من المنزل البائس
من المنزل البائس | Source: MBN

يمتد حزام البؤس شيئاً فشيئاً في بيروت، وتتحول عائلات كانت مكتفية إلى الأمس، لتصبح اليوم تحت خط الفقر.. فجأة ظهرت المدينة بوشاح آخر مغاير لما عهده اللبنانيون. الأزمة التي تعصف بالبلد منذ ما يقارب السنتين تأخذ في طريقها كُل شيء، بينما لا شيء جدياً يحصل لوقف هذا التمدد المخيف لوجوه تستغيث من التعب، والجوع والعوز.

الأزمة الاقتصادية التي تُحاصر اللبنانيين تأخذ الطريق السريع نحو الهاوية، وفي طريقها، يحاول الركاب قدر الإمكان النجاة ولكن لا يبدو أن حظوظهم عالية.

عائلات بأسرها صارت تنتظر "الرحمة" كما يقولون، والرحمة هنا ليست بتدخل الدولة أو بصحوة وزارة تُعنى بشؤون الناس، بل هي في أحسن أحوالها جمعية تمدهم بالدواء وجار مرتاح يؤمن لهم القليل من الحبوب لمواجهة خواء بطونهم، أو صاحب محل عصير يسمح لهم بأن يتذوقوا سوائل مختلفة عن المياه.

وجوه متعبة لا تنتظر شيئا

يُحيط الفقراء أنفسهم بالكبرياء. غالبية منهم لا تضعف أو تحاول قدر الإمكان ألا يظهروا واقعهم لأنهم لا يحتملون الذل. هذا واقع كُثر، لا سيما في مناطق يقولون عنها إنها عشوائيات، ظلمها النظام المتغرب عنها، والمُجتمع الذي يُصنفها بحسب هواها السياسي، ومن تلك المناطق محلّة خندق الغميق العشوائية، التي تبعد بضعة أمتار عن وسط بيروت، وجه المدينة الحضاري المرمم الذي لا يغطي الندبات المنتشرة من حوله.

الخندق الغميق، أو كما يصطلح سكانه على تسميته، منطقة غالبيتها من الطائفة الشيعية، تغرق بالأسود الباقي من أيام عاشوراء وصور "القادة"، الأحياء منهم و"الشهداء"، تغطي معظم جدران الحي الذي يشعر سكانه أنهم معزولين عن محيطهم، وهم الذين يتحدرون من قرى جنوبية ومن نزح من عائلاتهم في السابق كانوا عمالاً في مرفأ بيروت والبلدية.

مرّ على الخندق الكثير: الحروب المتلاحقة، حروب محلية وخارجية. مناكفات ومناحرات ونزاعات ارتدت الطابع المذهبي وأخذت منه دون أن تعطيه. مرّ على الخندق الكثير، ولا شيء يُشبه ما يشهده اليوم. كان سكانه ينتظرون الحرب وهم اعتادوا أن يكونوا مجتمع حرب، ولم ينتظروا يوماً أن يُحاصرهم رغيف الخبز من دون أن يستطيعوا لوصول إليه.

بؤس الحي، يُختزل في منزل، أو منازل كثيرة لجأت إليها العائلات الجنوبية في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي بحثاً عن حياة لم يعثروا عليها، ولا الجيل الذي أتى بعدهم وجدها أو اقترب حتى منها، وآل حيدر الذين ترعرعوا في الحي خير شاهد على حياة صعبة، حوّلتها الأزمة الأخيرة إلى حياة مستحيلة، لكنهم يخوضونها إلى نهايتها.

في منزل يعود إلى الخمسينيات من القرن الماضي، تقطن 3 عائلات مع بعضها، كأنهم يتقاسمون غرف فندق ليس فيه من الخدمات شيئاً. المنزل ليس ملكهم، بل هو "إيجار قديم" باسم شقيق محمود حيدر الذي يقطن فيه مع عائلته المكونة من زوجته و5 أولاد، ويُشاركهم فيه مريم قاروط (61 عاماً)، وسلوى حيدر(49 عاماً) وشقيقتها ليلى (52 عاماً). ثلاث غرف نوم، لكل عائلة غرفتها وحمام واحد للجميع.

إلى أين من هنا؟

توفي زوج مريم قبل 21 عاماً.. كانت لا تزال في مقتبل عمرها. انزوت في غرفة في المنزل مع أدويتها التي لا تجد لها الأموال الكافية. اجتمعت في مريم كُل الأمراض تقريباً، قلب ضعيف وضغط متقلّب وسُكري، رغم أن بائع الحلويات الذي يبعد بنايتين عن المنزل لم تزره منذ أكثر من 3 سنوات. سرير صغير وخزانة أصغر لا تحتوي على الكثير، وتلفاز قديم هو كُل ما تملكه، وسجادة صلاة وضعتها في غرفة صغيرة جداً، حولتها إلى مكان تختلي فيه بنفسها و"بخالقها لتطلب الرحمة في أيام لا أحد يرحم فيها أحدا".

لم تخرج مريم من البيت منذ زمن. إلى أين تذهب؟ ولماذا؟ تؤنسها زيارة ابنها الذي تزوج مؤخراً وأقامت له حفل عرسه، أو "الزفة"، في الشارع لأنها لا تستطيع أن تدعو الناس إلى منزل لا مكان تُجلس فيه ضيوفها. التعب فعل فعله بمريم التي تمضي يومها في انتظار أن يقرع أحدهم الباب حاملاً معه مونتها لشهر من أدوية متنوعة تبلغ أكثر من 20.

في الغرفة المجاورة لمريم، تنام سلوى وشقيقتها ليلي. سلوى أيضاً مريضة، تخرج من غرفتها ثم تعود مسرعة حين تأتي الكهرباء كي تجلس على آلة ضخ الأوكسجين. رئتاها بحاجة إلى مساعدة كي تُبقيانها على قيد الحياة. قبل يومين ضاق صدرها وانحبس نفسها ولم تجد كهرباء تُسعفها، اتصلوا بالصليب الأحمر الذي كما يفعل كُل مرة "يُنقذها من نوبة جديدة"، في انتظار يوم آخر مع المعاناة المستمرة.

شقيقة سلوى، ليلى (52 عاماً)، من ذوي الاحتياجات الخاصة، تعاني من متلازمة داون. كلتاهما بحاجة إلى رعاية لا يجدانها. تحاولان على قدر ما أمكنهما تمرير الوقت بأقل ضرر. تُشير ليلى إلى صورة والديها، ثم تبتسم، وتعود وتُشير إلى جهاز شقيقتها وأيضاً تبتسم. تقول سلوى: "هي تُدرك أن بقائي إلى جانبها يؤمن استمراره هذا الجهاز، لهذا تبتسم".

في الصالون الكبير بجدرانه العالية التي تُصعب التدفئة في فصل الشتاء، يجتمعون بين الحين والآخر فهو المكان المشترك بين الجميع، إلى جانب الحمام. يروي مهدي (21 عاماً) وهو الابن الكبير لمحمود: "حين وقع انفجار المرفأ تناثر كل شيء. طار الزجاج والخشب كُل شيء. لقد أعادوا بعض الجمعيات ترميم المكان. على أي حال صار المكان أفضل".

وبينما يروي أهالي بيروت عن الانفجار الذي شردهم ودمرهم وأعادهم سنوات إلى الوراء. يروي آل حيدر عن الانفجار الذي ساعدهم على أن يُصلحوا منزلهم المتهالك.. النوافذ التي كان يصعب عليهم إصلاح ما تلف منها، عادت اليوم وكأنها جديدة مقارنة بالحال الذي كانت عليه قبل تاريخ 4 أغسطس. الجدران صارت أكثر بياضاً كقلوبهم الوديعة. يبتسمون بكبرياء. يتحدثون بخفر. يسألون ولا يطلبون.

إلى جانب مدخل المطبخ وغرفة محمود وعائلته، تقف مهى جواد، زوجته. إلى جانبها بناتها الأربعة ومهدي شقيقهم الأكبر في الجانب الآخر من الصالون. مهى لا تُفارق الابتسامة وجهها رغم أن لا شيء في حياتها يدعو للبسمة، تمشي إلى جانب محمود الذي غطى فمه بكمامة لا تقيه فقط من الوباء، بل تُخبئ ما فعل الزمن بأسنانه التي لم يبق منها الكثير. تقف على مدخل المطبخ حيث يتقاسمون خبز يومهم. تقول: "نتشارك كل شيء إلا الأكل. نحن عائلة كبيرة أما هم فلا. أنا أريد أن أطعم أولادي قبل أي شيء آخر. أفعل كُل شيء من أجلهم، فقط".

يسمع محمود كل مرة يمر إلى جانبه كلاماً من قبيل "كيف الإقامة في الفندق". يغص في الكلام. الغرفة التي ينامون فيها لا تتعدي الخمسة أمتار. قسموها بلوح من الخشب، فصارت غرفتين صغيرتين ينام فيها 7 أشخاص على فرشات صارت أقرب إلى السجاد من كثرة استعمالها. يضحك مهدي وهو يدل إلى الزاوية التي يضع فيها فراشه وينام. يقول: "أنا وحجمي (ضخم البنية) ننام هنا كُل يوم، لا أعرف كيف أغفو وكيف أصحو. أعد الأيام مع عائلتي".

مريم مدخنة. ابنة مهى الكبيرة آلاء (16 سنة) تبيعها علب الدخان، وما تجنيه منها تصرفه على شقيقاتها. حاولت طيلة فصل الصيف أن تجمع المال كي تذهب إلى شاطئ غير مختلط لكنها لم تنجح. نقلت مدرستها من رأس النبع إلى واحدة أقل جودة، تستطيع قدماها أن توصلها إليها مع شقيقاتها الثلاثة. كُلفة النقل شهرياً تكفيهم 6 أشهر أكل. هكذا تحسب آلاء حياتها.

من خلف كمامته يقول محمود: "يسألني الشيخ في الجامع عن أحوالي. أجيب: الحمد لله. شيخ آخر، ساعدنا بمبلغ 300 ألف ليرة، اشترت بهم مهى دواء الغسيل". ومهى عاتبة على المشايخ كعتابها على الدولة وكُل مسؤول: "يعيشون في النعيم ويتصدقون علينا بالقليل من العدس والفول". في عز غضبها لا يُمكنها أن تنزع عن وجهها الابتسامة. تهدأ وتردد "الله كبير".

أحزاب المنطقة، وتحديداً حركة أمل، تُساعد عائلة محمود في تعليم أولاده. المبلغ الباقي تصارع العائلة لتأمينه كي لا ينتهي الأمر بأولادهم من دون مستقبل، أو من دون أمل بالمستقبل. ومحمود، يعمل في مستودع "جريدة النهار"، وظيفته تحميل وتوزيع الجرائد ويحصل مقابل يوم عمل على 50 ألف ليرة. في الشهر الكامل يجني محمود 600 ألف ليرة أي 30 دولاراً. يكفونه وعائلته 5 أيام كحد أقصى.

كانت مهى تجلس على الشرفة تشاهد ابنها مهدي وهو يتنشق النرجيلة في القهوة المجاورة، ليس كزبون بل كموظف يحرص على أن يُشعلها (النرجيلة) لهم كي لا يتعبوا. تُشاهده وقلبها يحترق مع كُل جمرة يضعها فوق نرجيلة جديدة لزبون جديد. "ابني يحرق رئتيه. لماذا هذا الذل؟ من أجل أن نستطيع الأكل. هذا حالنا". تمضي عائدة إلى الصالون. مريم تنفخ سيجارتها في انتظار زيارة ابنها أو زيارة من يأتيها بالدواء. سلوى تقف على باب غرفتها وتضع على وجهها جهاز التنفس. ليلى بحالها. محمود ينظر إلى السقف، بينما بناته يحاولن أن يدعين الفرح من دون جدوى. مهدي يحرس أحلامه البعيدة عن مدخل المنزل.. العائلة بأسرها في "خندق".

سلاح حزب الله إلى أين؟ - رويترز
سلاح حزب الله إلى أين؟ - رويترز

بعد أن زج حزب الله بلبنان في حرب مدمرة مع إسرائيل، أوقعت ضحايا وخلّفت خراباً واسعاً وفاقمت الانهيار الاقتصادي، برز ملف الاستراتيجية الدفاعية في صدارة المشهد السياسي اللبناني.

وتزامن ذلك مع تصاعد المطالبات الداخلية والدولية بنزع سلاح الحزب وحصر القرار العسكري بيد الدولة اللبنانية، تنفيذاً للقرارات الدولية، وفي مقدمتها القرار 1701.

في هذا السياق، أكد الرئيس اللبناني، جوزاف عون، في خطاب القسم، عزمه وضع "استراتيجية دفاعية متكاملة على المستويات الدبلوماسية والاقتصادية والعسكرية". 

أما البيان الوزاري للحكومة، فشدد على ضرورة "حصر السلاح بيد الدولة"، ما يعني إنهاء مظاهر الازدواجية العسكرية التي تعيق قيام الدولة بمسؤولياتها السيادية.

ورغم أن الدعوة إلى وضع استراتيجية دفاعية تحظى بتأييد واسع، فإن التصورات حول مضمونها تبقى متباعدة إلى حد التناقض. 

فبينما يرى البعض أن إشراك سلاح حزب الله في هذه الاستراتيجية يقوض سيادة الدولة ويكرّس واقعاً ميليشيوياً، يشير آخرون إلى تجارب دولية احتوت جماعات مسلّحة ضمن منظومات دفاعية وطنية، غير أن موقف الحزب نفسه لا يزال ثابتاً في رفضه تسليم سلاحه.

فالحزب الذي وافق، بموجب اتفاق وقف إطلاق النار، على سحب سلاحه من جنوب الليطاني، يرفض تسليم ترسانته شمال النهر، ما يثير تساؤلات حول وجهة هذا السلاح وهدفه، خصوصاً في ظل سجل سابق من استخدامه داخلياً، كما حدث في أحداث 7 مايو 2008.

وأعلن النائب عن الحزب حسن فضل الله استعداد حزب الله للدخول في حوار حول الاستراتيجية الدفاعية، لكن هذا الموقف لم يترافق مع أي إشارات إلى نية التخلي عن السلاح.

وهو ما أكده عضو المجلس السياسي للحزب، غالب أبو زينب، بقوله إن "السلاح ليس مطروحاً للنقاش". 

أما الأمين العام لحزب الله، نعيم قاسم، فذهب أبعد من ذلك حين اعتبر أن "أي حديث عن حصر السلاح بيد الجيش اللبناني لا يعني سلاح حزب الله"، وذلك في تحدٍّ مباشر لموقف السلطة اللبنانية.

ويبقى السؤال: هل ستكون الاستراتيجية الدفاعية مدخلاً جدياً لسحب سلاح حزب الله، أم ستستخدم كغطاء جديد لتكريس ازدواجية السلاح وتثبيت هيمنة حزب الله داخل مؤسسات الدولة وتحت غطائها؟

نهاية حقبة

وانتهى الدور الذي لعبه سلاح حزب الله في السابق، كما شدد الخبير العسكري والاستراتيجي، العميد المتقاعد ناجي ملاعب.

وأكد أن "المرحلة الحالية تتطلب منح الدولة وقتاً كافياً لترسيخ هذه القناعة داخل البيئة الحاضنة للحزب، تمهيداً لترجمتها عملياً على أرض الواقع".

وقال ملاعب، لموقع "الحرة": "أعتقد أننا بدأنا نلمس هذا التحول في المزاج العام لدى بيئة حزب الله، حيث تنمو القناعة تدريجياً بأن هذا السلاح لم يؤد الدور الذي رُوّج له في السابق".

واعتبر أن هذا التحول يشكل فرصة جدية أمام رئيس الجمهورية والسلطات الرسمية للانتقال من مرحلة التفاهمات الضمنية إلى خطوات عملية واضحة، تستند إلى رؤية وطنية جامعة.

وأضاف "نحن اليوم أمام رئيس جمهورية سبق أن تولى قيادة الجيش لمدة خمس سنوات، وهو يمتلك خبرة عسكرية وأمنية واسعة، داخلياً وخارجياً. وقد أبدى في مختلف تصريحاته تمسكه بالسلم الأهلي، وهو معروف بقدرته على إدارة الأزمات بتوازن، دون أن يترك تداعيات سلبية معقدة، وبالتالي هو يتمتع بالحكمة والخبرة الكافيتين لقيادة البلاد في هذه المرحلة الدقيقة، والتعامل مع الملفات الأمنية الحساسة بمسؤولية عالية".

من جهته، أكد رئيس مركز الشرق الأوسط للدراسات والعلاقات العامة، العميد الركن المتقاعد الدكتور هشام جابر، أن إعداد استراتيجية دفاعية وطنية شاملة لم يعد ترفاً. 

وقال لموقع "الحرة": "منذ سنوات نطالب بوضع استراتيجية دفاعية، ومن غير المفهوم أن الدولة لم تبادر حتى اليوم إلى تشكيل لجنة متخصصة لهذا الغرض، علماً أن إعداد هذه الاستراتيجية لا يحتاج لأكثر من شهر، قبل عرضها على الحكومة ثم مجلس النواب لإقرارها بقانون".

أما القائد السابق لفوج المجوقل في الجيش اللبناني، العميد المتقاعد جورج نادر، فرأى في حديث لموقع "الحرة" أن تصريحات رئيس الجمهورية عن "استراتيجية الأمن الوطني" تشير إلى مقاربة أشمل من مجرد استراتيجية دفاعية. 

إذ تشمل وفق نادر "الأمن الداخلي والخارجي، الاجتماعي والسياسي والاقتصادي، إلى جانب الأمن العسكري. وبالتالي فإن الاستراتيجية الدفاعية ليست سوى جزء من منظومة الأمن الوطني الشاملة".

بدوره، شدد ملاعب على أن "استراتيجية الأمن الوطني لا يمكن اختزالها بالبعد العسكري، بل تشمل مختلف الأبعاد: الاقتصادية، المالية، الجغرافية، التربوية، وكل ما يشكل مكونات القوة الوطنية. ومن هذه الركائز تُبنى الاستراتيجية الدفاعية لتكون إطاراً شاملاً يحفظ أمن الدولة واستقرارها".

الدمج غير وارد؟

"أي استراتيجية دفاعية لا يمكن أن تستوعب سلاحاً خارج إطار الدولة"، كما رأى نادر، مؤكداً أن "القرار الرسمي اللبناني واضح في هذا السياق، ويقضي بحصر السلاح بيد الجيش اللبناني".

لذلك لا يمكن على الإطلاق كما أكد نادر "إدماج الحزب في استراتيجية الدفاع الوطني، لأن السلاح يجب أن يكون فقط بيد الجيش".

وأردف قائلا: "لا يمكن لمجموعة مسلّحة، ولو كانت مؤلفة على سبيل المثال من خمسة آلاف عنصر، أن تشكّل لواءً خاصاً بها داخل المؤسسة العسكرية وتحتفظ بسلاحها".

واستعاد نادر تجربة توحيد المؤسسة العسكرية بعد الحرب الأهلية، مشيراً إلى أن "الجيش خضع عام 1990 لعملية دمج شاملة، أنهت الانقسامات الطائفية والمناطقية، وأرست أسس مؤسسة وطنية موحدة. اليوم، لم يعد هناك مكان لألوية مذهبية أو فئوية، وأي عودة إلى الوراء ستُقوّض ما تحقق".

لذلك "من يرغب من عناصر الحزب في الدفاع عن لبنان فالباب مفتوح أمامه" كما قال نادر "للتطوع في صفوف القوات المسلحة اللبنانية، وفق الشروط المعتمدة، كما هو الحال مع أي مواطن لبناني آخر".

وأكد نادر أن "الاستراتيجية الدفاعية هي مسؤولية وطنية سيادية، تحدّد من هو العدو، وكيف تتم مواجهته، وبأي وسائل، ولماذا"، مشدداً على أنه "لا يمكن أن تترك هذه المهمة لأي فصيل مسلّح خارج سلطة الدولة".

مقاربة مختلفة

على خلاف نادر، رأى جابر أن الاستراتيجية الدفاعية "يجب أن تقوم على مبدأ أن مسؤولية الدفاع عن الوطن تقع أولاً على عاتق القوى النظامية، أي الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي، بالإضافة إلى قوات احتياط تنظّم ضمن إطار الدولة" وتشمل ما يعرف بـ"القوى شبه النظامية" أو Para-Military Forces.

وأوضح جابر أن "الأحزاب التي تمتلك سلاحاً، ومنها حزب الله، تخضع أسلحتها الثقيلة لإشراف الجيش اللبناني، بحيث تُخزَّن في مستودعات عسكرية، فيما يعود عناصر هذه القوى إلى حياتهم المدنية في الظروف العادية. ويتم تنظيم هذه العملية بشكل لوجستي دقيق، يسمح باستدعاء العناصر خلال 72 ساعة في حال إعلان الطوارئ أو تعرّض البلاد لخطر داهم".

وأضاف "في حالات الطوارئ، يستدعى هؤلاء إلى مراكز محددة من قبل قيادة الجيش، حيث يعاد توزيع السلاح عليهم وفق خطة مُسبقة، تحدد موقع كل عنصر ودوره ووقت تدخله، على أن تتم العملية تحت إشراف السلطة العسكرية العليا، أي قيادة الجيش والمجلس الأعلى للدفاع".

وعن مدى قدرة هذه المقاربة على إنهاء الازدواجية العسكرية، قال جابر "نعم، بالتأكيد. القيادة والقرار سيكونان بيد مؤسسة واحدة، ما يشكّل حلاً نهائياً وليس تسوية ظرفية أو مؤقتة".

واستشهد جابر بالنموذج السويسري، حيث يمكن للجيش رفع عديده من 50 ألفاً إلى نحو 370 ألفاً خلال 72 ساعة فقط عبر استدعاء الاحتياط، قائلاً "لا نسعى لأن نصبح سويسرا، لكن من خلال العمل الجاد والتنظيم، يمكننا بناء استراتيجية دفاعية تتيح لكل من يريد الدفاع عن الوطن أن يفعل ذلك ضمن كنف الدولة".

وشدد جابر على أن هذه الاستراتيجية لا تستهدف حزب الله وحده، بل تشمل جميع الأحزاب والقوى التي تمتلك سلاحاً.

وأوضح أن "من يرفض الانخراط في هذا الإطار تنزع منه الأسلحة. فهناك أيضاً عشائر وفصائل حزبية تمتلك سلاحاً ثقيلاً، ويجب أن يشملها الحل، سواء عبر الدمج ضمن الاستراتيجية الدفاعية أو من خلال نزع سلاحها".

وأشار إلى ضرورة شمول المخيمات الفلسطينية بهذا الإطار، مؤكداً أنه "لا يمكن المطالبة بنزع سلاح جهات لبنانية، مع الإبقاء على ترسانة قائمة داخل المخيمات".

أما فيما يخص السلاح الفردي، فكشف جابر عن وجود أكثر من ثلاثة ملايين قطعة سلاح خفيف في لبنان، كالمسدسات، مشيراً إلى إمكانية تنظيم هذا النوع من السلاح عبر آليات الترخيص لأغراض الحماية الشخصية.

خطوط حمراء.. ودعم

وتضع الولايات المتحدة الأميركية خطوط حمراء في مقاربتها للملف اللبناني، وفق ما يؤكده ملاعب، "أولهما ضمان أمن إسرائيل، وثانيهما الحفاظ على موقع رئاسة الجمهورية اللبنانية كمدخل لاستقرار النظام السياسي في لبنان".

وقال ملاعب "من رعا انتخاب رئيس للجمهورية وتشكيل حكومة وإطلاق مسار إصلاحي هي واشنطن، وبالتالي فإن هذه السلطة باتت بالنسبة لها خطاً أحمر لا يُسمح بإفشاله".

وأضاف أن المبعوثة الأميركية مورغان أورتاغوس، التي زارت بيروت مؤخراً، "لم تأتِ بسيف التهديد كما حاول البعض الترويج، بل حملت رؤية دعم واضحة، وعقدت لقاءات مع وزراء معنيين بملفات الاقتصاد، الإدارة، المالية والعدل، وناقشت معهم خطوات إصلاحية بدأت تترجم ميدانيًاً."

وأوضح ملاعب أن الموقف الأميركي لا يزال ثابتاً "الولايات المتحدة ستكون شريكاً للبنان فقط إذا مضى في طريق الإصلاح، ونجح في حصر السلاح بيد الدولة".

وأشار إلى أن اللقاءات اللبنانية–الأميركية الأخيرة عكست إجماعاً لبنانياً على ضرورة معالجة جذور الأزمة الأمنية، لا الاكتفاء بنتائجها. 

وقال "هناك موقف واضح من الدولة اللبنانية مفاده: إذا التزمت واشنطن بالضغط على إسرائيل للانسحاب من الأراضي اللبنانية المحتلة وتنفيذ القرار 1701 والاتفاقات الدولية ذات الصلة، فلن يبقى مبرر لأي سلاح خارج إطار الشرعية."

من جهته، شدد نادر على أن الحل الوحيد المقبول لقضية سلاح حزب الله يتمثل في "تسليم الحزب سلاحه للدولة، والانخراط في العمل السياسي كأي حزب لبناني آخر، ضمن القوانين والدستور".