قال الاتحاد الأوروبي يوم الاثنين، إنه يريد الاتفاق بحلول نهاية يوليو، على إطار قانوني لنظام عقوبات يستهدف زعماء لبنان المتنازعين، لكنه لفت إلى أن الإجراء قد لا يُطبق على الفور، بحسب وكالة رويترز.
ويريد الاتحاد الأوروبي، في مسعى تقوده فرنسا، تكثيف الضغط على ساسة لبنان بعد مرور 11 شهرا على تفجر أزمة وضعت البلاد في مواجهة انهيار مالي وتضخم شرس وانقطاع كهربائي ونقص في الوقود والغذاء.
وتأتي هذه الخطوة في إطار جهود دولية أوسع ترمي للضغط من أجل تشكيل حكومة مستقرة قادرة على تنفيذ إصلاحات حاسمة بعد عام شهد فوضى سياسية عقب انفجار مرفأ بيروت.
ووفقًا لمذكرة دبلوماسية اطلعت عليها رويترز، من المرجح أن تشمل العقوبات حظر السفر وتجميد الأصول المالية للسياسيين المتهمين بالفساد وعرقلة جهود تشكيل الحكومة وانتهاكات حقوق الإنسان.
وقال مسؤول السياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي، جوزيب بوريل، للصحفيين في بروكسل، "يمكنني أن أقول إن الهدف هو إكمال هذا بحلول نهاية الشهر. لا أتكلم عن تنفيذ النظام، لكن مجرد بناء النظام وفقا لأساس قانوني سليم".
وبعد قرابة عام على انفجار الرابع من أغسطس، الذي أودى بحياة حوالى 200 شخص وأصاب الآلاف، لا يزال لبنان تديره حكومة لتصريف الأعمال، بعد استقالة حكومة حسان دياب.
تأخر كثيرا
وذكر وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لو دريان، للصحفيين في بروكسل: "لبنان في حالة تدمير ذاتي منذ عدة أشهر... والآن هناك حالة طوارئ كبرى لسكان يعيشون في محنة". وأضاف أن هناك توافقا الآن بين دول الاتحاد السبع والعشرين على وضع هذا النظام.
وقالت المحللة السياسية منى فياض، إن هذا القرار تأخر كثيرا، فقد جاء بعد انهيار الوضع في البلاد، وأشارت إلى أنه "يتجنب استهداف المسؤول الحقيقي عن الوضع في البلاد".
لكن فياض أضافت في تصريحات لموقع "الحرة" أن "هذا القرار أفضل من لا شيء"، مؤكدة أن هذا القرار بجانب المساعدات يمكن أن يساعد الشعب اللبناني أن يستعيد جزء من قدرته على الحياة بشكل طبيعي".
من جانبه، يرى المحلل السياسي بشارة خير الله، أن "قرار فرض العقوبات وسيلة ضرورية لردع هؤلاء الساسة عن ارتكاب المزيد من الجرائم بحق الشعب اللبناني".
وذكر خير الله في تصريحات لموقع "الحرة" أنه بعد فشل القانون المحلي والدولي في معاقبة هؤلاء المسؤولين، يكون فرض العقوبات هي الأمل الوحيد لردعهم، مشيرا إلى أن الشعب اللبناني يؤيد مثل هذه القرارات. أوضح أن قيمة العقوبات خارجية وليس داخلية فهي "تفضح صورتهم في المجتمع الدولي، كما تحد حركاتهم الخارجية".
إحباط كبير
ويغرق لبنان في انهيار اقتصادي، رجّح البنك الدولي أن يكون من بين ثلاث أشدّ أزمات في العالم منذ العام 1850. ولم تتمكن القوى السياسية المتناحرة من تشكيل حكومة منذ 11 شهرا يشترط المجتمع الدولي قيامها بإصلاحات جذرية ليقدّم دعماً مالياً للبلاد.
وتتبادل الأطراف السياسية الاتهامات بالتعطيل، فيما تتعمّق معاناة اللبنانيين يوماً بعد يوم: تدهور جنوني لليرة ينعكس ارتفاعاً غير مسبوق في أسعار المواد الغذائية والخدمات والوقود، أزمة أدوية وساعات تقنين في الكهرباء تصل إلى 22 ساعة، بينما انتفخت فاتورة المولدات الخاصة على وقع شح الوقود.
وأفقدت هذه الأوضاع السيئة الدبلوماسيين الأجانب في بيروت لباقة الدبلوماسية، للتعبير عن مدى امتعاضهم وإحباطهم من الطبقة السياسية.
في رسالة وداع نشرها على حساب السفارة البريطانية على "فيسبوك"، لم يتردّد القائم بالأعمال مارتن لنغدن في أن يكتب "أعذروا أسلوبي الجاف: ولكن في قلب لبنان شيء عفن".
وفي لقاء منقول مباشرة عبر محطات التلفزة، لم تجد السفيرة الفرنسية آن غريو حرجاً في تأنيب رئيس الحكومة حسان دياب الذي طالب المجتمع الدولي بتقديم الدعم بمعزل عن تشكيل حكومة جديدة، قائلة إن الانهيار "نتيجة أفعالكم جميعاً منذ سنوات في الطبقة السياسية. هذه هي الحقيقة".
وذكر مصدر دبلوماسي فرنسي في بيروت لوكالة فرانس برس: "من الواضح أن هناك إحباطاً كبيراً من الطبقة السياسية لأنها غير قادرة على إعطاء الأولوية للمصلحة العامة على حساب مصلحتها الشخصية".
وأضاف: "ثمة استعداد دولي لمساعدة لبنان. لكن للأسف لسنا حتى قادرين على القيام بذلك لأننا لا نجد محاورين أمامنا، أو نجد أنفسنا أمام محاورين ليست لديهم إطلاقاً الإمكانات أو القدرة على العمل".
ويعاني الدبلوماسيون، كسائر سكان لبنان، من تداعيات الانهيار المتواصل منذ أكثر من عام ونصف. فقد غرّد السفير الياباني تاكيشي أوكوبو الجمعة "الكهرباء مقطوعة عن مقرّ إقامتي منذ الصباح الباكر"، مضيفاً "أفكاري مع كافة المستشفيات والعيادات" التي تعاني من انخفاض ساعات التغذية الى الحدود الدنيا.
تشكيل الحكومة
أما عن تأثيره على أزمة تشكيل الحكومة، تعتقد فياض أنه لن يكون له تأثير كبير، مؤكدة أنه يجب أن يكون هناك ضغط على كل أأطراف الأزمة وفي مقدمتها إيران، التي تدعم حزب الله.
ويقول خير الله إن هذا القرار لن يساعد على حلحلة أزمة تشكيل الحكومة، لأن من يعطل تشكيلها هو رئيس الجمهورية ووزير الخارجية السابق جبران باسيل، الذي فرضت عليه الولايات المتحدة عقوبات، ورد عليها بتحد على تويتر قائلا: "العقوبات لم تخيفني والوعود لم تغريني".
كانت وزارتا الخزانة والخارجية الأميركيتان، في 6 نوفمبر الماضي، فرضت عقوبات على وزير الخارجية الأسبق، جبران باسيل الحليف الأبرز لحزب الله المدعوم من إيران.
وقالت وزارة الخزانة في بيان منشور على صفحتها، إن العقوبات فرضت على باسيل بسبب دوره في انتشار الفساد في البلاد، بموجب القرار التنفيذي رقم 13818، والذي يستهدف مكافحة الفساد ومنع انتهاكات حقوق الإنسان حول العالم.
وأضاف وزير الخزانة الأميركي، ستيفن منوتشين، "إن الفساد الممنهج في النظام السياسي اللبناني، المتمثل في باسيل، قد ساعد على تآكل الأساس لحكومة فعالة تخدم الشعب اللبناني". وتابع: "هذا التصنيف يوضح أيضا أن الولايات المتحدة تدعم الشعب اللبناني في مطالبته بالإصلاح والمسائلة".
وترى صحيفة الغارديان البريطانية أن هذه الخطوة جزء من جهود دولية أوسع لإجبار الساسة في بيروت على تشكيل حكومة مستقرة قادرة على تنفيذ إصلاحات حاسمة للخروج من قرابة عام من الفوضى السياسية والانهيار الاقتصادي في أعقاب انفجار مرفأ بيروت.
وتعتزم فرنسا مع الأمم المتحدة تنظيم مؤتمر دعم إنساني خلال الشهر الحالي، هو الثالث منذ انفجار مرفأ بيروت المروّع في الرابع من أغسطس. وقد تجاوزت قيمة المساعدات المقدّمة حتى الآن للبنان 140 مليون يورو.
ويوضح مسؤول رفيع في الأمم المتحدة في بيروت لفرانس برس أن المؤتمر سيتيح تسليط الضوء مجدداً على "التداعيات الإنسانية" الناجمة عن "الشلل السياسي". لكنّه ينبّه في الوقت ذاته إلى أن "المساعدة الإنسانية لا يمكنها أن تشكل حلاً دائماً" و"لا أن تحلّ، بأي حال من الأحوال، مكان دور الدولة ومسؤولياتها".
وبحسب المصدر الدبلوماسي الفرنسي، "كل ما في الأمر أننا لا نعطي المساعدات الى الدولة اللبنانية بشيك على بياض".
ويقول دبلوماسي عربي في بيروت "لا توجد أي خطة" عمل لدى صانعي القرار الذين ما زالوا يراهنون على أنّ "المجتمع الدولي سيتحرك ويخدمهم من دون أن يقدّموا هم أي تنازلات أو تغيير". ويضيف: "المجتمع الدولي يكرّر منذ زمن الكلام ذاته: "ساعدوا أنفسكم كي نساعدكم".