مضى عام على كارثة المرفأ.. ومساع الإغاثة لا تتوقف
مضى عام على كارثة المرفأ.. ومساع الإغاثة لا تتوقف | Source: MBN

حين وقع انفجار المرفأ في 4 أغسطس 2020، لم يُصدق الأب هاني طوق أن هذا الأمر يُمكن أن يحدث، بقي أكثر من ساعتين تحت وقع الصدمة، قبل أن يدرك أخيرا أن في لبنان كُل شيء وارد، حتى الانفجار الذي دمّر نصف العاصمة وشرّد أهلها.

لم يفكر الأب طوق كثيراً، رأى الناس بحاجة إلى مساعدة، وأراد فعل ما يستطيعه على قدر إمكاناته وبطريقته، فبدأت رحلته في الكرنتينا.

قبل أن يعي مدى حاجة الناس إلى المساعدة، بقي مدّة أسبوع كامل، ينزل كُل يوم من منزله في حالات شمال لبنان إلى الكرنتينا، وهي منطقة متاخمة للمرفأ تعرضت لتدمير كامل بتأثير الانفجار.. يصل إلى هناك، يبكي، يُلملم آلامه وخيبته ويعود أدراجه إلى المنزل. أسبوع بأكمله يُكرر التجربة نفسها، كان منهاراً تماماً، لا يُصدق ما الذي حدث.

حين أدرك أن الكارثة صارت واقعاً، قرر مع عائلته أن يُعد بعض المأكولات ويتجه إلى محيط المرفأ كي يُطعم المتطوعين وأهل المنطقة المنكوبين.. تنقل كثيراً، من الجميزة إلى مار مخايل بعدما منعه عناصر قوى الأمن من البقاء على درج مار نقولا، حتى أن انتهى به المطاف في زاوية مبنى مدمرة على بعد أمتار من المرفأ، موقع الجريمة.. ومُنذ ذلك التاريخ صارت المنطقة جزءاً منه.

كان يأتي مع عائلته إلى الكرنتينا حيث أخذ لنفسه مكاناً حاول تجهيزه قدر الإمكان، مع الوقت تحوّل هذا المكان إلى مقصد لكل أهل المنطقة، يأتون إليه، عمال ومتطوعون وعائلات، يجلسون، يأكلون، يتحدثون، ثم يعودون إلى بيوتهم التي كانت ملجأ لهم يوماً ما، قبل أن تصير ركاماً، واليوم بعد ترميمها، يقولون له إنها صارت موحشة حتى لو عادت أفضل مما كانت. المنطقة بأكملها لا تزال كئيبة وكأن الانفجار لم يمر عليه سوى بضعة أيام. الناس فيها وكأنهم يأبون أن ينسوا كي لا يُسامحوا، وهم "لن يسامحوا".

الأب طوق يشرف على توزيع الطعام

بعد الانفجار/الجريمة، كُثر تطوعوا ليساعدوا، كُلٌّ حسب إمكاناته، مع الوقت عادوا إلى حياتهم، إلى عملهم وعائلاتهم وبيوتهم، إلا الأب طوق.

إلى اليوم لا يزال صامداً في تلك المنطقة، مع ناسها. لا يُريد الرحيل لأن عمله لم ينته، وما يقوم به: "فعل نضال لأننا لن نستسلم، سنُعيد البناء وسنقول إننا سننتصر على الموت، لأننا نريد الحياة وسنحيا"، بحسب قوله.

لا يهدأ، ينتقل من الفرن إلى المطبخ إلى الباحة الخلفية، مع عشرات المتطوعين، يُقسم العمل في جمعية" جذورنا" إلى أربع أجزاء: "مطبخ مريم"، "شريك الشرش" أي زراعة الأراضي المتروكة للاستفادة منها في عملية تحضير الطعام، "معاً للحياة" وهي مجموعة تعمل مع الأهالي لمساعدتهم على تخطي المشكلات النفسية، والجزء الرابع جزء تنشئة مُتخصص في إعطاء دروس متنوعة لمن يرغب. كُل هذا في مكان واحد، في قلب مكان الجريمة التي إلى اليوم، لا محاكمات فيها.

يتحدث عن المكان بحُب. ينتقل من القاعة المخصصة لتحضير الطعام وتقديمه لمن يرغب إلى القاعة الخلفية التي يستقبل فيها أولاد المنطقة. يلعبون ويضحكون ويتعلمون.

يسعى الأب طوق إلى إخراج الناس من الصدمة وتخليصهم من آثار الكارثة التي حلّت بهم. يُساعده في ذلك، تحديداً مع الأطفال، جمعية SOS قرى الأطفال، كذلك فعلت فرح العطاء أثناء تجهيزه للمكان، واليوم هناك كُثر يساعدونه للبقاء ومن بينهم جمعية فرنسية، فيما يأتيه متطوعون من بلدان كثيرة، بينها فرنسا وسويسرا وغيرها.

كل من يأتي إلى مطبخ مريم يحصل على الطعام. يُدرك الأب طوق أن المصيبة التي حلّت بالمرفأ والمنطقة المحيطة، هي جزء من مصائب توالت على الساحة اللبنانية من أقصى الجنوب إلى أقصى الشمال، لذلك يستقبل الجميع، من الضاحية إلى الشياح مروراً بالغبيري وعائشة بكار، وصولاً إلى الجديدة وغيرها من مناطق في بيروت ومحيطها، ولا ينسى أن الحرمان الأكبر موجود في طرابلس، التي لها حصة أسبوعية يرسلها كُل يوم جمعة للعائلات الفقيرة هناك، وما أكثرها.

عمل دؤوب.. وفي الخلف صور الضحايا

شهد الأب طوق على كُل شيء منذ الانفجار وحتى اليوم. خلفه على جدار يفصل بين المطبخ وقاعة الأطفال، وزع صور ضحايا الانفجار مع أسمائهم. ينظر إليهم ويتحدث عن أنه أراد أن يوثق الجريمة: "ممنوع أن ننسى حق هؤلاء".

يقف عند صورة رامي الكعكي، يحاول أن يمنع نفسه من البكاء لكنه لا يستطيع، لا كلام يُمكن أن يصف شعوره. يصمت قليلاً ثُم يُكمل، يقول: "أتت زوجته إلى هنا. هي تموت كُل يوم، تعيش صراعاً لا يُمكن أن يتخيله عقل. فوق كُل ذلك، هناك معاناتها مع العائلة والمجتمع الضيق الذي نعيش فيه. لا أعرف ماذا أقول".

يروي الأب طوق قدرا من ذكرياته خلال 11 شهراً من العمل التطوعي مع ضحايا الجريمة. يقول محاولا أن يتمالك نفسه من دون أن ينجح: "أتى والد جو بو صعب، وقف هنا فاعتقدت أنه آتٍ مع أحد، أو مع أهالي الشهداء. لم يظهر عليه أنه والد أحد الضحايا، كُنا نتكلم بشكل عادي. فجأة، التفت إلى صورة جو التي كانت خلفه وقال هذا ابني"، لم يستطع الأب طوق أن يُكمل.

ينتقل بنظره إلى صورة رالف ملاحي، "نحن في الرعية أو الكنيسة، لينا شيء للأطفال نسميه طلائع ونربيهم تربية دينية إلى عمر 14 سنة ورالف كان معي حين كنت أخدم هناك. كان شاباً طويل القامة، بهيّ. مرت فترة طويلة لم أره. رأيته شهيداً في الانفجار"، يلتفت إلى صورة جو نون ويقول: "كان جو يُحب رياضة المشي في الجبال. كان دائماً يذهب معنا. شاب قوي يحب المساعدة. مندفع. الكون كله لا يتسع له".

يتوقف عن الكلام وكأنه يعود بالذاكرة سنوات إلى الوراء. يتذكر جو ورالف. فجأة تتغير ملامحه، طبعه الهادئ يختفي للحظة. يقول بنبرة تُخبئ الكثير من القهر: "هناك قدر من الظلم والإجرام لا يُمكن تخيله. المسؤولون لدينا ليسوا فقط مهملين بل مجرمين. هذا ليس إهمال. هناك نفس إجرامي وظلم. هناك نية دفينة للقتل. لهذا لا أطلق على من مات لقب "شهيد"، باستثناء عناصر الدفاع المدني، الباقون ضحايا إجرام وإهمال ولا مبالاة وأنانية المسؤولين. هؤلاء ناس كان لديهم أهلهم وحياتهم ومستقبلهم. هؤلاء ناس كان لديهم أحلامهم وأحلام أولادهم وأهلهم. لقد سرقوا منهم كُل شيء".

المعاناة التي يشهد عليها الأب طوق أنهكته.. يأتيه من يطلب كوب أرز ليطبخ لأولاده. أو من يريد القليل من الزيت. بعضهم لا يجد حليب أطفال ليُطعم أولاده، خسر الناس كُل ما ملكوا، وباتوا يبحثون عن أي شيء يبقي على أنفاسهم. كُل هذا أثر كثيراً فيه، أدخل شهرا إلى المستشفى.. انهار تماماً.

لكنه يقول: "اليوم أنا أفضل. أفرح حين أجلس مع الأهل، حين يشتمون أنا معهم، أينما يذهبوا أذهب معهم. أفرح أن أكون إلى جانبهم وأتكاتف معهم. الناس موجوعة، الناس بحاجة لبعضها البعض. فقدوا الأمل بالسلطة. ليس أمامنا سوى أن نكون معهم، لكي نبقى على قيد الحياة".

لم يمر الأب طوق، ولو مرة، على منطقة الكرنتينا. الآن، اليوم الذي لا يستطيع فيه الحضور، وغالباً يكون الأحد، يشعر بنقص.. يمشي بين البيوت، يتحدث مع الجيران، مع العمال، مع الأطفال. صار جزءاً من هذه الأرض، "أشعر أن ما أقوم به صار فعل مقاومة مع هؤلاء الناس كي يبقوا، ويُكملوا ويتخطوا كل هذه المعاناة".

معاناة مستمرة.. ومحاولات لمساعدة المحتاجين

يوم الميلاد، أقام الأب طوق، والمتطوعون معه، احتفالاً صغيراً لأبناء المنطقة، للأطفال تحديداً. كانت الزينة عبارة عن بالونات ملونة موزعة على الجدران. فجأة ينفجر أحد البالونات، فيهرع الأطفال ليحتموا بجانب الجدران أو يرتموا تحت طاولة. يقول: "إذا انغلق باب القاعة بسرعة وأصدر صوتاً قوياً نسبياً. ترى وجوه الناس تغيرت، وكأنها تنتظر الموت. الخوف في كُل مكان".

عدا عن كُل الناس هناك، لا يشعر الأب طوق بالغضب. فقط فعل نضال وتضامن. يقول إنه يساعد الناس على عبور هذه المرحلة الصعبة ولكن في الوقت نفسه لا يعرف إذا كان هو يستطيع أن يعبر بأمان. الناس تنظر إليه باعتباره رجل دين قويا، لكنهم لا يعلمون أنه أضعف منهم ألف مرة.. هكذا يقول.

يملأ "أبونا طوق" المكان بالحياة. في منطقة لا يزال فيها الركام في كُل مكان، يطل بصيص أمل من مكان صغير منسي، جعله وسيلة تتسع للناس الهاربة من الموت، الناجية من الانفجار، التي تنتظر آخر، على شكل انفجار أو أسوأ.

سلاح حزب الله

الحوار، والاستراتيجية الدفاعية، مفردات خطاب لطالما استخدمته السياسة اللبنانية في نقاش ملف سلاح حزب الله، لكن هل تملك الدولة رفاهية الوقت لإدارة حوار ونقاش استراتيجيات، أم أن الخيارات تصبح أكثر كلفة وتداعياتها أقل قابلية للتحكّم؟

المجتمع الدولي يشترط بسط السيادة الكاملة للدولة اللبنانية على كامل أراضيها كمدخل أساسي لأي دعم سياسي أو اقتصادي، فيما تحذر إسرائيل من أنها "ستنفذ المهمة" بنفسها، في حال استمر "تقاعس الدولة".

فهل لا يزال الانتظار خياراً قابلاً للصرف في ميزان التطورات الإقليمية والدولية؟ وهل يُمكن للتعويل على عامل الوقت أن يصمد طويلاً في وجه التحوّلات المتسارعة؟

مصادر تتحدث للحرة عن مؤشرات على نهج جديد.

قنبلة موقوتة

الوقت يداهم لبنان، تؤكد عضو كتلة "الجمهورية القوية" النائب غادة أيوب.

وتشرح "لبنان يعيش تحت وطأة سلاح غير شرعي منذ سنوات، وهذا السلاح جرّ علينا الويلات، من عزلة عربية ودولية، إلى انهيار اقتصادي، إلى تهديد دائم للسلم الأهلي".

ومن يظن "أن ملف السلاح غير الشرعي هو بلا مهلة، واهم أو متواطئ"، تؤكد أيوب. "لأن استمرار سلاح حزب الله هو قنبلة موقوتة قد تنفجر في أي وقت بوجه مشروع بناء الدولة وبوجه العهد، ولا يجوز لأي مسؤول في الدولة اللبنانية أن يدفن رأسه في الرمال".

وتشدد أيوب في حديث لموقع "الحرة" على أنه "لا مجال بعد الآن للتسويات ولا للتنازلات ولا يمكن أن يبقى هذا الموضوع موضوعًا مؤجّلًا أو قابلًا للمراوغة".

فالبلاد "أمام خطر دائم، ليس فقط على المستوى الأمني، بل على مستوى الاستقرار السياسي والاقتصادي والعلاقات الدولية".

حان "وقت التنفيذ"، تقول، لأنه "لا يمكن أن يُبنى وطن أو يُستعاد الاقتصاد في ظل دويلة ضمن الدولة".
والوقت "ليس مفتوحًا، وكل تأخير هو تراكم إضافي للأزمات".

تفكيك المخازن

من جانبه، يرى المحلل السياسي، المحامي أمين بشير، أن مقاربة الدولة اللبنانية لملف سلاح حزب الله تشهد تحوّلاً جذرياً، "فبعد أن كان هذا الملف يطرح في إطار الاستراتيجية الدفاعية والحوار الوطني، جاءت زيارة المبعوثة الأميركية مورغان أورتاغوس إلى بيروت لتحدث نقطة تحوّل مفصلية في مسار التعاطي مع هذا الملف".

الزيارة الأميركية الأخيرة حملت رسالة واضحة، كما يقول بشير لموقع "الحرة"، "مفادها أن أي خطوة تتعلق بتفكيك أو تسليم سلاح حزب الله يجب أن تكون معلنة للرأي العام، لا أن تبقى طي الكتمان. هذا الطرح، لم يكن تفصيلاً، بل كان بمثابة فرض واقع جديد على الدولة اللبنانية، سرعان ما تجلّى بالإعلان عن تفكيك 193 مخزناً من أصل 260 تابعاً لحزب الله، وفق ما كشفه مصدر عسكري لأحد الصحفيين".

ويضيف بشير "هذا التطوّر شكّل صدمة للرأي العام، الذي اعتاد سماع وعود مكرّرة بالحوار دون نتائج ملموسة، وسط نفي دائم من حزب الله لأي نية لتسليم السلاح. لكن ما كان يدار في الغرف المغلقة خرج فجأة إلى العلن، وأصبح تفكيك المخازن مسألة لا تحتمل التعتيم".

حلقة مفرغة؟

سياسة كسب الوقت، أو ما يسمى بسياسة "النعامة"، وفق ما تصف أيوب لا تحمي لبنان، بل تعرّضه كما تقول "أكثر فأكثر للخطر. حزب الله لا ينتظر الدولة ليقرر خطواته، بل يورّط لبنان بقرارات لصالح إيران ومن إيران من دون الرجوع إلى المؤسسات الدستورية". 

"هذا الواقع،" يضيف، "يفتح الباب على مصير مجهول، وربما مواجهة عسكرية تُفرض على اللبنانيين جميعاً من دون رأيهم أو موافقتهم. وحدها الدولة، من خلال قرارها السيادي، تستطيع أن تحمي لبنان، لا الميليشيات".

وتشدد أيوب "نحن مع الحوار، لكن ليس الحوار الذي يطالبون به حول موضوع السلاح لأن الحوار لا يمكن أن يكون غطاءً للشلل أو للاستمرار في الأمر الواقع. إن تجربة السنوات الماضية أثبتت أن طاولات الحوار و'الاستراتيجية الدفاعية' تحوّلت إلى عنوان للاستهلاك الداخلي من دون أي تقدّم فعلي، بل أتت بمفاعيل عكسية وكارثية على البلد ولم تكن سوى وسائل استفاد منها حزب الله لكسب الوقت وللانقضاض على ما تبقى من هيبة الدولة".

"كل طاولات الحوار التي شارك فيها حزب الله انقلب عليها مباشرة"، تقول أيوب. وتوضح "أسقط حوار 2006 عبر حرب يوليو، وأسقط حوار سان كلو 2007 عبر اجتياح بيروت في العام التالي، وأسقط حوار الدوحة 2008 عبر تعطيل الحكومة والسلطة التنفيذية، وأسقط حوار بعبدا 2012 عبر مشاركته في الحرب السورية، وأسقط حوار بعبدا 2017 عبر تمسّكه بالسلاح، وأسقط حوار بعبدا 2019 عبر ضرب النظام المالي، وهذه بعض الأمثلة". 

"لذلك، لا يمكن أن نتوقع من حزب الله أن يتخلى عن سلاحه طوعاً، لكن لا يمكن أيضًا للدولة أن تستسلم لهذا الواقع. المطلوب ضغط سياسي وشعبي ودولي، وموقف وطني موحّد، لاكتساب السيادة كاملة. وهذه ليست مهمة مستحيلة، لكنها تتطلب قراراً".

الحوار حول التنفيذ فقط

أما بشير فيشير إلى تراجع بعض رؤساء الأحزاب عن تحفظاتهم حول الحوار، إثر اتصالات مباشرة مع رئيس الجمهورية "الأخير أوضح أن الحوار لا يعني العودة إلى طاولة وطنية جامعة، بل هو حوار مباشر بينه وبين حزب الله، لبحث آليات تسليم السلاح: هل يسلّم للجيش؟ هل يعاد إلى إيران؟ أم يفكك بطريقة أخرى؟

هذا التوضيح، وفق بشير، "أزال القلق من احتمال العودة إلى الحلقة المفرغة من الحوارات، وفتح الباب أمام نقاش جدي في تنفيذ القرار 1701 بشكل فعلي لا شكلي".

الموقف الدولي واضح وصارم تجاه لبنان كما يشدد بشير "لا مساعدات، لا إعادة إعمار، ولا دعم استثماري أو اقتصادي، من دون حل جذري لملف سلاح حزب الله. هذا ما عبّرت عنه بوضوح الدول الخليجية، والدول الأوروبية، والإدارة الأميركية، التي لم تعد تقبل بتسويف أو مماطلة".

كذلك تؤكد أيوب أن "المجتمع الدولي ينظر إلى هذا الملف كأحد الأسباب الأساسية لفشل الدولة اللبنانية في استعادة سيادتها واستقرارها". وتقول "هناك قناعة متزايدة لدى المجتمع الدولي أن غياب القرار الحاسم في هذا الملف ينعكس سلباً على كل مسار الدعم والمساعدة". 

"هذا التردّد قد لا يُفهم على أنه حكمة، بل على أنه عجز أو تواطؤ. وإذا لم تُظهر الدولة إرادة فعلية في معالجة السلاح غير الشرعي، فإن أي مساعدة دولية ستبقى مشروطة ومحدودة".

منظومة هيمنة

من جانبه، يرى بشير أن المشكلة لا تتعلق فقط بالسلاح كرمز للهيمنة، "بل بحزب الله كمنظومة متكاملة تهيمن على مفاصل الدولة، اقتصادياً وأمنياً وحتى قضائياً.

ويقول "نحن لا نتحدث فقط عن سلاح، بل عن شبكة مصالح موازية تنخر جسم الدولة من الداخل"، في إشارة إلى مؤسسات الحزب المالية، "كمؤسسة القرض الحسن، وشبكة المؤسسات الموازية التي أنشأها في قطاعات الكهرباء، والمرافئ، وحتى القضاء".

لبنان اليوم، كما يقول بشير، يقف بين خيارين "إما نجاح المفاوضات الأميركية–الإيرانية وانعكاساتها الإيجابية على الداخل اللبناني، وإما انفجار عسكري جديد في حال فشلها، فيما إسرائيل تترقب لاستغلال أي فراغ لتبرير تدخلها العسكري، تحت ذريعة بناء حزام أمني لسكان شمالها".

من هنا، يحذّر من الاكتفاء بدور المتفرّج على طاولة المفاوضات. ويشدد على ضرورة أن "تمتلك الدولة اللبنانية، ممثلة بالرئيس والحكومة، موقفاً وطنياً واضحاً حيال هذا الملف، لا يقتصر فقط على المهلة الزمنية، بل يتجاوزها إلى ما بعدها. يجب أن نكون جاهزين للاستفادة من الفرص أو مواجهة التحديات، لا أن نكون مجرد ضحايا على طاولة مفاوضات تدار من الخارج".

ويختم بشير بالتأكيد على أن تفكيك منظومة حزب الله ليس مجرد مطلب سياسي، "بل ضرورة لبناء دولة حديثة قادرة على استعادة سيادتها وثقة المجتمع الدولي بها، ويقول "لبنان لا يمكن أن ينهض طالما هناك مجموعة مذهبية تعمل وفق نظام مصالح خاص، وتخضع لسلطة خارجية. المطلوب ليس فقط نزع السلاح، بل تفكيك كامل للشبكات الرديفة التي أضعفت الدولة ودمّرت مؤسساتها".