لبنان- أزمة
تخوف من أن يستغل حزب الله تصاعد الغضب في الشارع اللبناني

بينما تتعقد الأزمة الخانقة متعددة الجوانب، في لبنان، يمكن لبعض الكيانات أن تستغل الوضع لبسط نفوذها، وفق تقرير لموقع "غلوبل ريسك إنسايتس".

و"غلوبل ريسك إنسايتس" موقع ينشر تحليلات ومراجعات للمخاطر السياسية لصالح الشركات والمستثمرين.

التقرير الذي حمل عنوان "لبنان على شفا الهاوية" كشف أن حزب الله القريب من إيران "قد يسعى إلى فرض القانون والنظام بنفسه،" رغم أن حسن نصر الله، أمين عام الحزب، حاول الظهور بشكل مغاير  في خطابه في 25 يونيو، حين ادعى أنه "يدعم تعزيز الجيش اللبناني في مهمته لتأمين البلاد".

ويدق التقرير ناقوس الخطر من  أن حزب الله قد يتمكن من التدخل في قرارات الجيش، ما قد يثير "مشاعر طائفية عنيفة داخليا وضجة بين المجتمع الدولي".

التقرير الذي أشار إلى المشاكل اليومية التي يعاني منها المواطنون جراء شح المواد الاساسية، وتآكل القدرة الشرائية لدى شرائح واسعة من المجتمع، قال إن قيادة الجيش متخوفة من عدم قدرة قواتها على فرض القانون بينما يهيج العوز الناس ويؤجج الخلافات داخل البلاد.

وجاء في التقرير أن "القيادة قلقة من عدم قدرتها على الانتشار في المناطق الضرورية، لأن جنودها لم يتلقوا رواتبهم، ونتيجة لذلك، يعاني الجنود إلى جانب الشعب، من تدهور الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية".

وقبل أسابيع قليلة، تجلّى حجم المشكلة، وفق التنقرير، في اتفاق 20 دولة على تقديم مساعدات طارئة للجيش اللبناني. 

وتألفت المساعدات من الإمدادات الأساسية مثل الحليب والدقيق والأدوية والوقود.

"ولا تزال الولايات المتحدة أكبر داعم مالي للجيش اللبناني، حيث ارتفع التمويل هذا العام من 15 مليون دولار في السنة إلى 120 مليون دولار، ومع ذلك، لا يزال هذا أقل بكثير من المساعدات المطلوبة" يقول التقرير.

كما لفت التقرير إلى الجبهات التي يتوجب على الجيش اللبناني مواجهتها على هامش التململ الاجتماعي داخليا "من القتال على الطعام في منطقتي باب التبانة وجبل محسن بطرابلس إلى توغل المسلحين في عرسال، تتناقص قدرة الجيش على حماية حدود لبنان، ناهيك عن تخفيف حدة الفتنة الداخلية".

وأشار في السياق إلى خطورة الوضع بينما يمتلك الكثير من اللبنانيين الأسلحة، في بلد به عدد كبير من الجماعات المسلحة "وأمراء الحرب من أيام الحرب الأهلية".

قوات الجيش اللبناني تتصدى لمظاهرات ضد الأوضاع الاقتصادية المتدهورة

كل هذا، يمكن أن يفجر المزيد من العنف حيث يتنافس الفاعلون على النفوذ والسيطرة على الموارد المتضائلة.

وفي الوقت الحالي "لا يزال الفاعلون السياسيون في مخيمات اللاجئين الفلسطينيين، على سبيل المثال، مثل فتح والجهاد الإسلامي الفلسطيني في مخيم الرشيدية، يتمتعون بالسلطة، وأي نقص في المساعدات، الآتي من وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين (الأونروا) ، يمكن أن يقلب الموازين لأن اليأس يثير العنف"، وفق التقرير.

ويشهد لبنان منذ صيف 2019 انهيارا اقتصاديا متسارعا، فاقمه انفجار مرفأ بيروت المروع في الرابع من أغسطس وإجراءات مواجهة فيروس كورونا. 

وفقدت العملة اللبانية 90  في المئة من قيمتها في مقابل الدولار، فيما بات أكثر من نصف السكان يعيشون تحت خط الفقر ويعاني البلد الذي يفتقر إلى العملات الأجنبية من نقص في قطاعات عدة لا سيما الأدوية والوقود وغيرها.

وزادت أزمة الانقطاعات في التيار الكهربائي من تأجيج الغضب العام، بينما يصل تقنين الكهرباء إلى حدود 22 ساعة في اليوم فيما اضطر أصحاب المولدات الخاصة الذين يؤمنون التيار خلال الانقطاعات، إلى خفض ساعات الخدمة بسبب ارتفاع أسعار المحروقات جراء تراجع الدعم الحكومي.

الانقطاعات المتكررة في التيار الكهربائي زادت من غضب الشارع اللبناني

ويؤثر انقطاع التيار الكهربائي على النشاطات التجارية وعمل المستشفيات والمرافق العامة.

وزاد من حدة الأزمة، استمرار إحصاء الإصابات  بفيروس كورونا.

وقالت اللجنة الحكومية المكلفة بالتلقيح ضد فيروس كورونا الجمعة، إنها ألغت خطة تطعيم مكثفة خلال عطلة نهاية الأسبوع بسبب انقطاع التيار الكهربائي في غالبية المراكز.

ويشكل إصلاح قطاع الكهرباء الذي كلف الدولة أكثر من 40 مليار دولار منذ انتهاء الحرب الأهلية (1975-1990) أحد مطالب الأسرة الدولية منذ فترة طويلة لتحرير مساعدات حيوية.

ويحول عجز سياسي تام منذ 11 شهراً دون تشكيل حكومة تباشر خطة إنقاذية وتضع حداً للانهيار المالي.

لبنان وحماس

في حدث معبر وغير مسبوق، أظهرت الدولة اللبنانية صلابة في موقفها، وأجبرت حركة حماس، التي طالما استخفت بالسيادة اللبنانية، على الانصياع.

بعد تحذير حازم، من مجلس الدفاع الوطني اللبناني، سلمت حماس عددا من المطلوبين بتهمة إطلاق صواريخ من جنوب لبنان نحو إسرائيل، وهو تصعيد لم تكن الدولة اللبنانية لتواجهه بردع مباشر في السابق، إذ غالبا ما كانت تتم معالجة خروقات كهذه ضمن تفاهمات خلف الكواليس، خصوصا بوجود غطاء سياسي لحماس في لبنان من حزب الله. 

لكن هذه المرة، بدا الأمر مختلفا تماما.

الرسالة كانت واضحة: لم يعد بإمكان أي جهة أن تتصرف خارج سلطة الدولة اللبنانية.

استعادة السيادة

في أبريل الماضي، أعلن الجيش اللبناني ضبط عدة صواريخ ومنصات إطلاق واعتقل عددا من الأشخاص في جنوب لبنان، وقال إن التحقيقات جارية تحت إشراف القضاء.

حماس، التي اعتادت التلاعب بالسيادة اللبنانية مسنودة بتحالفاتها الإقليمية وصلاتها بحزب الله، وجدت نفسها الآن مجبرة على تسليم المطلوبين، في خطوة تعكس هشاشة موقفها وانحسار الدعم الذي طالما استفادت منه.

هذه الاستجابة السريعة تأتي بعد الهزيمة العسكرية التي تعرضت لها الحركة في غزة خلال الحرب الأخيرة مع إسرائيل. فبينما تكبدت حماس خسائر فادحة، أظهرت التطورات الميدانية في لبنان تراجعا واضحا في تأثيرها ونفوذها.

فهل نحن أمام إعادة صياغة لدور حماس في لبنان؟ أم أن الحركة تسعى لتجنب مواجهة جديدة قد تكون مكلفة في ظل تغير الموازين السياسية والأمنية في المنطقة؟

نقطة التحول المفصلية

أصبحت بيروت منذ عام 2019 حاضنة رئيسية لقيادات حماس ومحطة مهمة لوجودها السياسي والأمني، كما ذكر مركز "كارنيغي".

ولا شك أن اللحظة التي أُعلنت فيها استراتيجية "وحدة الساحات" 

وقبل هجوم حماس على إسرائيل في أكتوبر 2023 وتشكيل غرفة عمليات مشتركة في الضاحية الجنوبية لـ"محور الساحات،" أعلنت حماس وحزب الله استراتيجية "وحدة الساحات".

وبدت تلك اللحظة وكأنها "تمهيد لانقلاب شامل على الوضع اللبناني ومحاولة لفرض سيطرة محور الممانعة على كامل الأراضي اللبنانية وعلى جميع القوى السياسية دون استثناء مع بروز دور حركة حماس كعامل فلسطيني رديف لحزب الله في لبنان".

نشاط حماس في لبنان "يتعارض مع السياسة الرسمية الفلسطينية في التعاطي مع الشأن اللبناني"، يقول مدير مركز تطوير للدراسات الاستراتيجية والتنمية البشرية الباحث الفلسطيني، هشام دبسي لموقع "الحرة".

وتبنت حماس إطلاق صواريخ من لبنان خلال المواجهة التي بدأها حزب الله ضد إسرائيل عام 2023 على خلفية الحرب في قطاع غزة، لكن التطورات الميدانية وعمليات الاغتيال التي نفذتها إسرائيل قلبت المشهد رأساً على عقب".

وجاءت "تداعيات الضربات الإسرائيلية على حزب الله ومحور الممانعة في لبنان قاسية ليس فقط على حركة حماس بل على حزب الله ذاته"، يقول دبسي لموقع "الحرة".

وشكّلت عملية اغتيال نائب رئيس مكتب حماس السياسي، صالح العاروري في لبنان في يناير 2024، وفق ما يقوله دبسي "نقطة تحول رئيسية في مسار حركة حماس التي كانت تعيش حالة من الصعود على المستويين الفلسطيني واللبناني".

ويتابع "لكن نتائج الحرب الأخيرة وضعت الحركة في مأزق تحالفها مع حزب الله إذ لم تعد قادرة على فك ارتباطها بهذا التحالف كما لا تستطيع اتخاذ خطوة تراجع منهجية تقتضي بتسليم سلاحها للدولة اللبنانية والالتزام بالشرعية الفلسطينية ممثلة بمنظمة التحرير وسفارة فلسطين في لبنان".

يذكر أن العاروري، قتل مع اثنين من قادة الجناح العسكري للحركة، في ضربة إسرائيلية استهدفت مكتبا للحركة في الضاحية الجنوبية للعاصمة اللبنانية بيروت، أحد معاقل جماعة حزب الله اللبنانية.

رسالة واضحة

حذّر مجلس الدفاع الوطني اللبناني حماس من استخدام الأراضي اللبنانية للقيام بأي أعمال تمس بالأمن القومي اللبناني تحت طائلة اتخاذ أقصى التدابير والإجراءات اللازمة لوضع حد نهائي لأي عمل ينتهك السيادة اللبنانية.

يتجلى في خطوة المجلس هذه بعدان أساسيان، يشرحهما دبسي "الأول هو انقلاب موازين القوى الداخلية لصالح الدولة اللبنانية في مواجهة سلاح الميليشيات حيث يعكس هذا التحرك تحولاً نوعياً نحو تعزيز سيطرة الدولة على السلاح وتقليص نفوذ الجماعات المسلحة".

الثاني "هو ترجمة خطاب القسم الرئاسي والبيان الوزاري إلى خطوات عملية تهدف إلى حصر السلاح بيد الدولة اللبنانية وفي هذا الإطار جاء إطلاق مجموعة من حركة حماس صواريخ من الأراضي اللبنانية نحو إسرائيل ليشكل اختباراً لمدى جدية العهد الجديد في فرض سيادة الدولة وقد كان الرد الإسرائيلي العنيف بمثابة إنذار لما قد تترتب عليه مثل هذه العمليات من تداعيات خطيرة".

وبالتالي فإن الدولة اللبنانية بسياساتها الجديدة لا يمكنها وفق ما يشدد دبسي "التغاضي عن هذه التطورات أو التعامل معها كما كان يحدث في السابق، بل على العكس جاء توجيه الإنذار لحركة حماس كرسالة واضحة بأن قرار السلاح والسيادة بات في يد الدولة اللبنانية ولن يُسمح لأي طرف بتجاوزه".

وفي ما يتعلق بتقييم استجابة حركة حماس لطلب تسليم المطلوبين، يرى دبسي أن الحركة "في البداية كانت مترددة وحاولت الاعتماد على علاقاتها التقليدية مع حزب الله وباقي قوى محور الممانعة في لبنان لكن مع إدراكها أن حزب الله لن يقدم لها الدعم ولن تستطيع الاحتماء بمظلته أو بمظلة أي من القوى اللبنانية الأخرى لم يبق أمامها سوى خيارين إما تسليم العناصر المطلوبة للدولة اللبنانية أو مواجهة الدولة دون أي غطاء لبناني داخلي ودون أي غطاء فلسطيني أيضاً".

ويشير دبسي إلى "أن منظمة التحرير الفلسطينية طالبت حماس مرارا بتسليم المطلوبين وعدم استخدام الأراضي اللبنانية لإطلاق الصواريخ حتى لا تعرض مجتمع اللاجئين الفلسطينيين لردود الفعل الإسرائيلية".

وبناء على ذلك اضطرت حركة حماس "في نهاية المطاف للاستجابة لمطلب الدولة اللبنانية كخيار إجباري لا مفر منه".

تصدّع التحالف

كشفت التطورات الأخيرة عمق الخلافات والتباينات الميدانية بين حماس وحزب الله، إذ لم يعد أي منهما قادراً على مساندة الآخر في ظل الظروف الراهنة، بحسب ما يرى دبسي.

ويشرح أن "حزب الله الذي أعلن التزامه بموقف الدولة اللبنانية لم يعد قادراً على تقديم الغطاء لحماس أو حمايتها، ما يعكس حالة من التباعد بين الطرفين، خاصة وأن حزب الله يشعر بأن حماس قد خدعته بعملية 'طوفان الأقصى'، إذ لم تنسق العملية معه ولم تُعلمه بموعدها مسبقاً".

في المقابل، "تشعر حماس بأن حزب الله لم يكن وفياً بما يكفي في دعمه للحالة الفلسطينية ولم يلتزم بتعهداته كما تتصور الحركة. وهكذا، باتت العلاقة بين الطرفين أقرب إلى تبادل الاتهامات وتحميل المسؤولية؛ فحزب الله يلقي اللوم على حماس بسبب التصعيد الميداني غير المنسق، بينما ترى حماس أن حزب الله استخدم إطلاق النار من لبنان كغطاء دون التشاور معها".

في ظل هذه التوترات، عادت قضية سحب السلاح الفلسطيني من المخيمات إلى الواجهة، وسط توقعات بإعلان الدولة اللبنانية عن خريطة طريق واضحة لتنفيذ هذه الخطوة، وفقاً لدبسي.

يُذكر أن ملف السلاح الفلسطيني في لبنان ينقسم إلى محورين: السلاح داخل المخيمات وخارجها. وقد أنجز ملف السلاح خارج المخيمات بالكامل، بينما يجري العمل حالياً لضبط السلاح داخل المخيمات.

وتندرج هذه القضية ضمن إطار القرار 1559 الصادر عام 2003، والذي ينص على نزع سلاح الميليشيات والقوى الأجنبية غير اللبنانية، بما فيها السلاح الفلسطيني.

يشير دبسي إلى أن "الشرعية الفلسطينية سبق أن أعلنت دعمها لتطبيق القرارين 1559 و1701، وأبدت استعدادها للتعاون الكامل مع الدولة اللبنانية لتنظيم الوجود المسلح داخل المخيمات وخارجها".

وكان الرئيس الفلسطيني محمود عباس قد أكد خلال زيارته السابقة إلى قصر بعبدا في عهد الرئيس ميشال سليمان على تسهيل عمل الحكومة اللبنانية في إنهاء هذا الملف، لكن التطبيق تعثر بفعل هيمنة "محور الممانعة".

وفي هذا السياق، تتجه الأنظار إلى زيارة عباس المرتقبة إلى لبنان في 21 مايو، "حيث يتوقع أن تحمل مؤشرات حول كيفية تنفيذ المبادرة السياسية والأمنية المتعلقة بسحب السلاح من المخيمات بالتنسيق مع السلطة الفلسطينية"، وفقاً لدبسي.