زيناش تروي تفاصيل المأساة
زيناش تروي تفاصيل المأساة | Source: MBN

قبل 14 عاما وصلت زيناش آبربار مامو إلى لبنان. فتاة إثيوبية فقيرة كانت تبحث عن رزقها وتتنقل بين أمكنة كثيرة، حتى استقرت في الكرنتينا، المنطقة المحاذية لمرفأ بيروت.

طوال تلك الأعوام، عملت زيناش بجد، من أجل إعالة إخوتها، تماما مثلما يفعل غيرها ممن يغادرون أوطانهم بحثا عن ملجأ يتيح فُرصا أكثر. وقد كانت بيروت، بالنسبة لها ولغيرها، مليئة بالفرص.

في الكرنتينا، كوّنت زيناش علاقات وصداقات.. ثم وقعت في غرام سائق سيارة أجرة لبناني، وأنجبت منه "مهدي".

بعد ذلك بدلت الأيام أحوال الإثيوبية المكافحة، حتى قبل انفجار المرفأ في الرابع من أغسطس. فجائحة كورونا أجبرتها على البقاء في منزلها بلا عمل طوال 7 أشهر، والأمر ذاته تعرض له والد طفلها الذي أجبرته زوجته الأولى على الابتعاد عن زيناش، فاضطرت الأخيرة إلى التنازل عن حقوقها، والاكتفاء بالقليل.

في منطقة الضبية عملت زيناش بمقهى يقع بالقرب من منزل تقطن فيه مع صديقاتها اللواتي يعملن في تنظيف المنازل، ثم سافرت بطفلها إلى إثيوبيا، وتركته هناك كي ترعاه زوجة شقيقها، ثم عادت وحيدة ومكسورة.

يوم 4 أغسطس، اظلمت الدنيا فجأة في وجه زيناش: ركام ودم وأصوات أناس يستنجدون. خرجت من المقهى بصعوبة، وراحت تتطلع إلى منزلها الواقع في الطابق الخامس بمبنى مجاور، تحاول أن تصرخ ولا تستطيع، لا تزال تحت وقع الصدمة وتأثير إصابات متعددة من جراء الانفجار.

جلست على قارعة الطريق تنتظر أن تطل رفيقتها التي كانت في المنزل، كُل ما تريده هو أن تطمئن عليها. لم تُسعفها قدماها، ولا طاوعها قلبها الصغير، على الصعود بنفسها.

حين خرجت صديقتها إلى الشرفة، صار بإمكان زيناش أن تجول لتسأل عن رفيقاتها الكثيرات في الحي. رأت الخوف في عيون الناس، فهان خوفها، ولو مؤقتا.

قالوا لها إن انفجارا آخرا سيقع، تركت المنطقة ومشيت مع مجموعة من صديقاتها حتى منطقة الدورة، ومن هناك صعدن إلى حريصا. صلّين وشاهدن الركام من أعلى، من ارتفاع يسمح لهن بإدراك الهول الذي نجون منه: الأرض مسحت تماما وأعمدة الدخان تتصاعد في كل مكان.

في وقت متأخر من الليل، نزلن إلى جونية ليقضين الليلة عند إحدى الرفيقات، تكدسن جميعا في مكان لا يتسع لشخصين، وحاولن سرقة القليل من الراحة، من دون نجاح.

بعد اليوم الأسود، شعرت زيناش أنها عادت غريبة، لم تعش تجربة مرعبة كهذه من قبل، جعلتها النكبة ترى كيف يتحول الناس فجأة إلى غرباء، يبحثون فقط عن أبناء جلدتهم، دون سواهم، جعلها الانفجار تشعر بالتمييز، بأنها في بلاد لا تعرفها، كأنها لم تقض نصف عمرها فيها. في اليوم التالي عادت إلى منزلها لتبيت بين الركام، وتترقب، مع خوفها، الأيام المقبلة.

تقول: "أي صوت أسمعه الآن يُشعرني بالخوف. حين تمرّ طائرة أهرع إلى الحمام. تتسارع نبضات قلبي وأتكوّر في الزاوية منتظرة أن يسقط كُل شيء فوق رأسي. لا أستطيع التوقف عن التفكير بما حدث وما سيحدث. هناك كُثيرون ماتوا. فقدوا حياتهم هكذا بلمح البصر".

لدى زيناش أرض صغيرة في إثيوبيا كانت تحلم أن تبني فوقها منزلا صغيرا لها ولمهدي، تزرع، وتعيش بسلام ويكبر ابنها أمام ناظريها.. هذا لن يحدث قريباً. تبددت أحلامها سريعاً وصار همّها الآن أن تجد عملاً يُبقيها فقط على قيد الحياة.

تجلس في منزلها الذي رممته جمعية "فرح العطاء"، تنتظر أن تعود بها الأيام إلى ما قبل الانفجار، أو حتى إلى ما قبل كورونا، لا يدق أحد على بابها، وفوق مدخل البيت وضع الجيش اللبناني إشارة إلى أنه سيدفع تعويضاً.

صاحبة المنزل لم تطأ قدمها الكرنتينا مُنذ الانفجار. لم تأت حتى لترى ما حصل بممتلكاتها، كيف دمرت؟ وكيف عادت كما كانت. لكنها لا تنسى أن تطالب زيناش ورفيقتها بالإيجار الشهري.

لم يسأل عن زيناش ورفيقاتها أحد. حصلن على بعض المساعدات الغذائية، ثم توقفت قبل 4 أشهر، رغم كل ذلك تقول الإثيوبية إنها "تتعاطف مع الناس الذين تقدم بهم العمر. فهي بإمكانها أن تتدبر أمرها لكن هؤلاء كيف سيعيشون".. في عز محنتها، تشعر بالقلق على آخرين ربما لا يكترثون لها ولا لما أصابها.

أنقاض ذكريات

الآن تجلس زيناش على كرسي في زاوية صالون مُرمم على أنقاض ذكريات كثيرة. تتحدث بصوت خافت وخائف. تقول: "أشعر بالأسف على لبنان. لبنان لا يستحق كُل هذا". تنطق عبارتها بلغة ركيكة لكنها مليئة بالمعاني والمشاعر. تُضيف: "الكبار في لبنان لم يهتموا ببلدهم. الأجانب هنا أكثر من أبناء البلد الذين ذهبوا يبحثون عن فرص عمل.. لقد تركوا ناسهم يرحلون. هذا مؤسف".

لا تثق زيناش أن التحقيق سيصل إلى نتيجة ولا بمحاسبة المسؤولين عن الجريمة. بالنسبة لها لا مسؤول يهتم بالحقيقة، "ولا أحد يقول هذا بلدي".. وبالنتيجة ترى أن من "مات قد مات، من أجل لا شيء".

بعد 14 عاما.. باتت تخاف من لبنان

بعد سنة من "الجريمة" لا تعرف ممن تطلب المساعدة أو التعويض؟ تشعر بالوحدة والخوف وتعيش الشعور ذاته يوميا. تنزوي في بيتها، وتسأل ما الذي سيحدث لها اليوم أو غداً أو بعده؟ لم يمرّ يوم مُفرح منذ الانفجار. تلك المآسي كانت تشاهدها في الأفلام السينمائية.. ولكن على الشاشة تبدو المعاناة أقل مما تكبدته.

"البلد يُخيفني. نحن أجانب لا أحد يكترث لأمرنا"، هذا ما تشعر به زيناش.. تترقب بخوف أن يأتي دورها لتحصل على إعاشة. تخشى أن ينظر إليها الآخرون كغريبة. يأتي مندوبون عن جمعيات إلى منزلها يقرعون الباب فتفتح لهم، يسألونها: "أين المدام (ربة المنزل)؟"، تُجيبهم أن هذا منزلها. يقولون إنهم سيعودون، ولكن لا أحد منهم عاد إلى الآن.

تصدع صورة حزب الله
تصدع صورة حزب الله

تصدّعت الصورة التي سعى حزب الله طويلاً إلى ترسيخها بوصفه تنظيماً قوياً، منضبطاً، عصياً على الاختراق، وذلك عقب حربه الأخيرة مع إسرائيل وسلسلة الاغتيالات التي طالت صفوفه القيادية، ولا تزال تستهدف كوادره، وسط عجزه عن الرد.

فـ"الهالة" التي أحاط بها الحزب نفسه بدأت بالتشقّق منذ قراره فتح جبهة جنوب لبنان تحت مسمى "إسناد غزة"، إذ بدا حينها واثقاً من قدرته على التحكم بقواعد الاشتباك وحصر المواجهة ضمن نطاق محسوب. غير أن توسّع العمليات، والخسائر الكبيرة التي تكبّدها، وصولاً إلى قبوله اتفاق وقف إطلاق نار وصفه كثيرون بأنه أقرب إلى "الاستسلام"، ساهمت جميعها في قلب المعادلة.

بعد هذه الحرب، تحوّل "الردع" لدى حزب الله إلى مجرّد شعار، وباتت مكانته السياسية والعسكرية والمعنوية موضع شكّ، حتى في أوساطه الشعبية. وازدادت الدعوات، داخلياً وخارجياً، إلى نزع سلاحه، استناداً إلى القرارات الدولية، وإلى ضرورة استعادة الدولة اللبنانية لقرارها السيادي.

فمع كل عملية اغتيال أو غارة إسرائيلية تستهدف موقعاً أو ترسانة عسكرية، تتصاعد الأسئلة: أي جدوى بعد اليوم من استمرار امتلاك السلاح؟ أسئلة كانت تهمس همساً في السابق، لكنها تطرح اليوم علناً.

صورة وهمية؟

على مدى العقدين الماضيين، "بنى حزب الله هالة القوة العسكرية والأمنية القادرة على مواجهة إسرائيل، منذ انسحابها من جنوب لبنان عام 2000، واستثمر نتائج حرب يوليو 2006، لترسيخ صورة التنظيم الذي لم يُهزم، بل القادر على إلحاق الأذى بالجيش الإسرائيلي"، بحسب ما يوضح رئيس تحرير موقع "جنوبية"، الصحفي علي الأمين.

ويضيف الأمين في حديث لموقع "الحرة" أن الحزب لم يكتف بهذا الرصيد، "بل وسّع نفوذه في الداخل اللبناني، مقدماً نفسه على أنه الطرف القادر على فرض السياسات ومواجهة خصومه السياسيين، بوصفه القوة العسكرية والأمنية الأقوى في البلاد".

ويشير إلى أن هذه الصورة تعززت في وعي مناصري الحزب، وحتى بعض خصومه، لا سيما مع اندلاع الثورة السورية، "حيث لعب الحزب دوراً محورياً في دعم نظام الأسد ومنع سقوطه. كما أن دعمه للحوثيين في اليمن، وتدريبه للفصائل المسلحة في العراق، ساهم في ترسيخ صورة "القوة التي لا تُقهر".

لكن الأمين يلفت إلى أن هذا المشهد لم يُبْنَ فقط على وقائع عسكرية، بل تعزّز بعوامل إضافية، أبرزها "التدفق المالي المستمر من طهران، والمراعاة الدولية النسبية التي تظهر أي رفض لتمدد الحزب في الاقليم، مقابل تراجع مؤسسات الدولة اللبنانية وانكفائها لصالح نفوذ الحزب".

من جهته، يرى الخبير الاستراتيجي العميد المتقاعد ناجي ملاعب أن "التهديد الحقيقي في الحسابات الإسرائيلية لم يكن في غزة، بل في المحور الإقليمي الممتد من لبنان إلى إيران، مروراً بسوريا والعراق، حيث يتصدر حزب الله المشهد بوصفه "الخطر الاستراتيجي الأكبر، نظراً لامتلاكه ترسانة من أكثر من مئة ألف صاروخ، وقوة بشرية مدرّبة بعشرات الآلاف، واستعداده الدائم لأي مواجهة. هذا التهديد لم يكن مجرد دعاية إعلامية، بل جزء من استراتيجية ردع مدروسة".

ويضيف ملاعب في حديث لموقع "الحرة" أن "إسرائيل كثّفت في السنوات الأخيرة من جهودها في تتبّع حزب الله، سواء عبر الوسائل البشرية أو التكنولوجية. ولم تغفل عن استثمار التطور التكنولوجي في هذا المجال، وقد أسهم تعاونها مع شركات تكنولوجية كبرى، وما توفره من بيانات رقمية ضخمة، في تعزيز قدراتها الاستخبارية لرصد وتتبع نشاطات الحزب. كما كثّفت من ضرباتها الجوية في سوريا، مستهدفة شحنات أسلحة مخصصة له".

تهشّم وعجز

"ساهمت نتائج الحرب الأخيرة وما خلّفته من خسائر فادحة على حزب الله وبيئته ولبنان عموماً، في تآكل الصورة التي عمل الحزب طويلاً على ترسيخها في الوعي العام"، بحسب ما يرى الأمين "إذ أظهرت العمليات الإسرائيلية قدرة غير مسبوقة على اختراق ما كان يُعتبر قلعة أمنية محصّنة، وتمكّنت من تصفية معظم قيادات الحزب الميدانية، وصولاً إلى اغتيال أمينه العام حسن نصر الله، وقبول الحزب باتفاق وقف إطلاق نار مذل للبنان".

ويضيف الأمين أن هذا التحوّل لم يقتصر على الخسائر الميدانية، بل تفاقم مع العجز المتواصل للحزب عن الردّ على سلسلة الاغتيالات التي طالت عناصره وكوادره بعد سريان وقف إطلاق النار.

ويرى أن هذا العجز فرض معادلة جديدة في الداخل اللبناني "لم يعد أحد يطالب حزب الله بالرد العسكري على الاعتداءات الإسرائيلية. فصورة العجز باتت راسخة، إلى حد أن أي تحرّك عسكري من الحزب قد يُواجَه أولاً برفض من بيئته نفسها، قبل رفض سائر اللبنانيين، هذا التراجع في صورة الحزب أفقده جزءاً كبيراً من هيبته، وإن كان يحاول تعويض ذلك عبر ترويج قدرته على مواجهة ما يسميه خونة الداخل'".

من جانبه، يرى ملاعب أن "الصورة التي بناها حزب الله لنفسه كقوة عسكرية منضبطة بدأت تتشقق، خصوصاً بعد انخراطه في الحرب السورية، وما رافق ذلك من تسريبات أمنية واختراقات داخلية، كما أن تمدد الحزب في الملفات اللبنانية الداخلية انعكس سلباً على صورته أمام جمهوره، الذي بات يحمّله جزء من تبعات الأزمات والانهيارات المتتالية وصولاً إلى حربه الأخيرة مع إسرائيل التي هشّمت صورته بشكل كبير، فبعد أن تباهى طويلاً بقدرته على كشف الجواسيس في صفوفه، يواجه اليوم ثغرات أمنية غير مسبوقة".

تماه هش؟

"انتقل حزب على المستوى الوطني من قوة مقرِّرة ومهيمنة على مجمل الشؤون السياسية، إلى طرف تتراجع حدود تأثيره تدريجياً، في ظل عودة تدريجية للدور المؤسساتي الدستوري والقانوني والعسكري الرسمي"، وفق ما يقوله الأمين.

أما في ما يخص بيئته الشيعية، فيشير الأمين إلى أن "تراجع صورة الحزب يبقى نسبياً، طالما أنه لا يزال يحتفظ بمقوّمات القوة من مال وسلاح وقدرة على القمع". لكنه يلفت إلى أن هذه السيطرة بدأت تتآكل بدورها، "مع تنامي صرخة النازحين والمتضررين من الحرب، وتراجع الثقة بقدرة الحزب على تأمين شروط العودة إلى القرى، وإعادة الإعمار، وتوفير الأمن والأمان".

من جهته، يسجّل ملاعب نقطة لافتة تتعلّق بعلاقة الحزب مع بيئته، إذ يرى أن "التماهي شبه الكامل بين حزب الله وسكان جنوب لبنان بات هشّاً. فالمواطن الجنوبي غير المنتمي للحزب عاد إلى بلدته بإحساس نسبي بالأمان، بعدما لمس أن الضربات الإسرائيلية تركّز على مواقع محدّدة تابعة للحزب ".

ويضيف ملاعب أن هذا التحوّل في الوعي الشعبي أصبح أكثر وضوحاً، كما ظهر في جولة ميدانية له في الضاحية الجنوبية لبيروت، "حيث بات السكان يفرّقون بوضوح بين مبنى تابع للحزب وبقية المباني في الحيّ الذي يقطنونه". ويعتبر أن هذا المزاج الجديد يعكس إرهاقاً عاماً من الحروب المتكررة، ورغبة متزايدة في حياة أكثر استقراراً وأقل مخاطرة.

يذكر أن الحرس الثوري الإيراني أسّس حزب الله عام 1982، عقب انشقاق مجموعة من حركة "أمل"، ليشكّل نقطة تحول في المشهد السياسي والأمني اللبناني. وسرعان ما عمل الحزب على تعزيز حضوره داخل الطائفة الشيعية، معتمداً على خطاب سياسي تعبوي، خاصة في عهد أمينه العام السابق حسن نصر الله، إلى جانب الدعم المالي والعسكري المباشر من إيران.

هذا الدعم مكّن حزب الله من ترسيخ نفوذه داخل مؤسسات الدولة اللبنانية، وتعميق الانقسام السياسي والطائفي، وصولاً إلى السيطرة على قرار الحرب والسلم. وقد أدّى ذلك إلى توريط لبنان في صراعات إقليمية متشابكة، خلّفت تداعيات أمنية وسياسية خطيرة على البلاد.

وعلى مدى سنوات، لم يتوانَ حزب الله عن الترويج لقدراته العسكرية، متحدثاً عن استعداده لاجتياح الجليل، واستهداف حيفا وما بعدها، في إطار معادلة ردع رسمها لنفسه. لكن الحرب الأخيرة كشفت حدود هذه المزاعم، وأظهرت عجز الحزب عن تنفيذ تهديداته.

فقد تمكّنت القوات الإسرائيلية من التوغل في الجنوب اللبناني وصولاً إلى نهر الليطاني، وانتهت المواجهة بتوقيع اتفاق وُصف من قبل مراقبين بأنه "مُذل"، فيما لا تزال القوات الإسرائيلية تحتفظ بوجودها في خمس نقاط داخل الأراضي اللبنانية.

القرار في طهران

رغم التصدعات التي أصابت صورة حزب الله، يرى ملاعب أن "العقيدة التنظيمية للحزب لا تزال متماسكة، إذ لا يزال عدد كبير من مقاتليه يلتزمون بقيادة مركزية صلبة". لكنه يلفت إلى أن قرار إشعال الجبهة اللبنانية "لا يُتخذ في بيروت، بل في طهران".

فإيران، بحسب ملاعب، "استثمرت في حزب الله كأداة استراتيجية للضغط الإقليمي والدولي، وتستخدمه كورقة تفاوض مع الغرب، لا سيما في سياق المحادثات المرتبطة بالملف النووي والعقوبات الاقتصادية، ومن هذا المنظور، فإن موافقة الحزب مؤخراً على وقف إطلاق النار لا يمكن فصلها عن الحسابات الإيرانية الأوسع، التي تهدف إلى تحقيق مكاسب على طاولة المفاوضات".

وعن مدى نجاح إسرائيل في تدمير ترسانة الحزب، يؤكد ملاعب أن "إسرائيل ألحقت ضرراً بالغاً بالبنية التحتية العسكرية لحزب الله، لكنها لم تنجح في تدمير أصوله الحيوية، كشبكات الأنفاق ومنظومات الصواريخ الدقيقة". ويضيف أن "الأسلحة الاستراتيجية، بما فيها الصواريخ بعيدة المدى، لا تزال خارج المعركة، لأنها تخضع لسيطرة القرار الإيراني المباشر".

من جانبه، يرى الأمين أن "المنطقة، وليس لبنان وحده، تمرّ اليوم بمرحلة تحوّل بنيوي عميق، ينعكس بشكل مباشر على علاقة حزب الله بمحيطه، وخصوصاً بجمهوره".

ويشير الأمين إلى أن الحزب "لم يعد يُنظر إليه كقوة قادرة على توفير الحماية والأمان، وتراجعت الثقة بإمكانية استعادته لهذا الدور في المستقبل، خاصة بعد تهاوي وهم ردع إسرائيل، وسقوط النظام السوري، الذي شكّل ضربة قاصمة لحزب الله، أطاحت بمقومات استعادته لنفوذه وقدراته الأمنية والعسكرية".