سامر مع ابنته
سامر مع طفلته بيسان في مطعم | Source: MBN

كان سامر يدلل ابنته بيسان ذات السبعة أعوام، فيناديها بـ"قمر البيت"، وبالفعل أظلمت الدنيا في عينيه فجأة، حين عصف انفجار هائل بمرفأ العاصمة اللبنانية بيروت في الرابع من أغسطس 2020. 

وقتها كان يعمل في محل لتصليح إطارات السيارات، وأسرته كانت تقطن فوقه.

غادر سامر سوريا عام 2000 قادما إلى لبنان بحثا عن رزقه. استقر، تزوج، وكوّن عائلة صغيرة: هو وزوجته مع طفليه حسن، وبيسان، وأسكنهم فوق المحل الذي يعمل فيه، قريبا منه قربهم إلى قلبه الصغير الذي انفجر حزنا في ذلك اليوم المشؤوم.

كان سامر ينزل صباحا إلى العمل، ويلحقه بعد حين طفلاه. كان مرتاحاً ولا يبخل على عائلته بشيء. في ذلك "اليوم المشؤوم" اشترت ابنته بيسان "الآيس كريم" لها ولشقيقها وللعاملين مع والدها. كانت تركض أمامه مع ابتسامة عريضة. هو، كان يعمل وينظر إليها بفرح. زيّنت بيسان البيت بخفتها وحنيتها، يروي الوالد قبل أن يغرق بحزن كان يحاول إخفاءه مُنذ أن ذكر اسم ابنته أوّل مرة.

عادت بيسان وحسن إلى المنزل. بعد ساعتين، انهارت المدينة/الحياة فوق رأس سامر دُفعة واحدة. وقع الانفجار الكبير وغطت سحب الدخان بيروت بأكملها، وهو يحاول أن يلملم نفسه ليقف بعد أن انهار جزء من المحل بقربه، وجد زوجته تصرخ لابنتها. وضع سُلماً ليحاول الوصول إلى ابنته، أبعد الركام وأخرجها. كانت تصرخ والدم يُغطي يديها وجزءا من صدرها.

كان والد بيسان يُحاول أن يبحث عن الصليب الأحمر في مدينة كانت تحت وقع صدمة؛ مدينة بأكملها تطلب الإغاثة. كُثر لا يريدون أن يخرجوا إلى الواقع تجنبا للصدمة. يمر شابان على دراجة، فيعرضان المساعدة. يحمل سامر ابنته ويركب خلف أحدهم ليبدأوا رحلة البحث عن مستشفى تُسعف ابنة السبعة أعوام.

سامر يحمل ابنته بعد إصابتها في انفجار مرفأ بيروت

طرق سامر أبواب أكثر من مستشفى إلى أن استقبله مستشفى كليمنصو. حين رآى الطبيب بيسان وفحصها، قال لأبيها: "إصابتها كبيرة في الرئتين". قاومت بيسان 7 أيام قبل أن تستسلم للقدر الذي رسمه لها إهمال البلد الذي كان والدها إلى ذلك اليوم يقول عنه "بلدي الذي احتضنني".

ومنذ ذلك التاريخ، بدأ هذا البلد ليتحول إلى كابوس يومي، يعيشه والد بيسان على أمل أن يستيقظ ذات يوم "ويجد نفسه مع عائلته في مكان يبعد عن هذه المنطقة المحكومة بالذل آلاف الأميال. في مكان أستطيع أن أستعيد فيه ابتسامتي من أجل من يبقى لدي، حسن وزوجتي".

بحث سامر كثيرا عن مدافن ليواري بيسان في الثرى. إلى أن دفنها في منطقة شاتيلا "في قبر فوق قبر فوق قبر". حتى مدافن المدينة ضاقت أمامه. رمى الوداع الأخير على ابنته، وعاد ليحاول أن يواجه "حياة ما بعد المأساة" كما يقول، ليكتشف أن المأساة لا تزال في بدايتها. قبل ساعتين من الانفجار كان قلبه يمتلئ سعادة. اليوم، بعد ما يقارب السنة، لم تعرف الضحكة وجهه ولو مرة، وقلبه "تركه تحت الركام". 

"كانت تركض حولي. تأكل الحلوى وتقول لي إنها تُحبني. ذاكرتي هناك، كل شيء هناك. كأنني لا أستطيع أن أفارق تلك اللحظة. كانت الأخيرة لي مع ابنتي، مع قمر بيتي"، يقول سامر، ويضيف: "لم يبق لي أي شيء. خسرت ابنتي، عملي، منزلي، فرحتي".

لم يسلم الوالد من الانفجار. هو يعاني إلى اليوم من إصابة في معدته وخاصرته. لا يجد الدواء. كان يمشي في الشوارع باحثاً عن عمل بعد الانفجار. وجد محل دواليب بجانب جسر الفيات في منطقة النهر. سأل صاحبه إن كان بحاجة لمن يعمل لديه، جاوبه بنعم. بدأ العمل بأجرة توازي 300 ألف ليرة في الأسبوع أي ما يُقارب 18 دولاراً.

كعادته، نقل سامر عائلته معه. بحث كثيراً حول المحل. وجد غرفة "ليس فيها أي شي يوحي بأنها صالحة للحياة"، يقول. لكن ما بيده حيلة. الغرفة لا تصلها الشمس. مظلمة كظلمة الأيام التي تلت الانفجار ولا تزال تلاحقه.

يعيش فيها اليوم مع زوجته وابنه، وينتظر مولوداً جديداً لا يعرف ما الذي ينتظره. حين يتحدث عن أن زوجته حامل، يصبح من الصعب فهم ما يقول وكأن الكلام يأبى أن يخرج من فمه. هو لا يعرف ماذا سيفعل. يعرف فقط أنه يعيش النكبة.

لم يصل لسامر أي مساعدة حتى اليوم. السلطات المعنية بمتابعة ومساعدة ضحايا الانفجار لم تتواصل معه ولا مرة. "لعلّ هويّتي السبب. أو حظي"، يقول، ويضيف: "الدولة اللبنانية لم تسأل عني، و لكني لا أشكي ولا أريد أن أشكي. لبنان البلد الذي أواني وهذا ما لن أنساه ما حييت. لكن اليوم لا أستطيع أن أكبت شعوري بالظلم. خسارة ابنتي جعلتني ضعيفاً. الظلم الذي لحقني بعد الفاجعة أتعبني أكثر. كأن مصيري الهرب إلى الحياة، لكنني أبحث عن الحياة ولا أجدها".

يقول: "توجهت إلى الجمعيات التي تساعد بعد الانفجار. كُلهم طلبوا مني أوراقاً كثيرة. جلبت معظمها ولكنّي هارب من سوريا. هارب من الخدمة العسكرية هناك، ولا أستطيع الذهاب. يقولون لي إن عليّ أن أحضر لهم حاصل إرث (شهادة ميراث) وأنا لا أملك شيئاً لا في سوريا ولا في لبنان الذي عشت فيه ضعف ما عشت في بلدي الأم. أجول على تلك الجمعيات منذ عام، وإلى الآن لا شيء تغيّر. مكتوب عليّ المعاناة. وكأن اختبار صبري لا حدود له".

منذ أشهر، وسامر يُحاول أن يصل إلى نتيجة مع الجمعيات ولكن دون نتيجة. يقول إن طلباتهم لا أحد يمكنه أن يلبيها. "منذ يومين، كان هناك من يوزع المساعدات الغذائية على مقربة من المحل. ذهبت طالباً أن أحصل على حصة. كان الجواب أنه لا يُمكنني الحصول عليها. قُلت له إنني خسرت ابنتي ومنزلي وعملي نتيجة الانفجار. لم يغيّر ما قلته شيئاً. لم أحصل على شيء".

يقولون له في مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إن أوراقه صارت لدى فرنسا. هو منذ ذلك الحين ينتظر أن يتواصل معه أي أحد من الجانب الفرنسي، ولكن حتى الآن من دون جدوى. "أخبروني أن كُل المتضررين وخاصة من فقد أحد أفراد عائلته، فإن فرنسا ستساعده، وأنا أعيش على أمل أن تُخرجني فرنسا من حزام البؤس الذي يلاحقني".

كل يوم أحد، يذهب سامر مع عائلته، ليزوروا بيسان في مدافن شاتيلا. يبكي، ينظر إلى ابنه ويُردد في نفسه، كما يقول: "لا أريد أن أستسلم. لا أستطيع أن أحتمل خسارة ابن آخر". يرفد نفسه بالمعنويات، وفي اليوم التالي يزور سفارة بلاده في اليرزة ليتحصل على ورقة من التي طلبتها الجمعيات، فيقولون له إن كُل ورقة تُكلّف 100 دولار نقداً، أي تقريباً ضعف راتبه.

يجلس سامر أمام المحل محاطاً بكل أنواع الإطارات السوداء كأيامه منذ انفجار المرفأ. يجلس على أمل أن يأتيه الاتصال المنتظر، ليمسك بيد ابنه وزوجته ويرحل من دون عودة ولا أسف. هذا ما يُبقيه حياً، وينتظر.

مصارف لبنان

في تحول تاريخي لعمل القطاع المصرفي اللبناني، أقرّ مجلس النواب الخميس تعديلات على قانون السرية المصرفية تسهّل للهيئات الناظمة الحصول على كامل المعلومات المتعلّقة بالحسابات.

جاءت الخطوة تلبية لمطلب رئيسي من مطالب صندوق النقد الدولي.

واعتبر رئيس الوزراء اللبناني، نواف سلام، القرار "خطوة ضرورية نحو الإصلاح المالي المنشود وركيزة أساسية لأي خطة تعافٍ، ولكشف الحقائق" بشأن الأزمة المالية التي بدأت عام 2019.

والجمعة، نُشر في الجريدة الرسمية اللبنانية قانون تعديل بعض المواد المتعلقة بسرية المصارف في لبنان، بما في ذلك تعديل المادة 7 (هـ) و (و) من القانون المتعلق بسرية المصارف الذي أقرّ عام 1956، وكذلك تعديل المادة 150 من قانون النقد والتسليف الصادر في عام 1963، بموجب القانون رقم 306 الصادر في 28 تشرين الأول 2022.

وينص التعديل الجديد على تعديل المادة 7 (هـ) من القانون المتعلق بسرية المصارف بما يسمح بمشاركة معلومات مصرفية بين مصرف لبنان، ولجنة الرقابة على المصارف، والمؤسسة الوطنية لضمان الودائع، في إطار تعزيز مراقبة القطاع المصرفي وحماية النظام المالي. 

ويشمل التعديل أيضا صلاحيات تعديل وإنشاء مؤسسة مختلطة لضمان الودائع المصرفية.

أما المادة 7 (و) فتتيح للجهات المعنية، مثل مصرف لبنان ولجنة الرقابة على المصارف، طلب معلومات مصرفية محمية بالسرية دون تحديد حساب أو عميل معين. ويتيح التعديل إصدار طلبات عامة للحصول على معلومات عن جميع الحسابات والعملاء، إلا أن هذه الطلبات يمكن أن تكون قابلة للاعتراض أمام قاضي الأمور المستعجلة، ويخضع الاعتراض للأصول القانونية المتعلقة بالاعتراض على العرائض.

وفي ما يتعلق بالمادة 150 من قانون النقد والتسليف، تضمن التعديل رفع السرية المصرفية بشكل كامل وغير مقيد أمام مصرف لبنان ولجنة الرقابة على المصارف، بالإضافة إلى المدققين والمقيمين المعينين من قبل مصرف لبنان أو اللجنة.

وتشمل التعديلات الحسابات الدائنة والمدينة، سواء كانت ضمن أو خارج الميزانية، كما تتيح رفع السرية المصرفية عن سجلات ومستندات ومعلومات تعود إلى أشخاص معنويين أو حقيقيين يتعاملون مع المصارف أو المؤسسات المالية الخاضعة للرقابة. ويشمل تطبيق هذا التعديل بأثر رجعي لمدة عشر سنوات من تاريخ صدور القانون.

وقد شهد لبنان خلال الأسابيع الماضية نقاشات حادة، رأى فيها معارضون للخطوة أن هذا القانون ورفع السرية المصرفية طي لصفحة من تاريخ لبنان المالي العريق من خلال "إلغاء ميزة تفاضلية،" وبأن كشف الفساد ليس معطلاً بسبب السرية المصرفية.

ويرى المتحمسون للقانون أن من شأن التعديلات الجديدة تعزيز الشفافية في القطاع المصرفي في لبنان وتحسين مراقبة ومراجعة العمليات المصرفية، في وقت يشهد فيه القطاع المصرفي تحديات كبيرة في ظل الأزمة المالية المستمرة.

وأوضحت "المفكرة القانونية" وهي منظمة حقوقية غير حكومية، في بيان أصدرته أن التعديل يخوّل "الهيئات الرقابيّة والهيئات النّاظمة للمصارف، وتحديدًا مصرف لبنان ولجنة الرقابة على المصارف والمؤسسة الوطنية لضمان الودائع، طلب الحصول على جميع المعلومات المصرفية، من دون أن يربط طلب المعلومات بأيّ هدف معيّن، وإمكانية التدقيق في الحسابات بالأسماء، تصحيحا لقانون 2022" والذي تضمن بعض التعديلات.

يعتمد لبنان السرية المصرفية منذ عام 1956، وكان لذلك أثر كبير في جذب رؤوس الأموال والودائع وتوفير مناخ الاستقرار الاقتصادي. وبموجب هذا القانون تلتزم المصارف الخاضعة لأحكامه السرية المطلقة، إذ لا يجوز كشف السر المصرفي سواء في مواجهة الجهات الخاصة أو السلطات العامة، وسواء كانت قضائية أو إدارية أو مالية، إلا في حالات معينة في القانون وردت على سبيل الحصر، وهي:

1- إذن العميل او ورثته خطيًا.
2- صدور حكم بإشهار افلاس العميل.
3- وجود نزاع قضائي بينه وبين البنك بمناسبة الروابط المصرفية. 
4- وجود دعاوى تتعلق بجريمة الكسب غير المشروع. 
5- توقف المصرف عن الدفع، إذ ترفع في هذه الحالة السرية المصرفية عن حسابات أعضاء مجلس الإدارة والمفوضين بالتوقيع ومراقبي الحسابات. 
6- الاشتباه في استخدام الأموال لغاية تبييضها، وعندها ترفع السرية المصرفية بقرار من هيئة التحقيق الخاصة لمصلحة المراجع القضائية المختصة والهيئة المصرفية العليا، وذلك عن الحسابات المفتوحة لدى المصارف أو المؤسسات المالية.

وبالفعل ومنذ إقرار هذا القانون ازدهر القطاع المصرفي اللبناني واستطاع جذب رؤوس أموال، لكن كل ذلك تغير مع اندلاع الحرب الأهلية في منتصف السبعينيات، وبدأت الليرة اللبنانية رحلة الانهيار. خمسة عشر عاما من الاقتتال، انتهت بتسويات سياسية، تبعها نظام اقتصادي جديد، قاده منذ عام 1993 الراحل رفيق الحريري رئيسا للحكومة، ورياض سلامة حاكما لمصرف لبنان المركزي، سعيا وراء الاستقرار. 

وبعد أربع سنوات من استلام منصبه، نجح سلامة في تثبيت سعر العملة اللبنانية، عند 1500 مقابل الدولار الأميركي.

استمرت تلك المعادلة أكثر من عقدين، لكنها كانت تحتاج إمدادات لا تنقطع من العملة الصعبة للمحافظة على استمرارها. وفي محاولة لسد العجز، سعت المصارف اللبنانية لجذب حصيلة كبيرة من العملة الخضراء عبر تقديم فوائد مرتفعة على الودائع الدولارية، فوائد تراوحت بين 15 و 16 في المئة.

نتيجة للفوائد البنكية المرتفعة، شهدت ودائع القطاع المصرفي اللبناني نمواً سنوياً وصل ذروته بقرابة 12 مليار دولار خلال عام 2009.

أغرت الفوائد العالية المقيمين والمغتربين، ليصل إجمالي الودائع في المصارف اللبنانية إلى أكثر من 177 مليار دولار في نهاية نوفمبر عام 2018. 

منذ عام 2017، تراجع الاحتياطي في خزينة مصرف لبنان، رغم محاولات جذب الدولار. وفي صيف عام 2019، لاحت بوادر صعوبة في توافر الدولار في الأسواق اللبنانية، فارتفع سعر صرفه مقابل الليرة للمرة الأولى منذ أكثر من 20 عاما، ما دفع الحكومة لاتخاذ إجراءات استثنائية. لكن البعض يرى أن تلك القرارات جاءت متأخرة.

في أكتوبر 2019، انفجر الشارع اللبناني مطالبا بإسقاط السلطة السياسية، وأغلقت المصارف أبوابها، لكن تقارير صحفية تحدثت عن عمليات تحويل لأرصدة ضخمة الى خارج البلاد.

في تقرير لصحيفة فاينانشال تايمز البريطانية، نُشر في صيف 2020، فإنه، وفقا لكبير موظفي الخدمة المدنية المالية السابق في لبنان ومدير عام وزارة المالية السابق ألان بيفاني، قام مصرفيون بتهريب ما يصل إلى 6 مليارات دولار من لبنان منذ  أكتوبر 2019، في تحايل على الضوابط التي تم إدخالها لوقف هروب رأس المال، مع غرق البلاد في أسوأ أزمة مالية منذ ثلاثين 30 عاما، بينما بات مصير مليارات الدولارات مجهولًا. 

بدأت الأزمة المالية بالظهور تدريجيا، لكنها انفجرت حرفيا منذ اندلاع الاحتجاجات في شهر أكتوبر عام 2019. وتشير تقارير رسمية إلى أن أموالا طائلة تصل إلى مليارات الدولارات تم تحويلها إلى الخارج، بينما تم حجز ودائع صغار زبائن البنوك، من دون ضمانات لحماية ودائع المواطنين، ولا سيولة نقدية.

وتقدر تقارير دولية والمصرف المركزي اللبناني أن ودائع صغار زبائن البنوك بحوالي 121 مليار دولار منها ودائع لغير المقيمين تُقدّر بـ20 مليار دولار، وأصحابها لبنانيون وعراقيون ويمنيون وليبيون ومصريون ومن دول الخليج، إضافة لودائع للسوريين، يقدر المصرفيون بأنها أكثر من 3 مليارات دولار.

وفيما تجري التحقيقات حول آلية تهريب الأموال، لم يصل المحققون المحليون ولا حتى الدوليون إلى جواب شاف، لكن كانت دائما "المصالح المتشابكة داخل النظام اللبناني" جزءا من الجواب.

وتعتبر البنوك اللبنانية مرآة للنظام من حيث التقسيم الطائفي، فغالبيتها تابعة لجهات سياسية ومقربين منها، الأمر الذيث كان واضحا في انعدام الرقابة على عمليات إدخال أموال حزب الله المهربة أو غير الشرعية إلى هذه البنوك، مما يعني عمليات تبييض وشرعنة لهذه الأموال.

منذ منذ عام 2001، وضعت الولايات المتحدة حزب الله على قائمة المنظمات الإرهابية، وفرضت عليه عقوبات ضمن خطة لمكافحة تمويل الإرهاب. وفي هذا الإطار صدر قانون مكافحة تبييض الأموال رقم 44، عام 2015، والذي لم يتم تعطبيقه، واكتفى مصرف لبنان بتعاميم، لم تغير واقع الحال.

بدأ لبنان في يناير 2022 مفاوضات رسمية مع صندوق النقد الذي طالما شدد على أنه لن يقدم أي دعم طالما لم تقرّ الحكومة إصلاحات على رأسها تصحيح الموازنة وإعادة هيكلة القطاع المصرفي وإصلاح المؤسسات العامة والتصدي للفساد المستشري.

وأعلن الصندوق في أبريل من العام ذاته اتفاقا مبدئيا على خطة مساعدة بقيمة ثلاثة مليارات دولار على أربع سنوات، لكنّ تطبيقها كان مشروطا بإصلاحات لم يتم تنفيذ معظمها.

في سبتمبر عام 2024، أوقف الحاكم السابق لمصرف لبنان، رياض سلامة، وهو حتى اليوم قيد التحقيق في اتهامات بغسيل الأموال وشراء وبيع سندات خزينة الحكومة اللبنانية. ومنذ انهيار حزب الله اللبناني، في حربه مع إسرائيل، وصعود ما سمي بالعهد الجديد، أقرت حكومة نواف سلام مشروع قانون لإعادة هيكلة المصارف، استجابةً لمطالب صندوق النقد الدولي، الذي اشترط تنفيذ إصلاحات جذرية، بينها رفع السرية المصرفية، كشرط أساسي لأي دعم مالي للبنان، كما تأتي في ظل إدراج مجموعة العمل المالي (FATF) لبنان على اللائحة الرمادية بسبب ثغرات خطيرة في مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب.

من المتوقع أن تسهم هذه التعديلات في تعزيز الشفافية المالية، ومكافحة الفساد وتبييض الأموال والتهرب الضريبي، كما يُتوقع أن تفتح الباب أمام إعادة هيكلة النظام المالي اللبناني بالكامل، واستعادة ثقة المجتمع الدولي، وتأمين الدعم المالي اللازم من الجهات المانحة.

إلا أن نجاح هذه الخطوة لا يقاس فقط بالكشف عن الحسابات، بل العبرة في التنفيذ في ظل نظام قضائي شبه مهترئ وتورط بعض من أصحاب النفوذ السياسي والمالي أنفسهم.

لبنان اليوم أمام مفترق طرق، فإما أن يسلك طريق العهد الجديد الذي وعد به اللبنانيون، أو يظل الفساد العنوان الأبرز في سياسات لبنان المالية المقبلة.