جنود بالجيش اللبناني يفتشون شاحنة تحمل صواريخ
جنود بالجيش اللبناني يفتشون شاحنة تحمل صواريخ

بعد إطلاق صواريخ من لبنان، صباح الجمعة، باتجاه إسرائيل، انتظر اللبنانيون رد الفعل الإسرائيلي، وتطورات أخرى يمكن أن تحدث، لا سيما أن القصف تكرر خلال اليومين الماضيين، لكن المفاجأة كانت أن تلك الصواريخ كادت تتسبب بأزمة بين اللبنانيين أنفسهم.

فقد انتشر فيديو لأهالي قرية شويّا، في قضاء حاصبيا، جنوبي لبنان، وهي منطقة يغلب عليها النسيج الدرزي، بينما يعترضون شاحنة محملة براجمات صواريخ، هي ذاتها التي أطلقت رشقاً صاروخياً باتجاه إسرائيل، بينما كان حزب الله اللبناني يُعلن مسؤوليته عن هذه العملية في بيان، واعتبرها رداً على القصف الذي استهدف منطقة الدمشقية، جنوبي لبنان، ليل الأربعاء-الخميس.

وتدخل الجيش اللبناني وعدد من أهالي القرية لتهدئة الوضع، وبعد فترة من احتجاز الشاحنة وسائقها ومرافقيه، وعددهم أربعة، تحركت عناصر من الجيش  ومخابراته، وعملت على التحفظ على الشاحنة، وكذلك الُشبان، في ظل اعتراض بعض أهالي المنطقة، فيما حاول بعضهم إنهاء المشكلة سريعاً، ومساعدة الجيش على سحب الآلية وترك المحتجزين، وهو ما حدث بالفعل.

وبعدما أصدر حزب الله بيانه الخاص بتبني عملية إطلاق الصواريخ، عاد فقال في بيان لاحق: "لدى عودة المقاومين من عملهم، وأثناء مرورهم بمنطقة شويا في قضاء حاصبيا، أقدم عدد من المواطنين على اعتراضهم، بعدما قاموا عند الساعة 11:15 من ظهر اليوم الجمعة بالردّ على الاعتداءات الصهيونية على لبنان باستهداف محيط مواقع العدو الإسرائيلي في مزارع شبعا بصليات صاروخية من مناطق حرجية بعيدة تماماً عن المناطق السكنية، حفاظاً على أمن المواطنين".

واعتبر "حزب الله"، في بيانه، أن "المقاومة الإسلامية، كانت ولا تزال وستبقى، من أحرص الناس على أهلها وعدم تعريضهم لأيّ أذى خلال عملها المقاوم، وهي التي تدفع الدماء الزكية من شبابها لتحافظ على أمن لبنان ومواطنيه".

وكان أكثر من فيديو انتشر على مواقع التواصل الاجتماعي، تضمن انتقادات لأهالي البلدة بشأن إطلاق الصواريخ من بلدتهم وتعريضهم لخطر الرد الإسرائيلي.

وتقوم إسرائيل عادة باستهداف المكان الذي انطلقت منه الصواريخ بالمدفعية الثقيلة، وهو ما حدث اليوم، لكن الرد لم يطل البلدة التي احُتجزت فيها الشاحنة.

وعلم موقع "الحرة" أن تدخلات سياسية حصلت، لاسيما من قبل الحزب الديمقراطي اللبناني الفاعل في المنطقة والحزب الاشتراكي وقيادة حزب الله، لتطويق الأزمة، وهو ما أفضى، في بادئ الأمر، إلى تسليم الشاحنة والمحتجزين للجيش اللبناني.

وعلّق رئيس الحزب الديمقراطي طلال أرسلان على أحداث شويا في تغريدة على حسابه عبر "تويتر"، قائلا: "الحملات التي يطلقها البعض ضد ما جرى في بلدة شويّا وردود الفعل الحاصلة، إن كان على الأرض أو على مواقع التواصل، لا تخدم مصلحة أحد على الإطلاق".

وأضاف: "المطلوب التكاتف والكفّ عن التحريض والاستفزاز لمواجهة الجيش الإسرائيلي (..)".

وقال القيادي في الحزب الديمقراطي اللبناني، جاد حيدر، لموقع "الحرة": "موقفنا معروف وثابت ونعتبر رد المقاومة أمراً طبيعياً بعد العدوان الذي حصل. وما حصل في بلدة شويا هو رد فعل طبيعي ولا يجوز أن يُبنى عليها لتضخيمها لأغراض لا تخدم المصلحة الوطنية".

وأضاف: "الدروز موقفهم معروف ولا يقبلون بأي عدوان يستهدف لبنان وما حصل هو حادث عابر فقط لا غير، وناسنا في القرية تدخلوا وفضوا الإشكال وانتهى الأمر".

وكشف أن حزبه سيقوم بزيارة رسمية للمنطقة غدا السبت، وقد يكون رئيسه النائب طلال إرسلان من يقوم بهذه الزيارة للتأكيد بأن شويا والمنطقة موقفها واضح في هذا الإطار.

واكتفى رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط بتغريدة تعليقاً على الحادثة قال فيها: "بعد الذي حدث في الجنوب وفي شويا بالتحديد نتمنى أن نخرج جميعاً من هذا الجو الموتور على التواصل الاجتماعي وأن نحكم العقل ونعتمد الموضعية في التخاطب بعيدا عن التشنج".

وحاول موقع الحرة الاتصال بأكثر من قيادي في "التقدمي" إلا أن الجواب كان واضحاً بأنهم يكتفون بموقف رئيس الحزب من دون زيادة أو نقصان.

وأبدت بلدية شويا والمخاتير وفعاليات البلدة أسفها في بيان، "للحادث غير المقصود الذي حصل في بلدتنا شويا، ونؤكد وحدة الصف وسياسة التعايش التي نؤمن بها، كما ونؤكد انتماءنا الوطني ودعمنا للجيش والمقاومة، ولكن الوضع العام وحالة التوتر التي تسود البلاد والضغط النفسي والمعيشي ينعكس علينا جميعاً داخل قرانا، وكان هذا الأسبوع شهد توتراً وقصفا متبادلا مع العدو وحرائق، لهذا تفاجأ الأهالي وأصبحوا في حالة من الخوف والهلع، ومن المؤكد أن هوية مطلقي الصواريخ لم تكن معروفة والحمد الله أن الأمور انتهت الى هنا".

وقال رئيس بلدية شويا لموقع "الحرة": "مرور الشاحنة في البلدة في ظل ما يحصل أدى إلى هذا التوتر المبرر وحصل لغط ولكن بالنهاية نحن طلاب سلام، والشباب أهلنا وأخوتنا، ولا ينقصنا المشاكل أو الصدام مع أي كان".

وكشف أن اتصالات سريعة تمت لتطويق الحادث من خلال "عقلاء" من الفريقين، مشيراً إلى أن حزب الله تواصل معه وشكره على البيان التوضيحي.

وتحوّل الحادث ليكون الشغل الشاغل بين اللبنانيين، خاصة بعد انتشار الفيديو الذي يُظهر اعتراض أهالي القرية لراجمة الصواريخ، والحديث الذي وُجّهه مُلتقط الفيديو وانتقاده ما جرى بشكل واضح، لتعريضهم للخطر عبر إطلاق راجماته من أماكن سكنية، علماً أن الحزب نفى هذا الأمر.

وسريعاً، بدأت حملة على مواقع التواصل الاجتماعي، فظهر من يرفض ما قام به حزب الله من إطلاق صواريخ من مناطق قريبة من السُكان، ومنهم من اعترض على هذه العملية بوصفها "عملاً إيرانياً".

وفي المقابل، انتشرت صور الشاب الذي التقط الفيديو مع عبارات تحريضية واتهامات بأنه عميل إسرائيلي، انعكست سريعا على أرض الواقع، إذ تحرك شُبان في منطقة صيدا في جنوب لبنان وطالبوا البائعين الدروز في المدينة بالرحيل، رداً على ما حصل في شويّا.

وتدخلت أحزاب من صيدا وقياداتها سريعاً لتطويق ما حصل ومنع تطوره، وقال القيادي في التنظيم الشعبي الناصري عصمت القواص لموقع "الحرة": "اتصل رئيس التنظيم الدكتور أسامة سعد سريعاً بالبائعين واعتذر منهم على ما حصل وطلب منهم العودة لأن صيدا للجميع، ولأننا نعيش في وطن واحد ونبغض التفرقة والانقسام".

وأضاف: "من قام بهذا الأمر المستنكر والغريب عن المدينة مجموعة من الشبان الذين يدعون أنهم ينتمون إلى المقاومة وقد يكونوا في سرايا المقاومة"، مشيراً إلى أنه "لا يجزم إن كان ما قاموا به أمراً مخططاً له أو أنه تصرف فردي".

واعتبر القواص أن "مثل هذه الأمور تحصل لأن الدولة غائبة متلهية بالفساد وبما تبقى من سرقات تمارسها، ولا أحد منهم يتحمل المسؤولية أمام الناس".

ولم تتوقف الأمور عند هذا الحد، ففي تحرك آخر، أوقف شبان في منطقة عاليه، وهي منطقة ذات أغلبية درزية، في جبل لبنان، شاحنات تُقل ركاباً إلى منطقة بعلبك ذات الأغلبية الشيعية وحطموا زجاجها. وضرب السائقين.

وتُعتبر عاليه منطقة نفوذ للحزب الاشتراكي، الذي رفض التعليق على ما حصل واكتفى قيادي به، رفض ذكر اسمه، بالقول لموقع "الحرة" إن "ما حصل رد فعل من قبل بعض الشبان على ما حصل في صيدا، وسارعنا إلى تطويقه ومنع تطوره".

سلاح حزب  الله

"أي يد تمتد إلى سلاحنا هي يد إسرائيلية وسنقطعها".

تبدلت الأمور كثيرا بين أكتوبر 2005، عندما أطلق أمين عام "حزب الله" السابق حسن نصرالله تلك العبارة، وبين أبريل 2025.

ما يقارب عقدين بين هذين التاريخين، انقلبت فيهما الأحوال في جنوب لبنان رأسا على عقب. فـ"حزب الله" تكبّد، نتيجة حربه لإسناد حركة حماس في قطاع غزة، خسائر عسكرية وأمنية فادحة، على رأسها اغتيال نصرالله نفسه، صاحب هذا الكلام عالي النبرة الذي كان موجها للداخل اللبناني.

مع نهاية العام 2024، بدأ نفوذ "حزب الله" ينحدر بسرعة كبيرة مع الخسائر الأمنية الجسيمة التي مُني بها، وخصوصاً بعد سقوط نظام بشار الأسد في سوريا. وخفتت مع هذا الانحدار، تدريجيا نبرة الخطاب التهديدي الموجه إلى الداخل، وما كان "محرما" في السابق النقاش فيه من منظور الحزب المدعوم من إيران، بات اليوم أمرا لا يمكن تجنّبه.

كل المعطيات والمعلومات تشير إلى أن القرار اتخذ بشكل حاسم لسحب سلاح "حزب الله" من جنوب نهر الليطاني في مرحلة أولى، ثم من الأراضي اللبنانية كافة في مراحل لاحقة.

ويمارس الجيش اللبناني، بدعم من رئاسة الجمهورية وبتنسيق مع لجنة مراقبة تطبيق اتفاق وقف إطلاق النار، ضغوطا على "حزب الله" لتسليم سلاحه تماما في منطقة جنوب نهر الليطاني.

وبحسب ما تؤكده الصحفية اللبنانية المتابعة لهذا الملف، جوزيفين ديب، لموقع "الحرة"، فإن "الجيش اللبناني وصل إلى الانتشار بنسبة تسعين في المئة جنوبي نهر الليطاني".

وتشير ديب إلى أن الجيش "عمل على تفكيك مواقع عسكرية تقع على الضفة الشمالية للنهر".

لكن ديب تشير إلى أن الجانب اللبناني يطلب أن تلتزم إسرائيل بالجانب المتعلق بها من الاتفاق وتنسحب من النقاط الخمس التي احتلتها في عمق الأراضي اللبنانية للسماح للجيش بالانتشار الكامل على الحدود الجنوبية.

الرئيس اللبناني جوزف عون بدا حاسما في مقابلة مع قناة "الجزيرة" في التأكيد على أن القرار اتخذ بحصر السلاح بيد الدولة اللبنانية فقط. وكشف عون عن عثور الجيش على أنفاق ومخازن ذخيرة في جنوب الليطاني وشماله أيضاً، واصفا إنجازات الجيش في هذا الإطار بالكبيرة.

عون أكد أيضاً بأن عملية تسليم السلاح تتم ضمن مفاوضات ثنائية بين رئاسة الجمهورية و"حزب الله"، وهو ما رد عليه مسؤول كبير في "حزب الله" في تصريحات لوكالة رويترز بأن الجماعة مستعدة لإجراء محادثات مع الرئيس اللبناني بشأن أسلحتها إذا انسحبت إسرائيل من جنوب لبنان وأوقفت هجماتها.

وفيما تتضارب المعلومات حول عدد المواقع ومخازن السلاح التي صادرها الجيش اللبناني، رد رئيس الجمهورية على تصريحات مصدر مقرب من "حزب الله" لوكالة فرانس برس بأن الحزب تخلى للجيش اللبناني عن نحو 190 من مواقعه العسكرية الـ265 المحددة جنوب الليطاني.

وقال عون إن الرقم الذي أورده المصدر المقرب من الحزب ليس دقيقاً وأن الجيش يمتلك العدد الدقيق والموثق للمراكز التي دخلها و"نظفها" من السلاح.

وفي مقابلة سابقة مع "الحرة" قالت الباحثة في معهد واشنطن حنين غدار إن القرار 1701واضح في نصه على منع تسلح "حزب الله"، وأن الجيش يقوم بتطبيقه، وقد صادر بالفعل عشرات مخازن الأسلحة التابعة للحزب وقام بتدميرها. كما اكدت غدار ان آلية تطبيق القرار تعمل على منع تمويل "حزب الله" وتهريب السلاح اليه براً وبحراً وجواً.

لكن بحسب صحيفة "جيروزاليم بوست"، فإن إيران لا تزال تحاول تهريب السلاح عبر مرفأ بيروت، ونقلت الصحيفة عن مصدر استخباراتي غربي أن طهران قامت بعدة محاولات لتهريب أسلحة من إيران إلى "حزب الله" بحرًا عبر ميناء بيروت.

وأشارت الصحيفة إلى أن إيران تحاول عبر البحر بعد ان واجهت صعوبة كبيرة في تهريب الأسلحة الى "حزب الله" عبر طرقها البرية بعد سقوط نظام بشار الأسد.

كما أن مطار رفيق الحريري الدولي في بيروت، بحسب الصحيفة، "لم يعد يستقبل رحلات شحن متكررة من إيران، مما يزيد من أهمية الطريق البحري لمحاولات التهريب".

وفي وقت تحاول فيه إيران لملمة أوراقها المبعثرة في المنطقة لاستخدامها على طاولة المفاوضات مع الولايات المتحدة، تعمل أجهزة استخبارات غربية على تقويض هذه المحاولات وإحباطها.

ونشرت صحيفة "لوفيغارو" الفرنسية تقريراً تناول عملية أمنية شاركت فيها أجهزة استخبارات وشرطة من فرنسا وإسبانيا وألمانيا والمملكة المتحدة، أدت إلى تفكيك شبكة دعم لوجستي تابعة لـ"حزب الله".

واستمرت هذه العملية منذ صيف عام 2024 وحتى أبريل 2025. وكشفت التحقيقات أن الشبكة كانت تعمل على شراء معدات تُستخدم في تصنيع الطائرات المسيّرة، لإرسالها إلى لبنان.