المتظاهرون طالبوا برفع الحصانة عن بعض المسؤولين في تحقيقات انفجار المرفأ
المتظاهرون طالبوا برفع الحصانة عن بعض المسؤولين في تحقيقات انفجار المرفأ | Source: Alhurra

نزل اللبنانيون في الذكرى الأولى على انفجار المرفأ إلى محيط موقع الجريمة وداخلها. بعضهم كان هادئاً، وبعضهم الآخر تملكه الغضب. يُجمعون على أن مرور عام على "الجريمة" لن يمرّ هكذا، لكنه في المحصلة انتهى بالرغم من كل المواجهات ومحاولات اقتحام مقار يعتبرها المحتجون "وكر الفساد" لا سيما مجلس النواب الذي يرفض أعضاؤه إلى الآن رفع الحصانات عن الأمنيين والسياسيين المتورطين بشكل وبآخر بالتسبب بحصول الانفجار. 

مرّ عام على الجريمة ولا شيء تغيّر، الحقيقة لا تزال غائبة والناس لا تزال غاضبة، والسلطة باقية على حالها. اليوم كان موعد كثيرين مع التعبير عن الأسى والألم الذي تملكهم. اللافت فيه أن مطالب التغيير اختفت أو خفتت عمّا كانت عليه قبل عامين إبان الاحتجاجات ويعود سبب ذلك إلى قناعة لدى اللبنانيين أن أي تغيير لن يحصل طالما السلطة ومن هم في السلطة لم يتغيروا. حتى مطالب الانتخابات النيابية المبكرة تراجعت على ما ظهر من الشعارات التي رُفعت اليوم. 

منذ ساعات الظهر بدأت المسيرات من أكثر من منطقة من بيروت بالانطلاق باتجاه المرفأ ومحيطه. على الطرقات، انتشرت عناصر قوى الأمن المتنوعة، من داخلي إلى عام إلى خاص. والجيش أيضاً حضر. قطعوا بعض الطرقات أمام المحتجين خاصة تلك المحاذية لمبان ومراكز أمنية. على المتحف استنفر عناصر الأمن العام لأن مجموعة من الشباب كتبوا على جدران مبنى المديرية "فلتسقط الحصانات" وألصقوا صور لعباس إبراهيم، المدير المطلوب للتحقيق والرافض الحضور، مثله مثل كل المحصنين أمام الحقيقة. 

مظاهرة أخرى انطلقت من أمام قصر العدل بعد أن وقف المحتجون مع بعض أهالي ضحايا 4 أغسطس مطالبين بالعدالة. كان هناك من حاول أن يمنعهم من عبر الطريق باتجاه وسط بيروت ليشاركوا بالمظاهرة أو الوقفة. من الفوروم أيضاً مسيرة أخرى تتقد إلى المرفأ. كُثر أتوا مباشرة إلى ساحة الشهداء. يقول محمود الآتي من الجنوب: "لماذا تضييع الوقت في احتفاليات لا تُقدم ولا تؤخر. نريد الثأر منهم ولا شيء يرد لنا حقنا سوى الثأر. لهذا لن أشارك في ما يحصل في المرفأ، بل أبدي اعتراضي وغضبي في مكان آخر. أمام معقل الفاسدين والمجرمين، أي مجلس النواب". 

أمام تمثال المغترب المواجه لمسرح الجريمة كان التجمع. الناس تتوافد مع أعلامها. شابان على الطرق من كهرباء لبنان باتجاه المرفأ رفعوا يافطة كتبوا عليها "حصاناتكم" وعلقوا فيها حذاء. امرأة تقف إلى جانب الطريق وهي تتحدث مع نفسها وتقول: "قتلونا ولا زالوا مستمرين"، تبدو كأنها تُخبر من حولها بما تشعر به ولكن في الحقيقة لا أحد كان قريباً ليسمع. كانت تقول ما تُفكر به كحال كُثر على الطريق. يتحدثون بصوت عالٍ مع أنفسهم. يقولون عبارات حول الانتقام والغضب والكراهية، وهم يمشون باتجاهات مختلفة. 

فجأة وسط جموع المحتجين، يطل موكب فوج إطفاء بيروت الذي انطلق من الثكنة في الكرنتينا. آلية زينها زملاء ضحايا الفوج بصور من مات وهو يُحاول أن يُطفئ حريق العنبر رقم 12 قبل أن ينفجر. دموع وألم، لا شيء أكثر من ذلك. شقيق "الشهيد"، جو نون، يمسك بيد شقيقته ووالدته ويمشي أمام الآلية مردداً: "فاسدون ومجرمون. ستسقطون وسننتقم" يلتفت إلى أعلى الجسر، يرفع يديه ويبدأ بالتصفيق. مئات من الذين احتشدوا فوق الجسر وهم يراقبون الناس العابرة إلى الذكرى الأليمة، يُصفقون تكريماً "للشهداء ولأهالي الضحايا". 

يعبر الموكب إلى مدخل المرفأ. هناك انفضت الناس. أعداد كبيرة من عناصر الجيش تُقفل المدخل. يسمحون فقط لأهالي الضحايا بالدخول للمشاركة بالقداس الرمزي. من لم يدخل، توجه مباشرة إلى ساحة الشهداء، ومن ثم إلى محيط مجلس النواب، وبدأ التعبير عن غضبه. في تلك الأثناء، قلّة اهتموا بمتابعة ما يحدث داخل المرفأ وما يتردد من كلمات. أبرز ما حصل كان ترداد أسماء ضحايا الانفجار. وإلى الآن لا إحصاء رسمياً حول عدد الضحايا النهائي. 

ومن المرفأ قال البطريرك بشارة الراعي بعد أن وقف المشاركون دقيقة صمت: "البعض أراد ليوم الرابع من آب (أغسطس) يوم غضب وتظاهرات لكن الكلام الإلهي الذي سمعناه هو الأفعل والأضمن والمعزّي للقلوب الجريحة"، مؤكداً أن "كل الحصانات تسقط أمام دماء الضحايا والشهداء ومن يخاف العدالة يدين نفسه بنفسه ونحن هنا لنعلن الوفاء لبيروت". 

وأضاف: "مطلبنا الحقيقة والعدالة وستبقى الأرض تضطرب في هذه البقعة إلى أن نعرف حقيقة ما جرى في مرفأ بيروت. جئنا نصلّي لبيروت عروس المتوسط ومدينة تلاقي الأديان خاشعين بين الدمار والأطلال نضيء شعلة الرجاء والمستقبل، متوجهاً إلى المسؤولين بالقول: "هبوا فوراً وألفوا حكومة ولكن للأسف لا حياة لمن تنادي ولا كأنّ الشعب يجوع ولا مرفأ انفجر ولا بلد ينهار".

في الطريق باتجاه القداس، كانت عائلة أيمن نور الدين، النقيب في الجيش اللبناني الذي أيضاً ذهب ضحية الانفجار، تتقدم ببطء، بثقل الألم المتراكم منذ أن فقدوا أيمن. أمّه تبكي وتدعو الله للانتقام "من الذي كان السبب بخسارة ابنها". شقيقته، طوت بدلته العسكرية ووضعتها في علبة مع صورته وحملتها إلى المرفأ. مُتعبة من كُل ما عانته في سنة مرّت على فقدانها شقيقها. تقول: "منذ سنة والوجع لا يزال هو هو، بل يزيد. ولن نرتاح قبل أن نعرف الحقيقة. هو يحب الحياة لماذا سيذهب هكذا بسبب فسادهم". 

وبين هذا وذاك، وقع اشتباك عنيف بين مجموعة تابعة للحزب الشيوعي ومجموعة لحزب القوات اللبناني أمام مقر الأخير في الجميزة. هرج مرج بسبب شعار ردده شاب من الشيوعي استهدف فيه جعجع، فكان الرد من القواتيين. معارك استُخدمت فيها "المولوتوف" وانتهت بإصابة ما لا يقل عن 15 شخصاً من الطرفين من بينهم شاب حالته حرجة يُدعى مازن أبو زيد. على الطريق باتجاه مركز القوات يمر شُبان مسرعين. يقولون إنهم "ذاهبون إلى المركز لأن الشيوعيين اقتحموه". لاحقاً في ساعات الليل الأولى، الجيش كان على مدخل المركز، وإلى جانبه شُبان يلبسون الأسود ويحملون العصي في يدهم. يحرسون! 

شعارات كثيرة رفعها المتظاهرون. "فسادكم لن يمرّ"، "ولدي خط أحمر، حصاناتكم لا". امرأة تلبس الأسود وتمشي مع مجموعة صغيرة رفعت يافطة كتبت عليها بخط اليد "فخامتكم، معاليكم، سعادتكم، سيادتكم، المشنقة نهايتكم"، وبالحديث عن المشانق، رفع بعض الشبان مجسم لمشنقة في جانب من زوايا ساحة الشهداء، ووقفوا أمامها وهم يرددون شعارات منددة بالقادة السياسيين، مركزين على الصف الأول من قيادة حزب الله وأمينه العام حسن نصرالله مروراً برئيس مجلس النواب نبيه بري ورئيس الحكومة السابق سعد الحريري، والحصة الأبرز كانت لرئيس الجمهورية ميشال عون وصهره الوزير السابق جبران باسيل. 

وفي الوقت الذي كان فيه الراعي يقول كلمته، وصلت أصداؤها إلى ساحة الشهداء خاصة الجزء الذي انتقد فيه الغضب. الرد أتى بأشكال عدة. تقول رنا الآتية من البقاع: "فليصلي هو لراحة نفس الشهداء ويتركنا نحن نُعبر عن غضبنا. نحن لسنا ضد الصلاة وإن كنا لا نعتبر أنها تؤدي إلى نتيجة ولكن فليبق هو وغيره بعيدين عما نريده نحن. هم أصلاً لا يشعرون بما نعانيه. فليصلوا ويتركونا نصلّي على طريقتنا، وتُشير بيدها إلى الحجارة التي كان ينقلها رفاقها إلى محيط المجلس لرشق الأمن بها في محاولة لاقتحام الساحة". 

أمام المدخل الجنوبي لمجلس النواب، بدأت المعارك مُبكراً. مجموعات بأكملها وصلت مباشرة إلى هناك وبدأت مواجهتها مع الأمن. يقولون إن "هؤلاء يحمون الفاسدين وهم أساساً رواتبهم لا تكفيهم 5 أيام". يصرخون على بعضهم البعض من أجل أن يتجمعوا بعد رميهم بالقنابل المسيلة للدموع من قبل مكافحة الشغب. ينبري أحدهم ليبدأ الهتاف "ثورة، ثورة" فيحتشد حوله العشرات ويعودون للهجوم مجدداً وتلقي الغاز مرة بعد مرة، ومع تقدم المواجهات، يستشرس الأمن في الدفاع عن المدخل البعيد عن مبنى المجلس. يستقدم الجيش حملة البواريد التي يطلقونا من خلالها الرصاص المطاطي. 

استمر الوضع على هذا الحال أكثر من 4 ساعات متواصلة، إلى أن قرر الأمن أن يحوّل محيط مبنى جريدة النهار، أي جنوب ساحة الشهداء، إلى ساحة معركة حقيقية. عشرات القنابل أطلقت دفعة واحدة، تلاها عشرات أخرى، مع تقدم وحدات مكافحة الشغب والجيش باتجاه الساحة والمحتجين ومراقبة حثيثة من حرس المجلس الذين كانوا يزودون الأمن بأماكن تواجد المحتجين، من خلال رجال المخابرات التابعين لهم والمنتشرين في الساحة. 

رجُل مُسن يقف وسط الساحة. يقول: "لماذا يقف الآخرون هنا؟ يجب أن يأتوا معنا لمواجهة عناصر الأمن. تعبنا". مُنهك من الغاز الذي تنشقه ولكنه يأبى أن يذهب، خسر كُل شيء وهو في سن يُقارب السبعين عاماً. لا يقوى إلا على الصراخ: "ارحلوا، لا نريدكم". مثلُه كُثر. 

إلى جانب النهار، تقف ميساء، التي كانت تهرب من الغاز المسيل للدموع. هي تؤمن بأن "لا شيء سيتغير" ولكن على الرغم من ذلك شاركت في هذا النهار. تقول: "أشارك اليوم من أجل الضحايا. من أجل أهلهم الذين عانوا الأمرين ومن أجل العدالة. أما التغيير فهو شيء مُستحيل لا أنتظره، وأدرك تماماً أنه لن يحصل. هذا البلد بتركيبته الطائفية وبنظامه الزبائني لا شيء سيُغيره. المهم أنني اليوم أقف مع ضميري. لا أكثر". 

مئات القنابل أطلقت. المحتجون وهم يحاولون الهرب منها صرخ أحدهم بطريقة فيها الكثير من الغضب: "لديهم المال ليطلقوا علينا الغاز المسيل ولكن ليس لديهم المال لتأمين الحد الأدنى من متطلبات حياتنا". السؤال نفسه وجهه عيد، وهو صاحب مقهى في الجميزة، خرج منه مع مجموعة من أصدقائه حين رأوا قوات مكافحة الشغب وهي عائدة "من معاركها مع المتظاهرين". خرجوا وهم يصفقون لهم من قبيل السخرية. يقول عيد بصوت جهوري متهكم: "برافو، قمتم بواجبكم على أكمل وجه. أبطال أنتم"! 

انتهى اليوم الطويل بإصابات تجاوزت الخمسين. طوي يوم الذكرى وغداً يوم آخر لأهالي الضحايا في معركتهم لتحقيق العدالة، لكن السؤال: هل سيبقى المحتجون معهم أم انتهى اليوم ومعه انتهت المهمة؟

تصدع صورة حزب الله
تصدع صورة حزب الله

تصدّعت الصورة التي سعى حزب الله طويلاً إلى ترسيخها بوصفه تنظيماً قوياً، منضبطاً، عصياً على الاختراق، وذلك عقب حربه الأخيرة مع إسرائيل وسلسلة الاغتيالات التي طالت صفوفه القيادية، ولا تزال تستهدف كوادره، وسط عجزه عن الرد.

فـ"الهالة" التي أحاط بها الحزب نفسه بدأت بالتشقّق منذ قراره فتح جبهة جنوب لبنان تحت مسمى "إسناد غزة"، إذ بدا حينها واثقاً من قدرته على التحكم بقواعد الاشتباك وحصر المواجهة ضمن نطاق محسوب. غير أن توسّع العمليات، والخسائر الكبيرة التي تكبّدها، وصولاً إلى قبوله اتفاق وقف إطلاق نار وصفه كثيرون بأنه أقرب إلى "الاستسلام"، ساهمت جميعها في قلب المعادلة.

بعد هذه الحرب، تحوّل "الردع" لدى حزب الله إلى مجرّد شعار، وباتت مكانته السياسية والعسكرية والمعنوية موضع شكّ، حتى في أوساطه الشعبية. وازدادت الدعوات، داخلياً وخارجياً، إلى نزع سلاحه، استناداً إلى القرارات الدولية، وإلى ضرورة استعادة الدولة اللبنانية لقرارها السيادي.

فمع كل عملية اغتيال أو غارة إسرائيلية تستهدف موقعاً أو ترسانة عسكرية، تتصاعد الأسئلة: أي جدوى بعد اليوم من استمرار امتلاك السلاح؟ أسئلة كانت تهمس همساً في السابق، لكنها تطرح اليوم علناً.

صورة وهمية؟

على مدى العقدين الماضيين، "بنى حزب الله هالة القوة العسكرية والأمنية القادرة على مواجهة إسرائيل، منذ انسحابها من جنوب لبنان عام 2000، واستثمر نتائج حرب يوليو 2006، لترسيخ صورة التنظيم الذي لم يُهزم، بل القادر على إلحاق الأذى بالجيش الإسرائيلي"، بحسب ما يوضح رئيس تحرير موقع "جنوبية"، الصحفي علي الأمين.

ويضيف الأمين في حديث لموقع "الحرة" أن الحزب لم يكتف بهذا الرصيد، "بل وسّع نفوذه في الداخل اللبناني، مقدماً نفسه على أنه الطرف القادر على فرض السياسات ومواجهة خصومه السياسيين، بوصفه القوة العسكرية والأمنية الأقوى في البلاد".

ويشير إلى أن هذه الصورة تعززت في وعي مناصري الحزب، وحتى بعض خصومه، لا سيما مع اندلاع الثورة السورية، "حيث لعب الحزب دوراً محورياً في دعم نظام الأسد ومنع سقوطه. كما أن دعمه للحوثيين في اليمن، وتدريبه للفصائل المسلحة في العراق، ساهم في ترسيخ صورة "القوة التي لا تُقهر".

لكن الأمين يلفت إلى أن هذا المشهد لم يُبْنَ فقط على وقائع عسكرية، بل تعزّز بعوامل إضافية، أبرزها "التدفق المالي المستمر من طهران، والمراعاة الدولية النسبية التي تظهر أي رفض لتمدد الحزب في الاقليم، مقابل تراجع مؤسسات الدولة اللبنانية وانكفائها لصالح نفوذ الحزب".

من جهته، يرى الخبير الاستراتيجي العميد المتقاعد ناجي ملاعب أن "التهديد الحقيقي في الحسابات الإسرائيلية لم يكن في غزة، بل في المحور الإقليمي الممتد من لبنان إلى إيران، مروراً بسوريا والعراق، حيث يتصدر حزب الله المشهد بوصفه "الخطر الاستراتيجي الأكبر، نظراً لامتلاكه ترسانة من أكثر من مئة ألف صاروخ، وقوة بشرية مدرّبة بعشرات الآلاف، واستعداده الدائم لأي مواجهة. هذا التهديد لم يكن مجرد دعاية إعلامية، بل جزء من استراتيجية ردع مدروسة".

ويضيف ملاعب في حديث لموقع "الحرة" أن "إسرائيل كثّفت في السنوات الأخيرة من جهودها في تتبّع حزب الله، سواء عبر الوسائل البشرية أو التكنولوجية. ولم تغفل عن استثمار التطور التكنولوجي في هذا المجال، وقد أسهم تعاونها مع شركات تكنولوجية كبرى، وما توفره من بيانات رقمية ضخمة، في تعزيز قدراتها الاستخبارية لرصد وتتبع نشاطات الحزب. كما كثّفت من ضرباتها الجوية في سوريا، مستهدفة شحنات أسلحة مخصصة له".

تهشّم وعجز

"ساهمت نتائج الحرب الأخيرة وما خلّفته من خسائر فادحة على حزب الله وبيئته ولبنان عموماً، في تآكل الصورة التي عمل الحزب طويلاً على ترسيخها في الوعي العام"، بحسب ما يرى الأمين "إذ أظهرت العمليات الإسرائيلية قدرة غير مسبوقة على اختراق ما كان يُعتبر قلعة أمنية محصّنة، وتمكّنت من تصفية معظم قيادات الحزب الميدانية، وصولاً إلى اغتيال أمينه العام حسن نصر الله، وقبول الحزب باتفاق وقف إطلاق نار مذل للبنان".

ويضيف الأمين أن هذا التحوّل لم يقتصر على الخسائر الميدانية، بل تفاقم مع العجز المتواصل للحزب عن الردّ على سلسلة الاغتيالات التي طالت عناصره وكوادره بعد سريان وقف إطلاق النار.

ويرى أن هذا العجز فرض معادلة جديدة في الداخل اللبناني "لم يعد أحد يطالب حزب الله بالرد العسكري على الاعتداءات الإسرائيلية. فصورة العجز باتت راسخة، إلى حد أن أي تحرّك عسكري من الحزب قد يُواجَه أولاً برفض من بيئته نفسها، قبل رفض سائر اللبنانيين، هذا التراجع في صورة الحزب أفقده جزءاً كبيراً من هيبته، وإن كان يحاول تعويض ذلك عبر ترويج قدرته على مواجهة ما يسميه خونة الداخل'".

من جانبه، يرى ملاعب أن "الصورة التي بناها حزب الله لنفسه كقوة عسكرية منضبطة بدأت تتشقق، خصوصاً بعد انخراطه في الحرب السورية، وما رافق ذلك من تسريبات أمنية واختراقات داخلية، كما أن تمدد الحزب في الملفات اللبنانية الداخلية انعكس سلباً على صورته أمام جمهوره، الذي بات يحمّله جزء من تبعات الأزمات والانهيارات المتتالية وصولاً إلى حربه الأخيرة مع إسرائيل التي هشّمت صورته بشكل كبير، فبعد أن تباهى طويلاً بقدرته على كشف الجواسيس في صفوفه، يواجه اليوم ثغرات أمنية غير مسبوقة".

تماه هش؟

"انتقل حزب على المستوى الوطني من قوة مقرِّرة ومهيمنة على مجمل الشؤون السياسية، إلى طرف تتراجع حدود تأثيره تدريجياً، في ظل عودة تدريجية للدور المؤسساتي الدستوري والقانوني والعسكري الرسمي"، وفق ما يقوله الأمين.

أما في ما يخص بيئته الشيعية، فيشير الأمين إلى أن "تراجع صورة الحزب يبقى نسبياً، طالما أنه لا يزال يحتفظ بمقوّمات القوة من مال وسلاح وقدرة على القمع". لكنه يلفت إلى أن هذه السيطرة بدأت تتآكل بدورها، "مع تنامي صرخة النازحين والمتضررين من الحرب، وتراجع الثقة بقدرة الحزب على تأمين شروط العودة إلى القرى، وإعادة الإعمار، وتوفير الأمن والأمان".

من جهته، يسجّل ملاعب نقطة لافتة تتعلّق بعلاقة الحزب مع بيئته، إذ يرى أن "التماهي شبه الكامل بين حزب الله وسكان جنوب لبنان بات هشّاً. فالمواطن الجنوبي غير المنتمي للحزب عاد إلى بلدته بإحساس نسبي بالأمان، بعدما لمس أن الضربات الإسرائيلية تركّز على مواقع محدّدة تابعة للحزب ".

ويضيف ملاعب أن هذا التحوّل في الوعي الشعبي أصبح أكثر وضوحاً، كما ظهر في جولة ميدانية له في الضاحية الجنوبية لبيروت، "حيث بات السكان يفرّقون بوضوح بين مبنى تابع للحزب وبقية المباني في الحيّ الذي يقطنونه". ويعتبر أن هذا المزاج الجديد يعكس إرهاقاً عاماً من الحروب المتكررة، ورغبة متزايدة في حياة أكثر استقراراً وأقل مخاطرة.

يذكر أن الحرس الثوري الإيراني أسّس حزب الله عام 1982، عقب انشقاق مجموعة من حركة "أمل"، ليشكّل نقطة تحول في المشهد السياسي والأمني اللبناني. وسرعان ما عمل الحزب على تعزيز حضوره داخل الطائفة الشيعية، معتمداً على خطاب سياسي تعبوي، خاصة في عهد أمينه العام السابق حسن نصر الله، إلى جانب الدعم المالي والعسكري المباشر من إيران.

هذا الدعم مكّن حزب الله من ترسيخ نفوذه داخل مؤسسات الدولة اللبنانية، وتعميق الانقسام السياسي والطائفي، وصولاً إلى السيطرة على قرار الحرب والسلم. وقد أدّى ذلك إلى توريط لبنان في صراعات إقليمية متشابكة، خلّفت تداعيات أمنية وسياسية خطيرة على البلاد.

وعلى مدى سنوات، لم يتوانَ حزب الله عن الترويج لقدراته العسكرية، متحدثاً عن استعداده لاجتياح الجليل، واستهداف حيفا وما بعدها، في إطار معادلة ردع رسمها لنفسه. لكن الحرب الأخيرة كشفت حدود هذه المزاعم، وأظهرت عجز الحزب عن تنفيذ تهديداته.

فقد تمكّنت القوات الإسرائيلية من التوغل في الجنوب اللبناني وصولاً إلى نهر الليطاني، وانتهت المواجهة بتوقيع اتفاق وُصف من قبل مراقبين بأنه "مُذل"، فيما لا تزال القوات الإسرائيلية تحتفظ بوجودها في خمس نقاط داخل الأراضي اللبنانية.

القرار في طهران

رغم التصدعات التي أصابت صورة حزب الله، يرى ملاعب أن "العقيدة التنظيمية للحزب لا تزال متماسكة، إذ لا يزال عدد كبير من مقاتليه يلتزمون بقيادة مركزية صلبة". لكنه يلفت إلى أن قرار إشعال الجبهة اللبنانية "لا يُتخذ في بيروت، بل في طهران".

فإيران، بحسب ملاعب، "استثمرت في حزب الله كأداة استراتيجية للضغط الإقليمي والدولي، وتستخدمه كورقة تفاوض مع الغرب، لا سيما في سياق المحادثات المرتبطة بالملف النووي والعقوبات الاقتصادية، ومن هذا المنظور، فإن موافقة الحزب مؤخراً على وقف إطلاق النار لا يمكن فصلها عن الحسابات الإيرانية الأوسع، التي تهدف إلى تحقيق مكاسب على طاولة المفاوضات".

وعن مدى نجاح إسرائيل في تدمير ترسانة الحزب، يؤكد ملاعب أن "إسرائيل ألحقت ضرراً بالغاً بالبنية التحتية العسكرية لحزب الله، لكنها لم تنجح في تدمير أصوله الحيوية، كشبكات الأنفاق ومنظومات الصواريخ الدقيقة". ويضيف أن "الأسلحة الاستراتيجية، بما فيها الصواريخ بعيدة المدى، لا تزال خارج المعركة، لأنها تخضع لسيطرة القرار الإيراني المباشر".

من جانبه، يرى الأمين أن "المنطقة، وليس لبنان وحده، تمرّ اليوم بمرحلة تحوّل بنيوي عميق، ينعكس بشكل مباشر على علاقة حزب الله بمحيطه، وخصوصاً بجمهوره".

ويشير الأمين إلى أن الحزب "لم يعد يُنظر إليه كقوة قادرة على توفير الحماية والأمان، وتراجعت الثقة بإمكانية استعادته لهذا الدور في المستقبل، خاصة بعد تهاوي وهم ردع إسرائيل، وسقوط النظام السوري، الذي شكّل ضربة قاصمة لحزب الله، أطاحت بمقومات استعادته لنفوذه وقدراته الأمنية والعسكرية".