الخلاف الكبير بتشكيل الحكومة كان على تسمية وزيرين مسيحيين.
الخلاف الكبير بتشكيل الحكومة كان على تسمية وزيرين مسيحيين.

تشكلت الحكومة اللبنانية الموعودة بعد أكثر من عام على استقالة حكومة الرئيس، حسان دياب. وفي الأيام الماضية توالت الأخبار التي تُبشر بولادة الحكومة التي طال انتظارها، وظهر رئيس الوزراء، نجيب ميقاتي، من بعبدا مُعلناً انتهاء صفحة التشكيل بتوافق بينه وبين رئيس الجمهورية، ميشال عون، الذي وقع المراسيم.

وكان الخلاف الكبير على تسمية وزيرين مسيحيين لا يكونان من حصة رئيس الجمهورية، أي ألا يحصل أي فريق على الثلث المعطل في الحكومة المنتظرة، وهو ما نفاه ميقاتي خلال إعلانه تشكيل الحكومة قائلاً "لا ثلث معطلاً واضحاً أو مستتراً لأي فريق في الحكومة الجديدة".

وبدا ميقاتي في كلمته وكأنه يراهن على أن تحرص حكومته على إجراء الانتخابات النيابية وطلب المساعدة الخارجية، وقال "سنطرق باب كل دولة عربية للمساعدة، ولا مكان للمعطلين في الحكومة اللبنانية وسنُحمل المسؤولية لمن يقوم بذلك ونأمل وقف الانهيار الذي يشهده لبنان"، متعهداً بإجراء الانتخابات النيابية في موعدها.

بدوره، أوضح عون "أنه لم يأخذ الثلث المعطل وكان الأمر حرباً سياسية". واعتبر أن "الحكومة أحسن ما توصلنا إليه وسنبدأ بحل المشاكل الأساسية من البنزين والمازوت والخبز، وقد ورثنا الأزمات نتيجة الحكم السيئ منذ 30 سنة إضافة إلى مصائب الفقر والدين والإضرابات والكورونا وانفجار المرفأ والمال قليل لمعالجتها". 

وضمت الحكومة المشكلة 24 وزيراً، تقاسمت فيها الأحزاب المقاعد، وهو الأمر الذي لم يكن متوافراً في حكومة حسان دياب التي كانت لوناً واحداً لفريق ما يُسمى 8 آذار أو "قوى الممانعة"، فيما تظهر الحكومة الجديدة لتكون أقرب إلى مزيج وزراء ليسوا حزبيين ولكنهم مقربون من الأحزاب الكبرى التي وافقت على الأسماء مسبقاً.

وقال الكاتب والمحلل السياسي، أمين قمورية، لموقع "الحرة" إن "هناك أكثر من اسم في الحكومة محسوبين على رئيس الجمهورية بصيغة مقنعة للثلث المعطّل، والذي بالنهاية سيعتبر أنه حقق انتصاراً بعد سنة من المماطلة للوصول إلى الصيغة الحالية"، ويتداول اسما وزير الاقتصاد، أمين سلام، ووزير السياحة، وليد نصار.

ولكن ما الذي أدى إلى حلحلة العُقد التي منعت إنجاز التشكيل لأكثر من سنة بالرغم من الوضع الاقتصادي المتردي الذي يمر فيه لبنان والذي تضاعف خلال هذه السنة والذي صنفه البنك الدولي من بين الأسوأ في العالم منذ عام 1850؟

برأي قمورية، بأن "الوضع الداخلي لم يعد يحتمل، ولكن هذا الأمر ليس فقط هو ما دفع نحو تشكيل الحكومة، وبالتالي هناك العامل الخارجي الإقليمي وهو بالطبع ما انعكس في لبنان، إذ على ما يبدو سقط الفيتو الخارجي بعد فتح باب الاتصال بين الجانب الفرنسي والإيراني مؤخراً وعقد الشراكة مع شركة توتال بمليارات الدولارات". 

ولم توقع إيران وفرنسا اتفاقاً ثنائياً، إلا أن الاتصالات بدأت على أعلى مستوى، وأتى اجتماع بغداد قبل أسبوع ليلقي الضوء على التقارب الإيراني الفرنسي بعد دخول شركة "توتال إينرجيز" الفرنسية بقوّة إلى السوق العراقي، باتفاق تبلغ قيمته 27 مليار دولار، وهو وفقا لمسؤولين عراقيين من أضخم العقود في قطاع النفط.

وأضاف قمورية أن "الاتفاق في بغداد مع توتال هو مفتاح الاتفاق الأوسع الذي بموجبه إيران أخذت مقابلا وبالتالي أتى تسهيل التشكيل بعد كل هذه المدة في المفاوضات"، مشيراً إلى أن الحكومة "يُشارك فيها كُل الطبقة السياسية تقريباً وهو ما يوضح أن هناك خرقاً ما حصل أدى إلى هذه النتيجة". 

وقالت وسائل إعلام لبنانية إن تدخلاً فرنسياً جرى في الساعات الماضية أدى إلى تسهيل عملية التشكيل، وكان الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، قد زار لبنان مرتين عقب انفجار 4 أغسطس، العام الماضي، مطلقاً مبادرته. وأرسل لاحقاً موفدين لمتابعة ما وصل إليه القادة السياسيين، بعد أن كان تعهد للبنانيين بمساعدتهم مباشرة من دون المرور من القنوات الرسمية، وهو ما تغير لاحقاً بشكل كامل.

وفي هذا السياق، قال الخبير الاقتصادي والمالي، إيلي يشوعي، لموقع "الحرة" إن "هناك تناقضا كبيرا في موقف الرئيس الفرنسي تجاه لبنان، فالقضاء في دولته وواحدة من أهم قضاة التحقيق تتهم حاكم مصرف لبنان رياض سلامة بتبييض الأموال وتنظيم شبكة أشرار وتوقيفه مؤخراً يندرج في هذا الإطار، وهو أي ماكرون، في الوقت نفسه يمارس ضغوطاً لتشكيل حكومة تحمي سلامة وكل هذه المنظومة وتعيد تعويم الأحزاب السياسية التي هي مسؤولة عن خراب لبنان وشعبه". 

في المقابل، قال الوزير السابق، نقولا نحاس، في حديث لموقع "الحرة" إن "المفاوضات وصلت إلى نهايتها وتم الاتفاق على تشكيل الحكومة بالصيغة التي ظهرت اليوم بعد تذليل كل العقبات أمامها وهو ما حرص عليه الرئيس ميقاتي لكي يفتح الباب أمام التشكيل والعمل للخروج من الواقع الذي نعيشه". 

وماذا عن الانتخابات النيابية وهل هذه الحكومة مهمتها واضحة؟

يقول الأستاذ الجامعي والناشط السياسي، علي مراد، لموقع "الحرة" إن "هناك ضغوطا إقليمية وأعتقد إنها مرتبطة بمؤشرات إلى أن الانتخابات قائمة ولا أحد قادر أن يؤجلها وبالتالي هم بحاجة لتشكيل الحكومة ومحاولة وضع البطاقة التمويلية ورفع معدلات الدولار والاستفادة من وجود حكومة لتحسين مواقعهم التي على أساسها سيخوضون الانتخابات المقبلة والتي قد تُعيدهم إلى مواقعهم". 

وأرسل المجتمع الدولي رسائل واضحة في السنتتين الماضيتين وخاصة بعد استقالة حكومة حسان دياب، ربط فيها تشكيل الحكومة بأي مساعدة قد تُقدم إلى لبنان، ودعا ماكرون الساسة اللبنانيين إلى تشكيل حكومة جديدة لتنفيذ الإصلاحات في البلاد "وإلا لن يحصل لبنان على مساعدات دولية"، فيما شدّد الرئيس الأميركي، جو بايدن، في وقت سابق، على أنه "لن تكون أي مساعدة خارجية كافية إذا لم يلتزم قادة لبنان بإنجاز العمل الصعب إنما الضروري القاضي بإصلاح الاقتصاد ومكافحة الفساد".

وقال يشوعي إن "هذه الحكومة التي شكلتها الطبقة السياسية المسؤولة عن خراب لبنان ستقوم بالإشراف على الانتخابات، وبالتالي نحن من اليوم نعلم ما ينتظرنا وهذا ما لا يُمكن تخيله. الأحزاب نفسها التي عاثت فساداً أوكل إليها تنظيم انتخابات نيابية. هذا ما قدمه لنا المجتمع الدولي إلى الآن". 

وأُقرّت، الخميس، البطاقة التمويلية التي من خلالها سيحصل كُل فرد في لبنان على مبلغ 25 دولاراً شهرياً لمدة سنة، كما سيكون بمقدور الحكومة التي يرأسها ميقاتي أن تُشرف على توزيع الأموال المتأتية من الدعم الدولي الذي يُقدم للعائلات الأكثر فقراً وغيرها من مساعدات ستصل إلى لبنان مستقبلاً. 

وقال نحاس إن "هذه الحكومة بالطبع ستحرص على إنجاز الانتخابات النيابية في موعدها وهذا ما أكد عليه الرئيس ميقاتي، من دون أن تُسقط من حساباتها هموم الناس، ومن دون أيضاً أن تكون طرفاً". 

ومع بدء التحضير لدى الكثير من المجموعات المعارضة للوائح انتخابية تخوض بها الانتخابات النيابية، قال مراد إن "مقتل الحالة الاعتراضية أن تفترض أن معركتها هي الانتخابات لأنها عملياً تعلن سلفاً احتمال هزيمتها. المطلوب اليوم من هذه المعارضة أن تبني تحالفاً بديلاً واسعاً وتقدم للناس مشهداً مختلفاً قد يكون قادراً على تحريك الشارع إذ لا بديل عن الشارع مع الأخذ بعين الاعتبار أن الناس بسبب الوضع الاقتصادي عزفت عن النزول إلى الشارع". 

ويُراهن الأفرقاء السياسيون على مساعدات دولية ستصل بعد تشكيل الحكومة، وكان قد عُقد، الشهر المنصرم، مؤتمراً نظمته فرنسا والأمم المتحدة عبر الإنترنت، تعهدت خلاله الدول المشاركة بتقديم نحو 370 مليون دولار كمساعدات للبنان.

وقال مراد "قد تكون هذه الحكومة أسوأ من السابقة التي كان يرأسها حسان دياب لأنها ببساطة سيكون لديها قدرة أعلى على اتخاذ القرارات الصعبة بحق الفئات الأكثر فقراً في لبنان كونها تمثل الطبقة السياسية المسؤولة عن إفقار اللبنانيين". 

واعتبر قمورية أن "هذه الحكومة باستطاعتها إدخال مليارين أو ثلاثة نتيجة علاقات ميقاتي ورغبة بعض المجتمع الدولي في حلحلة جزئية وعدم تدهور الأمور أكثر ولكن لا حلول جذرية بطبيعة الحال وهي ليست الحكومة التي يريدها اللبنانيون والتي تكون قادرة على ابتداع الحلول للأزمة، بل هي حكومة أفضل من البقاء من دون حكومة". 

أما نحاس فاعتبر أن "الحكومة ستقوم بكل واجباتها وهذا الموضوع محسوم، هي أتت لتعالج الأزمات الحياتية والتحدي اليوم ألا تكون كباقي الحكومات، ولديها الإمكانية والإرادة لأن تصل إلى حل وتوقف الانهيار والوقت هو التحدي الكبير، مع الأخذ بعين الاعتبار أهمية أن يعملوا كفريق متجانس من دون تعطيل وهذا ما نتمناه، وأن يضعوا سياسات توصل البلد إلى بر الأمان والرهان عليهم كبير، في انتظار البيان الوزاري وما سيحمل معه".  

في المقابل، اعتبر يشوعي أن "هذه الحكومة لن تحاسب أحداً ولن تفتح أي ملف ولن تصادر أملاك أحد ولن تستمر في التدقيق المالي الجنائي وستعرقله وتستمر في سياسة الاستدانة وإغراق لبنان في الديون وستفاوض صندوق النقد من موقع الضعيف وليس من موقع من يحمل مشروعاً إصلاحياً لإعادة بناء رأسمالنا الوطني بطريقة مدروسة وواعية وشفافة". 

سلاح حزب الله إلى أين؟ - رويترز
سلاح حزب الله إلى أين؟ - رويترز

بعد أن زج حزب الله بلبنان في حرب مدمرة مع إسرائيل، أوقعت ضحايا وخلّفت خراباً واسعاً وفاقمت الانهيار الاقتصادي، برز ملف الاستراتيجية الدفاعية في صدارة المشهد السياسي اللبناني.

وتزامن ذلك مع تصاعد المطالبات الداخلية والدولية بنزع سلاح الحزب وحصر القرار العسكري بيد الدولة اللبنانية، تنفيذاً للقرارات الدولية، وفي مقدمتها القرار 1701.

في هذا السياق، أكد الرئيس اللبناني، جوزاف عون، في خطاب القسم، عزمه وضع "استراتيجية دفاعية متكاملة على المستويات الدبلوماسية والاقتصادية والعسكرية". 

أما البيان الوزاري للحكومة، فشدد على ضرورة "حصر السلاح بيد الدولة"، ما يعني إنهاء مظاهر الازدواجية العسكرية التي تعيق قيام الدولة بمسؤولياتها السيادية.

ورغم أن الدعوة إلى وضع استراتيجية دفاعية تحظى بتأييد واسع، فإن التصورات حول مضمونها تبقى متباعدة إلى حد التناقض. 

فبينما يرى البعض أن إشراك سلاح حزب الله في هذه الاستراتيجية يقوض سيادة الدولة ويكرّس واقعاً ميليشيوياً، يشير آخرون إلى تجارب دولية احتوت جماعات مسلّحة ضمن منظومات دفاعية وطنية، غير أن موقف الحزب نفسه لا يزال ثابتاً في رفضه تسليم سلاحه.

فالحزب الذي وافق، بموجب اتفاق وقف إطلاق النار، على سحب سلاحه من جنوب الليطاني، يرفض تسليم ترسانته شمال النهر، ما يثير تساؤلات حول وجهة هذا السلاح وهدفه، خصوصاً في ظل سجل سابق من استخدامه داخلياً، كما حدث في أحداث 7 مايو 2008.

وأعلن النائب عن الحزب حسن فضل الله استعداد حزب الله للدخول في حوار حول الاستراتيجية الدفاعية، لكن هذا الموقف لم يترافق مع أي إشارات إلى نية التخلي عن السلاح.

وهو ما أكده عضو المجلس السياسي للحزب، غالب أبو زينب، بقوله إن "السلاح ليس مطروحاً للنقاش". 

أما الأمين العام لحزب الله، نعيم قاسم، فذهب أبعد من ذلك حين اعتبر أن "أي حديث عن حصر السلاح بيد الجيش اللبناني لا يعني سلاح حزب الله"، وذلك في تحدٍّ مباشر لموقف السلطة اللبنانية.

ويبقى السؤال: هل ستكون الاستراتيجية الدفاعية مدخلاً جدياً لسحب سلاح حزب الله، أم ستستخدم كغطاء جديد لتكريس ازدواجية السلاح وتثبيت هيمنة حزب الله داخل مؤسسات الدولة وتحت غطائها؟

نهاية حقبة

وانتهى الدور الذي لعبه سلاح حزب الله في السابق، كما شدد الخبير العسكري والاستراتيجي، العميد المتقاعد ناجي ملاعب.

وأكد أن "المرحلة الحالية تتطلب منح الدولة وقتاً كافياً لترسيخ هذه القناعة داخل البيئة الحاضنة للحزب، تمهيداً لترجمتها عملياً على أرض الواقع".

وقال ملاعب، لموقع "الحرة": "أعتقد أننا بدأنا نلمس هذا التحول في المزاج العام لدى بيئة حزب الله، حيث تنمو القناعة تدريجياً بأن هذا السلاح لم يؤد الدور الذي رُوّج له في السابق".

واعتبر أن هذا التحول يشكل فرصة جدية أمام رئيس الجمهورية والسلطات الرسمية للانتقال من مرحلة التفاهمات الضمنية إلى خطوات عملية واضحة، تستند إلى رؤية وطنية جامعة.

وأضاف "نحن اليوم أمام رئيس جمهورية سبق أن تولى قيادة الجيش لمدة خمس سنوات، وهو يمتلك خبرة عسكرية وأمنية واسعة، داخلياً وخارجياً. وقد أبدى في مختلف تصريحاته تمسكه بالسلم الأهلي، وهو معروف بقدرته على إدارة الأزمات بتوازن، دون أن يترك تداعيات سلبية معقدة، وبالتالي هو يتمتع بالحكمة والخبرة الكافيتين لقيادة البلاد في هذه المرحلة الدقيقة، والتعامل مع الملفات الأمنية الحساسة بمسؤولية عالية".

من جهته، أكد رئيس مركز الشرق الأوسط للدراسات والعلاقات العامة، العميد الركن المتقاعد الدكتور هشام جابر، أن إعداد استراتيجية دفاعية وطنية شاملة لم يعد ترفاً. 

وقال لموقع "الحرة": "منذ سنوات نطالب بوضع استراتيجية دفاعية، ومن غير المفهوم أن الدولة لم تبادر حتى اليوم إلى تشكيل لجنة متخصصة لهذا الغرض، علماً أن إعداد هذه الاستراتيجية لا يحتاج لأكثر من شهر، قبل عرضها على الحكومة ثم مجلس النواب لإقرارها بقانون".

أما القائد السابق لفوج المجوقل في الجيش اللبناني، العميد المتقاعد جورج نادر، فرأى في حديث لموقع "الحرة" أن تصريحات رئيس الجمهورية عن "استراتيجية الأمن الوطني" تشير إلى مقاربة أشمل من مجرد استراتيجية دفاعية. 

إذ تشمل وفق نادر "الأمن الداخلي والخارجي، الاجتماعي والسياسي والاقتصادي، إلى جانب الأمن العسكري. وبالتالي فإن الاستراتيجية الدفاعية ليست سوى جزء من منظومة الأمن الوطني الشاملة".

بدوره، شدد ملاعب على أن "استراتيجية الأمن الوطني لا يمكن اختزالها بالبعد العسكري، بل تشمل مختلف الأبعاد: الاقتصادية، المالية، الجغرافية، التربوية، وكل ما يشكل مكونات القوة الوطنية. ومن هذه الركائز تُبنى الاستراتيجية الدفاعية لتكون إطاراً شاملاً يحفظ أمن الدولة واستقرارها".

الدمج غير وارد؟

"أي استراتيجية دفاعية لا يمكن أن تستوعب سلاحاً خارج إطار الدولة"، كما رأى نادر، مؤكداً أن "القرار الرسمي اللبناني واضح في هذا السياق، ويقضي بحصر السلاح بيد الجيش اللبناني".

لذلك لا يمكن على الإطلاق كما أكد نادر "إدماج الحزب في استراتيجية الدفاع الوطني، لأن السلاح يجب أن يكون فقط بيد الجيش".

وأردف قائلا: "لا يمكن لمجموعة مسلّحة، ولو كانت مؤلفة على سبيل المثال من خمسة آلاف عنصر، أن تشكّل لواءً خاصاً بها داخل المؤسسة العسكرية وتحتفظ بسلاحها".

واستعاد نادر تجربة توحيد المؤسسة العسكرية بعد الحرب الأهلية، مشيراً إلى أن "الجيش خضع عام 1990 لعملية دمج شاملة، أنهت الانقسامات الطائفية والمناطقية، وأرست أسس مؤسسة وطنية موحدة. اليوم، لم يعد هناك مكان لألوية مذهبية أو فئوية، وأي عودة إلى الوراء ستُقوّض ما تحقق".

لذلك "من يرغب من عناصر الحزب في الدفاع عن لبنان فالباب مفتوح أمامه" كما قال نادر "للتطوع في صفوف القوات المسلحة اللبنانية، وفق الشروط المعتمدة، كما هو الحال مع أي مواطن لبناني آخر".

وأكد نادر أن "الاستراتيجية الدفاعية هي مسؤولية وطنية سيادية، تحدّد من هو العدو، وكيف تتم مواجهته، وبأي وسائل، ولماذا"، مشدداً على أنه "لا يمكن أن تترك هذه المهمة لأي فصيل مسلّح خارج سلطة الدولة".

مقاربة مختلفة

على خلاف نادر، رأى جابر أن الاستراتيجية الدفاعية "يجب أن تقوم على مبدأ أن مسؤولية الدفاع عن الوطن تقع أولاً على عاتق القوى النظامية، أي الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي، بالإضافة إلى قوات احتياط تنظّم ضمن إطار الدولة" وتشمل ما يعرف بـ"القوى شبه النظامية" أو Para-Military Forces.

وأوضح جابر أن "الأحزاب التي تمتلك سلاحاً، ومنها حزب الله، تخضع أسلحتها الثقيلة لإشراف الجيش اللبناني، بحيث تُخزَّن في مستودعات عسكرية، فيما يعود عناصر هذه القوى إلى حياتهم المدنية في الظروف العادية. ويتم تنظيم هذه العملية بشكل لوجستي دقيق، يسمح باستدعاء العناصر خلال 72 ساعة في حال إعلان الطوارئ أو تعرّض البلاد لخطر داهم".

وأضاف "في حالات الطوارئ، يستدعى هؤلاء إلى مراكز محددة من قبل قيادة الجيش، حيث يعاد توزيع السلاح عليهم وفق خطة مُسبقة، تحدد موقع كل عنصر ودوره ووقت تدخله، على أن تتم العملية تحت إشراف السلطة العسكرية العليا، أي قيادة الجيش والمجلس الأعلى للدفاع".

وعن مدى قدرة هذه المقاربة على إنهاء الازدواجية العسكرية، قال جابر "نعم، بالتأكيد. القيادة والقرار سيكونان بيد مؤسسة واحدة، ما يشكّل حلاً نهائياً وليس تسوية ظرفية أو مؤقتة".

واستشهد جابر بالنموذج السويسري، حيث يمكن للجيش رفع عديده من 50 ألفاً إلى نحو 370 ألفاً خلال 72 ساعة فقط عبر استدعاء الاحتياط، قائلاً "لا نسعى لأن نصبح سويسرا، لكن من خلال العمل الجاد والتنظيم، يمكننا بناء استراتيجية دفاعية تتيح لكل من يريد الدفاع عن الوطن أن يفعل ذلك ضمن كنف الدولة".

وشدد جابر على أن هذه الاستراتيجية لا تستهدف حزب الله وحده، بل تشمل جميع الأحزاب والقوى التي تمتلك سلاحاً.

وأوضح أن "من يرفض الانخراط في هذا الإطار تنزع منه الأسلحة. فهناك أيضاً عشائر وفصائل حزبية تمتلك سلاحاً ثقيلاً، ويجب أن يشملها الحل، سواء عبر الدمج ضمن الاستراتيجية الدفاعية أو من خلال نزع سلاحها".

وأشار إلى ضرورة شمول المخيمات الفلسطينية بهذا الإطار، مؤكداً أنه "لا يمكن المطالبة بنزع سلاح جهات لبنانية، مع الإبقاء على ترسانة قائمة داخل المخيمات".

أما فيما يخص السلاح الفردي، فكشف جابر عن وجود أكثر من ثلاثة ملايين قطعة سلاح خفيف في لبنان، كالمسدسات، مشيراً إلى إمكانية تنظيم هذا النوع من السلاح عبر آليات الترخيص لأغراض الحماية الشخصية.

خطوط حمراء.. ودعم

وتضع الولايات المتحدة الأميركية خطوط حمراء في مقاربتها للملف اللبناني، وفق ما يؤكده ملاعب، "أولهما ضمان أمن إسرائيل، وثانيهما الحفاظ على موقع رئاسة الجمهورية اللبنانية كمدخل لاستقرار النظام السياسي في لبنان".

وقال ملاعب "من رعا انتخاب رئيس للجمهورية وتشكيل حكومة وإطلاق مسار إصلاحي هي واشنطن، وبالتالي فإن هذه السلطة باتت بالنسبة لها خطاً أحمر لا يُسمح بإفشاله".

وأضاف أن المبعوثة الأميركية مورغان أورتاغوس، التي زارت بيروت مؤخراً، "لم تأتِ بسيف التهديد كما حاول البعض الترويج، بل حملت رؤية دعم واضحة، وعقدت لقاءات مع وزراء معنيين بملفات الاقتصاد، الإدارة، المالية والعدل، وناقشت معهم خطوات إصلاحية بدأت تترجم ميدانيًاً."

وأوضح ملاعب أن الموقف الأميركي لا يزال ثابتاً "الولايات المتحدة ستكون شريكاً للبنان فقط إذا مضى في طريق الإصلاح، ونجح في حصر السلاح بيد الدولة".

وأشار إلى أن اللقاءات اللبنانية–الأميركية الأخيرة عكست إجماعاً لبنانياً على ضرورة معالجة جذور الأزمة الأمنية، لا الاكتفاء بنتائجها. 

وقال "هناك موقف واضح من الدولة اللبنانية مفاده: إذا التزمت واشنطن بالضغط على إسرائيل للانسحاب من الأراضي اللبنانية المحتلة وتنفيذ القرار 1701 والاتفاقات الدولية ذات الصلة، فلن يبقى مبرر لأي سلاح خارج إطار الشرعية."

من جهته، شدد نادر على أن الحل الوحيد المقبول لقضية سلاح حزب الله يتمثل في "تسليم الحزب سلاحه للدولة، والانخراط في العمل السياسي كأي حزب لبناني آخر، ضمن القوانين والدستور".