من أهم ركائز صمود الناس في زمن الأزمات. 

روايات كثيرة يرويها لبنانيون يذوقون الذل كي يحصلوا على الحد الأدنى من العناية الطبية، فيما المستشفيات بدأت بمعظمها تُجاهر بعدم قدرتها على الاستمرار في حال بقيت الأمور على حالها، خاصة لناحية ارتفاع سعر صرف الدولار وانقطاع المواد الطبية الأساسية. مثال بسيط، مخزون البنج على وشك أن ينضب في كل المستشفيات، ولا أفق لحل هذه المشكلة التي يصفها الأطباء بالكارثة. 

وبين واقع الناس والمستشفيات، يدخل عامل جديد على الخط، هجرة الأطباء والممرضين والتي بدأت منذ أكثر من سنة ونصف والأرقام صارت مُقلقة كثيراً. لا إحصاءات دقيقة اليوم ولكن، بحسابات العاملين في هذا القطاع، فقد تجاوز هجرة الأطباء حاجز الخمسين في المئة منهم. أما قطاع التمريض الذي بالأساس يعاني لبنان من نقص فيه، الهجرة مضاعفة. 

شقيق كريمة جمعة، خالد، يُعاني من سرطان الدم، وتعالج أكثر من مرة. مؤخراً، ظهرت عوارض جديدة لديه فقام بالفحوصات اللازمة ليتبين أن المرض، الورم، وصل إلى الرئتين. تروي كريمة لموقع "الحرة": اتصل بأكثر من شخص وطرف لكي يساعدونه في إجراء العلاج الكيميائي اللازم له. الضمان وافق والمستشفى أيضاً (المستشفى في بيروت). قبل يوم من أول جلسة، تلقى اتصالاً من المستشفى يقولونه له إنهم لن يسمحوا له بالدخول إلى المستشفى لإجراء الجلسة". 

"حاولنا مجدداً مع المستشفى وتحدثنا مع مسؤول في الضمان الاجتماعي الذي اتصل بمدير المستشفى فوافق الأخير على إجراء العلاج. بدأ بجلساته ليتبين بعد الجلسة الثالثة أن الدواء المستخدم في العلاج خفيف جداً ولا يُناسب حالته وهذا ما قاله الطبيب. الدواء لا يصلح للعلاج الكيميائي لحالة مثل حالة أخي". تقول كريمة، وتُضيف: "قال له الطبيب إنه بحاجة لإجراء عملية نخاع شوكي كلفتها 100 ألف دولار أميركي". 

إذا باعت كريمة ك ما تملك عائلتها من أراضٍ وممتلكات، فهي لا تستطيع أن تُغطي تكلفة العملية التي إذا احتُسبت على سعر الصرف، فكلفتها مليار و700 مليون. شقيقها ينتظر، وطبعاً غير قادر على إجراء العملية. شقيقها حالته ليست جيدة، وتحاول ألّا تُخبر والدتها عن وضعه. ماذا عن الوالدة؟ تقول كريمة: "والدتي عمرها 84 سنة وتعاني من مرض السكري. دخلت مستشفى في منطقة مرجعيون بعد أن تردت حالتها، ليكتشفوا بعد 4 أيام أنها تعاني من جلطات متكررة في بطنها". 

تأخر الطبيب ليكتشف هذا الأمر، مع أن كريمة كانت قد ذكرت أمامهم أنها تشك في أن هناك شيئاً غير طبيعي في معدتها فهي سبق وعايشت أحد أقربائها الذي كان عنده العوارض نفسها أي تجلطات في البطن. والدتها بحاجة لدم، المُتبرع عليه أن يدفع ثمن الكيس الذي يبلغ 400 ألف. والدة كريمة لا يُمكن أن يغرسوا لها الإبرة في العروق، وهي بحاجة لأنبوب لتلك العملية. ثمنه 350 ألف أيضاً دفعت ثمنه كريمة ولكنها تفاجأت بعد يومين بأن الأنبوب لم يُضع على يد والدتها. 

طبعاً لا تستطيع كريمة أن تُكمل على هذا الحال، ولا شقيقها ولا والدتها. كمال المقداد، مريض قلب سبق وأجرى أكثر من عملية قلب مفتوح. تعب كثيراً فذهب إلى الطبيب الذي طلب له عملية ثالثة ليُغير صمامات مقفلة. كلفة العملية تتجاوز 155 مليون ليرة وكمال سائق أجرة ليس بقدرته تأمين هذا المبلغ ولا حتى تأمين 10 بالمئة من المبلغ. 

يقول لموقع "الحرة": "المستشفى لا تأخذ من وزارة الصحة. حاولنا تأمين المبلغ واستطعنا الحصول على جزء منه والمستشفى خفضت قيمة فاتورتها أيضاً. ليتكون الكلفة النهائية قرابة 100 مليون. أجريت العملية ولكن المبلغ الذي جمعته لا يكفي. أبقوني لديهم ليومين وبعد أن تدخل أكثر من شخص سمحوا لي بالخروج"، يُضيف: "أنا لا أتابع علاجي لديهم بالرغم من أنه من الضروري أن أفعل ذلك ولكن كيف سأذهب إلى مستشفى تريد مني مالاً لا أملكه، وأطلب منهم علاجاً لا أملك تكلفته. أشعر بالخجل والحزن". 

تتابع فرح ساعاتي علاجها. بحاجة لإجراء فحوصات دم ضرورية، حاولت مع أكثر من مستشفى في بيروت. الجواب كان أن المحلول الذي يستخدمونه في الفحص غير متوفر. ممرضة في إحدى المستشفيات التي قالت إن الفحص غير متوفر قالت لها إنهم يقومون به لمرضاهم ويحددون هم لمن يقدمون هذه الخدمة ولمن لا. كذلك الأمر في المستشفى الثاني. انتهت فرح تقوم بالفحص في مختبر ودفعت ثمنه نقداً، بسعر السوق السوداء.  

ما يُعانيه الناس في المستشفيات لا تتحمل مسؤوليته الأخيرة بشكل كامل. الكلفة الاستشفائية ارتفعت كثيراً وصارت مضطرة لمجاراة سوق الدولار وبالتالي صاروا بمعظمهم يحتسبون الدولار على سعر 6 آلاف ليرة إذ بحسب مدراء مستشفيات وأطباء فإن احتساب الدولار على هذا السعر يعطيهم القدرة على الاستمرار في هذه الظروف. 

في المقابل، هناك مستشفيات خاصة تُسعر كما يُناسبها. على سبيل المثال الصورة الإشعاعية في إحدى مستشفيات بيروت تبلغ قيمتها 4 ملايين ونصف. الصورة نفسها، بالآلة نفيها والمعدات نفسها في مستشفى في منطقة البقاع، تُكلف حوالي 700 ألف ليرة أي فارق يُقارب الأربع ملايين ليرة للخدمة نفسها. يقول طبيب يعمل في مستشفى خاص ولكن في الجنوب: "إذا سعرنا نصف تسعيرة مستشفيات بيروت الناس ستأكلنا". 

لم تعلن بعد أي تعاونية من تعاونيات الموظفين ولا الضمان وقف دعم وتغطية فواتير الاستشفاء. لكن الأمور تتجه شيئاً فشيئاً إلى هناك. يقول الطبيب شفيع فوعاني، وهو يعمل في مستشفى خارج بيروت، لموقع "الحرة": "في بيروت انتهى موضوع الضمان والتأمين والتعاونيات. المستشفيات لم تعد تقبل بشيء من هذا القبيل. أما في الأرياف، معظم المستشفيات لا تزال تعمل كما السابق". 

يروي فوعاني لموقع "الحرة" المعاناة اليومية. يقول: "الأدوية مفقودة. مثلاً ليس لدينا أكياس دم الذي تبلغ قيمته 16 دولار حسب سعر الصرف أي ما يوازي 250 ألف ليرة، يعني وحدة الدم تُكلف حوالي 500 إلى 600 ألف ليرة وتصل في بيروت إلى المليون. وكل شيء ندفعه اليوم نقدي. نحن في مستشفى يتسع ل 80 تختاً بحاجة لقفازات شهرياً بقيمة 40 مليون ليرة". 

ماذا عن تغطية الوزارة؟ يقول: "وزارة الصحة غطت أول 6 أشهر من عام 2020 على سبيل المثال، على سعر صرف 1500 ليرة، فيما اليوم الدولار يوازي 17 ألفاً. الجزء الثاني من عام 2020 كان الدولار وصل إلى 10 آلاف، سنقبض مستحقاتنا على سعر 1500 ليرة للدولار أي بعملية حسابية بسيطة نحن ندفع من جيوبنا كي نعمل، هذا ولم نتحدث بعد عن عام 2021".  

يُحاول فوعاني بالمستشفى الذي يعمل به أن يقتصد قدر الإمكان. حين يكون هناك إمكانية، يوزعون المرضى في الطابق الأرضي ويغلقون الطابق العلوي لتوفير الكهرباء والمازوت. حتى الماسك (الكمامة)، يحصل الممرض على ماسك واحد ويكون مسجلاً باسمه ليستعمله طيلة فترة دوامه. أما الكفوف فهي غير متوفرة. فوعاني يؤمن لبعض العمال مكاناً للنوم كي يوفروا وقود جراء انتقالهم من البيت إلى العمل. يقول: "إذا لم نفعل ذلك، نُقفل المستشفى".  

قبل فترة، انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي تغريدة لمدير مستشفى رفيق الحريري الجامعي في بيروت فراس أبيض يقول فيها: "وضع تغذية الكهرباء للمستشفى غير مقبول. انقطاع لأكثر من 21 ساعة في اليوم. الفيول غير متوفر، وإذا توفر، نعاني مشاكل سيولة. المرضى لا يستطيعون تغطية الفروقات. أخذنا قرار بإيقاف أجهزة التكييف إلا في الأقسام الطبية رغم موجة الحر. لا داع لاستعمال المخيلة أو للتهويل، نحن في جهنم حقاً".  

تغريدة كافية لتُعبر عن واقع مستشفى يُعتبر من الأكبر في لبنان وقام بمجهودات جبارة زمن كورونا. يقول أبيض في حديث لموقع "الحرة": "اليوم في المستشفيات الحكومية على سبيل المثال، التعريفات صارت خارج إطار السوق أي أقل بكثير من الكلفة التي نتكبدها. هناك من دون مبالغة نوع من الانفصام بين الكلفة والمصروف".  

يضيف: "من المستحيل اليوم تأمين تغطية الفروقات من دون رفع الأسعار. مثلاً الضمان الاجتماعي وتعاونيات الموظفين لا يمكن لهم أن يغطوا الفروقات من دون رفع الاشتراكات، وكيف سيرفعونها إذا كانت الناس غير قادرة على دفع الاشتراكات كما هي الآن. كذلك الأمر بالنسبة للتأمين والفروقات غير الممكن تأمين مبالغها كونهم يُسعرون اليوم على سعر 3900 مقابل الدولار الواحد".  

ما الحل؟ يقول أبيض: "نحن كأي قطاع آخر نتأثر بما يحصل في البلد وبالتالي المطلوب بالأساس هو استقرار وحلحلة على الصعيد الوطني، أما مشكلتنا ضمن القطاع فهو أمر يمكن أن يجد له الحلول قصيرة وطويلة المدى ولكن هذا أيضاً يبدو غير متوفر اليوم. نحن اليوم بحاجة للجميع في هذا القطاع أن يكونوا مع بعضهم البعض". يُفصل أكثر: "اليوم نجتمع لنتقاذف كرة النار بدل أن نتفق على تقاسم المشكلة وإيجاد الحلول لها، وكالعادة الحلقة الأضعف تكون المريض، والفقير تحديداً".  

سلاح حزب الله

الحوار، والاستراتيجية الدفاعية، مفردات خطاب لطالما استخدمته السياسة اللبنانية في نقاش ملف سلاح حزب الله، لكن هل تملك الدولة رفاهية الوقت لإدارة حوار ونقاش استراتيجيات، أم أن الخيارات تصبح أكثر كلفة وتداعياتها أقل قابلية للتحكّم؟

المجتمع الدولي يشترط بسط السيادة الكاملة للدولة اللبنانية على كامل أراضيها كمدخل أساسي لأي دعم سياسي أو اقتصادي، فيما تحذر إسرائيل من أنها "ستنفذ المهمة" بنفسها، في حال استمر "تقاعس الدولة".

فهل لا يزال الانتظار خياراً قابلاً للصرف في ميزان التطورات الإقليمية والدولية؟ وهل يُمكن للتعويل على عامل الوقت أن يصمد طويلاً في وجه التحوّلات المتسارعة؟

مصادر تتحدث للحرة عن مؤشرات على نهج جديد.

قنبلة موقوتة

الوقت يداهم لبنان، تؤكد عضو كتلة "الجمهورية القوية" النائب غادة أيوب.

وتشرح "لبنان يعيش تحت وطأة سلاح غير شرعي منذ سنوات، وهذا السلاح جرّ علينا الويلات، من عزلة عربية ودولية، إلى انهيار اقتصادي، إلى تهديد دائم للسلم الأهلي".

ومن يظن "أن ملف السلاح غير الشرعي هو بلا مهلة، واهم أو متواطئ"، تؤكد أيوب. "لأن استمرار سلاح حزب الله هو قنبلة موقوتة قد تنفجر في أي وقت بوجه مشروع بناء الدولة وبوجه العهد، ولا يجوز لأي مسؤول في الدولة اللبنانية أن يدفن رأسه في الرمال".

وتشدد أيوب في حديث لموقع "الحرة" على أنه "لا مجال بعد الآن للتسويات ولا للتنازلات ولا يمكن أن يبقى هذا الموضوع موضوعًا مؤجّلًا أو قابلًا للمراوغة".

فالبلاد "أمام خطر دائم، ليس فقط على المستوى الأمني، بل على مستوى الاستقرار السياسي والاقتصادي والعلاقات الدولية".

حان "وقت التنفيذ"، تقول، لأنه "لا يمكن أن يُبنى وطن أو يُستعاد الاقتصاد في ظل دويلة ضمن الدولة".
والوقت "ليس مفتوحًا، وكل تأخير هو تراكم إضافي للأزمات".

تفكيك المخازن

من جانبه، يرى المحلل السياسي، المحامي أمين بشير، أن مقاربة الدولة اللبنانية لملف سلاح حزب الله تشهد تحوّلاً جذرياً، "فبعد أن كان هذا الملف يطرح في إطار الاستراتيجية الدفاعية والحوار الوطني، جاءت زيارة المبعوثة الأميركية مورغان أورتاغوس إلى بيروت لتحدث نقطة تحوّل مفصلية في مسار التعاطي مع هذا الملف".

الزيارة الأميركية الأخيرة حملت رسالة واضحة، كما يقول بشير لموقع "الحرة"، "مفادها أن أي خطوة تتعلق بتفكيك أو تسليم سلاح حزب الله يجب أن تكون معلنة للرأي العام، لا أن تبقى طي الكتمان. هذا الطرح، لم يكن تفصيلاً، بل كان بمثابة فرض واقع جديد على الدولة اللبنانية، سرعان ما تجلّى بالإعلان عن تفكيك 193 مخزناً من أصل 260 تابعاً لحزب الله، وفق ما كشفه مصدر عسكري لأحد الصحفيين".

ويضيف بشير "هذا التطوّر شكّل صدمة للرأي العام، الذي اعتاد سماع وعود مكرّرة بالحوار دون نتائج ملموسة، وسط نفي دائم من حزب الله لأي نية لتسليم السلاح. لكن ما كان يدار في الغرف المغلقة خرج فجأة إلى العلن، وأصبح تفكيك المخازن مسألة لا تحتمل التعتيم".

حلقة مفرغة؟

سياسة كسب الوقت، أو ما يسمى بسياسة "النعامة"، وفق ما تصف أيوب لا تحمي لبنان، بل تعرّضه كما تقول "أكثر فأكثر للخطر. حزب الله لا ينتظر الدولة ليقرر خطواته، بل يورّط لبنان بقرارات لصالح إيران ومن إيران من دون الرجوع إلى المؤسسات الدستورية". 

"هذا الواقع،" يضيف، "يفتح الباب على مصير مجهول، وربما مواجهة عسكرية تُفرض على اللبنانيين جميعاً من دون رأيهم أو موافقتهم. وحدها الدولة، من خلال قرارها السيادي، تستطيع أن تحمي لبنان، لا الميليشيات".

وتشدد أيوب "نحن مع الحوار، لكن ليس الحوار الذي يطالبون به حول موضوع السلاح لأن الحوار لا يمكن أن يكون غطاءً للشلل أو للاستمرار في الأمر الواقع. إن تجربة السنوات الماضية أثبتت أن طاولات الحوار و'الاستراتيجية الدفاعية' تحوّلت إلى عنوان للاستهلاك الداخلي من دون أي تقدّم فعلي، بل أتت بمفاعيل عكسية وكارثية على البلد ولم تكن سوى وسائل استفاد منها حزب الله لكسب الوقت وللانقضاض على ما تبقى من هيبة الدولة".

"كل طاولات الحوار التي شارك فيها حزب الله انقلب عليها مباشرة"، تقول أيوب. وتوضح "أسقط حوار 2006 عبر حرب يوليو، وأسقط حوار سان كلو 2007 عبر اجتياح بيروت في العام التالي، وأسقط حوار الدوحة 2008 عبر تعطيل الحكومة والسلطة التنفيذية، وأسقط حوار بعبدا 2012 عبر مشاركته في الحرب السورية، وأسقط حوار بعبدا 2017 عبر تمسّكه بالسلاح، وأسقط حوار بعبدا 2019 عبر ضرب النظام المالي، وهذه بعض الأمثلة". 

"لذلك، لا يمكن أن نتوقع من حزب الله أن يتخلى عن سلاحه طوعاً، لكن لا يمكن أيضًا للدولة أن تستسلم لهذا الواقع. المطلوب ضغط سياسي وشعبي ودولي، وموقف وطني موحّد، لاكتساب السيادة كاملة. وهذه ليست مهمة مستحيلة، لكنها تتطلب قراراً".

الحوار حول التنفيذ فقط

أما بشير فيشير إلى تراجع بعض رؤساء الأحزاب عن تحفظاتهم حول الحوار، إثر اتصالات مباشرة مع رئيس الجمهورية "الأخير أوضح أن الحوار لا يعني العودة إلى طاولة وطنية جامعة، بل هو حوار مباشر بينه وبين حزب الله، لبحث آليات تسليم السلاح: هل يسلّم للجيش؟ هل يعاد إلى إيران؟ أم يفكك بطريقة أخرى؟

هذا التوضيح، وفق بشير، "أزال القلق من احتمال العودة إلى الحلقة المفرغة من الحوارات، وفتح الباب أمام نقاش جدي في تنفيذ القرار 1701 بشكل فعلي لا شكلي".

الموقف الدولي واضح وصارم تجاه لبنان كما يشدد بشير "لا مساعدات، لا إعادة إعمار، ولا دعم استثماري أو اقتصادي، من دون حل جذري لملف سلاح حزب الله. هذا ما عبّرت عنه بوضوح الدول الخليجية، والدول الأوروبية، والإدارة الأميركية، التي لم تعد تقبل بتسويف أو مماطلة".

كذلك تؤكد أيوب أن "المجتمع الدولي ينظر إلى هذا الملف كأحد الأسباب الأساسية لفشل الدولة اللبنانية في استعادة سيادتها واستقرارها". وتقول "هناك قناعة متزايدة لدى المجتمع الدولي أن غياب القرار الحاسم في هذا الملف ينعكس سلباً على كل مسار الدعم والمساعدة". 

"هذا التردّد قد لا يُفهم على أنه حكمة، بل على أنه عجز أو تواطؤ. وإذا لم تُظهر الدولة إرادة فعلية في معالجة السلاح غير الشرعي، فإن أي مساعدة دولية ستبقى مشروطة ومحدودة".

منظومة هيمنة

من جانبه، يرى بشير أن المشكلة لا تتعلق فقط بالسلاح كرمز للهيمنة، "بل بحزب الله كمنظومة متكاملة تهيمن على مفاصل الدولة، اقتصادياً وأمنياً وحتى قضائياً.

ويقول "نحن لا نتحدث فقط عن سلاح، بل عن شبكة مصالح موازية تنخر جسم الدولة من الداخل"، في إشارة إلى مؤسسات الحزب المالية، "كمؤسسة القرض الحسن، وشبكة المؤسسات الموازية التي أنشأها في قطاعات الكهرباء، والمرافئ، وحتى القضاء".

لبنان اليوم، كما يقول بشير، يقف بين خيارين "إما نجاح المفاوضات الأميركية–الإيرانية وانعكاساتها الإيجابية على الداخل اللبناني، وإما انفجار عسكري جديد في حال فشلها، فيما إسرائيل تترقب لاستغلال أي فراغ لتبرير تدخلها العسكري، تحت ذريعة بناء حزام أمني لسكان شمالها".

من هنا، يحذّر من الاكتفاء بدور المتفرّج على طاولة المفاوضات. ويشدد على ضرورة أن "تمتلك الدولة اللبنانية، ممثلة بالرئيس والحكومة، موقفاً وطنياً واضحاً حيال هذا الملف، لا يقتصر فقط على المهلة الزمنية، بل يتجاوزها إلى ما بعدها. يجب أن نكون جاهزين للاستفادة من الفرص أو مواجهة التحديات، لا أن نكون مجرد ضحايا على طاولة مفاوضات تدار من الخارج".

ويختم بشير بالتأكيد على أن تفكيك منظومة حزب الله ليس مجرد مطلب سياسي، "بل ضرورة لبناء دولة حديثة قادرة على استعادة سيادتها وثقة المجتمع الدولي بها، ويقول "لبنان لا يمكن أن ينهض طالما هناك مجموعة مذهبية تعمل وفق نظام مصالح خاص، وتخضع لسلطة خارجية. المطلوب ليس فقط نزع السلاح، بل تفكيك كامل للشبكات الرديفة التي أضعفت الدولة ودمّرت مؤسساتها".