انفجار المرفأ الكارثي في 4 أغسطس
محمد العطار أصابته متاعب نفسية بعد انفجار المرفأ

كان محمد بجانب محل والده في منطقة الكرنتينا المحاذية لمرفأ بيروت حين وقع الانفجار. رأى أعمدة الدخان قبل أن يتحول كل شيء إلى ظلام داكن. دقائق غاب فيها قبل أن يصحو ليزيل ركام حائط صغير وقع عليه وأدى إلى إصابته بجروح متوسطة. لم يكترث كثيرا لما أصابه، المهم أنه نجى، ووجد الوقت للبحث عن عائلته، وعن أناس يحبهم. 

ومحمد العطار، فلسطيني الجنسية. والدته لبنانية لكنها لا تستطيع أن تعطيه جنسيتها لأن القانون اللبناني يمنعها. كان يُحب الحياة والأصدقاء، وأكثر ما يُحب كان البحر. يغطس ليستمتع بما يراه تحت الماء، هذا في السابق. الآن يغطس بما تبقى لديه من عدة ليهرب مما هو فوق المياه. من حياة انقلبت رأساً على عقب. كانت إلى الأمس، إلى 4 أغسطس 2020، مفرحة وسهلة. 

قبل أن يتفرغ للعمل مع والده في محل ميكانيكا السيارات، يحاول محمد أن يتابع تعليمه الجامعي في الجامعة الأميركية في بيروت إلى أن وصل لمكان لم يعد يستطيع أن يدفع قسطه بعد أن خسر المنحة التي كان يحصل عليها، من دون مقدمات أو عذر. حاول أن يُغير الجامعة لكنه لم ينجح. المال غير متوفر والتعلّم والبقاء في المحل بدوام كامل لا ينفع. ترك الجامعة وتفرغ لوالده ولسيارات الناس. 

حين فتح عينيه على مشهد الدمار من حوله، استدرك سريعاً أنه مُصاب ولكن باستطاعته الحركة. رضوض وجروح في الرأس وأسفل العين لكنها محمولة. ركض إلى المحل الذي تعمل فيه العائلة وتسترزق وتعتاش منه عائلة أبو جهاد، والد محمد. الوالد بخير، شقيقه الكبير جهاد بخير، شقيقه الآخر أحمد مُصاب في ساقه لكنه لا يزال على قيد الحياة. ركب محمد سيارته وخرج من المنطقة مسرعاً إلى الجميزة. 

في الجميزة كانت صديقته، الأقرب إليه من كل الناس، روان مستو، تعمل هناك. وهو يتكلم عنها يجد صعوبة في أن تخرج منه الكلمات. كانت روان الصديقة التي يركن إليها محمد في كُل شيء، كانت بالنسبة له أكثر من أخت، عائلة ثانية علاقته بها لا تتزحزح مهما حصل. بحث محمد لمدة ثلاثة أيام عن روان. لم يجدها لا فوق الركام ولا تحته. لم يسمع عنها أي شيء إلى أن وجدها في براد مُستشفى قريب من المنطقة. ألقى عليها نظرة أخيرة، ودعها ورحل. إلى الآن لم يتصل بأهلها، لم يحضر جنازتها. بقيت صورتها في براد المستشفى في رأسه، تُذكره بأن من مات فلن يحيا، وما مات فيه، لن يحيا. 

خسر محمد صديقته. معها، خسر أصدقاء كُثر، ثلاثة منهم ماتوا في منزلهم في الجعيتاوي، فيما آخرون اختفوا. من بعد الانفجار انقطع التواصل معهم. يقول: "لا سبيل للوصول إليهم. أعتقد أنهم بعد كُل ما حصل قرروا أن يرحلوا من دون أن يسألوا عن أحد. لا أعلم. أنا أصلاً لست مُستغرباً، فأنا لا أسأل عن أحد ولو استطعت الرحيل وأترك كُل شيء خلفي لفعلتها الآن في هذه اللحظة. لا شيء يُبقيني هنا. أساساً فكرة أنني لا أزال أحيا في هذا البلد وأعمل بالقرب من المرفأ، بحد ذاتها تُخيفني وتجعلني أشعر بالحزن. الحزن أكبر بكثير من قدرتي على تخطيه أو التعايش معه". 

زار محمد ووالده أكثر من جمعية بغرض المساعدة. تكفل برنامج الأمم المتحدة الإنمائي بترميم المحل، من ثم أتوه ببعض الآلات التي خسرها جراء الانفجار. كذلك فعلت جمعية رينيه معوض. ماذا عن السلطة؟ أتى الجيش اللبناني وكشف على الأضرار. أعطاهم 700 ألف ليرة، والتعويض ينتظر. يسأل أبو جهاد متى سيحصل عليه أسوة بغيره، يقولون له إن التعويضات للمحلات ستأتي لاحقاً. محمد يقول إنها "لن تأتي، وإذا أتت فهي لن تُغير أي شيء. أصبحت فُتاتا. الخسارة لن تُعوّض". 

بعد الانفجار بفترة قصيرة، زار محمد معالجاً نفسياً على مدى ثلاثة أشهر، ثُم توقف. لم يشعر أنه يتحسن، والحياة صارت صعبة. الأولوية للعمل كي يستطيع أن يقف على قدميه مع والده وأخوته. مؤسسة العائلة بحاجة لكُل العائلة. يقول: "ماذا سيفيدني المعالج النفسي؟ أنا أعيش 4 أغسطس كُل يوم ولا أعتقد أن أي علاج سيشفيني مما أشعر به. فضلت أن أنعزل في العمل على أي شيء آخر". 

قبل التاريخ المشؤوم، كان محمد يستغرب من الناس التي تريد الرحيل. فالبلد جميل بناسه وطبيعته وأماكنه. اليوم، يمضي أيامه وهو يبحث عن سبيل للخروج، لا تُساعده هويته ولا أوضاع العالم بأسره بسبب جائحة كورونا. هو فكر مراراً بالهروب عبر البحر. لم يفعلها، هو خائف. بعد الانفجار صار غير قادر على أن يُخاطر بركوب قوارب الموت. هو ينتظر على أمل أن يحصل على منحة أو على تأشيرة إلى أي مكان، فلا فرق بالنسبة إليه. المهم أن يرحل. 

حين اندلعت احتجاجات 17 أكتوبر 2019، أمضى محمد 4 أشهر في الشارع، قبل أن يستسلم. يقول: "لن يتغير أي شيء. هم أقوياء وإذا كان لا بد من مواجهة يجب أن نكون فاسدين مثلهم. نحن لسنا كذلك. سرقونا ونحن لا نستطيع أن نفعل أي شيء". "ماذا عن العدالة؟" يضحك كثيراً. يستغرب السؤال، "في هذا الجزء من العالم العدالة مستحيلة. ببساطة لا أنتظر شيئاً". 

ينتهي أبو جهاد، الوالد، من تصليح سيارة ويجلس إلى جانب ابنه يسأله عن شقيقه أحمد المُصاب الذي كان في زيارة جديدة لطبيب جديد من دون جديد. آلام ساق أحمد لا تنتهي وبحثه والعائلة عن علاج مُستمر من دون جدوى. يتحدث الوالد وهموم الدنيا فوق رأسه، وُكل ما يريده قوت يومه. "يا ابني لا أحد يموت من الجوع، لكن العيش بهذا الذل صار ثقيلاً. ولكن بالرغم من كل شيء علينا العمل فالحياة عليها أن تستمر وعلينا أن نحيا ونواجه ونبقى. لا خيار أمامنا". 

عزيمة الوالد المُرهق لم تؤثر بمحمد. أمس كان يغطس واصطاد أسماك وباعها بـ180 ألف ليرة، لم يبٍق منها إلا 10 آلاف ولا يعرف كيف تبخروا. يبتسم محمد دائماً من دون فرح. ابتسامة غريبة فيها ما يوحي بأنه في مكان آخر. أبعد من أن يكون مخدراً أو مستسلماً. يريد الرحيل ولكنه مُكبل. يريد الحياة لكنه لا يخرج من المنزل. يُريد أن ينسى ولكن الذاكرة أقوى من أن تخونه. كُل ما يبحث عنه موجود، ولكن "ليس في لبنان"، يقول قبل أن يمضي إلى عزلته. 

تصدع صورة حزب الله
تصدع صورة حزب الله

تصدّعت الصورة التي سعى حزب الله طويلاً إلى ترسيخها بوصفه تنظيماً قوياً، منضبطاً، عصياً على الاختراق، وذلك عقب حربه الأخيرة مع إسرائيل وسلسلة الاغتيالات التي طالت صفوفه القيادية، ولا تزال تستهدف كوادره، وسط عجزه عن الرد.

فـ"الهالة" التي أحاط بها الحزب نفسه بدأت بالتشقّق منذ قراره فتح جبهة جنوب لبنان تحت مسمى "إسناد غزة"، إذ بدا حينها واثقاً من قدرته على التحكم بقواعد الاشتباك وحصر المواجهة ضمن نطاق محسوب. غير أن توسّع العمليات، والخسائر الكبيرة التي تكبّدها، وصولاً إلى قبوله اتفاق وقف إطلاق نار وصفه كثيرون بأنه أقرب إلى "الاستسلام"، ساهمت جميعها في قلب المعادلة.

بعد هذه الحرب، تحوّل "الردع" لدى حزب الله إلى مجرّد شعار، وباتت مكانته السياسية والعسكرية والمعنوية موضع شكّ، حتى في أوساطه الشعبية. وازدادت الدعوات، داخلياً وخارجياً، إلى نزع سلاحه، استناداً إلى القرارات الدولية، وإلى ضرورة استعادة الدولة اللبنانية لقرارها السيادي.

فمع كل عملية اغتيال أو غارة إسرائيلية تستهدف موقعاً أو ترسانة عسكرية، تتصاعد الأسئلة: أي جدوى بعد اليوم من استمرار امتلاك السلاح؟ أسئلة كانت تهمس همساً في السابق، لكنها تطرح اليوم علناً.

صورة وهمية؟

على مدى العقدين الماضيين، "بنى حزب الله هالة القوة العسكرية والأمنية القادرة على مواجهة إسرائيل، منذ انسحابها من جنوب لبنان عام 2000، واستثمر نتائج حرب يوليو 2006، لترسيخ صورة التنظيم الذي لم يُهزم، بل القادر على إلحاق الأذى بالجيش الإسرائيلي"، بحسب ما يوضح رئيس تحرير موقع "جنوبية"، الصحفي علي الأمين.

ويضيف الأمين في حديث لموقع "الحرة" أن الحزب لم يكتف بهذا الرصيد، "بل وسّع نفوذه في الداخل اللبناني، مقدماً نفسه على أنه الطرف القادر على فرض السياسات ومواجهة خصومه السياسيين، بوصفه القوة العسكرية والأمنية الأقوى في البلاد".

ويشير إلى أن هذه الصورة تعززت في وعي مناصري الحزب، وحتى بعض خصومه، لا سيما مع اندلاع الثورة السورية، "حيث لعب الحزب دوراً محورياً في دعم نظام الأسد ومنع سقوطه. كما أن دعمه للحوثيين في اليمن، وتدريبه للفصائل المسلحة في العراق، ساهم في ترسيخ صورة "القوة التي لا تُقهر".

لكن الأمين يلفت إلى أن هذا المشهد لم يُبْنَ فقط على وقائع عسكرية، بل تعزّز بعوامل إضافية، أبرزها "التدفق المالي المستمر من طهران، والمراعاة الدولية النسبية التي تظهر أي رفض لتمدد الحزب في الاقليم، مقابل تراجع مؤسسات الدولة اللبنانية وانكفائها لصالح نفوذ الحزب".

من جهته، يرى الخبير الاستراتيجي العميد المتقاعد ناجي ملاعب أن "التهديد الحقيقي في الحسابات الإسرائيلية لم يكن في غزة، بل في المحور الإقليمي الممتد من لبنان إلى إيران، مروراً بسوريا والعراق، حيث يتصدر حزب الله المشهد بوصفه "الخطر الاستراتيجي الأكبر، نظراً لامتلاكه ترسانة من أكثر من مئة ألف صاروخ، وقوة بشرية مدرّبة بعشرات الآلاف، واستعداده الدائم لأي مواجهة. هذا التهديد لم يكن مجرد دعاية إعلامية، بل جزء من استراتيجية ردع مدروسة".

ويضيف ملاعب في حديث لموقع "الحرة" أن "إسرائيل كثّفت في السنوات الأخيرة من جهودها في تتبّع حزب الله، سواء عبر الوسائل البشرية أو التكنولوجية. ولم تغفل عن استثمار التطور التكنولوجي في هذا المجال، وقد أسهم تعاونها مع شركات تكنولوجية كبرى، وما توفره من بيانات رقمية ضخمة، في تعزيز قدراتها الاستخبارية لرصد وتتبع نشاطات الحزب. كما كثّفت من ضرباتها الجوية في سوريا، مستهدفة شحنات أسلحة مخصصة له".

تهشّم وعجز

"ساهمت نتائج الحرب الأخيرة وما خلّفته من خسائر فادحة على حزب الله وبيئته ولبنان عموماً، في تآكل الصورة التي عمل الحزب طويلاً على ترسيخها في الوعي العام"، بحسب ما يرى الأمين "إذ أظهرت العمليات الإسرائيلية قدرة غير مسبوقة على اختراق ما كان يُعتبر قلعة أمنية محصّنة، وتمكّنت من تصفية معظم قيادات الحزب الميدانية، وصولاً إلى اغتيال أمينه العام حسن نصر الله، وقبول الحزب باتفاق وقف إطلاق نار مذل للبنان".

ويضيف الأمين أن هذا التحوّل لم يقتصر على الخسائر الميدانية، بل تفاقم مع العجز المتواصل للحزب عن الردّ على سلسلة الاغتيالات التي طالت عناصره وكوادره بعد سريان وقف إطلاق النار.

ويرى أن هذا العجز فرض معادلة جديدة في الداخل اللبناني "لم يعد أحد يطالب حزب الله بالرد العسكري على الاعتداءات الإسرائيلية. فصورة العجز باتت راسخة، إلى حد أن أي تحرّك عسكري من الحزب قد يُواجَه أولاً برفض من بيئته نفسها، قبل رفض سائر اللبنانيين، هذا التراجع في صورة الحزب أفقده جزءاً كبيراً من هيبته، وإن كان يحاول تعويض ذلك عبر ترويج قدرته على مواجهة ما يسميه خونة الداخل'".

من جانبه، يرى ملاعب أن "الصورة التي بناها حزب الله لنفسه كقوة عسكرية منضبطة بدأت تتشقق، خصوصاً بعد انخراطه في الحرب السورية، وما رافق ذلك من تسريبات أمنية واختراقات داخلية، كما أن تمدد الحزب في الملفات اللبنانية الداخلية انعكس سلباً على صورته أمام جمهوره، الذي بات يحمّله جزء من تبعات الأزمات والانهيارات المتتالية وصولاً إلى حربه الأخيرة مع إسرائيل التي هشّمت صورته بشكل كبير، فبعد أن تباهى طويلاً بقدرته على كشف الجواسيس في صفوفه، يواجه اليوم ثغرات أمنية غير مسبوقة".

تماه هش؟

"انتقل حزب على المستوى الوطني من قوة مقرِّرة ومهيمنة على مجمل الشؤون السياسية، إلى طرف تتراجع حدود تأثيره تدريجياً، في ظل عودة تدريجية للدور المؤسساتي الدستوري والقانوني والعسكري الرسمي"، وفق ما يقوله الأمين.

أما في ما يخص بيئته الشيعية، فيشير الأمين إلى أن "تراجع صورة الحزب يبقى نسبياً، طالما أنه لا يزال يحتفظ بمقوّمات القوة من مال وسلاح وقدرة على القمع". لكنه يلفت إلى أن هذه السيطرة بدأت تتآكل بدورها، "مع تنامي صرخة النازحين والمتضررين من الحرب، وتراجع الثقة بقدرة الحزب على تأمين شروط العودة إلى القرى، وإعادة الإعمار، وتوفير الأمن والأمان".

من جهته، يسجّل ملاعب نقطة لافتة تتعلّق بعلاقة الحزب مع بيئته، إذ يرى أن "التماهي شبه الكامل بين حزب الله وسكان جنوب لبنان بات هشّاً. فالمواطن الجنوبي غير المنتمي للحزب عاد إلى بلدته بإحساس نسبي بالأمان، بعدما لمس أن الضربات الإسرائيلية تركّز على مواقع محدّدة تابعة للحزب ".

ويضيف ملاعب أن هذا التحوّل في الوعي الشعبي أصبح أكثر وضوحاً، كما ظهر في جولة ميدانية له في الضاحية الجنوبية لبيروت، "حيث بات السكان يفرّقون بوضوح بين مبنى تابع للحزب وبقية المباني في الحيّ الذي يقطنونه". ويعتبر أن هذا المزاج الجديد يعكس إرهاقاً عاماً من الحروب المتكررة، ورغبة متزايدة في حياة أكثر استقراراً وأقل مخاطرة.

يذكر أن الحرس الثوري الإيراني أسّس حزب الله عام 1982، عقب انشقاق مجموعة من حركة "أمل"، ليشكّل نقطة تحول في المشهد السياسي والأمني اللبناني. وسرعان ما عمل الحزب على تعزيز حضوره داخل الطائفة الشيعية، معتمداً على خطاب سياسي تعبوي، خاصة في عهد أمينه العام السابق حسن نصر الله، إلى جانب الدعم المالي والعسكري المباشر من إيران.

هذا الدعم مكّن حزب الله من ترسيخ نفوذه داخل مؤسسات الدولة اللبنانية، وتعميق الانقسام السياسي والطائفي، وصولاً إلى السيطرة على قرار الحرب والسلم. وقد أدّى ذلك إلى توريط لبنان في صراعات إقليمية متشابكة، خلّفت تداعيات أمنية وسياسية خطيرة على البلاد.

وعلى مدى سنوات، لم يتوانَ حزب الله عن الترويج لقدراته العسكرية، متحدثاً عن استعداده لاجتياح الجليل، واستهداف حيفا وما بعدها، في إطار معادلة ردع رسمها لنفسه. لكن الحرب الأخيرة كشفت حدود هذه المزاعم، وأظهرت عجز الحزب عن تنفيذ تهديداته.

فقد تمكّنت القوات الإسرائيلية من التوغل في الجنوب اللبناني وصولاً إلى نهر الليطاني، وانتهت المواجهة بتوقيع اتفاق وُصف من قبل مراقبين بأنه "مُذل"، فيما لا تزال القوات الإسرائيلية تحتفظ بوجودها في خمس نقاط داخل الأراضي اللبنانية.

القرار في طهران

رغم التصدعات التي أصابت صورة حزب الله، يرى ملاعب أن "العقيدة التنظيمية للحزب لا تزال متماسكة، إذ لا يزال عدد كبير من مقاتليه يلتزمون بقيادة مركزية صلبة". لكنه يلفت إلى أن قرار إشعال الجبهة اللبنانية "لا يُتخذ في بيروت، بل في طهران".

فإيران، بحسب ملاعب، "استثمرت في حزب الله كأداة استراتيجية للضغط الإقليمي والدولي، وتستخدمه كورقة تفاوض مع الغرب، لا سيما في سياق المحادثات المرتبطة بالملف النووي والعقوبات الاقتصادية، ومن هذا المنظور، فإن موافقة الحزب مؤخراً على وقف إطلاق النار لا يمكن فصلها عن الحسابات الإيرانية الأوسع، التي تهدف إلى تحقيق مكاسب على طاولة المفاوضات".

وعن مدى نجاح إسرائيل في تدمير ترسانة الحزب، يؤكد ملاعب أن "إسرائيل ألحقت ضرراً بالغاً بالبنية التحتية العسكرية لحزب الله، لكنها لم تنجح في تدمير أصوله الحيوية، كشبكات الأنفاق ومنظومات الصواريخ الدقيقة". ويضيف أن "الأسلحة الاستراتيجية، بما فيها الصواريخ بعيدة المدى، لا تزال خارج المعركة، لأنها تخضع لسيطرة القرار الإيراني المباشر".

من جانبه، يرى الأمين أن "المنطقة، وليس لبنان وحده، تمرّ اليوم بمرحلة تحوّل بنيوي عميق، ينعكس بشكل مباشر على علاقة حزب الله بمحيطه، وخصوصاً بجمهوره".

ويشير الأمين إلى أن الحزب "لم يعد يُنظر إليه كقوة قادرة على توفير الحماية والأمان، وتراجعت الثقة بإمكانية استعادته لهذا الدور في المستقبل، خاصة بعد تهاوي وهم ردع إسرائيل، وسقوط النظام السوري، الذي شكّل ضربة قاصمة لحزب الله، أطاحت بمقومات استعادته لنفوذه وقدراته الأمنية والعسكرية".