لبنان.. واقع جديد إن تم رفع الدعم
لبنان.. واقع جديد إن تم رفع الدعم

في ظل الأزمة الاقتصادية، وبوادر موجة جديدة لجائحة كورونا، يبدو القطاع العام اللبناني بأسره في موقف عصيب، قد ينتهي بطريقة لم يكن أشد المتشائمين ينتظرها. توقعات مزعجة بدأ يتداولها بالفعل معنيون ومراكز دراسات وبحوث، بينها مرصد الأزمة بالجامعة الأميركية في بيروت، الذي دق ناقوس الخطر في ما يخص القطاعات كافة، وآخرها القطاع التعليمي.

أمس الأربعاء، أصدر مصرف لبنان قراراً يفيد بأنه سيتم تأمين الاعتمادات اللازمة المتعلقة بالمحروقات وفق سعر صرف السوق، فيما لم تتأكد، حتى الآن، إمكانية تطبيق القرار الذي أثار لغطاً كبيرا.

واستدعى رئيس الجمهورية ميشال عون، حاكم مصرف لبنان رياض سلامة، للوقوف على حيثيات القرار، فيما اعتبره رئيس حكومة تصريف الأعمال حسان دياب "مخالفا للقانون"، ليرد عليه سلامة بأنه إذا لم يتم رفع الدعم، فإنه سيضطر إلى استخدام الاحتياطي الإلزامي، الأمر الذي يتطلب إصدار قانون خاص من مجلس النواب.

ووفق ما ذكرت "الدولية للمعلومات"، فإنه مع رفع الدعم، سيرتفع سعر صفيحة البنزين إلى 336 ألف ليرة، والمازوت إلى 278 ألف ليرة، مع حساب سعر صرف الدولار الحالي، أي ما يوازي 20 ألف ليرة مقابل الدولار الواحد.

ويأتي القرار، في حال تطبيقه، ليضع القطاع العام وجزءاً كبيراً م القطاع الخاص أمام واقع مرير مفاده عجز الموظفين، بشتى المجالات، عن مزاولة أعمالهم أو حتى الوصول إلى مقارهم، بسبب التكلفة المرتفعة لوسائل المواصلات.

وتظهر التسعيرة الجديدة، غير الحكومية، أن كُلفة الانتقال داخل بيروت باتت تتجاوز أجر موظف الفئة الثالثة، وتوازي أجر موظف الفئة الثانية، في اليوم الواحد.

لبنان.. ماذا سيحدث إن تم الرفع

وتقول رئيسة المركز التربوي للبحوث والإنماء السابقة، ندى عويجان، لموقع "الحرة": "المشكلة، عدا عن موضوع كورونا والتعليم عن بعد والفشل الكبير بهذا الخصوص، هناك الواقع الاقتصادي، فاليوم لا يُمكن للأستاذ أن يتوجه إلى عمله وسعر صفيحة البنزين بعد رفع الدعم يوازي ثلث دخله، أي أن راتبه لن يكفيه لشراء البنزين لأسبوع، وبالتالي كيف يمكن له مزاولة مهنته؟".

المدارس الرسمية والخاصة ستعاني أيضاً من مشكلة أساسية وهي التدفئة، إذ إن شح المازوت كان عائقاً، واليوم بعد رفع الدفع، أو قرب رفعه، في حال بقي قرار مصرف لبنان نافذاً، فإن قُدرة المدارس الرسمية على شراء مادة المازوت مُستحيلة، بينما ستضطر المدارس الخاصة إلى رفع أقساطها من أجل تأمين المادة، وهذا ما لن يستطيع الأهل تحمل أعبائه.

وفضلاً عن ذلك، تُركز عويجان على الجانب النفسي: "الأستاذ يعد مربيا قبل أي شيء، وبالتالي لا يُمكنه أن يقدم شيئاً للتلاميذ إن كان يأتي إلى المدرسة مُنهكا من الواقع المعيشي، وراتبه لا يكفيه ليعيش ويعيل عائلته، وبالتالي لا يُمكنه متابعة رسالته بأي شكل من الأشكال".

ومنذ أكثر من شهرين، تغلق غالبية الدوائر العامة في لبنان أبوابها بسبب إضراب الموظفين، المُستمر من جراء غلاء المعيشة.

وكانت الحكومة اللبنانية قررت، نتيجة لظروف جائحة كورونا، اعتماد نظام المداورة لتخفيف الاختلاط في الوزارات والمؤسسات العامة، تطبيقاً للتباعد الاجتماعي ولتخفيف انتقال العدوى، ولايزال هذا النظام سائدا اليوم، لكن كورونا لم تعد سببه المباشر، وإنما الأزمة الاقتصادية.

ويقول محمد كركي وهو موظف قطاع خاص: "اليوم، ورغم أن راتبي أفضل نسبياً من موظفي القطاع العام، ولكن بكل بساطة لا يُمكن أن نُكمل بهذه الطريقة. إذا كان رفع الدعم أمراً واقعاً فهذا يعني أن راتبي سيكفي فقط لشراء الوقود للتوجه إلى مقر العمل، ولكن لن يمكنني شراء أي شيء آخر، وبالتالي صار البقاء في المنزل أخف وطأة".

بينما يقول وائل السوقي، وهو موظف في مؤسسة خاصة يقبض راتبه بالدولار: "إذا وصل سعر صفيحة البنزين إلى 300 ألف ليرة أو أكثر فهذا يعني أن راتبي سيكفيني فقط للذهاب إلى العمل، لكن شراء وجبة طعام في المكتب سيُصبح أمرا صعباً، إذ لن تبقى الأسعار على حالها أيضاً في ما يخص الأكل والشرب، وكل الخدمات الأخرى من كهرباء وماء وتنقل وغيرها".

ويضيف: "بمواجهة هذا الواقع سيصبح من المستحيل الاستمرار، ومن الأفضل أن أبقى في المنزل وأبحث عن فرصة عمل خارج لبنان، أستطيع من خلالها الحصول على القليل من الدولارات كي أعيش، وأرسل بعض الأموال لعائلتي..".

وما ينطبق على وائل السوقي يسري على الكثير من الموظفين، إذ يقول زهير (اسم مستعار)، الذي يعمل بمطار بيروت، إن موظفي السوق الحرة، على سبيل المثال، "لا يحضرون إلى العمل بالشكل المعتاد، إذ توقفت الباصات التي كانت تجول عليهم وتؤمن نقلهم من المنازل قبل أيام، بسبب العجز عن تأمين البنزين".

ويضيف: "نعمل الآن بواقع دوامين بدلا من دوام واحد بسبب نقص الموظفين، ولا نستطيع الاعتراض لأن ذلك يعني أننا سنجلس في المنزل من دون عمل، ولا نستطيع تحمل ذلك، خاصة أننا نستند على ما يُمكن أن نجنيه بالدولار من المسافرين القادمين إلى لبنان.. طبعاً نجني القليل لكنه أفضل من أن نبقى في منازلنا".

وبينما تقبع غالبية الموظفين، لا سيما في القطاع العام، في منازلها بسبب عجزها عن التوجه إلى أماكن العمل، يعد ما يحدث، بحسب كثيرين تحدث إليهم موقع "الحرة"، نوعا من إعلان العصيان غير المنظم، بغرض الضغط على السلطات لاتخاذ إجراءات سريعة تحد من التدهور الحاصل، ولإنصاف الموظفين ومساعدتهم على تجاوز المرحلة الصعبة.

وكان وزير المالية العامة، غازي وزني، وقّع كتاباً أرسله إلى رئاسة مجلس الوزراء، للحصول على الموافقة بشأن زيادة بدل النقل للعاملين في القطاع العام، ليصبح 24 ألف ليرة يوميّاً بدلاً من 8 آلاف، إلا أن الكتاب لم يُصبح نافذاً حتى الآن، وبحسب المعلومات التي حصل عليها موقع "الحرة" فإنه لا إقرار لمثل هذا الأمر، على الأقل قبل الانتهاء من البطاقة التموينية.

ويقول مدير عام تعاونية موظفي الدولة، يحيى خميس، لموقع "الحرة": "بقدر ما نتفهم موضوع رفع الدعم كوسيلة وحيدة لوقف أو الحد من التهريب، إلا أن هذا الأمر سيترك انعكاسات كبيرة وخطيرة على الموظفين".

ويضيف: "اليوم سعر صفيحتي بنزين يساوي راتب موظف في القطاع العام، وبالتالي ما يحدث شيء غير منطقي له تبعات كبيرة على هذا القطاع، ونحن كمدراء عامين كنا نجد صعوبة أصلا، قبل رفع الدفع، في التعاطي مع الموظف الذي نتفهم ظروفه، وفي نفس الوقت نسعى لعدم توقف  الإدارات، وبالتالي صار موقفنا صعبا، نحاول أن نبقي على الحد الأدنى من العمل عبر اعتماد المداورة وإنجاز الأولويات، في انتظار أن يصل أصحاب الشأن إلى حلول سريعة، لأنه عدا ذلك نحن في الطريق إلى المجهول".

تصدع صورة حزب الله
تصدع صورة حزب الله

تصدّعت الصورة التي سعى حزب الله طويلاً إلى ترسيخها بوصفه تنظيماً قوياً، منضبطاً، عصياً على الاختراق، وذلك عقب حربه الأخيرة مع إسرائيل وسلسلة الاغتيالات التي طالت صفوفه القيادية، ولا تزال تستهدف كوادره، وسط عجزه عن الرد.

فـ"الهالة" التي أحاط بها الحزب نفسه بدأت بالتشقّق منذ قراره فتح جبهة جنوب لبنان تحت مسمى "إسناد غزة"، إذ بدا حينها واثقاً من قدرته على التحكم بقواعد الاشتباك وحصر المواجهة ضمن نطاق محسوب. غير أن توسّع العمليات، والخسائر الكبيرة التي تكبّدها، وصولاً إلى قبوله اتفاق وقف إطلاق نار وصفه كثيرون بأنه أقرب إلى "الاستسلام"، ساهمت جميعها في قلب المعادلة.

بعد هذه الحرب، تحوّل "الردع" لدى حزب الله إلى مجرّد شعار، وباتت مكانته السياسية والعسكرية والمعنوية موضع شكّ، حتى في أوساطه الشعبية. وازدادت الدعوات، داخلياً وخارجياً، إلى نزع سلاحه، استناداً إلى القرارات الدولية، وإلى ضرورة استعادة الدولة اللبنانية لقرارها السيادي.

فمع كل عملية اغتيال أو غارة إسرائيلية تستهدف موقعاً أو ترسانة عسكرية، تتصاعد الأسئلة: أي جدوى بعد اليوم من استمرار امتلاك السلاح؟ أسئلة كانت تهمس همساً في السابق، لكنها تطرح اليوم علناً.

صورة وهمية؟

على مدى العقدين الماضيين، "بنى حزب الله هالة القوة العسكرية والأمنية القادرة على مواجهة إسرائيل، منذ انسحابها من جنوب لبنان عام 2000، واستثمر نتائج حرب يوليو 2006، لترسيخ صورة التنظيم الذي لم يُهزم، بل القادر على إلحاق الأذى بالجيش الإسرائيلي"، بحسب ما يوضح رئيس تحرير موقع "جنوبية"، الصحفي علي الأمين.

ويضيف الأمين في حديث لموقع "الحرة" أن الحزب لم يكتف بهذا الرصيد، "بل وسّع نفوذه في الداخل اللبناني، مقدماً نفسه على أنه الطرف القادر على فرض السياسات ومواجهة خصومه السياسيين، بوصفه القوة العسكرية والأمنية الأقوى في البلاد".

ويشير إلى أن هذه الصورة تعززت في وعي مناصري الحزب، وحتى بعض خصومه، لا سيما مع اندلاع الثورة السورية، "حيث لعب الحزب دوراً محورياً في دعم نظام الأسد ومنع سقوطه. كما أن دعمه للحوثيين في اليمن، وتدريبه للفصائل المسلحة في العراق، ساهم في ترسيخ صورة "القوة التي لا تُقهر".

لكن الأمين يلفت إلى أن هذا المشهد لم يُبْنَ فقط على وقائع عسكرية، بل تعزّز بعوامل إضافية، أبرزها "التدفق المالي المستمر من طهران، والمراعاة الدولية النسبية التي تظهر أي رفض لتمدد الحزب في الاقليم، مقابل تراجع مؤسسات الدولة اللبنانية وانكفائها لصالح نفوذ الحزب".

من جهته، يرى الخبير الاستراتيجي العميد المتقاعد ناجي ملاعب أن "التهديد الحقيقي في الحسابات الإسرائيلية لم يكن في غزة، بل في المحور الإقليمي الممتد من لبنان إلى إيران، مروراً بسوريا والعراق، حيث يتصدر حزب الله المشهد بوصفه "الخطر الاستراتيجي الأكبر، نظراً لامتلاكه ترسانة من أكثر من مئة ألف صاروخ، وقوة بشرية مدرّبة بعشرات الآلاف، واستعداده الدائم لأي مواجهة. هذا التهديد لم يكن مجرد دعاية إعلامية، بل جزء من استراتيجية ردع مدروسة".

ويضيف ملاعب في حديث لموقع "الحرة" أن "إسرائيل كثّفت في السنوات الأخيرة من جهودها في تتبّع حزب الله، سواء عبر الوسائل البشرية أو التكنولوجية. ولم تغفل عن استثمار التطور التكنولوجي في هذا المجال، وقد أسهم تعاونها مع شركات تكنولوجية كبرى، وما توفره من بيانات رقمية ضخمة، في تعزيز قدراتها الاستخبارية لرصد وتتبع نشاطات الحزب. كما كثّفت من ضرباتها الجوية في سوريا، مستهدفة شحنات أسلحة مخصصة له".

تهشّم وعجز

"ساهمت نتائج الحرب الأخيرة وما خلّفته من خسائر فادحة على حزب الله وبيئته ولبنان عموماً، في تآكل الصورة التي عمل الحزب طويلاً على ترسيخها في الوعي العام"، بحسب ما يرى الأمين "إذ أظهرت العمليات الإسرائيلية قدرة غير مسبوقة على اختراق ما كان يُعتبر قلعة أمنية محصّنة، وتمكّنت من تصفية معظم قيادات الحزب الميدانية، وصولاً إلى اغتيال أمينه العام حسن نصر الله، وقبول الحزب باتفاق وقف إطلاق نار مذل للبنان".

ويضيف الأمين أن هذا التحوّل لم يقتصر على الخسائر الميدانية، بل تفاقم مع العجز المتواصل للحزب عن الردّ على سلسلة الاغتيالات التي طالت عناصره وكوادره بعد سريان وقف إطلاق النار.

ويرى أن هذا العجز فرض معادلة جديدة في الداخل اللبناني "لم يعد أحد يطالب حزب الله بالرد العسكري على الاعتداءات الإسرائيلية. فصورة العجز باتت راسخة، إلى حد أن أي تحرّك عسكري من الحزب قد يُواجَه أولاً برفض من بيئته نفسها، قبل رفض سائر اللبنانيين، هذا التراجع في صورة الحزب أفقده جزءاً كبيراً من هيبته، وإن كان يحاول تعويض ذلك عبر ترويج قدرته على مواجهة ما يسميه خونة الداخل'".

من جانبه، يرى ملاعب أن "الصورة التي بناها حزب الله لنفسه كقوة عسكرية منضبطة بدأت تتشقق، خصوصاً بعد انخراطه في الحرب السورية، وما رافق ذلك من تسريبات أمنية واختراقات داخلية، كما أن تمدد الحزب في الملفات اللبنانية الداخلية انعكس سلباً على صورته أمام جمهوره، الذي بات يحمّله جزء من تبعات الأزمات والانهيارات المتتالية وصولاً إلى حربه الأخيرة مع إسرائيل التي هشّمت صورته بشكل كبير، فبعد أن تباهى طويلاً بقدرته على كشف الجواسيس في صفوفه، يواجه اليوم ثغرات أمنية غير مسبوقة".

تماه هش؟

"انتقل حزب على المستوى الوطني من قوة مقرِّرة ومهيمنة على مجمل الشؤون السياسية، إلى طرف تتراجع حدود تأثيره تدريجياً، في ظل عودة تدريجية للدور المؤسساتي الدستوري والقانوني والعسكري الرسمي"، وفق ما يقوله الأمين.

أما في ما يخص بيئته الشيعية، فيشير الأمين إلى أن "تراجع صورة الحزب يبقى نسبياً، طالما أنه لا يزال يحتفظ بمقوّمات القوة من مال وسلاح وقدرة على القمع". لكنه يلفت إلى أن هذه السيطرة بدأت تتآكل بدورها، "مع تنامي صرخة النازحين والمتضررين من الحرب، وتراجع الثقة بقدرة الحزب على تأمين شروط العودة إلى القرى، وإعادة الإعمار، وتوفير الأمن والأمان".

من جهته، يسجّل ملاعب نقطة لافتة تتعلّق بعلاقة الحزب مع بيئته، إذ يرى أن "التماهي شبه الكامل بين حزب الله وسكان جنوب لبنان بات هشّاً. فالمواطن الجنوبي غير المنتمي للحزب عاد إلى بلدته بإحساس نسبي بالأمان، بعدما لمس أن الضربات الإسرائيلية تركّز على مواقع محدّدة تابعة للحزب ".

ويضيف ملاعب أن هذا التحوّل في الوعي الشعبي أصبح أكثر وضوحاً، كما ظهر في جولة ميدانية له في الضاحية الجنوبية لبيروت، "حيث بات السكان يفرّقون بوضوح بين مبنى تابع للحزب وبقية المباني في الحيّ الذي يقطنونه". ويعتبر أن هذا المزاج الجديد يعكس إرهاقاً عاماً من الحروب المتكررة، ورغبة متزايدة في حياة أكثر استقراراً وأقل مخاطرة.

يذكر أن الحرس الثوري الإيراني أسّس حزب الله عام 1982، عقب انشقاق مجموعة من حركة "أمل"، ليشكّل نقطة تحول في المشهد السياسي والأمني اللبناني. وسرعان ما عمل الحزب على تعزيز حضوره داخل الطائفة الشيعية، معتمداً على خطاب سياسي تعبوي، خاصة في عهد أمينه العام السابق حسن نصر الله، إلى جانب الدعم المالي والعسكري المباشر من إيران.

هذا الدعم مكّن حزب الله من ترسيخ نفوذه داخل مؤسسات الدولة اللبنانية، وتعميق الانقسام السياسي والطائفي، وصولاً إلى السيطرة على قرار الحرب والسلم. وقد أدّى ذلك إلى توريط لبنان في صراعات إقليمية متشابكة، خلّفت تداعيات أمنية وسياسية خطيرة على البلاد.

وعلى مدى سنوات، لم يتوانَ حزب الله عن الترويج لقدراته العسكرية، متحدثاً عن استعداده لاجتياح الجليل، واستهداف حيفا وما بعدها، في إطار معادلة ردع رسمها لنفسه. لكن الحرب الأخيرة كشفت حدود هذه المزاعم، وأظهرت عجز الحزب عن تنفيذ تهديداته.

فقد تمكّنت القوات الإسرائيلية من التوغل في الجنوب اللبناني وصولاً إلى نهر الليطاني، وانتهت المواجهة بتوقيع اتفاق وُصف من قبل مراقبين بأنه "مُذل"، فيما لا تزال القوات الإسرائيلية تحتفظ بوجودها في خمس نقاط داخل الأراضي اللبنانية.

القرار في طهران

رغم التصدعات التي أصابت صورة حزب الله، يرى ملاعب أن "العقيدة التنظيمية للحزب لا تزال متماسكة، إذ لا يزال عدد كبير من مقاتليه يلتزمون بقيادة مركزية صلبة". لكنه يلفت إلى أن قرار إشعال الجبهة اللبنانية "لا يُتخذ في بيروت، بل في طهران".

فإيران، بحسب ملاعب، "استثمرت في حزب الله كأداة استراتيجية للضغط الإقليمي والدولي، وتستخدمه كورقة تفاوض مع الغرب، لا سيما في سياق المحادثات المرتبطة بالملف النووي والعقوبات الاقتصادية، ومن هذا المنظور، فإن موافقة الحزب مؤخراً على وقف إطلاق النار لا يمكن فصلها عن الحسابات الإيرانية الأوسع، التي تهدف إلى تحقيق مكاسب على طاولة المفاوضات".

وعن مدى نجاح إسرائيل في تدمير ترسانة الحزب، يؤكد ملاعب أن "إسرائيل ألحقت ضرراً بالغاً بالبنية التحتية العسكرية لحزب الله، لكنها لم تنجح في تدمير أصوله الحيوية، كشبكات الأنفاق ومنظومات الصواريخ الدقيقة". ويضيف أن "الأسلحة الاستراتيجية، بما فيها الصواريخ بعيدة المدى، لا تزال خارج المعركة، لأنها تخضع لسيطرة القرار الإيراني المباشر".

من جانبه، يرى الأمين أن "المنطقة، وليس لبنان وحده، تمرّ اليوم بمرحلة تحوّل بنيوي عميق، ينعكس بشكل مباشر على علاقة حزب الله بمحيطه، وخصوصاً بجمهوره".

ويشير الأمين إلى أن الحزب "لم يعد يُنظر إليه كقوة قادرة على توفير الحماية والأمان، وتراجعت الثقة بإمكانية استعادته لهذا الدور في المستقبل، خاصة بعد تهاوي وهم ردع إسرائيل، وسقوط النظام السوري، الذي شكّل ضربة قاصمة لحزب الله، أطاحت بمقومات استعادته لنفوذه وقدراته الأمنية والعسكرية".