ترقب في لبنان للقاء عون والحريري
ما إن أعلن الحريري اعتذاره عن التشكيل حتى قفز سعر صرف الدولار في السوق السوداء من 19200 ليرة إلى حوالي 22000 ليرة

اعتذر رئيس الحكومة اللبنانية المكلف، سعد الحريري، عن تشكيل الحكومة إثر زيارته، الخميس، إلى قصر بعبدا ولقائه برئيس الجمهورية ميشال عون بعد أن كان قد قدم له تشكيلة أمس من 24 وزيرا. 

الحريري قال بعد لقاء استمر 20 دقيقة فقط، اليوم، مع عون: "كانت هناك تعديلات طلبها (رئيس الجمهورية) اعتبرتها أنا تغييرات جوهرية في التشكيلة، وأيضا تناقشنا بالأمور التي لها دخل بالثقة، وتسمية الآخرين والمسيحيين، وغيرهم. واضح أن الموقف لم يتغير، وواضح أننا لن نتفق مع فخامة الرئيس".

وأضاف: "طرحت على الرئيس عون أن يحظى بوقت أطول للتفكير، لكنه قال إننا لن نستطيع التوافق، لذلك قدمت اعتذاري عن تشكيل الحكومة"، مختتما حديثه بالقول: "الله يعين البلد". 

وفي وقت لاحق، قال مكتب الإعلام في رئاسة الجمهورية إن "الرئيس المكلف لم يكن مستعداً للبحث في أي تعديل من أي نوع كان مقترحاً على الرئيس عون أن يأخذ يوماً إضافياً واحداً للقبول بالتشكيلة المقترحة. وعليه سأله الرئيس عون ما الفائدة من يوم إضافي إذا كان باب البحث مقفلاً وعند هذا الحد انتهى اللقاء وغادر الرئيس الحريري معلناً اعتذاره". 

وخلال 9 أشهر، أي منذ تكليف الحريري، استمر الخلاف بين الرئيس المكلف ورئيس الجمهورية ومن خلفه رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل، دون أن ينجحوا في الوصول إلى اتفاق على حكومة تخلف تلك التي كان يرأسها حسان دياب، والتي استقالت إثر تفجير مرفأ بيروت في 4 أغسطس 2020. 

وبدأت الخلافات حول توزيع الحقائب ومن ثم انتقلت إلى العدد وانتهت بتسمية الوزراء المسيحيين، وهي نقطة الخلاف الرئيسية التي أدت إلى اعتذار الحريري وتمسك عون بموقفه من ناحية أحقيته وحده في تسمية الوزراء المسيحيين، في حين أن إشكالية الثلث المعطل سبق وتم حلّها ووافق الطرفان على هذا الأمر. 

ويتهم تيار المستقبل التيار الوطني الحر بالعرقلة بحجة أنهم يريدون التمهيد لوصول الوزير السابق باسيل إلى رئاسة الجمهورية، فيما يرد التيار العوني على هذا الاتهام بالقول إن الحريري ليس لديه نية تشكيل حكومة ويتصرف وكأن لا وجود للرئيس. 

وقال منسق عام الإعلام في تيار المستقبل عبد السلام موسى لموقع "الحرة" إن "الحريري قال لرئيس الجمهورية أنك رئيس جمهورية ولست مكلفاً بتشكيل الحكومة، والدستور لا يقول إن الرئيس هو من يضع التشكيلة بل هو يوقع مع الرئيس المكلف على مراسيم التشكيل، أي أنه يوقع أو لا يوقع". 
 
وأضاف: "العهد الحالي لا يريد حكومة تُخرج البلاد مما تعانيه، وهذا واضح، فإذا رأينا اليوم كيف حوّل عون مجلس الدفاع الأعلى إلى الحاكم الفعلي والوحيد للبلاد نُدرك الهدف من وراء كل هذا وهو يمسك بإدارة البلاد، ويقول للجميع جبران أو الفوضى". 
 
من جهته، رفض التيار الوطني الحر هذا الكلام، وقال القيادي وليد الأشقر لموقع "الحرة" إن "الحريري لا يريد التفاهم مع الرئيس عون، ولا يريد حتى أن يتناقش معه حول الطرح الحكومي". وأضاف أن "رئيس الجمهورية يقول إن لديه ملاحظات فيما الحريري لا يريد حتى أن يستمع علما أن الرئيس عون لا يرسم أي خطوط حمر أمام رئيس الوزراء". 

ويتمسك رئيس الجمهورية بحقه في المشاركة بوضع التشكيلة الحكومية وتنص المادة 53 في الدستور اللبناني على أن الرئيس المكلف يجري الاستشارات النيابية لتشكيل الحكومة ويوقّع مع رئيس الجمهورية مرسوم تأليفها. وتنص الفقرة الرابعة من المادة نفسها على أن رئيس الجمهورية يصدر بالاتفاق مع رئيس مجلس الوزراء مرسوم تشكيل الحكومة.

وقال الأشقر إن "الحريري لا يريد التشاور ولا التعاون مع الرئيس بل فقط أن يمضي. ومن الواضح أنه يريد أن يكسب الرضى السعودي من خلال ما يقوم به في موضوع التشكيل والجانب المصري أبلغه أن لا شيء تغيّر في الموقف السعودي وبالتالي قام بما قام به". 

وأشار موسى إلى أن "الحريري صعد بكل إيجابية إلى بعبدا ليكتشف خلال الاجتماع ألا اتفاق، وهو ما قاله عون بوضوح وبالتالي إن أي رهان على تغيير بعقلية الرئيس ليس بمحله. هم يريدون فرض شروطهم فيما الحريري كان يعمل وفق المعايير الدستورية ووفقاً للمبادرة الفرنسية ومبادرة الرئيس نبيه بري". 

ورفضت حركة أمل التعليق على اعتذار الحريري وكان رئيس مجلس النواب نبيه بري قد أطلق أكثر من مبادرة للوصول إلى اتفاق من أجل التشكيل من دون أن تصل إلى نتيجة، فيما حاول أيضاً حزب الله تقريب وجهات النظر، وانعكس في حركة رئيس المكتب السياسي في حزب الله حسين خليل والمعاون السياسي لبري علي حسن خليل ولقاءاتهما المتكررة مع باسيل والواضح أنهما لم يتمكنا من الوصول إلى نتيجة. 

وكان الحريري قد قال في وقت سابق في مجلس النواب رداً على رسالة رئيس الجمهورية إلى البرلمان، والتي اتهم فيها الرئيس المكلف برفض تشكيل الحكومة: "لن أشكل الحكومة كما يريدها فريق فخامة الرئيس، ولا كما يريدها أي فريق سياسي بعينه". 

وأشار مكتب الإعلام في رئاسة الجمهورية إلى أن عون سيحدّد موعداً للاستشارات النيابية الملزمة بأسرع وقت ممكن. 

وقال الأشقر إن التيار سيأخذ موقفاً في اليومين المقبلين من كل ما حصل وما يراه للمستقبل. 

من جهته، اعتبر موسى أن الذي أبلغ الرئيس الحريري أنه لن يتفق معه فهل سيتفق مع من سيسميه الحريري؟ أستبعد ذلك. مشيراً إلى أن "التسمية وما سيحصل لاحقاً هو رهن المشاورات التي سيقوم بها الحريري مع رؤساء الحكومات السابقين والتيار والحلفاء". 

وما إن أعلن الحريري اعتذاره عن التشكيل حتى قفز سعر صرف الدولار في السوق السوداء من 19200 ليرة للدولار الواحد إلى حوالي 22000 ليرة، وهو ارتفاع لم يسبق أن حصل منذ بداية الأزمة في لبنان في هذا الوقت القياسي. 

كذلك، نزل محتجون إلى الطريق في أكثر من منطقة بعد سماعهم لنبأ اعتذاره، وقطعوا بعض الطرقات قرب المدينة الرياضية وتقاطع الكولا وكورنيش المزرعة في العاصمة والبداوي ودير عمار في الشمال وتعلبايا والمرج في البقاع والناعمة والجية على طريق الجنوب. 

كذلك سُمعت رشقات نارية في العاصمة بيروت إثر كلمة الحريري في بعبدا، لا سيما في منطقة طريق الجديدة وهي معروفة بمناصرتها للحريري. 

ويرى المحلل السياسي إيلي فواز في حديث لموقع "الحرة" أن "الجميع سيذهب إلى التحضير للانتخابات النيابية وصار هناك شبه استحالة بأن شخصية سنية تؤلف وتظهر بمظهر الخاسر أو التي تلبي رغبات عون. ولا أحد على ما اعتقد يريد العودة إلى تجربة حسان دياب. وكل الخطاب السياسي من اليوم هو تأجيج الخطاب المذهبي والكلام عن الطائف وصلاحيات الطوائف تحضيراً للانتخابات". 

وختم: "سيحاولون تأليف حكومة لإدارة الانتخابات وإن لم ينجحوا فحكومة تصريف الأعمال موجودة". 

وسبق للتيار الوطني الحر أن عبر عن رغبة في انتخابات مبكرة لإسقاط تأليف الحريري، فيما قال موسى: "سنتفرغ الآن إلى الانتخابات".

مصارف لبنان

في تحول تاريخي لعمل القطاع المصرفي اللبناني، أقرّ مجلس النواب الخميس تعديلات على قانون السرية المصرفية تسهّل للهيئات الناظمة الحصول على كامل المعلومات المتعلّقة بالحسابات.

جاءت الخطوة تلبية لمطلب رئيسي من مطالب صندوق النقد الدولي.

واعتبر رئيس الوزراء اللبناني، نواف سلام، القرار "خطوة ضرورية نحو الإصلاح المالي المنشود وركيزة أساسية لأي خطة تعافٍ، ولكشف الحقائق" بشأن الأزمة المالية التي بدأت عام 2019.

والجمعة، نُشر في الجريدة الرسمية اللبنانية قانون تعديل بعض المواد المتعلقة بسرية المصارف في لبنان، بما في ذلك تعديل المادة 7 (هـ) و (و) من القانون المتعلق بسرية المصارف الذي أقرّ عام 1956، وكذلك تعديل المادة 150 من قانون النقد والتسليف الصادر في عام 1963، بموجب القانون رقم 306 الصادر في 28 تشرين الأول 2022.

وينص التعديل الجديد على تعديل المادة 7 (هـ) من القانون المتعلق بسرية المصارف بما يسمح بمشاركة معلومات مصرفية بين مصرف لبنان، ولجنة الرقابة على المصارف، والمؤسسة الوطنية لضمان الودائع، في إطار تعزيز مراقبة القطاع المصرفي وحماية النظام المالي. 

ويشمل التعديل أيضا صلاحيات تعديل وإنشاء مؤسسة مختلطة لضمان الودائع المصرفية.

أما المادة 7 (و) فتتيح للجهات المعنية، مثل مصرف لبنان ولجنة الرقابة على المصارف، طلب معلومات مصرفية محمية بالسرية دون تحديد حساب أو عميل معين. ويتيح التعديل إصدار طلبات عامة للحصول على معلومات عن جميع الحسابات والعملاء، إلا أن هذه الطلبات يمكن أن تكون قابلة للاعتراض أمام قاضي الأمور المستعجلة، ويخضع الاعتراض للأصول القانونية المتعلقة بالاعتراض على العرائض.

وفي ما يتعلق بالمادة 150 من قانون النقد والتسليف، تضمن التعديل رفع السرية المصرفية بشكل كامل وغير مقيد أمام مصرف لبنان ولجنة الرقابة على المصارف، بالإضافة إلى المدققين والمقيمين المعينين من قبل مصرف لبنان أو اللجنة.

وتشمل التعديلات الحسابات الدائنة والمدينة، سواء كانت ضمن أو خارج الميزانية، كما تتيح رفع السرية المصرفية عن سجلات ومستندات ومعلومات تعود إلى أشخاص معنويين أو حقيقيين يتعاملون مع المصارف أو المؤسسات المالية الخاضعة للرقابة. ويشمل تطبيق هذا التعديل بأثر رجعي لمدة عشر سنوات من تاريخ صدور القانون.

وقد شهد لبنان خلال الأسابيع الماضية نقاشات حادة، رأى فيها معارضون للخطوة أن هذا القانون ورفع السرية المصرفية طي لصفحة من تاريخ لبنان المالي العريق من خلال "إلغاء ميزة تفاضلية،" وبأن كشف الفساد ليس معطلاً بسبب السرية المصرفية.

ويرى المتحمسون للقانون أن من شأن التعديلات الجديدة تعزيز الشفافية في القطاع المصرفي في لبنان وتحسين مراقبة ومراجعة العمليات المصرفية، في وقت يشهد فيه القطاع المصرفي تحديات كبيرة في ظل الأزمة المالية المستمرة.

وأوضحت "المفكرة القانونية" وهي منظمة حقوقية غير حكومية، في بيان أصدرته أن التعديل يخوّل "الهيئات الرقابيّة والهيئات النّاظمة للمصارف، وتحديدًا مصرف لبنان ولجنة الرقابة على المصارف والمؤسسة الوطنية لضمان الودائع، طلب الحصول على جميع المعلومات المصرفية، من دون أن يربط طلب المعلومات بأيّ هدف معيّن، وإمكانية التدقيق في الحسابات بالأسماء، تصحيحا لقانون 2022" والذي تضمن بعض التعديلات.

يعتمد لبنان السرية المصرفية منذ عام 1956، وكان لذلك أثر كبير في جذب رؤوس الأموال والودائع وتوفير مناخ الاستقرار الاقتصادي. وبموجب هذا القانون تلتزم المصارف الخاضعة لأحكامه السرية المطلقة، إذ لا يجوز كشف السر المصرفي سواء في مواجهة الجهات الخاصة أو السلطات العامة، وسواء كانت قضائية أو إدارية أو مالية، إلا في حالات معينة في القانون وردت على سبيل الحصر، وهي:

1- إذن العميل او ورثته خطيًا.
2- صدور حكم بإشهار افلاس العميل.
3- وجود نزاع قضائي بينه وبين البنك بمناسبة الروابط المصرفية. 
4- وجود دعاوى تتعلق بجريمة الكسب غير المشروع. 
5- توقف المصرف عن الدفع، إذ ترفع في هذه الحالة السرية المصرفية عن حسابات أعضاء مجلس الإدارة والمفوضين بالتوقيع ومراقبي الحسابات. 
6- الاشتباه في استخدام الأموال لغاية تبييضها، وعندها ترفع السرية المصرفية بقرار من هيئة التحقيق الخاصة لمصلحة المراجع القضائية المختصة والهيئة المصرفية العليا، وذلك عن الحسابات المفتوحة لدى المصارف أو المؤسسات المالية.

وبالفعل ومنذ إقرار هذا القانون ازدهر القطاع المصرفي اللبناني واستطاع جذب رؤوس أموال، لكن كل ذلك تغير مع اندلاع الحرب الأهلية في منتصف السبعينيات، وبدأت الليرة اللبنانية رحلة الانهيار. خمسة عشر عاما من الاقتتال، انتهت بتسويات سياسية، تبعها نظام اقتصادي جديد، قاده منذ عام 1993 الراحل رفيق الحريري رئيسا للحكومة، ورياض سلامة حاكما لمصرف لبنان المركزي، سعيا وراء الاستقرار. 

وبعد أربع سنوات من استلام منصبه، نجح سلامة في تثبيت سعر العملة اللبنانية، عند 1500 مقابل الدولار الأميركي.

استمرت تلك المعادلة أكثر من عقدين، لكنها كانت تحتاج إمدادات لا تنقطع من العملة الصعبة للمحافظة على استمرارها. وفي محاولة لسد العجز، سعت المصارف اللبنانية لجذب حصيلة كبيرة من العملة الخضراء عبر تقديم فوائد مرتفعة على الودائع الدولارية، فوائد تراوحت بين 15 و 16 في المئة.

نتيجة للفوائد البنكية المرتفعة، شهدت ودائع القطاع المصرفي اللبناني نمواً سنوياً وصل ذروته بقرابة 12 مليار دولار خلال عام 2009.

أغرت الفوائد العالية المقيمين والمغتربين، ليصل إجمالي الودائع في المصارف اللبنانية إلى أكثر من 177 مليار دولار في نهاية نوفمبر عام 2018. 

منذ عام 2017، تراجع الاحتياطي في خزينة مصرف لبنان، رغم محاولات جذب الدولار. وفي صيف عام 2019، لاحت بوادر صعوبة في توافر الدولار في الأسواق اللبنانية، فارتفع سعر صرفه مقابل الليرة للمرة الأولى منذ أكثر من 20 عاما، ما دفع الحكومة لاتخاذ إجراءات استثنائية. لكن البعض يرى أن تلك القرارات جاءت متأخرة.

في أكتوبر 2019، انفجر الشارع اللبناني مطالبا بإسقاط السلطة السياسية، وأغلقت المصارف أبوابها، لكن تقارير صحفية تحدثت عن عمليات تحويل لأرصدة ضخمة الى خارج البلاد.

في تقرير لصحيفة فاينانشال تايمز البريطانية، نُشر في صيف 2020، فإنه، وفقا لكبير موظفي الخدمة المدنية المالية السابق في لبنان ومدير عام وزارة المالية السابق ألان بيفاني، قام مصرفيون بتهريب ما يصل إلى 6 مليارات دولار من لبنان منذ  أكتوبر 2019، في تحايل على الضوابط التي تم إدخالها لوقف هروب رأس المال، مع غرق البلاد في أسوأ أزمة مالية منذ ثلاثين 30 عاما، بينما بات مصير مليارات الدولارات مجهولًا. 

بدأت الأزمة المالية بالظهور تدريجيا، لكنها انفجرت حرفيا منذ اندلاع الاحتجاجات في شهر أكتوبر عام 2019. وتشير تقارير رسمية إلى أن أموالا طائلة تصل إلى مليارات الدولارات تم تحويلها إلى الخارج، بينما تم حجز ودائع صغار زبائن البنوك، من دون ضمانات لحماية ودائع المواطنين، ولا سيولة نقدية.

وتقدر تقارير دولية والمصرف المركزي اللبناني أن ودائع صغار زبائن البنوك بحوالي 121 مليار دولار منها ودائع لغير المقيمين تُقدّر بـ20 مليار دولار، وأصحابها لبنانيون وعراقيون ويمنيون وليبيون ومصريون ومن دول الخليج، إضافة لودائع للسوريين، يقدر المصرفيون بأنها أكثر من 3 مليارات دولار.

وفيما تجري التحقيقات حول آلية تهريب الأموال، لم يصل المحققون المحليون ولا حتى الدوليون إلى جواب شاف، لكن كانت دائما "المصالح المتشابكة داخل النظام اللبناني" جزءا من الجواب.

وتعتبر البنوك اللبنانية مرآة للنظام من حيث التقسيم الطائفي، فغالبيتها تابعة لجهات سياسية ومقربين منها، الأمر الذيث كان واضحا في انعدام الرقابة على عمليات إدخال أموال حزب الله المهربة أو غير الشرعية إلى هذه البنوك، مما يعني عمليات تبييض وشرعنة لهذه الأموال.

منذ منذ عام 2001، وضعت الولايات المتحدة حزب الله على قائمة المنظمات الإرهابية، وفرضت عليه عقوبات ضمن خطة لمكافحة تمويل الإرهاب. وفي هذا الإطار صدر قانون مكافحة تبييض الأموال رقم 44، عام 2015، والذي لم يتم تعطبيقه، واكتفى مصرف لبنان بتعاميم، لم تغير واقع الحال.

بدأ لبنان في يناير 2022 مفاوضات رسمية مع صندوق النقد الذي طالما شدد على أنه لن يقدم أي دعم طالما لم تقرّ الحكومة إصلاحات على رأسها تصحيح الموازنة وإعادة هيكلة القطاع المصرفي وإصلاح المؤسسات العامة والتصدي للفساد المستشري.

وأعلن الصندوق في أبريل من العام ذاته اتفاقا مبدئيا على خطة مساعدة بقيمة ثلاثة مليارات دولار على أربع سنوات، لكنّ تطبيقها كان مشروطا بإصلاحات لم يتم تنفيذ معظمها.

في سبتمبر عام 2024، أوقف الحاكم السابق لمصرف لبنان، رياض سلامة، وهو حتى اليوم قيد التحقيق في اتهامات بغسيل الأموال وشراء وبيع سندات خزينة الحكومة اللبنانية. ومنذ انهيار حزب الله اللبناني، في حربه مع إسرائيل، وصعود ما سمي بالعهد الجديد، أقرت حكومة نواف سلام مشروع قانون لإعادة هيكلة المصارف، استجابةً لمطالب صندوق النقد الدولي، الذي اشترط تنفيذ إصلاحات جذرية، بينها رفع السرية المصرفية، كشرط أساسي لأي دعم مالي للبنان، كما تأتي في ظل إدراج مجموعة العمل المالي (FATF) لبنان على اللائحة الرمادية بسبب ثغرات خطيرة في مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب.

من المتوقع أن تسهم هذه التعديلات في تعزيز الشفافية المالية، ومكافحة الفساد وتبييض الأموال والتهرب الضريبي، كما يُتوقع أن تفتح الباب أمام إعادة هيكلة النظام المالي اللبناني بالكامل، واستعادة ثقة المجتمع الدولي، وتأمين الدعم المالي اللازم من الجهات المانحة.

إلا أن نجاح هذه الخطوة لا يقاس فقط بالكشف عن الحسابات، بل العبرة في التنفيذ في ظل نظام قضائي شبه مهترئ وتورط بعض من أصحاب النفوذ السياسي والمالي أنفسهم.

لبنان اليوم أمام مفترق طرق، فإما أن يسلك طريق العهد الجديد الذي وعد به اللبنانيون، أو يظل الفساد العنوان الأبرز في سياسات لبنان المالية المقبلة.