كُل المؤشرات تتحدث عن "كارثة تعليمية" لعدة أسباب، أهمها عدم قدرة وزارة التربية مواكبة الأزمة منذ بدئها.
كُل المؤشرات تتحدث عن "كارثة تعليمية" لعدة أسباب، أهمها عدم قدرة وزارة التربية مواكبة الأزمة منذ بدئها.

جرت العادة أن يبدأ العام الدراسي بالتزامن مع نهاية أغسطس وبداية سبتمبر. كان هذا في الحالات الطبيعية. لكن، في ظل الأزمة الاقتصادية وجائحة كورونا وبوادر موجة جديدة، يبدو أن القطاع التعليمي بأسره في لبنان يمر بوقت عصيب، قد ينتهي بشكل لم يكن أشد المتشائمين يتوقعه، وهو فعلياً ما بدأ يُتداول به إن بين المعنيين بالتربية أو في مراكز الدراسات والبحوث، وكان آخرها تقرير مرصد الأمة بالجامعة الأميركية في بيروت.

اليوم، تواجه المدرسة الرسمية خطراً متزايداً على الصعد كافة، كذلك، العام الدراسي يبدو إلى الآن أنه من الاستحالة أن يبدأ بشكل طبيعي، وكُل المؤشرات تتحدث عن "كارثة تعليمية" لعدة أسباب، أهمها عدم قدرة وزارة التربية على مواكبة الأزمة منذ بدئها بخطة واضحة لاستدراك ما قد يحصل نتيجة الانهيار الاقتصادي والصحي في البلاد، بحسب ما يقول خبراء تربويون تحدث موقع "الحرة" إليهم.

إذاً، دق مرصد الأزمة ناقوس الخطر، كما خرجت قبل ذلك الكثير من الأصوات المطالبة بخطة تمنع انهيار هذا القطاع، وتُعاني المدارس الرسمية اليوم من عدة مشاكل يُمكن اختصارها بتدني قيمة رواتب المعلمين، شح المازوت للتدفئة، هجرة المعلمين والمعلمات وكلفة احتياجات التلاميذ، فضلاً عن التوزع الجغرافي غير المتوازن لهذه المدارس مقارنة بالكثافة السكانية.

واستند المرصد وغيره إلى واقع نزوح الطلاب من المدرسة الخاصة إلى المدرسة الرسمية، للإضاءة على ما ستُعانيه المدارس الرسمية بسبب الضغط الهائل الذي سيكون عليها لاستيعاب الطلاب الجدد المنتقلين من الخاص، إلا أن هذا الأمر يبدو في آخر سُلّم أسباب معاناة القطاع الرسمي والمدرسة الرسمية في الوقت الحالي. 

تقول رئيسة المركز التربوي للبحوث والإنماء بالتكليف، ندى عويجان، والتي أعفاها وزير التربية، طارق المجذوب، من مهامها في حديث لموقع "الحرة" إنه "إلى الآن لن يكون هناك نزوح كبير من التعليم الخاص إلى الرسمي بسبب أن المدارس الخاصة بغالبيتها لم تُغير أقساطها ولم ترفعها بشكل كبير وبالتالي لن نشهد هذه الهجرة التي يتحدث عنها البعض. وأيضاً لابد من لفت الانتباه إلى أن اللبنانيين يستثمرون في التعليم وبالتالي سيحاولون ما استطاعوا إبقاء أولادهم في مدارسهم وعدم نقلهم إلى مدارس جديدة".

الأزمة الحقيقية التي يعاني وسيعاني منها القطاع التعليمي هي الأزمة الاقتصادية، وتشرح عويجان أن "اليوم المازوت غير متوفر وسعره مرتفع، كذلك البنزين، القرطاسية ليس بإمكان أي كان يحصل عليها، المعلمون ومصروفهم وكُل ما يعانونه ويتكبدونه في ظل ارتفاع الأسعار وتأثير كل ذلك على أدائهم. عدا عن التلاميذ الذين بكل بساطة كُثر لن يستطيع أن يأخذ معه زوادته من الطعام كُل يوم، وغير ذلك من متاعب سيواجهها الجميع".

هذا الواقع المأزوم دفع الأساتذة إلى إعلان الإضراب أو الامتناع عن ممارسة عملهم، وأمس الخميس أصدرت رابطة أساتذة التعليم الثانوي بياناً أكدت من خلاله التوقف عن العمل، وقالت "لا عام دراسي مقبل، والتوقف الكلي عن العمل بكل مسمياته، وإغلاق المؤسسات التربوية الرسمية، إلى حين تصحيح الرواتب، وإعادة الاعتبار لموقع الأستاذ الثانوي، ومكانته وحقوقه المالية والصحية والاجتماعية".

ويأتي اللغط الحاصل فيما خص رفع الدعم كلياً عن المحروقات ليزيد من الأزمة خاصة إذا ما تحقق هذا الواقع، إذ سيؤدي إلى ارتفاع سعر صفيحة البنزين إلى 330 ألف ليرة، أي نصف الحد الأدنى للأجور، وسعر صفيحة البنزين إلى 280 ألف ليرة، أي أن قدرة المدارس على تأمين المادة للتدفئة ستصبح معدومة، خاصة وأن صناديق المدارس التي تُستخدم لهذا الغرض، مفلسة تماماً.

وتُعاني المدارس الرسمية من نقص حاد في التجهيزات، لاسيما الأمور اللوجستية، إذ عدا عن عدم القدرة على تأمين المازوت، فإن مستلزمات التعليم أيضاً غير متوفرة من طبشور وقرطاسية وأوراق ومحابر، فضلاً عن عدم القدرة على تأمين الصيانة خاصة لأجهزة الكمبيوتر ولا للبرامج التي تعتمدها المدارس في نظامها التعليمي.

يقول فادي، وهو منسق عام وأستاذ في التعليم الرسمي، لموقع "الحرة" إنه "من الصعب بل من المستحيل أن يبدأ العام الدراسي إذا ما بقيت الأمور على ما هي عليه، والمطلوب أن تتدخل السلطات المعنية من أجل تقديم الدعم للمدارس والأساتذة كي يستطيعوا أن يُكملوا مهامهم، وفي حال لم يحصل ذلك فإن العام الدراسي سيكون في خبر كان".

ويضيف "تواصلنا مع مركز البحوث لنرى ما يُمكن فعله من أجل ضمان انطلاق العام الدراسي ولكن لا جديد يُذكر، وواقع الأساتذة مزرٍ كحال الجميع. إذا كان هناك من فرصة للعام الدراسي أن يبدأ فهذا الأمر مرهون بمجموعة عوامل، منها تقديم الدعم المادي للأساتذة والمدارس، وتأمين الكهرباء والمازوت، وضمان وجود الإنترنت بشكل متواصل، والأهم تقديم البنزين المدعوم للأساتذة لكي يتمكنوا من الوصول إلى المدارس كذلك الأمر لمن ينقل الطلاب".

ويتفق حسن، وهو أستاذ فيزياء في الثانوية الرسمية، مع ما يقوله فادي، ويضيف أنه "إذا استمر الوضع هكذا من دون أن تحرك السلطات ساكناً سنكون أمام واقع مرير وسيدفعنا ذلك إلى التظاهر والاعتصام للمطالبة بزيادة أجور، تسمح لنا من أن نمارس مهامنا ولو بالحد الأدنى".

ولدى وزارة التربية حوالي 300 مليون دولار من برامج الدعم المقدمة من مؤسسات مانحة أجنبية تُعنى بالتعليم، من غير الواضح كيف ستُستخدم أو إن كانت ستُستخدم في دعم المدارس والأساتذة من أجل انطلاق العام الدراسي، وهو ما تراه عويجان أمر صعب المنال في ظل السياسات المتبعة حالياً.

وكان وزير التربية قد أصر، في وقت سابق، على إجراء امتحانات الشهادة الرسمية، ما لاقى اعتراضاً واسعاً من روابط المعلمين والقطاع التربوي، لينتهي الأمر بإجراء امتحانات للمرحلة الثانوية، ويُذكر أن الوزارة تلقت منحة بمليون دولار من "يونيسيف"، لكن الوزير لم يستخدمها بادئ الأمر، إلا أنه عاد وقرر توزيع جزء منها على الأساتذة الذين شاركوا بالمراقبة والتصحيح.

ويقول عضو رابطة التعليم الثانوي، عصمت ضو، وهو مدير مدرسة، لموقع "الحرة" إنه "إذا لم يتم النظر بوضع الأساتذة فلن يكون هناك عام دراسي، إذ أي بداية لن تلحظ تحسين الوضع الاقتصادي للأساتذة فهذا يعني أننا سنبقى على إضرابنا وامتناعنا عن الذهاب إلى المدارس".

ويضيف "نحن ذاهبون إلى المجهول، الدعم سيُرفع كما صار واضحاً ورواتب الأساتذة تتراوح بين 120 و175 دولار أميركي. هذا وحده يلخص المأساة. أكثر من ذلك، كيف سيذهب الأستاذ إلى المدرسة وبأي روحية إذا لم يستطع أن يشتري الدواء. جزء أساسي من التعليم هو الجانب النفسي، وهذا الجانب معدوم اليوم".

ويوضح ضو أن المطلوب هو "تشكيل حكومة. بدل غلاء معيشة يؤمن العيش الكريم للأستاذ". وهذا ما يبدو شبه مستحيل إلى اليوم.

وحاول موقع "الحرة" الحصول على أجوبة كثيرة حول هذا الأمر من وزارة التربية، وتواصلنا مع مكتب الوزير، إلا أننا لم نحصل على جواب ولا على موافقة لاستصراح مدير التعليم الرسمي.

سلاح حزب  الله

"أي يد تمتد إلى سلاحنا هي يد إسرائيلية وسنقطعها".

تبدلت الأمور كثيرا بين أكتوبر 2005، عندما أطلق أمين عام "حزب الله" السابق حسن نصرالله تلك العبارة، وبين أبريل 2025.

ما يقارب عقدين بين هذين التاريخين، انقلبت فيهما الأحوال في جنوب لبنان رأسا على عقب. فـ"حزب الله" تكبّد، نتيجة حربه لإسناد حركة حماس في قطاع غزة، خسائر عسكرية وأمنية فادحة، على رأسها اغتيال نصرالله نفسه، صاحب هذا الكلام عالي النبرة الذي كان موجها للداخل اللبناني.

مع نهاية العام 2024، بدأ نفوذ "حزب الله" ينحدر بسرعة كبيرة مع الخسائر الأمنية الجسيمة التي مُني بها، وخصوصاً بعد سقوط نظام بشار الأسد في سوريا. وخفتت مع هذا الانحدار، تدريجيا نبرة الخطاب التهديدي الموجه إلى الداخل، وما كان "محرما" في السابق النقاش فيه من منظور الحزب المدعوم من إيران، بات اليوم أمرا لا يمكن تجنّبه.

كل المعطيات والمعلومات تشير إلى أن القرار اتخذ بشكل حاسم لسحب سلاح "حزب الله" من جنوب نهر الليطاني في مرحلة أولى، ثم من الأراضي اللبنانية كافة في مراحل لاحقة.

ويمارس الجيش اللبناني، بدعم من رئاسة الجمهورية وبتنسيق مع لجنة مراقبة تطبيق اتفاق وقف إطلاق النار، ضغوطا على "حزب الله" لتسليم سلاحه تماما في منطقة جنوب نهر الليطاني.

وبحسب ما تؤكده الصحفية اللبنانية المتابعة لهذا الملف، جوزيفين ديب، لموقع "الحرة"، فإن "الجيش اللبناني وصل إلى الانتشار بنسبة تسعين في المئة جنوبي نهر الليطاني".

وتشير ديب إلى أن الجيش "عمل على تفكيك مواقع عسكرية تقع على الضفة الشمالية للنهر".

لكن ديب تشير إلى أن الجانب اللبناني يطلب أن تلتزم إسرائيل بالجانب المتعلق بها من الاتفاق وتنسحب من النقاط الخمس التي احتلتها في عمق الأراضي اللبنانية للسماح للجيش بالانتشار الكامل على الحدود الجنوبية.

الرئيس اللبناني جوزف عون بدا حاسما في مقابلة مع قناة "الجزيرة" في التأكيد على أن القرار اتخذ بحصر السلاح بيد الدولة اللبنانية فقط. وكشف عون عن عثور الجيش على أنفاق ومخازن ذخيرة في جنوب الليطاني وشماله أيضاً، واصفا إنجازات الجيش في هذا الإطار بالكبيرة.

عون أكد أيضاً بأن عملية تسليم السلاح تتم ضمن مفاوضات ثنائية بين رئاسة الجمهورية و"حزب الله"، وهو ما رد عليه مسؤول كبير في "حزب الله" في تصريحات لوكالة رويترز بأن الجماعة مستعدة لإجراء محادثات مع الرئيس اللبناني بشأن أسلحتها إذا انسحبت إسرائيل من جنوب لبنان وأوقفت هجماتها.

وفيما تتضارب المعلومات حول عدد المواقع ومخازن السلاح التي صادرها الجيش اللبناني، رد رئيس الجمهورية على تصريحات مصدر مقرب من "حزب الله" لوكالة فرانس برس بأن الحزب تخلى للجيش اللبناني عن نحو 190 من مواقعه العسكرية الـ265 المحددة جنوب الليطاني.

وقال عون إن الرقم الذي أورده المصدر المقرب من الحزب ليس دقيقاً وأن الجيش يمتلك العدد الدقيق والموثق للمراكز التي دخلها و"نظفها" من السلاح.

وفي مقابلة سابقة مع "الحرة" قالت الباحثة في معهد واشنطن حنين غدار إن القرار 1701واضح في نصه على منع تسلح "حزب الله"، وأن الجيش يقوم بتطبيقه، وقد صادر بالفعل عشرات مخازن الأسلحة التابعة للحزب وقام بتدميرها. كما اكدت غدار ان آلية تطبيق القرار تعمل على منع تمويل "حزب الله" وتهريب السلاح اليه براً وبحراً وجواً.

لكن بحسب صحيفة "جيروزاليم بوست"، فإن إيران لا تزال تحاول تهريب السلاح عبر مرفأ بيروت، ونقلت الصحيفة عن مصدر استخباراتي غربي أن طهران قامت بعدة محاولات لتهريب أسلحة من إيران إلى "حزب الله" بحرًا عبر ميناء بيروت.

وأشارت الصحيفة إلى أن إيران تحاول عبر البحر بعد ان واجهت صعوبة كبيرة في تهريب الأسلحة الى "حزب الله" عبر طرقها البرية بعد سقوط نظام بشار الأسد.

كما أن مطار رفيق الحريري الدولي في بيروت، بحسب الصحيفة، "لم يعد يستقبل رحلات شحن متكررة من إيران، مما يزيد من أهمية الطريق البحري لمحاولات التهريب".

وفي وقت تحاول فيه إيران لملمة أوراقها المبعثرة في المنطقة لاستخدامها على طاولة المفاوضات مع الولايات المتحدة، تعمل أجهزة استخبارات غربية على تقويض هذه المحاولات وإحباطها.

ونشرت صحيفة "لوفيغارو" الفرنسية تقريراً تناول عملية أمنية شاركت فيها أجهزة استخبارات وشرطة من فرنسا وإسبانيا وألمانيا والمملكة المتحدة، أدت إلى تفكيك شبكة دعم لوجستي تابعة لـ"حزب الله".

واستمرت هذه العملية منذ صيف عام 2024 وحتى أبريل 2025. وكشفت التحقيقات أن الشبكة كانت تعمل على شراء معدات تُستخدم في تصنيع الطائرات المسيّرة، لإرسالها إلى لبنان.