وصول عشرات الصهاريج المحملة بالمازوت الإيراني إلى لبنان عبر سوريا
وصول عشرات الصهاريج المحملة بالمازوت الإيراني إلى لبنان عبر سوريا

وصلت اليوم الخميس أولى الشاحنات المحملة بالمازوت الإيراني إلى لبنان وسط استقبال شعبي "عفوي" أقامه حزب الله في مناطق البقاع بين العين وبعلبك، تخلله نثر الأرز ومواكب سيارة وأناشيد حزبية موجهة للأمين العام للحزب حسن نصرالله ويافطات انتشرت على طول الطريق من الحدود إلى بعلبك تشكره وتهلل للنصر الجديد و"فك الحصار". 

وموكب الشاحنات الذي وصل اليوم إلى لبنان، على دفعتين، آتياً من سوريا يبلغ 40 شاحنة، تحمل مليوني ليتر من مادة المازوت، من أصل ما يفوق 1300 شاحنة ستنقل أول شحنة من النفط الإيراني على دفعات بعد أن أفرغته السفن الإيرانية في مرفأ بانياس في سوريا، كي لا تُسبب مشاكل للحكومة اللبنانية نتيجة العقوبات المفروضة دولياً على طهران. 

ووصفت قناة "المنار" الناطقة باسم حزب الله موكب الشاحنات بـ"قوافل فك الحصار الأميركي" وهو ما سبق وقاله نصرلله في خطابات سابقة، وينسجم هذا التوصيف مع رؤية الحزب لما يحصل في لبنان، إذ يعتبر أن الأزمة الاقتصادية التي يمرّ بها هي نتيجة للحصار الغربي والأميركي عليه، وهو تماماً ما أعاد تكراره رئيس الحكومة السابق حسان دياب خلال اجتماع مع دبلوماسيين، ما استدعى رداً من السفيرة الفرنسية آن غريو حملت فيه دياب والطبقة السياسية والحكومات المتعاقبة مسؤولية الانهيار وليس الحصار. 

وستقوم شركة الأمانة للمحروقات بالإشراف على توزيع النفط الإيراني، وكان سبق لنصرالله أن حدد الفئات التي ستستفيد من المازوت الذي سيُقدم كهبات إلى المستشفيات الحكومية، دور العجزة والمسنين، دور الأيتام، مؤسسات المياه الرسمية في المحافظات، البلديات التي تتولى استخراج وضخ مياه الشفة من الآبار ضمن نطاقها، أفواج الإطفاء في الدفاع المدني والصليب الأحمر اللبناني. 

"يرمون لنا الفتات"

واللافت أيضاً، بحسب تصريحات لمدير شركة الأمانة للمحروقات أسامة عليق، أنه "سيتم بيع المازوت بأسعار تقل عن الأسعار المعتمدة رسمياً، لفئات عديدة بينها المستشفيات الخاصة، المراكز الصحية الخاصة، معامل الأدوية والأمصال، المطاحن، الأفران، السوبرماركت والتعاونيات الاستهلاكية التي تبيع المواد الغذائية، معامل الصناعات الغذائية، المؤسسات والشركات التي تتولى توليد وتأمين الكهرباء للمواطنين مقابل تقاضي الاشتراكات".

وعبرت البيئة الموالية لحزب الله عن فرحها بـ"الانتصار" كما وصفته، وأقامت الاحتفالات المتنقلة والسيّارة على امتداد الطريق الذي سلكته القافلتين من الحدود السورية في البقاع وصولاً حتى إلى العاصمة بيروت مروراً ببلدة العين وفي بعلبك. 

ويقول محمد مهدي، وهو من البقاع الأوسط ومن بيئة موالية للحزب،: "منذ سنتين والدولة لم تحرك ساكناً وكل الأحزاب الأخرى أيضاً. بالتالي ما قام به حزب الله اليوم مرحب به لأنه كما يبدو ليس هناك أي حل آخر. منذ بداية الأزمة ونحن نعيش الذل ونذوقه مراراً، واليوم نحن على أبواب فصل الشتاء والصقيع والاس ستموت من البرد وبالتالي عسى أن يُساهم المازوت الذي وصل اليوم في التخفيف من معاناة الناس". 

ويضيف مهدي: "المشكلة أننا لا نعيش في دولة. البلد منهار ومُهترئ وبالتالي تُصبح هكذا حلول ضرورية للناس العاديين الذين يعانوا الأمرّين، خاصة أن الاحتكار لن يزول بسبب الناظم القارئ٬ الذي يُشجع على هذا الأمر ولا يحمي الشعب من الفاسدين والمحتكرين". 

وترى رولا قبيسي وهي مواطنة من جنوب لبنان وتُقيم في بيروت ولا تتفق مع سياسات حزب الله أن "ما يحصل اليوم هو نتيجة طبيعية للواقع الذي أوصلونا إليه. لقد قاموا بتجويعنا (الطبقة السياسية) والآن يرمون لنا الفتات لأن الشعب لا يستطيع أن يُكمل على الحال نفسه من الجوع والذل والانتظار على محطات الوقود وأمام الأفران وفي التعاونيات والصيدليات" 

وبالرغم من الخلاف السياسي في الكثير من البيئات مع حزب الله، فإن الواقع يؤشر إلى أن الحال المأساوية التي وصل إليها الناس تجعلهم يتخطون الخلافات أو يؤجلون هذه الخلافات بسبب الحاجة الماسة إلى مواد أولية تُساعدهم خاصة على أبواب فصل الشتاء.  

انتصار وهمي

ويقول عمر هزيم وهو مواطن من عكار، شمال لبنان، إن "ما جرى اليوم هو انتصار وهمي لأن الحزب اليوم يتعدى على الدولة لأن هذه الصهاريج تدخل من دون أي جمرك ولا رقابة ولا حتى فحص جودة وبالتالي صار كأنه بطاقة تمويلية للحزب وبالتالي سيجني منها المال".

ويضيف: "الرأي العام الشعبي السائد هو أن الناس تعتقد أن الحزب سيجلب البنزين والمازوت وبالتالي سيساعدها على تخطي الأزمة وهم فعلياً لا يهتمون إلا إلى قوتهم، وبالتالي الناس ستهلل للمازوت إذا وصل إلى عكار كما حصل سابقاً في التليل".

وسبق لحزب الله منذ أكثر من أسبوع أن قام بزيارة إلى عكار، وجال على أهالي ضحايا انفجار التليل الذي ذهب ضحيته عشرات الضحايا والمصابين، واستقبلتهم العائلات بترحاب وقام الوفد بتوزيع مبالغ من المال على المتضررين في خطوة لم يقم بمثيل لها نواب المنطقة أو الفاعلين في الشمال.

ويرى هزيم أن "الحزب هو جزء من الخراب الذي يعاني منه لبنان وهو اليوم يقوم بتبييض صفحته والناس تُهلل له لأنها محتاجة ولأنها تعيش ضائقة كبيرة خاصة في منطقة الشمال وبالتالي يرون أن هذا الأمر يؤدي إلى انفراجة هم بحاجة إليها، وبالتالي الناس اليوم مظللة وتردد كُل من يأتي لي بالنفط أنا معه، وبالتالي يُصبح اللعب على وجع الناس وسيلة لكسب ودهم".

واللافت أنه توازياً مع وصول المازوت الإيراني إلى لبنان، كانت باخرة النفط العراقي تُفرغ حمولتها في مصفاتي الزهراني ودير عمار وتبلغ 31 طناً، بعد أن أجري أمس الأربعاء اختبار لمطابقة مواصفات الفيول وأتت النتيجة إيجابية وبدأت عملية التفريغ اليوم الخميس، فيما احتل خبر المازوت الإيراني الحيز الأهم من الأخبار المحلية.

ويعتبر شربل ن. وهو صاحب محل حلاقة في منطقة الشياح أن "همّه اليوم هو أن يؤمن المازوت كي يستمر بعمله لأنه يُعيل 3 عائلات من خلال ما يجنيه وبالتالي لن يُمانع إذا توفر له المازوت من أي مكان كان لأن الغاية تُبرر الوسيلة"، مُشيراً إلى أنه "في الشهر المنصرم اضطر أن يقفل المحل لأكثر من 20 يوماً بسبب شح المازوت ما تسبب له بخاسرة كبيرة".

وغابت التصريحات الرسمية اليوم حول موضوع البواخر وكان رئيس الجمهورية ميشال عون قد وقع منذ أيام على مراسيم تشكيل حكومة جديدة بعد أكثر من عام على استقالة حكومة حسان دياب إثر انفجار مرفأ بيروت في 4 أغسطس 2020، فيما عبر بعض معارضي الحزب عن تخوفهم من عقوبات تشمل لبنان بسبب النفط الإيراني، فيما أكد الوزير السابق جبران باسيل حليف حزب الله أنه "إذا تم الإصرار على حرمان اللبنانيين من المحروقات فيحق لهم أن يحصلوا عليها من أيّ مكان".

ويقول رامي. س. وهو صاحب عمل حر في منطقة راشيا في البقاع الغربي: "من حيث المبدأ أنا ضده خصوصاً بالشكل اللاشرعي لدخوله الأراضي اللبنانية وهذا أحد أوجه انحلال الدولة اللبنانية، أما في الحالة الاقتصادية الصعبة الموجودة ربما يكون بلسماً لبعض العائلات في أيام البرد ويساعد في حل جزء من حاجة المستشفيات والأفران وغيرها".

ويصل إلى لبنان سنوياً قبل الأمة ما يوازي 360 ناقلة نفط، وبالتالي فإن البواخر الإيرانية لا يمكن لها أن تغطي حاجة السوق اللبناني، إلا أن اتجاه حزب الله أن يستخدم كميان النفط التي ستأتي لتلبية حاجات المستشفيات والمؤسسات الخدماتية والناس على وجه التحديد كما يقول مسؤولوه، فيما تتجه الحكومة الجديدة إلى رفع الدعم عن المحروقات في الأيام القليلة المقبلة.

"ليس طلبا من الحكومة"

وفي تعليق سابق على قضية النفط الإيراني، قال مساعد وزير الخارجية الأميركية بالوكالة لشؤون الشرق الأدنى، جوي هود، في مقابلة مع "الحرة"، "أعتقد أنني رأيت قبل أن آتي إلى هنا أن الحكومة اللبنانية أوضحت أنها لم تطلب أي نفط من الحكومة الإيرانية".

وجدد هود التأكيد أن الطلب لم يأت من الحكومة، مضيفا: "سنراقب ذلك بعناية. وبالتأكيد لا نشجع الحكومات على استيراد النفط من إيران لأنها تخضع للعقوبات، ولكننا نتطلع إلى أي وسيلة ممكنة لمساعدة الشعب اللبناني ليس فقط في مجال النفط إنما أيضاً في المساعدات الإنسانية. لذلك الحكومة الأميركية هي أكبر المانحين للمساعدات الإنسانية إلى الشعب اللبناني ليس فقط منذ انفجار المرفأ في أغسطس من عام 2020 ولكن لسنوات عديدة مضت".

وفي أغسطس الماضي، نقلت الوكالة اللبنانية الوطنية للإعلام أن الرئيس اللبناني ميشال عون، تلقى اتصالا من السفيرة الأميركية في لبنان، دوروثي شيا، أبلغته خلاله بعزم الولايات المتحدة "متابعة مساعدة لبنان" في مجال الطاقة.

ونقلت الوكالة أن السفيرة أبلغت الرئيس اللبناني أنها "تبلغت قرارا من الإدارة الأميركية بمتابعة مساعدة لبنان لاستجرار الطاقة الكهربائية من الأردن عبر سوريا، وذلك عن طريق توفير كميات من الغاز المصري الى الأردن، تمكنه من إنتاج كميات إضافية من الكهرباء لوضعها على الشبكة التي تربط الأردن بلبنان عبر سوريا. كذلك سيتم تسهيل نقل الغاز المصري عبر الأردن وسوريا وصولا الى شمال لبنان".

ولفتت السفيرة شيا، بحسب الوكالة، إلى أن "الجانب الأميركي يبذل جهدا كبيرا لإنجاز هذه الإجراءات، وأن المفاوضات جارية مع البنك الدولي لتأمين تمويل ثمن الغاز المصري وإصلاح خطوط نقل الكهرباء وتقويتها والصيانة المطلوبة لأنابيب الغاز".

سلاح حزب الله إلى أين؟ - رويترز
سلاح حزب الله إلى أين؟ - رويترز

بعد أن زج حزب الله بلبنان في حرب مدمرة مع إسرائيل، أوقعت ضحايا وخلّفت خراباً واسعاً وفاقمت الانهيار الاقتصادي، برز ملف الاستراتيجية الدفاعية في صدارة المشهد السياسي اللبناني.

وتزامن ذلك مع تصاعد المطالبات الداخلية والدولية بنزع سلاح الحزب وحصر القرار العسكري بيد الدولة اللبنانية، تنفيذاً للقرارات الدولية، وفي مقدمتها القرار 1701.

في هذا السياق، أكد الرئيس اللبناني، جوزاف عون، في خطاب القسم، عزمه وضع "استراتيجية دفاعية متكاملة على المستويات الدبلوماسية والاقتصادية والعسكرية". 

أما البيان الوزاري للحكومة، فشدد على ضرورة "حصر السلاح بيد الدولة"، ما يعني إنهاء مظاهر الازدواجية العسكرية التي تعيق قيام الدولة بمسؤولياتها السيادية.

ورغم أن الدعوة إلى وضع استراتيجية دفاعية تحظى بتأييد واسع، فإن التصورات حول مضمونها تبقى متباعدة إلى حد التناقض. 

فبينما يرى البعض أن إشراك سلاح حزب الله في هذه الاستراتيجية يقوض سيادة الدولة ويكرّس واقعاً ميليشيوياً، يشير آخرون إلى تجارب دولية احتوت جماعات مسلّحة ضمن منظومات دفاعية وطنية، غير أن موقف الحزب نفسه لا يزال ثابتاً في رفضه تسليم سلاحه.

فالحزب الذي وافق، بموجب اتفاق وقف إطلاق النار، على سحب سلاحه من جنوب الليطاني، يرفض تسليم ترسانته شمال النهر، ما يثير تساؤلات حول وجهة هذا السلاح وهدفه، خصوصاً في ظل سجل سابق من استخدامه داخلياً، كما حدث في أحداث 7 مايو 2008.

وأعلن النائب عن الحزب حسن فضل الله استعداد حزب الله للدخول في حوار حول الاستراتيجية الدفاعية، لكن هذا الموقف لم يترافق مع أي إشارات إلى نية التخلي عن السلاح.

وهو ما أكده عضو المجلس السياسي للحزب، غالب أبو زينب، بقوله إن "السلاح ليس مطروحاً للنقاش". 

أما الأمين العام لحزب الله، نعيم قاسم، فذهب أبعد من ذلك حين اعتبر أن "أي حديث عن حصر السلاح بيد الجيش اللبناني لا يعني سلاح حزب الله"، وذلك في تحدٍّ مباشر لموقف السلطة اللبنانية.

ويبقى السؤال: هل ستكون الاستراتيجية الدفاعية مدخلاً جدياً لسحب سلاح حزب الله، أم ستستخدم كغطاء جديد لتكريس ازدواجية السلاح وتثبيت هيمنة حزب الله داخل مؤسسات الدولة وتحت غطائها؟

نهاية حقبة

وانتهى الدور الذي لعبه سلاح حزب الله في السابق، كما شدد الخبير العسكري والاستراتيجي، العميد المتقاعد ناجي ملاعب.

وأكد أن "المرحلة الحالية تتطلب منح الدولة وقتاً كافياً لترسيخ هذه القناعة داخل البيئة الحاضنة للحزب، تمهيداً لترجمتها عملياً على أرض الواقع".

وقال ملاعب، لموقع "الحرة": "أعتقد أننا بدأنا نلمس هذا التحول في المزاج العام لدى بيئة حزب الله، حيث تنمو القناعة تدريجياً بأن هذا السلاح لم يؤد الدور الذي رُوّج له في السابق".

واعتبر أن هذا التحول يشكل فرصة جدية أمام رئيس الجمهورية والسلطات الرسمية للانتقال من مرحلة التفاهمات الضمنية إلى خطوات عملية واضحة، تستند إلى رؤية وطنية جامعة.

وأضاف "نحن اليوم أمام رئيس جمهورية سبق أن تولى قيادة الجيش لمدة خمس سنوات، وهو يمتلك خبرة عسكرية وأمنية واسعة، داخلياً وخارجياً. وقد أبدى في مختلف تصريحاته تمسكه بالسلم الأهلي، وهو معروف بقدرته على إدارة الأزمات بتوازن، دون أن يترك تداعيات سلبية معقدة، وبالتالي هو يتمتع بالحكمة والخبرة الكافيتين لقيادة البلاد في هذه المرحلة الدقيقة، والتعامل مع الملفات الأمنية الحساسة بمسؤولية عالية".

من جهته، أكد رئيس مركز الشرق الأوسط للدراسات والعلاقات العامة، العميد الركن المتقاعد الدكتور هشام جابر، أن إعداد استراتيجية دفاعية وطنية شاملة لم يعد ترفاً. 

وقال لموقع "الحرة": "منذ سنوات نطالب بوضع استراتيجية دفاعية، ومن غير المفهوم أن الدولة لم تبادر حتى اليوم إلى تشكيل لجنة متخصصة لهذا الغرض، علماً أن إعداد هذه الاستراتيجية لا يحتاج لأكثر من شهر، قبل عرضها على الحكومة ثم مجلس النواب لإقرارها بقانون".

أما القائد السابق لفوج المجوقل في الجيش اللبناني، العميد المتقاعد جورج نادر، فرأى في حديث لموقع "الحرة" أن تصريحات رئيس الجمهورية عن "استراتيجية الأمن الوطني" تشير إلى مقاربة أشمل من مجرد استراتيجية دفاعية. 

إذ تشمل وفق نادر "الأمن الداخلي والخارجي، الاجتماعي والسياسي والاقتصادي، إلى جانب الأمن العسكري. وبالتالي فإن الاستراتيجية الدفاعية ليست سوى جزء من منظومة الأمن الوطني الشاملة".

بدوره، شدد ملاعب على أن "استراتيجية الأمن الوطني لا يمكن اختزالها بالبعد العسكري، بل تشمل مختلف الأبعاد: الاقتصادية، المالية، الجغرافية، التربوية، وكل ما يشكل مكونات القوة الوطنية. ومن هذه الركائز تُبنى الاستراتيجية الدفاعية لتكون إطاراً شاملاً يحفظ أمن الدولة واستقرارها".

الدمج غير وارد؟

"أي استراتيجية دفاعية لا يمكن أن تستوعب سلاحاً خارج إطار الدولة"، كما رأى نادر، مؤكداً أن "القرار الرسمي اللبناني واضح في هذا السياق، ويقضي بحصر السلاح بيد الجيش اللبناني".

لذلك لا يمكن على الإطلاق كما أكد نادر "إدماج الحزب في استراتيجية الدفاع الوطني، لأن السلاح يجب أن يكون فقط بيد الجيش".

وأردف قائلا: "لا يمكن لمجموعة مسلّحة، ولو كانت مؤلفة على سبيل المثال من خمسة آلاف عنصر، أن تشكّل لواءً خاصاً بها داخل المؤسسة العسكرية وتحتفظ بسلاحها".

واستعاد نادر تجربة توحيد المؤسسة العسكرية بعد الحرب الأهلية، مشيراً إلى أن "الجيش خضع عام 1990 لعملية دمج شاملة، أنهت الانقسامات الطائفية والمناطقية، وأرست أسس مؤسسة وطنية موحدة. اليوم، لم يعد هناك مكان لألوية مذهبية أو فئوية، وأي عودة إلى الوراء ستُقوّض ما تحقق".

لذلك "من يرغب من عناصر الحزب في الدفاع عن لبنان فالباب مفتوح أمامه" كما قال نادر "للتطوع في صفوف القوات المسلحة اللبنانية، وفق الشروط المعتمدة، كما هو الحال مع أي مواطن لبناني آخر".

وأكد نادر أن "الاستراتيجية الدفاعية هي مسؤولية وطنية سيادية، تحدّد من هو العدو، وكيف تتم مواجهته، وبأي وسائل، ولماذا"، مشدداً على أنه "لا يمكن أن تترك هذه المهمة لأي فصيل مسلّح خارج سلطة الدولة".

مقاربة مختلفة

على خلاف نادر، رأى جابر أن الاستراتيجية الدفاعية "يجب أن تقوم على مبدأ أن مسؤولية الدفاع عن الوطن تقع أولاً على عاتق القوى النظامية، أي الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي، بالإضافة إلى قوات احتياط تنظّم ضمن إطار الدولة" وتشمل ما يعرف بـ"القوى شبه النظامية" أو Para-Military Forces.

وأوضح جابر أن "الأحزاب التي تمتلك سلاحاً، ومنها حزب الله، تخضع أسلحتها الثقيلة لإشراف الجيش اللبناني، بحيث تُخزَّن في مستودعات عسكرية، فيما يعود عناصر هذه القوى إلى حياتهم المدنية في الظروف العادية. ويتم تنظيم هذه العملية بشكل لوجستي دقيق، يسمح باستدعاء العناصر خلال 72 ساعة في حال إعلان الطوارئ أو تعرّض البلاد لخطر داهم".

وأضاف "في حالات الطوارئ، يستدعى هؤلاء إلى مراكز محددة من قبل قيادة الجيش، حيث يعاد توزيع السلاح عليهم وفق خطة مُسبقة، تحدد موقع كل عنصر ودوره ووقت تدخله، على أن تتم العملية تحت إشراف السلطة العسكرية العليا، أي قيادة الجيش والمجلس الأعلى للدفاع".

وعن مدى قدرة هذه المقاربة على إنهاء الازدواجية العسكرية، قال جابر "نعم، بالتأكيد. القيادة والقرار سيكونان بيد مؤسسة واحدة، ما يشكّل حلاً نهائياً وليس تسوية ظرفية أو مؤقتة".

واستشهد جابر بالنموذج السويسري، حيث يمكن للجيش رفع عديده من 50 ألفاً إلى نحو 370 ألفاً خلال 72 ساعة فقط عبر استدعاء الاحتياط، قائلاً "لا نسعى لأن نصبح سويسرا، لكن من خلال العمل الجاد والتنظيم، يمكننا بناء استراتيجية دفاعية تتيح لكل من يريد الدفاع عن الوطن أن يفعل ذلك ضمن كنف الدولة".

وشدد جابر على أن هذه الاستراتيجية لا تستهدف حزب الله وحده، بل تشمل جميع الأحزاب والقوى التي تمتلك سلاحاً.

وأوضح أن "من يرفض الانخراط في هذا الإطار تنزع منه الأسلحة. فهناك أيضاً عشائر وفصائل حزبية تمتلك سلاحاً ثقيلاً، ويجب أن يشملها الحل، سواء عبر الدمج ضمن الاستراتيجية الدفاعية أو من خلال نزع سلاحها".

وأشار إلى ضرورة شمول المخيمات الفلسطينية بهذا الإطار، مؤكداً أنه "لا يمكن المطالبة بنزع سلاح جهات لبنانية، مع الإبقاء على ترسانة قائمة داخل المخيمات".

أما فيما يخص السلاح الفردي، فكشف جابر عن وجود أكثر من ثلاثة ملايين قطعة سلاح خفيف في لبنان، كالمسدسات، مشيراً إلى إمكانية تنظيم هذا النوع من السلاح عبر آليات الترخيص لأغراض الحماية الشخصية.

خطوط حمراء.. ودعم

وتضع الولايات المتحدة الأميركية خطوط حمراء في مقاربتها للملف اللبناني، وفق ما يؤكده ملاعب، "أولهما ضمان أمن إسرائيل، وثانيهما الحفاظ على موقع رئاسة الجمهورية اللبنانية كمدخل لاستقرار النظام السياسي في لبنان".

وقال ملاعب "من رعا انتخاب رئيس للجمهورية وتشكيل حكومة وإطلاق مسار إصلاحي هي واشنطن، وبالتالي فإن هذه السلطة باتت بالنسبة لها خطاً أحمر لا يُسمح بإفشاله".

وأضاف أن المبعوثة الأميركية مورغان أورتاغوس، التي زارت بيروت مؤخراً، "لم تأتِ بسيف التهديد كما حاول البعض الترويج، بل حملت رؤية دعم واضحة، وعقدت لقاءات مع وزراء معنيين بملفات الاقتصاد، الإدارة، المالية والعدل، وناقشت معهم خطوات إصلاحية بدأت تترجم ميدانيًاً."

وأوضح ملاعب أن الموقف الأميركي لا يزال ثابتاً "الولايات المتحدة ستكون شريكاً للبنان فقط إذا مضى في طريق الإصلاح، ونجح في حصر السلاح بيد الدولة".

وأشار إلى أن اللقاءات اللبنانية–الأميركية الأخيرة عكست إجماعاً لبنانياً على ضرورة معالجة جذور الأزمة الأمنية، لا الاكتفاء بنتائجها. 

وقال "هناك موقف واضح من الدولة اللبنانية مفاده: إذا التزمت واشنطن بالضغط على إسرائيل للانسحاب من الأراضي اللبنانية المحتلة وتنفيذ القرار 1701 والاتفاقات الدولية ذات الصلة، فلن يبقى مبرر لأي سلاح خارج إطار الشرعية."

من جهته، شدد نادر على أن الحل الوحيد المقبول لقضية سلاح حزب الله يتمثل في "تسليم الحزب سلاحه للدولة، والانخراط في العمل السياسي كأي حزب لبناني آخر، ضمن القوانين والدستور".