تشكلت الحكومة اللبنانية الموعودة بعد أكثر من عام على استقالة حكومة الرئيس، حسان دياب. وفي الأيام الماضية توالت الأخبار التي تُبشر بولادة الحكومة التي طال انتظارها، وظهر رئيس الوزراء، نجيب ميقاتي، من بعبدا مُعلناً انتهاء صفحة التشكيل بتوافق بينه وبين رئيس الجمهورية، ميشال عون، الذي وقع المراسيم.
وكان الخلاف الكبير على تسمية وزيرين مسيحيين لا يكونان من حصة رئيس الجمهورية، أي ألا يحصل أي فريق على الثلث المعطل في الحكومة المنتظرة، وهو ما نفاه ميقاتي خلال إعلانه تشكيل الحكومة قائلاً "لا ثلث معطلاً واضحاً أو مستتراً لأي فريق في الحكومة الجديدة".
وبدا ميقاتي في كلمته وكأنه يراهن على أن تحرص حكومته على إجراء الانتخابات النيابية وطلب المساعدة الخارجية، وقال "سنطرق باب كل دولة عربية للمساعدة، ولا مكان للمعطلين في الحكومة اللبنانية وسنُحمل المسؤولية لمن يقوم بذلك ونأمل وقف الانهيار الذي يشهده لبنان"، متعهداً بإجراء الانتخابات النيابية في موعدها.
بدوره، أوضح عون "أنه لم يأخذ الثلث المعطل وكان الأمر حرباً سياسية". واعتبر أن "الحكومة أحسن ما توصلنا إليه وسنبدأ بحل المشاكل الأساسية من البنزين والمازوت والخبز، وقد ورثنا الأزمات نتيجة الحكم السيئ منذ 30 سنة إضافة إلى مصائب الفقر والدين والإضرابات والكورونا وانفجار المرفأ والمال قليل لمعالجتها".
وضمت الحكومة المشكلة 24 وزيراً، تقاسمت فيها الأحزاب المقاعد، وهو الأمر الذي لم يكن متوافراً في حكومة حسان دياب التي كانت لوناً واحداً لفريق ما يُسمى 8 آذار أو "قوى الممانعة"، فيما تظهر الحكومة الجديدة لتكون أقرب إلى مزيج وزراء ليسوا حزبيين ولكنهم مقربون من الأحزاب الكبرى التي وافقت على الأسماء مسبقاً.
وقال الكاتب والمحلل السياسي، أمين قمورية، لموقع "الحرة" إن "هناك أكثر من اسم في الحكومة محسوبين على رئيس الجمهورية بصيغة مقنعة للثلث المعطّل، والذي بالنهاية سيعتبر أنه حقق انتصاراً بعد سنة من المماطلة للوصول إلى الصيغة الحالية"، ويتداول اسما وزير الاقتصاد، أمين سلام، ووزير السياحة، وليد نصار.
ولكن ما الذي أدى إلى حلحلة العُقد التي منعت إنجاز التشكيل لأكثر من سنة بالرغم من الوضع الاقتصادي المتردي الذي يمر فيه لبنان والذي تضاعف خلال هذه السنة والذي صنفه البنك الدولي من بين الأسوأ في العالم منذ عام 1850؟
برأي قمورية، بأن "الوضع الداخلي لم يعد يحتمل، ولكن هذا الأمر ليس فقط هو ما دفع نحو تشكيل الحكومة، وبالتالي هناك العامل الخارجي الإقليمي وهو بالطبع ما انعكس في لبنان، إذ على ما يبدو سقط الفيتو الخارجي بعد فتح باب الاتصال بين الجانب الفرنسي والإيراني مؤخراً وعقد الشراكة مع شركة توتال بمليارات الدولارات".
ولم توقع إيران وفرنسا اتفاقاً ثنائياً، إلا أن الاتصالات بدأت على أعلى مستوى، وأتى اجتماع بغداد قبل أسبوع ليلقي الضوء على التقارب الإيراني الفرنسي بعد دخول شركة "توتال إينرجيز" الفرنسية بقوّة إلى السوق العراقي، باتفاق تبلغ قيمته 27 مليار دولار، وهو وفقا لمسؤولين عراقيين من أضخم العقود في قطاع النفط.
وأضاف قمورية أن "الاتفاق في بغداد مع توتال هو مفتاح الاتفاق الأوسع الذي بموجبه إيران أخذت مقابلا وبالتالي أتى تسهيل التشكيل بعد كل هذه المدة في المفاوضات"، مشيراً إلى أن الحكومة "يُشارك فيها كُل الطبقة السياسية تقريباً وهو ما يوضح أن هناك خرقاً ما حصل أدى إلى هذه النتيجة".
وقالت وسائل إعلام لبنانية إن تدخلاً فرنسياً جرى في الساعات الماضية أدى إلى تسهيل عملية التشكيل، وكان الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، قد زار لبنان مرتين عقب انفجار 4 أغسطس، العام الماضي، مطلقاً مبادرته. وأرسل لاحقاً موفدين لمتابعة ما وصل إليه القادة السياسيين، بعد أن كان تعهد للبنانيين بمساعدتهم مباشرة من دون المرور من القنوات الرسمية، وهو ما تغير لاحقاً بشكل كامل.
وفي هذا السياق، قال الخبير الاقتصادي والمالي، إيلي يشوعي، لموقع "الحرة" إن "هناك تناقضا كبيرا في موقف الرئيس الفرنسي تجاه لبنان، فالقضاء في دولته وواحدة من أهم قضاة التحقيق تتهم حاكم مصرف لبنان رياض سلامة بتبييض الأموال وتنظيم شبكة أشرار وتوقيفه مؤخراً يندرج في هذا الإطار، وهو أي ماكرون، في الوقت نفسه يمارس ضغوطاً لتشكيل حكومة تحمي سلامة وكل هذه المنظومة وتعيد تعويم الأحزاب السياسية التي هي مسؤولة عن خراب لبنان وشعبه".
في المقابل، قال الوزير السابق، نقولا نحاس، في حديث لموقع "الحرة" إن "المفاوضات وصلت إلى نهايتها وتم الاتفاق على تشكيل الحكومة بالصيغة التي ظهرت اليوم بعد تذليل كل العقبات أمامها وهو ما حرص عليه الرئيس ميقاتي لكي يفتح الباب أمام التشكيل والعمل للخروج من الواقع الذي نعيشه".
وماذا عن الانتخابات النيابية وهل هذه الحكومة مهمتها واضحة؟
يقول الأستاذ الجامعي والناشط السياسي، علي مراد، لموقع "الحرة" إن "هناك ضغوطا إقليمية وأعتقد إنها مرتبطة بمؤشرات إلى أن الانتخابات قائمة ولا أحد قادر أن يؤجلها وبالتالي هم بحاجة لتشكيل الحكومة ومحاولة وضع البطاقة التمويلية ورفع معدلات الدولار والاستفادة من وجود حكومة لتحسين مواقعهم التي على أساسها سيخوضون الانتخابات المقبلة والتي قد تُعيدهم إلى مواقعهم".
وأرسل المجتمع الدولي رسائل واضحة في السنتتين الماضيتين وخاصة بعد استقالة حكومة حسان دياب، ربط فيها تشكيل الحكومة بأي مساعدة قد تُقدم إلى لبنان، ودعا ماكرون الساسة اللبنانيين إلى تشكيل حكومة جديدة لتنفيذ الإصلاحات في البلاد "وإلا لن يحصل لبنان على مساعدات دولية"، فيما شدّد الرئيس الأميركي، جو بايدن، في وقت سابق، على أنه "لن تكون أي مساعدة خارجية كافية إذا لم يلتزم قادة لبنان بإنجاز العمل الصعب إنما الضروري القاضي بإصلاح الاقتصاد ومكافحة الفساد".
وقال يشوعي إن "هذه الحكومة التي شكلتها الطبقة السياسية المسؤولة عن خراب لبنان ستقوم بالإشراف على الانتخابات، وبالتالي نحن من اليوم نعلم ما ينتظرنا وهذا ما لا يُمكن تخيله. الأحزاب نفسها التي عاثت فساداً أوكل إليها تنظيم انتخابات نيابية. هذا ما قدمه لنا المجتمع الدولي إلى الآن".
وأُقرّت، الخميس، البطاقة التمويلية التي من خلالها سيحصل كُل فرد في لبنان على مبلغ 25 دولاراً شهرياً لمدة سنة، كما سيكون بمقدور الحكومة التي يرأسها ميقاتي أن تُشرف على توزيع الأموال المتأتية من الدعم الدولي الذي يُقدم للعائلات الأكثر فقراً وغيرها من مساعدات ستصل إلى لبنان مستقبلاً.
وقال نحاس إن "هذه الحكومة بالطبع ستحرص على إنجاز الانتخابات النيابية في موعدها وهذا ما أكد عليه الرئيس ميقاتي، من دون أن تُسقط من حساباتها هموم الناس، ومن دون أيضاً أن تكون طرفاً".
ومع بدء التحضير لدى الكثير من المجموعات المعارضة للوائح انتخابية تخوض بها الانتخابات النيابية، قال مراد إن "مقتل الحالة الاعتراضية أن تفترض أن معركتها هي الانتخابات لأنها عملياً تعلن سلفاً احتمال هزيمتها. المطلوب اليوم من هذه المعارضة أن تبني تحالفاً بديلاً واسعاً وتقدم للناس مشهداً مختلفاً قد يكون قادراً على تحريك الشارع إذ لا بديل عن الشارع مع الأخذ بعين الاعتبار أن الناس بسبب الوضع الاقتصادي عزفت عن النزول إلى الشارع".
ويُراهن الأفرقاء السياسيون على مساعدات دولية ستصل بعد تشكيل الحكومة، وكان قد عُقد، الشهر المنصرم، مؤتمراً نظمته فرنسا والأمم المتحدة عبر الإنترنت، تعهدت خلاله الدول المشاركة بتقديم نحو 370 مليون دولار كمساعدات للبنان.
وقال مراد "قد تكون هذه الحكومة أسوأ من السابقة التي كان يرأسها حسان دياب لأنها ببساطة سيكون لديها قدرة أعلى على اتخاذ القرارات الصعبة بحق الفئات الأكثر فقراً في لبنان كونها تمثل الطبقة السياسية المسؤولة عن إفقار اللبنانيين".
واعتبر قمورية أن "هذه الحكومة باستطاعتها إدخال مليارين أو ثلاثة نتيجة علاقات ميقاتي ورغبة بعض المجتمع الدولي في حلحلة جزئية وعدم تدهور الأمور أكثر ولكن لا حلول جذرية بطبيعة الحال وهي ليست الحكومة التي يريدها اللبنانيون والتي تكون قادرة على ابتداع الحلول للأزمة، بل هي حكومة أفضل من البقاء من دون حكومة".
أما نحاس فاعتبر أن "الحكومة ستقوم بكل واجباتها وهذا الموضوع محسوم، هي أتت لتعالج الأزمات الحياتية والتحدي اليوم ألا تكون كباقي الحكومات، ولديها الإمكانية والإرادة لأن تصل إلى حل وتوقف الانهيار والوقت هو التحدي الكبير، مع الأخذ بعين الاعتبار أهمية أن يعملوا كفريق متجانس من دون تعطيل وهذا ما نتمناه، وأن يضعوا سياسات توصل البلد إلى بر الأمان والرهان عليهم كبير، في انتظار البيان الوزاري وما سيحمل معه".
في المقابل، اعتبر يشوعي أن "هذه الحكومة لن تحاسب أحداً ولن تفتح أي ملف ولن تصادر أملاك أحد ولن تستمر في التدقيق المالي الجنائي وستعرقله وتستمر في سياسة الاستدانة وإغراق لبنان في الديون وستفاوض صندوق النقد من موقع الضعيف وليس من موقع من يحمل مشروعاً إصلاحياً لإعادة بناء رأسمالنا الوطني بطريقة مدروسة وواعية وشفافة".