اشتباكات بيروت في 14 أكتوبر أعادت إلى الأذهان الحرب الأهلية التي شهدتها البلاد منذ عقود
اشتباكات بيروت في 14 أكتوبر أعادت إلى الأذهان الحرب الأهلية التي شهدتها البلاد منذ عقود

عاشت العاصمة اللبنانية بيروت، الخميس، خمس ساعات من مرحلة سبعينيات القرن الماضي، التي شهدت اندلاع أحداث الحرب الأهلية اللبنانية.

المميز الوحيد الذي ظل يشير إلى الحاضر في مشاهد اليوم، كان تقنيات التصوير الحديثة التي وثقت ما جرى من اشتباكات وانتشار مسلح وسقوط قتلى وجرحى، وما عدا ذلك فإن كل ما حصل اليوم في بيروت جاء نسخة طبق الأصل عن الحرب الأهلية بكل تفاصيلها. 

من مكان حدوثها، منطقة عين الرمانة – الشياح، وتحديداً دوار الطيونة الذي أعاد إلى الأذهان أحد أبرز وأشهر متاريس الحرب الأهلية وخطوط تماسها، إلى انتشار القناصين الذين حفروا عميقاً في الذاكرة اللبنانية وكانوا من أشهر معالم الحرب، وصولا إلى الهوية الطائفية والحزبية للمتقاتلين التي لا تزال هي نفسها حتى اليوم، وليس انتهاء بالضحايا المدنيين الأبرياء من أبناء المنطقة الذين دفعوا اليوم كما بالأمس الثمن الأكبر في الاشتباك. 

6 قتلى وأكثر من 40 جريحاً، بينهم حالات خطرة، هي الحصيلة الأولية لساعات الاشتباك الخمس. تخللها ترويع أصاب جميع اللبنانيين وطال بشكل خاص أهالي المنطقة الذين حوصروا في منازلهم تحت الرصاص والقذائف، واضطر عدد كبير منهم للنزوح عن منازلهم خوفاً من تمدد الاشتباكات واشتدادها، فيما أغلقت مدارس المنطقة أبوابها بعدما حوصر التلامذة في صفوفهم لساعات قبل أن يتمكن الجيش والدفاع المدني من سحبهم. 

روايات متضاربة

حتى الآن ما من رواية رسمية ونهائية لما حصل، المؤكد أن الإشكال بدأ مع توجه متظاهرين مناصرين لحزب الله وحركة أمل من منطقة الطيونة باتجاه قصر العدل في منطقة العدلية، للمشاركة في اعتصام دعا إليه الحزبان الشيعيان في سياق حملتهما المعارضة لأداء المحقق العدلي في قضية انفجار مرفأ بيروت القاضي طارق البيطار، مطالبين بتنحيته عن الملف. 

يقول جورج .ش، أحد سكان الحي الذي شهد بداية الاشتباكات، في حديثه لموقع "الحرة" إن "أنصار أمل وحزب الله دخلوا إلى الحي وهم يطلقون شعارات طائفية لاستفزاز أبناء المنطقة، مستغلين ضعف التعزيزات الأمنية عند مدخل هذا الحي لكونه طريقا فرعيا، لا يشهد اشتباكات في العادة وليس مواجها لخط تماس كما هو حال طريق صيدا القديمة، وعلى الفور بادروا إلى إطلاق الحجارة باتجاه المارة وتحطيم ممتلكات وسيارات السكان الذين اندفعوا على الفور إلى الشارع للدفاع عن المنطقة وأملاكهم وحصل الاشتباك لوقت قصير قبل أن يبدأ إطلاق النار بكثافة حيث تفرق الجميع." 

"حركة أمل" و"حزب الله" أصدرا بيانا مشتركاً قالا فيه إن أنصارهم "‏‏تعرضوا لإطلاق نار مباشر من قبل قناصين متواجدين على أسطح البنايات المقابلة، ‏‏تبعه إطلاق نار مكثف كان موجهاً إلى الرؤوس"، متهمين "مجموعات من حزب القوات اللبنانية" بممارسة أعمال القنص هذه، داعين إلى "محاسبة المتورطين والمحرضين وإنزال أشد العقوبات بهم." 

في المقابل رفضت "القوات اللبنانية" الاتهام واصفة إياه بـ"الباطل والمرفوض جملة وتفصيلاً"، وفي بيان لها اعتبرت أن "الغاية من اتهامها، حرف الأنظار عن اجتياح "حزب الله" لهذه المنطقة وسائر المناطق في أوقات سابقة"، مضيفة أن ما حصل جاء نتيجة عملية للشحن الذي بدأه حسن نصرالله منذ أربعة أشهر بالتحريض في خطاباته كلها على المحقق العدلي والدعوة الصريحة والعلنية لكف يده".

وأشار البيان إلى أن التقارير الإعلامية والفيديوهات المنتشرة في مواقع التواصل "تؤكد بالملموس الظهور المسلح بالأر بي جي والرشاشات والدخول إلى الأحياء الآمنة".

حتى رواية الجيش اللبناني للحادثة، أثارت ردود فعل وانقسامات لدى الرأي العام اللبناني، بسبب ما وصف على أنه تباين في الرواية، فبينما كان قد نشر تغريدة قال فيها إنه و"خلال توجه محتجين إلى منطقة العدلية تعرضوا لرشقات نارية في منطقة الطيونة- بدارو" عاد وفي بيان لاحق أشار إلى "وقوع إشكال وتبادل لإطلاق النار في منطقة الطيونة- بدارو، ما أدى إلى مقتل عدد من المواطنين، وأوقف الجيش ٩ أشخاص من الطرفين بينهم سوري الجنسية". 

احتقان سابق

عصام. أ، وهو أحد سكان الحي نفسه الذي شهد الاشتباكات، يؤكد أن كلا طرفي الاشتباك يدعيان أن الأحداث كانت مفاجئة فيما يعلمان أنهما يمارسان التحريض منذ الليلة السابقة للأحداث، "مجموعات الواتساب ومواقع التواصل الاجتماعي كانت تضج بالتحريض والتهديد والوعيد بين الطرفين، وكانت تصلنا رسائل التحريض والدعوات للتنبه والتحضر لما قد يجري صباحاً خلال توقيت التظاهرة." 

يضيف عصام في حديثه لموقع "الحرة"، أن "منذ الأمس والقوى الأمنية تتخذ تدابير استثنائية في المنطقة ويجري تداول معلومات عن إمكانية حصول اشتباك، وقد وجهت دعوات لأبناء المنطقة للتنبه، في المقابل كان أنصار أمل وحزب الله يتوعدون ويعبئون قواعدهم على مواقع التواصل ويتحضرون، عندما وصلوا إلى مدخل الحي بدأوا فورا بإطلاق الشتائم والعبارات الطائفية ورمي الحجارة، وكان هناك مجموعة في المقابل من أنصار حزب القوات وأبناء المنطقة المنتشرين على مداخلها منذ مساء الأمس، اشتبكوا معهم كلاميا ومن ثم بالحجارة والتضارب." 

لم يتمكن عصام من تحديد الجهة التي أطلقت النار في البداية، "كان مشهد اجتياح للحي بكل ما للكلمة من معنى، والناس هنا كانت متأهبة، يمكن أن يكون إطلاق النار قد حصل من أحد السكان أو أبناء المنطقة أو المحازبين فيها، ويمكن أن يكون من الطرف الآخر، كما يحكى عن قناصين، قد يكون طابوراً خامساً، لكن المؤكد أن الرد بالنار جاء بالوقت نفسه أيضاً وسرعان ما ظهر السلاح وتحول الجميع إلى مسلحين، وكان إطلاق النار يتم من الاتجاهين."

وكانت الليلة السابقة لهذه الأحداث قد شهدت تعبئة طائفية حادة في كلا الشارعين الشيعي والمسيحي، حيث رافقت دعوات حركة أمل وحزب الله للتظاهر مسيرات سيارة وتجمعات منددة بالقاضي طارق البيطار جابت شوارع الضاحية الجنوبية ورفعت شعارات داعمة ومؤيدة لكل من الوزير علي حسن خليل والنائب والوزير السابق غازي زعيتر المنتميين إلى حركة أمل والمتهمين بالإهمال الوظيفي الذي كان سبباً من أسباب انفجار المرفأ. 


كذلك شهدت مناطق عين الرمانة وفرن الشباك والأشرفية تحركات ليلية واستنفارات كان أبرزها رفع "صلبان مشطوبة"، وهي من رموز الميليشيات المسيحية خلال مرحلة الحرب الأهلية، في منطقة الأشرفية دعما للقاضي بيطار. 


انعكاسات لانفجار المرفأ 

وكان كل من حزب الله وحركة أمل قد أطلقوا حملة إعلامية قضائية وسياسية بوجه القاضي طارق البيطار الذي يتولى التحقيقات في ملف انفجار مرفأ بيروت، تتهمه بـ "الاستنسابية وتسييس التحقيقات"، وصلت إلى حد توجيه تهديدات مباشرة له، وتوعد علني بإزاحته عن التحقيقات اعتراضاً على استدعائه وزراء سابقين وأمنيين محسوبين على حلفاء حزب الله (حركة أمل وتيار المردة) لاستجوابهم بداعي الإهمال الوظيفي الذي أدى إلى انفجار المواد الكيميائية في المرفأ، متهمين البيطار باستهداف فريق سياسي واحد في تحقيقاته.

ويرى الكاتب والمحلل السياسي وجدي العريضي أن "ما حصل اليوم يصب في خانة الاحتقان السياسي السائد في البلد، على خلفية التحقيقات في انفجار مرفأ بيروت وبالتالي فإن تفجير مرفأ بيروت أدى إلى تفجير الساحات السياسية والقضائية واليوم الساحة الأمنية، وهناك مخاوف من أن تتفاقم الأوضاع مع التفلت الأمني الذي نشهده في الشارع المفتوح على كافة الاحتمالات نظرا لدقة الوضع ومخاطره. "

ويضيف العريضي في حديثه لـ"الحرة" أن "محاولات إسقاط أو إبعاد القاضي طارق البيطار عن التحقيق كان السبب الأبرز في الوصول إلى ما وصلنا إليه اليوم، وهناك مجموعة عوامل سياسية أدت إلى هذا الغرق منها الانقسام السياسي الحاد وسعي معظم الأطراف إلى تطيير الاستحقاقات الدستورية والانتخابية والوصول بالشارع إلى حالة الغليان." 

من جهته يرى المحلل والكاتب السياسي جورج شاهين أن "الهدف من كل ما جرى اليوم هو لإيقاف التحقيقات بقضية انفجار مرفأ بيروت، وأبعد من ذلك كان الهدف التشويش على زيارة نائبة وزير الخارجية الأميركية فيكتوريا نولاند إلى لبنان، حتى توقيت التحرك كان مدروساً خلال انتقالها من قصر بعبدا إلى عين التينة، والهدف استعراض الثنائي الشيعي لقوتهم، من أجل اقتلاع القاضي بيطار بثمن أمني." 

في المقابل يؤكد الصحافي والمحلل السياسي غسان جواد، أن "الهدف من التحرك الشعبي هو الاعتراض على أداء القاضي طارق البيطار وكان يمكن أن يمر هذا اليوم بشكل طبيعي، حيث جرى التحضير من أجل تسليم مجموعة من المحامين والقضاة مذكرة احتجاج قضائية، بطريقة حضارية وقانونية، لكن الكمين الذي استهدف المحتجين دفع إلى هذا التوتر الذي نتج عنه ردود فعل جاءت على شكل إحضار سلاح والرد بالنار على إطلاق النار الذي تعرضوا له." 

ويتابع جواد في اتصال مع موقع "الحرة" أن كل الأحزاب في لبنان تملك سلاحاً "وليس مستغرباً ظهور السلاح في بيئة المقاومة المعروف امتلاكها للسلاح علناً، لكن المستغرب كان ظهور القناصين واستخدام السلاح من قبل الطرف الآخر الذي يحاضر يومياً بمعارضته للسلاح ورفضه له فيما أظهر اليوم العكس." 

يجزم جواد أنه لا يمكن اليوم الحديث عن أي أمر مقبل في البلاد، "قبل أن تقوم الدولة بأجهزتها الأمنية والقضائية بتوقيف ومحاسبة المعتدين ومطلقي النار على المتظاهرين، وإلا فلا حكومة ولا تسيير لشؤون البلاد قبل حل هذا الملف، وإن لم تعالجه الدولة وتضرب بيد من حديد، ستتجه البلاد إلى مزيد من الفوضى التي قد تترجم بالشكل الذي رأيناه اليوم كأحداث أمنية متنقلة ومتقطعة." 

ما سر قلق حزب الله؟

يرى شاهين أن ما جرى اليوم كان توزيع أدوار مكشوف "الاعتصام النخبوي كان أمام قصر العدل إلا أن استعراض القوة جرى عند مستديرة الطيونة. " ويضيف "القاضي بيطار طال باستدعاءاته نواباً ووزراء تابعين لحركة أمل ولم يطل أيا من نواب أو ممثلي حزب الله، وبالتالي السؤال هنا ما علاقة حزب الله وما سر قلقه وقلق أمينه العام من التحقيقات وما سبب تكثيف الإطلالات الإعلامية التي تستهدف القاضي بيطار بعدما كانت استهدافاته تطال زعماء من الصف الأول عالميا؟ لماذا يتوجس حزب الله مما وصل إليه المحقق العدلي من معطيات؟ وهل وصل القاضي بيطار لدور ما لعبه حزب الله في قضية نيترات المرفأ حتى يتخذ هذا الموقف الحاد من القاضي إلى حد التهديد بالأمن والشارع؟"

ويتابع شاهين "الثنائي الشيعي يتدرج في المواقف، من تهديدات وفيق صفا  للقاضي بيطار في قصر العدل وهو ما لم ينفيه حزب الله بل عمل على أساسه وأكده لاحقاً خلال إطلالات الأمين العام للحزب حسن نصرالله التي هاجم خلالها البيطار بوضوح ودعا لوقف عمله."

"ثم تدرج الموقف إلى دخول المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى على الخط بمواقف متطرفة لم تكن معهودة خاصة بعد تصريحات المفتي أحمد قبلان وما قاله من كلام لا يجرؤ اليوم سياسي على قوله، ثم فضيحة مجلس الوزراء التي حاول فيها الثنائي الشيعي دفع الحكومة لمخالفة القانون والدستور والتدخل في عمل السلطة القضائية وصولا إلى ما ترجم اليوم على شكل أحداث أمنية قادها مناصرو الثنائي. أجواء التحدي التي شهدناها وفائض القوة التي يتعامل بها حزب الله مع ملف انفجار المرفأ أدت إلى أحداث اليوم." على حد قول شاهين. 

ويضيف "حتى الآن ليس هناك ما يوحي بأن ما جرى اليوم أكثر من حادث وردود فعل، ولا أعتقد أن الأمور ستتجه إلى فلتان أكبر إلا إذا كان الهدف إبعاد البيطار مهما كلف الثمن، وهو ما قد لا يتحقق بسهولة."

في المقابل يؤكد جواد أنه "ليس لحزب الله أي مصلحة في خلق توتير زمني في البلاد، فهو يرى أن أي ضرب لأمن واستقرار لبنان هو ضد أهدافه الاستراتيجية وتعرقل تحركاته، وبالتالي ينظر إلى ضرب الاستقرار في لبنان استهدافا مباشرا له لن يسمح به، وتجربة المقاومة الفلسطينية ماثلة أمامه ويستفيد منها، إلا أنه لا يمكن تمرير ما حصل اليوم ورفع التوتر دون محاسبة المرتكبين."

تصعيد سياسي 

يتوقع العريضي "أن تحمل المرحلة المقبلة تصعيدا سياسيا سيحدد شكل المواجهة القادمة، لا سيما مع ارتفاع عدد القتلى، اليوم يمكننا القول أن لبنان دخل مرحلة تغييرية على مستوى بنيته السياسية والأمنية دون أن نغفل ردود الفعل الدولية التي رافقت الأحداث إن على الصعيد الأوروبي أو الأميركي والجامعة العربية."

ويختم حديثه مؤكداً أن "لبنان يعيش مرحلة مفصلية، كل الأطراف اللبنانية لديها سلاح وبالتالي الشحن السياسي من جميع الأطراف يدفع الأنصار والمحازبين لحمل السلاح وبعد كل ما جرى اليوم، قد نحتاج إلى تسوية كبيرة ومؤتمر وطني لتجاوز هذه الأحداث."

حطام يظهر بالقرب من مبنى متضرر جراء غارة في لبنان
تبادل إطلاق النار بين إسرائيل وحزب الله أدى إلى نزوح السكان على جانبي الحدود

ازدادت جرعة التصعيد على الحدود الجنوبية للبنان بشكل غير مسبوق، الأربعاء، بعد العملية النوعية للجيش الإسرائيلي الذي استهدف خلالها قائداً عسكريّاً كبيراً في حزب الله بغارة على بلدة جويا مساء الثلاثاء.

واغتالت إسرائيل "القائد" طالب سامي عبد الله، كما وصفه حزب الله في بيانه، والملقب "أبو طالب"، مواليد عام 1969 من بلدة عدشيت في جنوب لبنان، مع ثلاثة عناصر من الحزب.

وأعلن الجيش الإسرائيلي أن "طالب عبد الله هو قائد وحدة نصر التابعة لحزب الله، وأحد أبرز قادة الحزب في جنوب لبنان، وقد خطط ونفذ عدداً كبيراً من الهجمات الإرهابية ضد المدنيين الإسرائيليين، وأنه قتل خلال استهداف مقر قيادة لحزب الله أديرت منه الاعتداءات التخريبية من منطقة جنوب-شرق لبنان".

وقال مصدر أمني لوكالة "رويترز" إن القيادي القتيل هو أبرز عضو في حزب الله يقتل في الأعمال القتالية الدائرة بين الجماعة وإسرائيل، وهو أعلى في الترتيب من وسام الطويل، القائد الكبير بحزب الله الذي قُتل في غارة إسرائيلية في يناير الماضي".

وأوضح المصدر أن عبد الله كان "قائد جماعة حزب الله بالمنطقة الوسطى من الشريط الحدودي الجنوبي. والأعضاء الأربعة استُهدفوا على الأرجح خلال اجتماع".

وكانت إسرائيل وسعّت ميدان مواجهتها مع حزب الله متخطية تبادل قصف المواقع والبنى التحتية إلى عمليات الاغتيال، ناقلة الصراع إلى مرحلة جديدة، حيث نجحت باستهداف قادة من الحزب، عبر عمليات عسكرية وأمنية، تجاوزت حدود جنوبي لبنان إلى سوريا ومعقل الحزب في الضاحية الجنوبية لبيروت.

ورفعت عملية اغتيال عبد الله وتيرة تبادل إطلاق النار بين حزب الله وإسرائيل، ومعها مخاوف الانزلاق نحو حرب شاملة، بعد الترنح على حافتها منذ الثامن من أكتوبر تاريخ فتح حزب الله جبهة جنوب لبنان "كجبهة مساندة" لحركة حماس في غزة.

تحت وابل النيران

رداً على اغتيال عبد الله، أطلق حزب الله عشرات صواريخ الكاتيوشا وقذائف المدفعية على إسرائيل منذ الصباح، حيث قصف بحسب ما أعلن في بيانات متتالية، مقر قيادة الفيلق الشمالي في قاعد عين زيتيم، والمقر الاحتياطي للفيلق الشمالي في قاعدة تمركز احتياط فرقة الجليل ومخازنها في "عميعاد"، ومقر وحدة المراقبة الجوية وإدارة العمليات الجوية على الاتجاه الشمالي في قاعدة ميرون، وموقعي حدب يارين وحانيتا، ومرابض مدفعية الجيش الإسرائيلي في خربة ماعر وانتشاراً لجنوده في محيطها.

كما استهدف موقع السماقة والتجهيزات التجسسية في موقع رويسات العلم، وموقع راميا، وموقع الراهب، وموقع رويسة القرن، وثكنة زرعيت.

وأعلن الجيش الإسرائيلي، الأربعاء، أنه رصد حوالي "160 مقذوفة" جرى إطلاقها من جنوب من لبنان، سقط بعضها في أماكن متفرقة مما أدى إلى اندلاع حرائق، كما اعترضت الدفاعات الجوية عدداً منها.

هذا التصعيد قابله قصف إسرائيلي طال القرى الحدودية اللبنانية، وهي بحسب "الوكالة الوطنية للإعلام"، أطراف بلدات بليدا لجهة عيترون، ويارون ومارون الراس ووادي حسن وحانين ومركبا -خلة مكنة وحولا، كما شن الطيران الإسرائيلي غارات متتالية على أطراف عدد من القرى والبلدات في القطاع الغربي من قضاء صور، واستهدف شرق بلدة العديسة، والمنطقة بين دير سريان والطيبة وأغار على منزل في بلدة ياطر.

وأدى القصف الإسرائيلي بحسب ما ذكرته "الوكالة الوطنية" إلى "اصابة مسعف من الهيئة الصحية ونجاة فريق العمل الرسالي بتفجير مسيرة انقضاضيه في ساحة بلدة مركبا".

وكان مسؤول في فيلق القدس الإيراني "الذي يشرف على حزب الله وغيره من الفصائل المرتبطة بإيران في الشرق الأوسط،" قال لمجلة "فورين بوليسي" إن "الحزب يمتلك أكثر من مليون صاروخ من أنواع مختلفة، بما في ذلك صواريخ موجهة بدقة وصواريخ كاتيوشا معدلة لزيادة الدقة، بالإضافة إلى صواريخ مضادة للدبابات. - صواريخ الدبابات".

وتشمل ترسانة حزب الله، كما تم الكشف عنها خلال حرب الاستنزاف الطويلة، وفق ما أوردت المجلة "طائرات بدون طيار انتحارية وطائرات بدون طيار أخرى مزودة بصواريخ روسية الصنع تتيح شن هجمات جوية من داخل الأراضي الإسرائيلية، إلى جانب نوع من الصواريخ الإيرانية يسمى "ألماس" مزود بكاميرا مستوحى من صاروخ سبايك الإسرائيلي، يغير هذا العتاد قواعد اللعبة لأنه يجعل المقاتلين أقل عرضة للهجمات الإسرائيلية على مواقع الإطلاق".

وتشير "فورين بوليسي" إلى أن إسرائيل تمتلك ترسانة أكبر بكثير من صواريخ جو-أرض تُطلق من طائرات حربية مختلفة وطائرات بدون طيار مسلحة.

تصعيد متوقع!

عمليات اغتيال إسرائيل لقادة وعناصر حزب الله و"محور الممانعة" بشكل عام ليست جديدة، كما يرى الخبير الإستراتيجي والعسكري، العميد المتقاعد ناجي ملاعب، "فقد استهدفتهم منذ زمن في سوريا، وعناصر هذا المحور لديهم عقيدة إيمانية بأن النصر حليفهم مهما فقدوا من قادة أو عناصر".

ويوضح ملاعب في حديث مع موقع "الحرة" أن "حزب الله استغل انشغال إسرائيل في حرب غزة، لرسم ميدان عسكري يستطيع التعامل معه في المدى القريب. فاستخدم قذائف لا تستطيع القبة الحديدية اعتراضها، مثل قذائف الكورنيت المباشرة أو صواريخ البركان قصيرة

المدى، ونجح في إخراج بعض مواقع الرصد في الجليل الأعلى وقواعد عسكرية إسرائيلية من الخدمة، بل وأصاب المنطاد الإسرائيلي الذي كان فخر الصناعة الإسرائيلية في وقته".

ويشير إلى أن إسرائيل تتعامل اليوم مع المواقع التي تطلق منها النيران في لبنان "مستخدمة عمليات رد مضاعفة، بقصف الأبنية وتشكيل حزام مدّمر، واستخدام قذائف فسفورية لحرق الأراضي الزراعية، كما طوّرت ضرباتها من خلال القيام بعمليات اغتيال ذكية لقادة وعناصر الحزب خارج الميدان المفتوح".

ويذكر ملاعب أن حزب الله "يمتلك زمام المبادرة طالما لم يصدر قرار إسرائيلي بالحرب. فالقرار الإسرائيلي يقتصر على الرد الأقوى، وهو ما يستدرج رداً أقوى من حزب الله، دون أن يتعدى ذلك".

من جانبه يرى رئيس "مركز الشرق الأوسط للدراسات والعلاقات العامة"، العميد الركن المتقاعد الدكتور هشام جابر، في حديث مع موقع "الحرة" أن التصعيد على الجبهة الجنوبية للبنان أمر طبيعي جداً لأن "إسرائيل تواجه تحديات كبيرة، فمناطقها الشمالية مشلولة، وتتعرض لخسائر يومية نتيجة قصف حزب الله لها، وجيشها مستنفر منذ مدة طويلة، والنازحون يضغطون على الحكومة من أجل العودة".

وأدى تبادل إطلاق النار إلى نزوح أكثر من 150 ألف شخص على جانبي الحدود، بحسب "فورين بوليسي" "مما حوّل البلدات الحدودية اللبنانية إلى مناطق تشبه غزة المصغرة. ويمتد الدمار تدريجياً إلى بلدات شمال إسرائيل، التي يطالب سكانها بشكل متزايد الدولة الإسرائيلية باتخاذ خطوات عملية لإعادتهم إلى منازلهم".

صيف ساخن أم حرب شاملة؟

إذا لم تتوقف حرب غزة، فإن صيف لبنان كما يرى جابر "سيكون أكثر سخونة، دون أن يصل الأمر إلى حرب شاملة، فالمؤشرات التي تمنع إسرائيل عن اتخاذ هذه الخطوة متعددة، منها أن المغامرة ستكون كبيرة جداً وتداعياتها قاسية، خاصة على بنيتها التحتية".

ويضيف جابر أن "حزب الله كذلك لا يريد حرباً واسعة، والدليل الأكبر على ذلك تصريحات نائب الأمين العام لحزب الله، نعيم قاسم، قبل أسبوعين بأن الحزب لن يقدم على هذه الخطوة، وتصريحات رئيس المجلس التنفيذي لحزب الله، هاشم صفي الدين بأن "على إسرائيل أن تجهّز نفسها للبكاء والعويل، بعد أن كانت تئنّ وتصرخ مما أصابها" في الشمال.

لدى حزب الله أسبابه التي تمنعه من فتح حرب واسعة بحسب ما يقول جابر، منها "رفضه تحمل مسؤولية تدمير لبنان، فهو يفضل أن يكون في موقع الرد. كما أن إيران لا تريد حرباً واسعة، لأن هذه الحرب إذا وقعت ستتطور وتتدحرج إلى منطقة الخليج العربي والبحر الأحمر، وحينها ستتدخل أميركا لإنقاذ إسرائيل، وستجد إيران نفسها في ورطة كبيرة، وبالتالي ليس لديها مصلحة في ذلك."

من جهة أخرى، "لا تريد أميركا هذه الحرب" وفقاً لجابر "وقد أبلغت الإسرائيليين بذلك مراراً، فهي في مرحلة انتخابات ولا تتحمل نتائج الحرب، والدول الأوروبية لا تريدها كي لا يتدفق آلاف النازحين على شواطئها. وخلال اجتماع الرئيس الأميركي جو بايدن والرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون في النورماندي، اتفق الاثنان على عدم السماح بفتح حرب في لبنان ومواصلة الضغط لمنع ذلك."

ويشير جابر إلى زيارة وزير الخارجية الأميركي، أنتوني بلينكن إلى إسرائيل الإثنين الماضي، "وهي الزيارة الأهم له، لأن هدفها إقناع إسرائيل بعدم الذهاب إلى حرب شاملة. ورغم أن نتانياهو اعتاد تجاهل مطالب أميركا، إلا أنه هذه المرة يجد نفسه مضطراً للامتثال لها، فهو بحاجة لدعمها لترميم حكومته".

أما ملاعب فيرى أن "إسرائيل لم تستطع التعامل مع 280 مقذوفاً من طائرات مسيرة وصواريخ أطلقت من إيران، فكيف ستتعامل مع 2500 صاروخ يوجه يومياً إلى الداخل الإسرائيلي؟ حتى الآن، لم يقصف حزب الله المدنيين، ولكن إذا تطور الوضع سيكون خطيراً جداً على إسرائيل".

ويوضح أن تقريراً أصدره معهد "رايخمان" الإسرائيلي، أعده 100 باحث على مدى ثلاث سنوات قبل 7 أكتوبر، يشير إلى أن "حزب الله يمتلك 150,000 صاروخ يستطيع إطلاق 2500 منها يومياً، والقبة الحديدية تستطيع التعامل معها لمدة أسبوع فقط".

ويقول ملاعب إن "إسرائيل بدأت التعامل مع تقرير رايخمان بزيادة هجماتها على مواقع وجود صواريخ حزب الله وأماكن صناعتها وكذلك أماكن تواجد منصات صواريخ الدفاع الجوي. كما نفذت 44 عملية في الداخل السوري هذا العام، استهدفت مستودعات تابعة لحزب الله والحرس الثوري الإيراني، بهدف تخفيف قدرات الحزب العسكرية".

ويشدد على أن "قرار الحرب الشاملة ليس بيد إسرائيل، بل بيد أميركا التي لديها خياران: إما اعتماد أسلوب دبلوماسي، وهو ما تتبناه الإدارة الحالية منذ وصول الرئيس بايدن، أو أن تسمح لإسرائيل باستعادة زمام المبادرة وضرب قدرات حزب الله باستخدام الطيران، وهي متفوقة في هذا المجال بفضل الطائرات أف 35 الخفية عن الرادار".

ولا يعتقد ملاعب أن الأمور ذاهبة إلى حرب شاملة، مرجحاً أن يكون هناك صيف ساخن فقط، "خاصة وأن أميركا في فترة انتخابات، وبالتالي لن يُتخذ أي قرار يضع الإدارة المقبلة أمام مشكلة تتسبب في أخطار كبيرة على إسرائيل".

كما أوردت "فورين بوليسي" أن "كلاً من حزب الله وإسرائيل يحصران حربهما إلى حد كبير على الأهداف العسكرية. وبعد ما يقرب من ثمانية أشهر من المعارك المنتظمة، يدرك الطرفان أن أي حرب واسعة النطاق بينهما ستكون مدمرة. يدرك حزب الله أن لبنان سوف يدمّر، مع سقوط آلاف القتلى. لكن إسرائيل تدرك أيضاً أن ما واجهته في غزة خلال الأشهر الماضية، دون تحقيق أهدافها الكاملة، لا يقارن بالحرب مع حزب الله".

وأسفر القصف المتبادل بين إسرائيل وحزب الله عن مقتل 467 شخصاً على الأقل في لبنان بينهم 306 من حزب الله وقرابة 90 مدنياً، وفق تعداد لوكالة فرانس برس يستند إلى بيانات حزب الله ومصادر رسمية لبنانية.

وأعلن الجانب الإسرائيلي من جهته مقتل 15 عسكرياً و11 مدنياً خلال شهور المواجهة الأخيرة.