كل من يقصد شارع بدارو في العاصمة اللبنانية بيروت يعرف حمودي
كل من يقصد شارع بدارو في العاصمة اللبنانية بيروت يعرف حمودي

يبدأ من بعد الظهر إلى ساعة متأخرة من الليل. يجري في الشارع هو يضحك، يصرخ، يمازح من يصادفهم. الابتسامة قلما تفارق وجهه. دائم الحركة التي توحي وكأنه في عملية بحث عن شيء ما لا أحد يعرفه إلا هو. محمد الحميدي الملقب بـ "حمودي"، يعرفه كل من يقصد شارع بدارو في العاصمة اللبنانية بيروت. الشارع حيث المقاهي الموزعة على جانبي الطرق والشاهدة على مآسي "حمودي" وغيره من أطفال يتسولون، ليحيوا.

حمودي يبلغ من العمر 14 عاما وهو يعاني من متلازمة داون. يتحدث بطلاقة حين يريد ويسكت حين يريد. تصرفاته لا يمكن توقعها، فمرة قد يبتسم ويضحك ويغمر من يحدثه ومرة أخرى قد يدير ظهره بكل بساطة ويذهب في حال سبيله، وفي الحالتين هو خفيف الظل، لا يشبه أي أحد من الأطفال الذين يملأون الشارع ليلا بحثا عن المال، المياه، الأكل، أي شيء.

يمشي في الطريق في الساعات الأولى من الليل نزولا إلى أول الشارع. يقول إنه ذاهب ليرى حبيبه. يدخل إلى مقهى قريب لينظر إلى نفسه بالمرآة. يبتسم وهو يحاول أن يسرح شعره الذي يريده أن يطول أكثر، يؤشر بيده إلى أنه يريده أن يلامس أسفل ظهره. يشرب كوب المياه الذي قدمته له فتاة تعمل في المقهى بسرعة، يفتح الباب ويكمل ركضه وعلامات اللهفة بادية عليه.

يقطن حمودي في منزل مهجور في آخر الشارع

يقطن حمودي في منزل مهجور في آخر الشارع. منزل في مبنى لم يدخله أحد من سنوات، الأرجح منذ الحرب الأهلية اللبنانية التي انتهت من أكثر من 30 عاما. هجره آل سكاف وهم أصلهم من زحلة في البقاع ولا يأتون إليه إطلاقا.

والبناية المهجورة المكونة من 4 طبقات، تقف صامدة لتذكر بالحرب وويلاتها، تأوي اليوم عائلة حمودي التي هربت من حرب أخرى وويلات كثيرة جرت منذ العام 2011 في سوريا. أراد الوالد موسى الحميدي أن يبعد أطفاله عن الدمار، فأسكنهم في بناية نصف مدمرة، ينتظر آخر الشهر 400 ألف من الأمم المتحدة صارت اليوم 800 ألف لا تكفيه بضعة أيام. لموسى 12 طفلا مع حمودي، يحتاج يوميا لـ 7 ربطات خبز، هذا فقط الخبز.

يصعد موسى بصعوبة الدرج. أولاده يقطنون في الطابق الأخير المكشوف تماماً أمام العواصف التي ستأتي عما قريب وتغرق المكان بالمياه. هو أخذ لنفسه ملجأ في بناية مجاورة يتشارك الغرفة فيها مع زوجته فاطمة وابنه الصغير. باقي الأولاد يقطنون في المبنى المعدوم في الجهة المقابلة له، بين جدران لا يمكن أن تتحول منزلا بأي شكل من الأشكال. هي مجموعة من الغرف والأبواب والنوافذ التي حاول مع أولاده أن يقفلوها ببقايا أخشاب من الورشة المجاورة.

أولاده يقطنون في الطابق الأخير المكشوف تماماً أمام العواصف

حمودي يعيش مع أخوته في هذا المكان الذي يصلح لكل شيء إلا للعيش. يمضي فيه ساعات الليل وهو أساسا يعود متأخرا، ينام على فراش أقرب ليكون سجادة، متهالك ككل شيء في حياته. يبدأ نهاره بعد الظهر وينهيه حين يقفل الشارع بالكامل، أي بعد منتصف الليل. روتينه اليومي الذي لا يخلو من مغامرات لا يدرك كم الخطورة التي فيها إلا في أحيان قليلة جدا، حين يتحول العنف معه ليكون تحرشا ومحاولة اغتصاب.

قبل نحو عامين، ركض حمودي في الشارع وهو يصرخ ويبكي. وصل إلى مطعم قريب من المكان الذي يسكن فيه والده. سأله الموظفون ما به فروى لهم أن هناك من كان يتحرش به. طبعا هو لا يعرف ما يعني التحرش لكنه كان خائفا. يقول الوالد: "هناك من حاول اغتصابه. رجل ثلاثيني متسول وسكير اقترب منه ووضع يديه على أماكن حساسة. خاف حمودي وهرب".

الوالد ذهب سريعا إلى الشرطة التي تمكنت من إلقاء القبض على المعتدي وأودعته السجن لمدة سنة، قبل أن تفرج عنه وهو اليوم في الشارع، عاد إلى هوايته في شرب الخمر حتى الثمالة لينام في زاوية قريبة من حاويات القمامة. وحمودي دائم التواجد في الشارع، وإمكانية تعرضه لاعتداء آخر من الشخص نفسه أو من غيره قائمة دائما، في بلد صار فيه الأمن رفاهية لا يحظى به إلا المحظيين، وحمودي ليس واحدا منهم بالتأكيد.

لا يميز العملات. الألف ليرة كالمئة وكل شي بالنسبة له مئة. كثر يعطونه المال. قبل سنة كان لا يطلب من أحد، تغير اليوم، وهو بالطبع لا يعرف ما يفعل به. والده يقول إنه لا يأتي بالمال إلى المنزل. حمودي محاط بكل ما هو مؤذ، يستغله أطفال الشارع. هو محبوب والناس تعطيه وتتعاطف معه. مع الوقت تحول ليعمل لدى هؤلاء، الأطفال، الذين ينتظرونه آخر الليل ليأخذوا منه كل ما يملك من عملات. يقول والده: "أمس عاد وهو يبكي ويقول إن يحيى (أحد الأطفال المتسولين) ضربه وسلبه المال".

حمودي يعيش مع أخوته في هذا المكان الذي يصلح لكل شيء إلا للعيش

يتكرر الفعل نفسه كل يوم. حوله الشارع إلى شخص عنيف نسبيا لكنه إلى اليوم لا يعرف كيف يدافع عن نفسه إلا في مرات قليلة. تقول نايلة التي تعمل في أحد المقاهي في شارع بدارو: "كان لطيفا أكثر مما هو عليه اليوم. كان مهذبا. يأتي إلى المقهى ليشرب المياه ولينظر إلى نفسه في المرآة ويرقص". تضيف: "اليوم صار لديه نزعة عنفية تظهر بين الحين والآخر وشتائم لا تفارق لسانه بسبب المتسولين الذين يستغلونه ويعلمونه على أن يكون ابن شارع".

كل من يتردد إلى الشارع يعرفه. ربوا معه صداقة مختلفة فيها الكثير من التعاطف بالرغم من الشخصية التي تحول ليكونها مع مرور الوقت ويومياته التي لا تخلو من كل ما هو سيء وخطر وسلبي. مزاجه المتحول لا يخفي عفوية ظاهرة في التعامل مع كل من حوله، حتى حين يشتم هو يكرر ما سمعه ويضحك من دون أن يدرك أنه قد يجرح من حوله بكلامه.

البناية المهجورة المكونة من 4 طبقات، تقف صامدة لتذكر بالحرب وويلاتها

تقول مايا وهي تعرفت على حمودي منذ أن بدأت العمل في أحد مقاهي الشارع: "علاقتي معه تحكمها العاطفة، وأحاول استغلال هذا الأمر لأنبهه حول تصرفات معينة وألا يختلط بمن يمكن أن يستغله وهم كثر. يستمع إلي من حين لآخر وبإمكانه أن يقيم حديثا ويفهم ما تقوله له. لديه ذكاء خاصا. هو طيب كثيرا ولا يمكن لأي كان ألا يحبه".

تضيف: "حمودي يقول إنه يعطي المال لوالدته". لكن الوالد ينفي هذا الأمر. الوالدة طريحة الفراش وتعاني من آلام في معدتها ولديها "أمراض نسائية" كما يقول موسى من دون أن يكون لديه القدرة على أن يؤمن لها دخول المستشفى من أجل إجراء عملية جراحية.

يركض حمودي في الشارع حاملا معه خيبات لا تحصى قد لا يكون مدركا لغالبيتها. يعيش عالمه الخاص معتقدا أن هذا الشيء الطبيعي. يخوضها ويتعلم منها ويكتسب مهارة الحماية. والحماية ضرورية في كل دقيقة. يختفي ثم يعود ليظهر. أين يختفي؟ لا أحد يعلم. يتحدث بأشياء كثيرة ثم يعود ليتراجع عنها. منها أنه كان يتحدث عن حبيبه ثم مؤخرا صار يقول "من المعيب الحديث عن حبيبك". يردد أشياء يسمعها أو يلقنونه إياها. حمودي الوجه الآخر لشارع كان ينبض بالحياة ومتنفسا لمن يريد أن يهرب من مصائب كثيرة حوله. والشارع بالتأكيد ليس، ولن يكون متنفسا لحمودي، أبدا.

سلاح حزب الله إلى أين؟ - رويترز
سلاح حزب الله إلى أين؟ - رويترز

بعد أن زج حزب الله بلبنان في حرب مدمرة مع إسرائيل، أوقعت ضحايا وخلّفت خراباً واسعاً وفاقمت الانهيار الاقتصادي، برز ملف الاستراتيجية الدفاعية في صدارة المشهد السياسي اللبناني.

وتزامن ذلك مع تصاعد المطالبات الداخلية والدولية بنزع سلاح الحزب وحصر القرار العسكري بيد الدولة اللبنانية، تنفيذاً للقرارات الدولية، وفي مقدمتها القرار 1701.

في هذا السياق، أكد الرئيس اللبناني، جوزاف عون، في خطاب القسم، عزمه وضع "استراتيجية دفاعية متكاملة على المستويات الدبلوماسية والاقتصادية والعسكرية". 

أما البيان الوزاري للحكومة، فشدد على ضرورة "حصر السلاح بيد الدولة"، ما يعني إنهاء مظاهر الازدواجية العسكرية التي تعيق قيام الدولة بمسؤولياتها السيادية.

ورغم أن الدعوة إلى وضع استراتيجية دفاعية تحظى بتأييد واسع، فإن التصورات حول مضمونها تبقى متباعدة إلى حد التناقض. 

فبينما يرى البعض أن إشراك سلاح حزب الله في هذه الاستراتيجية يقوض سيادة الدولة ويكرّس واقعاً ميليشيوياً، يشير آخرون إلى تجارب دولية احتوت جماعات مسلّحة ضمن منظومات دفاعية وطنية، غير أن موقف الحزب نفسه لا يزال ثابتاً في رفضه تسليم سلاحه.

فالحزب الذي وافق، بموجب اتفاق وقف إطلاق النار، على سحب سلاحه من جنوب الليطاني، يرفض تسليم ترسانته شمال النهر، ما يثير تساؤلات حول وجهة هذا السلاح وهدفه، خصوصاً في ظل سجل سابق من استخدامه داخلياً، كما حدث في أحداث 7 مايو 2008.

وأعلن النائب عن الحزب حسن فضل الله استعداد حزب الله للدخول في حوار حول الاستراتيجية الدفاعية، لكن هذا الموقف لم يترافق مع أي إشارات إلى نية التخلي عن السلاح.

وهو ما أكده عضو المجلس السياسي للحزب، غالب أبو زينب، بقوله إن "السلاح ليس مطروحاً للنقاش". 

أما الأمين العام لحزب الله، نعيم قاسم، فذهب أبعد من ذلك حين اعتبر أن "أي حديث عن حصر السلاح بيد الجيش اللبناني لا يعني سلاح حزب الله"، وذلك في تحدٍّ مباشر لموقف السلطة اللبنانية.

ويبقى السؤال: هل ستكون الاستراتيجية الدفاعية مدخلاً جدياً لسحب سلاح حزب الله، أم ستستخدم كغطاء جديد لتكريس ازدواجية السلاح وتثبيت هيمنة حزب الله داخل مؤسسات الدولة وتحت غطائها؟

نهاية حقبة

وانتهى الدور الذي لعبه سلاح حزب الله في السابق، كما شدد الخبير العسكري والاستراتيجي، العميد المتقاعد ناجي ملاعب.

وأكد أن "المرحلة الحالية تتطلب منح الدولة وقتاً كافياً لترسيخ هذه القناعة داخل البيئة الحاضنة للحزب، تمهيداً لترجمتها عملياً على أرض الواقع".

وقال ملاعب، لموقع "الحرة": "أعتقد أننا بدأنا نلمس هذا التحول في المزاج العام لدى بيئة حزب الله، حيث تنمو القناعة تدريجياً بأن هذا السلاح لم يؤد الدور الذي رُوّج له في السابق".

واعتبر أن هذا التحول يشكل فرصة جدية أمام رئيس الجمهورية والسلطات الرسمية للانتقال من مرحلة التفاهمات الضمنية إلى خطوات عملية واضحة، تستند إلى رؤية وطنية جامعة.

وأضاف "نحن اليوم أمام رئيس جمهورية سبق أن تولى قيادة الجيش لمدة خمس سنوات، وهو يمتلك خبرة عسكرية وأمنية واسعة، داخلياً وخارجياً. وقد أبدى في مختلف تصريحاته تمسكه بالسلم الأهلي، وهو معروف بقدرته على إدارة الأزمات بتوازن، دون أن يترك تداعيات سلبية معقدة، وبالتالي هو يتمتع بالحكمة والخبرة الكافيتين لقيادة البلاد في هذه المرحلة الدقيقة، والتعامل مع الملفات الأمنية الحساسة بمسؤولية عالية".

من جهته، أكد رئيس مركز الشرق الأوسط للدراسات والعلاقات العامة، العميد الركن المتقاعد الدكتور هشام جابر، أن إعداد استراتيجية دفاعية وطنية شاملة لم يعد ترفاً. 

وقال لموقع "الحرة": "منذ سنوات نطالب بوضع استراتيجية دفاعية، ومن غير المفهوم أن الدولة لم تبادر حتى اليوم إلى تشكيل لجنة متخصصة لهذا الغرض، علماً أن إعداد هذه الاستراتيجية لا يحتاج لأكثر من شهر، قبل عرضها على الحكومة ثم مجلس النواب لإقرارها بقانون".

أما القائد السابق لفوج المجوقل في الجيش اللبناني، العميد المتقاعد جورج نادر، فرأى في حديث لموقع "الحرة" أن تصريحات رئيس الجمهورية عن "استراتيجية الأمن الوطني" تشير إلى مقاربة أشمل من مجرد استراتيجية دفاعية. 

إذ تشمل وفق نادر "الأمن الداخلي والخارجي، الاجتماعي والسياسي والاقتصادي، إلى جانب الأمن العسكري. وبالتالي فإن الاستراتيجية الدفاعية ليست سوى جزء من منظومة الأمن الوطني الشاملة".

بدوره، شدد ملاعب على أن "استراتيجية الأمن الوطني لا يمكن اختزالها بالبعد العسكري، بل تشمل مختلف الأبعاد: الاقتصادية، المالية، الجغرافية، التربوية، وكل ما يشكل مكونات القوة الوطنية. ومن هذه الركائز تُبنى الاستراتيجية الدفاعية لتكون إطاراً شاملاً يحفظ أمن الدولة واستقرارها".

الدمج غير وارد؟

"أي استراتيجية دفاعية لا يمكن أن تستوعب سلاحاً خارج إطار الدولة"، كما رأى نادر، مؤكداً أن "القرار الرسمي اللبناني واضح في هذا السياق، ويقضي بحصر السلاح بيد الجيش اللبناني".

لذلك لا يمكن على الإطلاق كما أكد نادر "إدماج الحزب في استراتيجية الدفاع الوطني، لأن السلاح يجب أن يكون فقط بيد الجيش".

وأردف قائلا: "لا يمكن لمجموعة مسلّحة، ولو كانت مؤلفة على سبيل المثال من خمسة آلاف عنصر، أن تشكّل لواءً خاصاً بها داخل المؤسسة العسكرية وتحتفظ بسلاحها".

واستعاد نادر تجربة توحيد المؤسسة العسكرية بعد الحرب الأهلية، مشيراً إلى أن "الجيش خضع عام 1990 لعملية دمج شاملة، أنهت الانقسامات الطائفية والمناطقية، وأرست أسس مؤسسة وطنية موحدة. اليوم، لم يعد هناك مكان لألوية مذهبية أو فئوية، وأي عودة إلى الوراء ستُقوّض ما تحقق".

لذلك "من يرغب من عناصر الحزب في الدفاع عن لبنان فالباب مفتوح أمامه" كما قال نادر "للتطوع في صفوف القوات المسلحة اللبنانية، وفق الشروط المعتمدة، كما هو الحال مع أي مواطن لبناني آخر".

وأكد نادر أن "الاستراتيجية الدفاعية هي مسؤولية وطنية سيادية، تحدّد من هو العدو، وكيف تتم مواجهته، وبأي وسائل، ولماذا"، مشدداً على أنه "لا يمكن أن تترك هذه المهمة لأي فصيل مسلّح خارج سلطة الدولة".

مقاربة مختلفة

على خلاف نادر، رأى جابر أن الاستراتيجية الدفاعية "يجب أن تقوم على مبدأ أن مسؤولية الدفاع عن الوطن تقع أولاً على عاتق القوى النظامية، أي الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي، بالإضافة إلى قوات احتياط تنظّم ضمن إطار الدولة" وتشمل ما يعرف بـ"القوى شبه النظامية" أو Para-Military Forces.

وأوضح جابر أن "الأحزاب التي تمتلك سلاحاً، ومنها حزب الله، تخضع أسلحتها الثقيلة لإشراف الجيش اللبناني، بحيث تُخزَّن في مستودعات عسكرية، فيما يعود عناصر هذه القوى إلى حياتهم المدنية في الظروف العادية. ويتم تنظيم هذه العملية بشكل لوجستي دقيق، يسمح باستدعاء العناصر خلال 72 ساعة في حال إعلان الطوارئ أو تعرّض البلاد لخطر داهم".

وأضاف "في حالات الطوارئ، يستدعى هؤلاء إلى مراكز محددة من قبل قيادة الجيش، حيث يعاد توزيع السلاح عليهم وفق خطة مُسبقة، تحدد موقع كل عنصر ودوره ووقت تدخله، على أن تتم العملية تحت إشراف السلطة العسكرية العليا، أي قيادة الجيش والمجلس الأعلى للدفاع".

وعن مدى قدرة هذه المقاربة على إنهاء الازدواجية العسكرية، قال جابر "نعم، بالتأكيد. القيادة والقرار سيكونان بيد مؤسسة واحدة، ما يشكّل حلاً نهائياً وليس تسوية ظرفية أو مؤقتة".

واستشهد جابر بالنموذج السويسري، حيث يمكن للجيش رفع عديده من 50 ألفاً إلى نحو 370 ألفاً خلال 72 ساعة فقط عبر استدعاء الاحتياط، قائلاً "لا نسعى لأن نصبح سويسرا، لكن من خلال العمل الجاد والتنظيم، يمكننا بناء استراتيجية دفاعية تتيح لكل من يريد الدفاع عن الوطن أن يفعل ذلك ضمن كنف الدولة".

وشدد جابر على أن هذه الاستراتيجية لا تستهدف حزب الله وحده، بل تشمل جميع الأحزاب والقوى التي تمتلك سلاحاً.

وأوضح أن "من يرفض الانخراط في هذا الإطار تنزع منه الأسلحة. فهناك أيضاً عشائر وفصائل حزبية تمتلك سلاحاً ثقيلاً، ويجب أن يشملها الحل، سواء عبر الدمج ضمن الاستراتيجية الدفاعية أو من خلال نزع سلاحها".

وأشار إلى ضرورة شمول المخيمات الفلسطينية بهذا الإطار، مؤكداً أنه "لا يمكن المطالبة بنزع سلاح جهات لبنانية، مع الإبقاء على ترسانة قائمة داخل المخيمات".

أما فيما يخص السلاح الفردي، فكشف جابر عن وجود أكثر من ثلاثة ملايين قطعة سلاح خفيف في لبنان، كالمسدسات، مشيراً إلى إمكانية تنظيم هذا النوع من السلاح عبر آليات الترخيص لأغراض الحماية الشخصية.

خطوط حمراء.. ودعم

وتضع الولايات المتحدة الأميركية خطوط حمراء في مقاربتها للملف اللبناني، وفق ما يؤكده ملاعب، "أولهما ضمان أمن إسرائيل، وثانيهما الحفاظ على موقع رئاسة الجمهورية اللبنانية كمدخل لاستقرار النظام السياسي في لبنان".

وقال ملاعب "من رعا انتخاب رئيس للجمهورية وتشكيل حكومة وإطلاق مسار إصلاحي هي واشنطن، وبالتالي فإن هذه السلطة باتت بالنسبة لها خطاً أحمر لا يُسمح بإفشاله".

وأضاف أن المبعوثة الأميركية مورغان أورتاغوس، التي زارت بيروت مؤخراً، "لم تأتِ بسيف التهديد كما حاول البعض الترويج، بل حملت رؤية دعم واضحة، وعقدت لقاءات مع وزراء معنيين بملفات الاقتصاد، الإدارة، المالية والعدل، وناقشت معهم خطوات إصلاحية بدأت تترجم ميدانيًاً."

وأوضح ملاعب أن الموقف الأميركي لا يزال ثابتاً "الولايات المتحدة ستكون شريكاً للبنان فقط إذا مضى في طريق الإصلاح، ونجح في حصر السلاح بيد الدولة".

وأشار إلى أن اللقاءات اللبنانية–الأميركية الأخيرة عكست إجماعاً لبنانياً على ضرورة معالجة جذور الأزمة الأمنية، لا الاكتفاء بنتائجها. 

وقال "هناك موقف واضح من الدولة اللبنانية مفاده: إذا التزمت واشنطن بالضغط على إسرائيل للانسحاب من الأراضي اللبنانية المحتلة وتنفيذ القرار 1701 والاتفاقات الدولية ذات الصلة، فلن يبقى مبرر لأي سلاح خارج إطار الشرعية."

من جهته، شدد نادر على أن الحل الوحيد المقبول لقضية سلاح حزب الله يتمثل في "تسليم الحزب سلاحه للدولة، والانخراط في العمل السياسي كأي حزب لبناني آخر، ضمن القوانين والدستور".