محاولة إنقاذ عدد من المصابين بالانفجار
محاولة إنقاذ عدد من المصابين بالانفجار

على هضاب قريبة من البحر، وسهل عكار الممتد إلى الحدود، تقع الدوسة، وهي قرية لبنانية صغيرة تُشبه ناسها: فقيرة وبسيطة إلى أبعد حدود، مهمشة مثل باقي القرى المنتشرة حولها فيما يُسمى الدريب الأوسط.

تقول الأسطورة إن عكار سُمّيت بهذا الاسم نتيجة وجود أثر قدم لحصان نبي على ضفاف نهرها، الذي يقصده سكانها هرباً من بيوت لا يصلها التيار الكهربائي أبداً.

 الطريق الواسع الذي يعبر وسطها لا يُعبر عما على جانبيه، هو طريق يصل من حلبا إلى القبيات تنتشر من حوله بلدات كثيرة تتشارك الفقر لا أكثر. لم يكن ليسمع بها أحد من خارج قضاء "الذل والحرمان"، كما يصفه ناسه، لولا المصيبة التي حلّت فيها وبسكانها المنهكين إلى حد الاستسلام.

والدوسة، البلدة الأقرب إلى التليل، حيث وقع الانفجار الذي أودى بحياة 28 شخصاً وأصاب العشرات، بينما يحاولون الحصول على محروقات مخزنة للتهريب أو الاحتكار قبل أن ينفجر الخزان بهم وبأحلام حصولهم على قليل مما يُضيء منزلهم أو يُشغّل سياراتهم. الانفجار الذي لم تتكشف أسبابه بعد، أو بشكل أدق، لم يصدر أي تصريح رسمي من جهة أمنية حول التحقيقات الأوليّة.

 حين وصل الخبر إلى البلدة بأن الجيش اللبناني يوزع المحروقات المصادرة في التليل، هرع شبابها يحملون غالونات المياه الفاضية. أي شيء يستطيعون تعبئته بقليل من محروقات تُخفف من حرق أعصابهم أمام "محطات الذُل" في قراهم التي لا تعرف عنها السلطة سوى القليل، في "أوقات الحشرة"، كالانتخابات مثلاً. هذه ثابتة لديهم ويُدركونها تماماً: واقع أنهم منفيون لا جدال فيه في كُل بيت من البلدة، أو من أي بلدة محيطة.

حرائق أخرى عقب الانفجار

 البلدة فقدت كثيرين. تعيش في حالة حداد تام، المُصيبة في كُل بيت وتختلف بين واحد وآخر. مجالس العزاء على امتداد الطريق العابر في وسطها. الناس من بلدات مجاورة أتوا لمواساة جيرانهم بالمصاب الجلل. السيارة التي تتسع لأربعة أشخاص، تكدست بسبعة. لا وقود، وكُثر يريدون الوقوف مع أهالي الدوسة.

 4 ضحايا، يُصر الأهالي على اعتبارهم "شهداء" وأن يكونوا سواسية مع ضحايا المرفأ في التعامل معهم. يقول المختار عثمان شريتح: "مطلبنا أن يُعاملونا كما تعاملوا مع الأبرياء الذي سقطوا في 4 آب (أغسطس). أولادنا يدفعون ثمن التقصير والحرمان. نريد لهم العدالة التي لم يحصلوا عليها وهم أحياء. هل هذا كثير"؟

 الطريق إلى منزل عادل شريتح لم يصله الإسفلت. في الفسحة أمام داره رجال أتوا يواسونه. يجلس الأب المفجوع يتمتم ويسأل أين ذهب أبناؤه.. فقد ولدين، حسين وعمره 32 سنة وفياض (22 سنة). كانا في المنزل حين سمعا أن الوقود متوفر. حملوا ما يُمكنهم من تعبئة الوقود فيه وذهبوا إلى التليل عند منتصف الليل. والولدان عسكريان، مثل اقي أخوتهما الشبان الستة، ووالدهما المتقاعد من المؤسسة.

 يبكي عادل ولديه. يندب "هذا الزمن الذي جعله يخسرهما من أجل غالون مازوت أو بنزين". كل الأسى الذي يعيشه لم يجعله يكفر بالدولة، وعادل وعائلته في المؤسسة العسكرية. الحزن الذي يغرق فيه البيت لم يُفقدهم صوابهم أو المنطق بالحد الأدنى. بدر، شقيق الوالد المفجوع، يقول: "نحن ننتظر التحقيق. لا حديث ولا أحكام مسبقة قبل أن نرى نتائج التحقيق. نحن نعرف أننا مظلومون، ولكننا طلاب عدالة وقانون، فقط"".

 8 شبان لدى عادل، يؤمنون بالمؤسسة العسكرية وقائدها ويضعون كامل ثقتهم به. يأملون ويتأملون وينتظرون. مقولة عكار خزان الجيش تصح في منزل عادل. 8 شبان جميعهم في المؤسسة، ويحتكمون لها، وانتماء أهالي القضاء إليها يُصبح أسهل على الفهم في دارة آل شريتح. في دارة عادل تحديداً.

 لدى حسين ابنتان، إحداهما من ذوات الاحتياجات الخاصة. كان راتب والدها لا يكفيه علاجها فيعمل في الأرض أو في أي شيء يسمح له أن يكسب المزيد من المال حين لا يكون في الخدمة. "مسكين حسين"، يقول عمه بدر، ويُضيف: "يشقى ليعيل عائلته ويساعد ابنته في علاجها. يشقى كُل يوم. شقاؤه أوصله إلى الموت. ذهب برجليه كي يأتي بالبنزين الذي يؤمن له نقل الصغيرة إلى مركز العلاج. ذهب ولم يعد".

حكايات الموت في عكار لا تنتهي. قبل الانفجار وبعده. ضحايا ينتظرون مصيرهم الأسود. شُبان لا يملكون شيئاً، شُبان تجدهم يحاولون الحصول على القليل من المازوت من خزان وقود شاحنة تحترق. انتحاريون؟ نعم، ولكن ما هي الخيارات المُتاحة أمامهم. يقول شقيق عسكري آخر ذهب ضحية الانفجار: "ليس أمامنا سوى المخاطرة التي وحدها ترفع من نسبة بقائنا على قيد الحياة". معادلة واضحة لهم، يُخاطرون من أجل البقاء، والعكس يعني أنهم يموتون ببطء، هذا ما لا يُريدونه.

على مقربة من عائلة شريتح الأولى، على قارعة الطريق الواسع الذي يؤمن خط تنقل شاحنات الوقود من لبنان باتجاه سوريا، مجلس عزاء آخر، لعائلة شريتح أخرى، عائلة معين شريتح الذي أيضاً خسر ولدين، خالد 20 عاماً وجلال 16 عاماً. نصبوا خيمة أمام المنزل وصفّوا الكراسي وجلسوا يستقبلون المتضامنين المعزّين، الفارق بين البيتين، أن الغضب في الخيمة يكفي ليُشعل عكّار كلّها.

بينما يدخل المعزون ليشدوا على يد الوالد. أصوات طلقات نارية في مكان قريب. شُبان غاضبون يقطعون الطريق، يُريدون الانتقام. يصرخ أحدهم أنه لن يهدأ لهم بال قبل أن يثأروا، دقائق قبل أن يخرج والد الضحايا فيترك الشُبان الطريق نحو خيمة العزاء، وجوههم تتحدث عمّا يختلج في داخلهم. عيون تشتعل حقداً، أو أكثر.

من بين الضحايا الأربع، واحد تمكن الأهل من التعرف عليه. الثلاثة الآخرين جثثهم متفحمة. فتحوا مجالس العزاء ويحاولون شراء الصبر في انتظار أن يدفنوا أولادهم. إلى ذلك الحين، يدخل العقلاء إلى الخيمة ليهدئوا من روع شُبان في مُقتبل العمر، توقفوا عن البحث عن عمل وبات همهم اليومي كيف يؤمنون ربطة الخبز، أو بعض الأرغفة لهم ولأخوتهم وأهلهم.

شقيق خالد وجلال، كان معهم على ظهر الخزان حين انفجر. جسمه مُحترق كذلك قلبه. رأى شقيقيه يتحولان إلى جثتين محروقتين أمام عينيه. لا يعرف إن كان هناك عذاب أكبر من الذي عاشه. لا يجرؤ على الكلام ولا يقوى على الصمت. يغرف في حزنه وبصورة شقيقه وهما يفارقا الحياة. يقول: "كانا على مقربة من باب الخزان. رأيت النيران تعبر بجسديهما قبل أن أسقط محترقاً أيضاً". حظه كان أكبر، أو أسوأ.. وهذا الأرجح".

تفقد موقع الانفجار

لا شيء في الدوسة يوحي وكأن السلطة قد زارتهم في السنوات التي مضت. فقط طريق عبور الشاحنات مؤمن وهذا المهم. خط التهريب بخير أما الباقي فتفاصيل، هذا ما هم مقتنعون به في البلدة. والد يبكي قليلاً ثم ينتبه إلى أن عليه أن يبقى قوياً أمام من تبقى من أبنائه. يحاول أن يبتسم ويردد بعض الجمل حول رضاه بحكم الله وبما رُسم لهم من شقاء. يحاول لدقائق قليلة قبل أن ينهار مجدداً، فينسحب على مهل إلى مكان مُظلم يبكي فيه وحيداً، يبكي كما يحلو له، يبكي على أولاده وعلى حاله وعلى البلد.

في الدوسة، عدا عن القتلى، هناك 11 إصابة، 6 منهم حالات حرجة، العزاء مفتوح وسيبقى حتى بعد دفن من مات ومن يُمكن أن يموت. في الدوسة، تقول الأسطورة إن حصان النبي قد داس فيها، ويقول الواقع إن السلطة قد داست عليها وعلى أهلها.

سلاح حزب  الله

"أي يد تمتد إلى سلاحنا هي يد إسرائيلية وسنقطعها".

تبدلت الأمور كثيرا بين أكتوبر 2005، عندما أطلق أمين عام "حزب الله" السابق حسن نصرالله تلك العبارة، وبين أبريل 2025.

ما يقارب عقدين بين هذين التاريخين، انقلبت فيهما الأحوال في جنوب لبنان رأسا على عقب. فـ"حزب الله" تكبّد، نتيجة حربه لإسناد حركة حماس في قطاع غزة، خسائر عسكرية وأمنية فادحة، على رأسها اغتيال نصرالله نفسه، صاحب هذا الكلام عالي النبرة الذي كان موجها للداخل اللبناني.

مع نهاية العام 2024، بدأ نفوذ "حزب الله" ينحدر بسرعة كبيرة مع الخسائر الأمنية الجسيمة التي مُني بها، وخصوصاً بعد سقوط نظام بشار الأسد في سوريا. وخفتت مع هذا الانحدار، تدريجيا نبرة الخطاب التهديدي الموجه إلى الداخل، وما كان "محرما" في السابق النقاش فيه من منظور الحزب المدعوم من إيران، بات اليوم أمرا لا يمكن تجنّبه.

كل المعطيات والمعلومات تشير إلى أن القرار اتخذ بشكل حاسم لسحب سلاح "حزب الله" من جنوب نهر الليطاني في مرحلة أولى، ثم من الأراضي اللبنانية كافة في مراحل لاحقة.

ويمارس الجيش اللبناني، بدعم من رئاسة الجمهورية وبتنسيق مع لجنة مراقبة تطبيق اتفاق وقف إطلاق النار، ضغوطا على "حزب الله" لتسليم سلاحه تماما في منطقة جنوب نهر الليطاني.

وبحسب ما تؤكده الصحفية اللبنانية المتابعة لهذا الملف، جوزيفين ديب، لموقع "الحرة"، فإن "الجيش اللبناني وصل إلى الانتشار بنسبة تسعين في المئة جنوبي نهر الليطاني".

وتشير ديب إلى أن الجيش "عمل على تفكيك مواقع عسكرية تقع على الضفة الشمالية للنهر".

لكن ديب تشير إلى أن الجانب اللبناني يطلب أن تلتزم إسرائيل بالجانب المتعلق بها من الاتفاق وتنسحب من النقاط الخمس التي احتلتها في عمق الأراضي اللبنانية للسماح للجيش بالانتشار الكامل على الحدود الجنوبية.

الرئيس اللبناني جوزف عون بدا حاسما في مقابلة مع قناة "الجزيرة" في التأكيد على أن القرار اتخذ بحصر السلاح بيد الدولة اللبنانية فقط. وكشف عون عن عثور الجيش على أنفاق ومخازن ذخيرة في جنوب الليطاني وشماله أيضاً، واصفا إنجازات الجيش في هذا الإطار بالكبيرة.

عون أكد أيضاً بأن عملية تسليم السلاح تتم ضمن مفاوضات ثنائية بين رئاسة الجمهورية و"حزب الله"، وهو ما رد عليه مسؤول كبير في "حزب الله" في تصريحات لوكالة رويترز بأن الجماعة مستعدة لإجراء محادثات مع الرئيس اللبناني بشأن أسلحتها إذا انسحبت إسرائيل من جنوب لبنان وأوقفت هجماتها.

وفيما تتضارب المعلومات حول عدد المواقع ومخازن السلاح التي صادرها الجيش اللبناني، رد رئيس الجمهورية على تصريحات مصدر مقرب من "حزب الله" لوكالة فرانس برس بأن الحزب تخلى للجيش اللبناني عن نحو 190 من مواقعه العسكرية الـ265 المحددة جنوب الليطاني.

وقال عون إن الرقم الذي أورده المصدر المقرب من الحزب ليس دقيقاً وأن الجيش يمتلك العدد الدقيق والموثق للمراكز التي دخلها و"نظفها" من السلاح.

وفي مقابلة سابقة مع "الحرة" قالت الباحثة في معهد واشنطن حنين غدار إن القرار 1701واضح في نصه على منع تسلح "حزب الله"، وأن الجيش يقوم بتطبيقه، وقد صادر بالفعل عشرات مخازن الأسلحة التابعة للحزب وقام بتدميرها. كما اكدت غدار ان آلية تطبيق القرار تعمل على منع تمويل "حزب الله" وتهريب السلاح اليه براً وبحراً وجواً.

لكن بحسب صحيفة "جيروزاليم بوست"، فإن إيران لا تزال تحاول تهريب السلاح عبر مرفأ بيروت، ونقلت الصحيفة عن مصدر استخباراتي غربي أن طهران قامت بعدة محاولات لتهريب أسلحة من إيران إلى "حزب الله" بحرًا عبر ميناء بيروت.

وأشارت الصحيفة إلى أن إيران تحاول عبر البحر بعد ان واجهت صعوبة كبيرة في تهريب الأسلحة الى "حزب الله" عبر طرقها البرية بعد سقوط نظام بشار الأسد.

كما أن مطار رفيق الحريري الدولي في بيروت، بحسب الصحيفة، "لم يعد يستقبل رحلات شحن متكررة من إيران، مما يزيد من أهمية الطريق البحري لمحاولات التهريب".

وفي وقت تحاول فيه إيران لملمة أوراقها المبعثرة في المنطقة لاستخدامها على طاولة المفاوضات مع الولايات المتحدة، تعمل أجهزة استخبارات غربية على تقويض هذه المحاولات وإحباطها.

ونشرت صحيفة "لوفيغارو" الفرنسية تقريراً تناول عملية أمنية شاركت فيها أجهزة استخبارات وشرطة من فرنسا وإسبانيا وألمانيا والمملكة المتحدة، أدت إلى تفكيك شبكة دعم لوجستي تابعة لـ"حزب الله".

واستمرت هذه العملية منذ صيف عام 2024 وحتى أبريل 2025. وكشفت التحقيقات أن الشبكة كانت تعمل على شراء معدات تُستخدم في تصنيع الطائرات المسيّرة، لإرسالها إلى لبنان.