سجن رومية قرب العاصمة اللبنانية بيروت. أرشيف

"ستندهش بأي الطرق قد يراودك الموت هنا"، يقول "الشيخ" 49 عاماً، وهو لقب نزيل في سجن رومية اللبناني منذ 4 سنوات، يمضي سجناً غير محدد المدة بسبب عدم خضوعه للمحاكمة بعد. "في السجن ليس أمامك إلا أن تفكر كي تمرر الوقت، قبل مدة جلسنا نحتسب الأسباب المنطقية للموت هنا قبل أن نرى الخارج مرة أخرى".

"ولكل الأسباب معطياتها المتوفرة بالفعل في سجن رومية، قد أموت قتلاً أو جوعاً، برداً أو مرضاً، انتحاراً أو نزفاً حتى الموت لأتفه الأسباب دون تلقي مساعدة طبية، وربما ينتهي عمري ببساطة وانا لم أحاكم بعد"، وفق ما يقول "الشيخ" في حديثه لموقع "الحرة"، ويضيف "الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم، السجين في هذه الأيام يشهد الموت البطيء، فالأزمة أرخت بظلالها على كافة جوانب حياته، يعيش أسوأ تفاصيل الانهيار وهو خلف القضبان وحيداً في ظل عجز الدولة، لا يستطيع الهرب ولا يجد مقومات البقاء."

يتعامل سجناء لبنان مع أوضاعهم المأساوية كقضية حياة أو موت، لا يوفرون جهداً في الاحتجاج والتعبير داخل السجن، والاستغاثة بكل ما هو خارجه، من منظمات إنسانية وحقوقية إلى جمعيات خيرية ودينية ووسائل إعلامية وصولاً إلى إصدار البيانات وتصويرها، من أجل لفت النظر إلى أحوالهم التي تتراجع على سلم أولويات بلاد تعاني من أسوأ أزمة سياسية اجتماعية واقتصادية في تاريخها، في وقت لم تكن السجون يوما أولوية للدولة اللبنانية في أفضل أيامها.

أواخر شهر ديسمبر من العام 2019، زارت نقابتا المحامين في بيروت وطرابلس سجن رومية للاطلاع على أوضاع السجناء فيه، "خرج المحامون يبكون حرفياً لما رأوه من مشاهد تقشعر لها الأبدان". هذه الواقعة التي يستذكرها مدير مركز حقوق السجين في نقابة المحامين في طرابلس المحامي محمد صبلوح، لم تكن إلا بداية الأزمة اللبنانية، إذ حصلت قبل أن يستفحل الانهيار المالي في البلاد، وتقع "الطامة الكبرى" على السجون، على حد وصفه.

الجوع.. أمر واقع

تؤمن الدولة اللبنانية الطعام لسجنائها، وتمنع في المقابل إدخال الطعام إلى السجون عبر الأهل خوفا من تهريب ممنوعات فيها إلى الداخل ولا سيما المخدرات، وفي المقابل أمام السجناء خيار آخر للحصول على الطعام، عبر ما يسمى بـ "حانوت السجن" وهو عبارة عن "كافيتريا" او متجر لبيع المواد الغذائية.

يؤكد محمد، 26 عاماً، وهو الاسم الأول لسجين في سجن زحلة المركزي، أن الدولة اللبنانية لا تزال ترسل الطعام إلى السجن، "ولكن أي طعام، أقسم أن الدجاج والكلاب قد لا يأكلون هذا الطعام لشدة ما هو مقرف، كتل مجبولة من الحبوب والبرغل لا طعم ولا رائحة ولا شكل، تذهب بمعظمها في نهاية اليوم إلى النفايات ولا يأكل منها إلا من تقطعت به سبل تأمين الطعام من داخل السجن، يأكل منها كي لا يموت جوعاً".

يتفق المحامي صبلوح مع رواية محمد، حيث يؤكد أن السجناء لم يعتمدوا يوماً على طعام السجن "ولا يحبونه في كل سجون لبنان، لكونه يفتقد للحد الأدنى المطلوب من معايير ليكون طعاماً". لكن وبعد أن وقعت الأزمة وتأثيراتها على الأسعار بات الاعتماد على طعام الحانوت ضرباً من الرفاهية يعجز معظم السجناء عن تأمينها إذ "باتت أسعار الحانوت أغلى من الأسعار في الخارج" وفق صبلوح، الأمر الذي اضطر عدداً كبيراً من السجناء لاختيار أكل السجن.

في المقابل، وبسبب انهيار القدرة الشرائية للعملة اللبنانية، تداعت فعالية الميزانيات الحكومية المرصودة للسجون، وانخفضت معها كميات الطعام اليومية، وتبدلت نوعيته نحو الأسوأ، حيث بات يفتقد أكثر إلى اللحوم التي لا تصل إلا كل 10 أيام مرة، بحسب ما يؤكد السجناء.

"حتى نوعية الخبز تغيرت، كل سجناء رومية لاحظوا أن ما يصلهم حديثاً من خبز أقل جودة مما كانت عليه، فالدولة تحاول التوفير بأي طريقة لتلتف على عجزها" يقول "الشيخ"، ويضيف "في المقابل ملزمين بالشراء من الحانوت الذي يبيع وفقاً للأسعار الباهظة التي تتبدل حسب سعر صرف الدولار دون رقابة او اهتمام او مراعاة للسجناء، ولكن في النهاية السجين ابن أهله الذين يعيشون في هذا البلد وبظروفه، ومن كان مدخوله مليون ونصف ليرة ولا يزال كيف سيؤمن لسجين فاتورة قد تصل إلى 600 ألف ليرة لتأمين أقل حاجياته؟"

 

فاتورة حانوت السجن

"لم يعد الجوع مجرد مثال يضرب في السجن، وكما في الخارج في السجن هناك جياع يباتون لياليهم بلا طعام بسب عجزهم عن تأمين ثمنه، أو بانتظار من يحن عليهم من السجناء المقتدرين بطعام من حصته"، بحسب ما يؤكد نزيل سجن زحلة.

من ناحيته يؤكد صبلوح أن وزارة الداخلية اعترفت بهذه الأزمة وحاولت أن تجد حلاً لها من خلال التواصل مع وزارة الاقتصاد والمعنيين للإبقاء على الأسعار المدعومة في متاجر السجن، "لكن المحاولة فشلت ورفع الدعم كما الحال في كل البلد."

السجناء ليسوا وحدهم

هذا الواقع لم يعد يقتصر على السجناء فقط، بل يتخطاه إلى الحراس من الأجهزة الأمنية والعسكرية، بحسب ما يؤكد مفوض العلاقات الدولية في الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان المتضمنة لجنة الوقاية من التعذيب في السجون، بسام القنطار، ففي آخر زيارة قامت اللجنة إلى سجن رومية "كان الواقع مزرياً جداً ويزداد سوءا مع اشتداد الأزمة، وليس فقط على السجناء بل أيضا على حراس السجن من عناصر قوى الأمن في مصلحة السجون وذلك بسبب النقص الكبير بالموازنات التي تسمح بإمداد السجن بحاجياته."

القنطار يضيف أن هذه المعاناة تمتد إلى كافة مراكز الحرمان من الحرية في لبنان، من مراكز توقيف كالمخافر والنظارات، إلى دور المسنين ومراكز التأهيل والمصحات العقلية ومراكز العناية بذوي الحاجات الخاصة، "وذلك بسبب عجز الإدارات المعنية عن تأمين الحاجات والمستلزمات الأساسية".

يروي صبلوح حادثة شهدها من خلال عمله في ثكنة "الرملة البيضاء" التابعة للشرطة العسكرية في الجيش اللبناني، حيث بلغه بتاريخ 14 أغسطس الماضي، عبر أحد موكليه أن "عناصر الشرطة المولجين حراسة السجن، تناولوا كل الطعام الذي كان مخصصاً للسجناء بسبب النقص الحاصل في الكميات، وقالوا للسجناء لم يعد هناك طعام لليوم ستصل حصصكم غداً، الأمر الذي دفع المساجين للاحتجاج عبر قرع الملاعق الحديدية، ليكون الرد بدخول الحرس والاعتداء عليهم بالضرب المبرح"، وهذه الحادثة وثقت على شكل ادعاء تقدم به المحامي في حينها ضد جهاز الشرطة العسكرية.

"من يريد معرفة وضع السجون عليه أن يسأل نفسه ويسأل اللبنانيين عن الوضع خارجها في لبنان، هل هو أفضل؟" يسأل الأب نجيب بعقليني، رئيس جمعية "عدل ورحمة" المعنية بأوضاع السجناء، معتبراً أن "السجون هي مرايا المجتمع، والعكس صحيح، فكل ما تراه في المجتمع تجده في السجن."

نقص لوجستي فاضح

يؤكد "الشيخ" أن سجناء رومية يعانون اليوم من نقص كبير في مستلزمات المنامة والإقامة، "هناك فرش ننام عليها عمرها أكثر من 3 سنوات، لم تتعرض لضوء الشمس ولا لأي تنظيف أو تعقيم وبالطبع لا يجري تبديلها دوريا، كذلك البطانيات التي تتحول في الشتاء إلى ما يشبه سلعة نادرة". مع ما يتسبب به ذلك من ظهور أمراض جلدية وتنفسية وانتشار للفطريات والحشرات إضافة إلى خلل في النظافة العامة.

وتعجز الدولة اللبنانية حتى عن تأمين هذه المستلزمات الضرورية لحياة السجين، فبحسب ما يؤكد صبلوح، تعمل الجمعيات والمحامين وجهات عدة معهم بشكل سنوي على جمع تبرعات من أجل إمداد سجن رومية بالبطانيات والفرش ولوازم الشتاء كالملابس والأحذية وغيرها. 

يقول محمد "أكره اليوم الذي يصلني فيه ملابس أو حذاء، لأنني مضطر أن اراها تصل جديدة ويدفع أهلي ثمنها غالياً، ليقوم عناصر الحراسة بتمزيقها وتخريبها بهدف التفتيش عن ممنوعات قد تكون مخفية، هذا بحد ذاته عذاب نفسي، ومصروف مالي لا داعي له، فليحضروا أجهزة كشف دقيقة بدلا من ذلك."

ويشير محمد إلى أزمة أخرى شهدتها السجون في الفترة الماضية وتتمثل في انقطاع بطاقات "التيليكارت" التي يستعملها السجناء للتواصل مع العالم الخارجي، "تخيل لا يمكننا تأمين طعام وأدوية وملابس في السجن، ثم لا يمكننا التواصل مع أهلنا لنطلب منهم حاجاتنا، وصل سعر البطاقة في السجن إلى مستويات قياسية بسبب انقطاعها، وأدى ذلك إلى توتر كبير بين السجناء قبل أن تعود وتتوفر البطاقات بحل مؤقت."

من جهته، يؤكد القنطار أن انعكاس الأزمة في السجون بات يلاحظ في جوانب عدة، لاسيما تلك المتعلقة بحالة الأبواب والإنارة والصيانة وسوق السجناء إلى المحاكمات، كما فاقم انتشار فيروس كورونا المشكلة خصوصا بعد منع زيارات الأهالي والمواجهات ما أدى إلى نقص امداد السجناء بالمعونة. 

أصل المشكلة بحسب بعقليني تكمن في الموازنات والميزانيات التي تضعها الدولة اللبنانية للسجون "وهي من أقل الميزانيات المرصودة، فالدولة اللبنانية بحكومتها اليوم تقصر بشكل فاضح بحق السجون والنزلاء فيها، وهذا التقصير بات مزمناً، انعكس عدم تأهيل للسجون والنظارات وقصور العدل، "تخيل لدينا 42 سجن في لبنان ليس هناك إلا سجني زحلة ورومية يطابقان المعايير العالمية والمواصفات اللازمة للسجون اما الباقي فليست بسجون للأسف."

وتتردد شكوى مشتركة في معظم السجون اللبنانية حول نقص في مصابيح الإنارة، في حين أن الدولة تعجز عن تأمينها، ما يدفع بالسجناء لطلبها من الخارج عبر المحامين والجمعيات والعاملين في السجون او من حسابهم الخاص، لما تشكله الإنارة من حاجة ملحة، "في ظل غياب ضوء الشمس الكافي عن معظم السجون اللبنانية"، وفق بعقليني.

وسبق لنقابتي المحامين في طرابلس وبيروت أن عرضتا المساعدة في التقديمات، وجرى التواصل في ذلك مع الوزارات المعنية "ليعترفوا بوجود النقص والحاجة، وليفسحوا المجال أمامنا للمساعدة وجمع التبرعات لما تعجز الدولة عن تأمينه لسجنائها"، بحسب صبلوح، "لكن للأسف تتعامل مؤسسات الدولة بمكابرة بغير محلها، علما أن وزارة الداخلية سبق أن تجاوبت وعملنا معها على ادخال مواد غذائي وتموينية للمساجين في رومية بفترة من الفترات، لكن كل ذلك استثناءات مرحلية."

الواقع الصحي.. "أم المصائب"

خلال إعداد هذا التحقيق، علم موقع "الحرة" من خلال المحامي صبلوح أن المبنى "ب" في سجن رومية قد جرى إغلاقه بشكل كامل بالأمس بسبب تفشٍ كبير لجائحة كورونا في أروقته وبين السجناء، وبحسب "الشيخ" فإن السجن يشهد بدوره كما هي حال البلاد موجة جديدة من موجات كورونا، "ويبدو أنها أكثر قسوة من غيرها".

تأتي هذه الموجة في أكثر مراحل عجز الدولة اللبنانية عن تأمين الرعاية الصحية اللازمة لسجنائها، فانقطاع الأدوية بات حالة عامة في مختلف سجون لبنان، حيث يؤكد محمد من سجن زحلة أن المساجين باتوا مجبرين على استقدام الأدوية من خارج السجن عبر أهاليهم وعلى نفقتهم الخاصة.

أصيب محمد قبل نحو شهر بألم شديد في المعدة، حيث وصف له طبيب السجن دواء خاص بحالته (لحماية المعدة والقرحة)، انتظر أسبوعين حتى استطاع أهله تأمين الدواء المنقطع أصلا خارج السجن، ومثله حالات كثيرة يتحدث عنها محمد في السجن، "التعامل مع المرضى يتم وفقاً للمزاجية، أحياناً يصدقون المريض وأحيانا يظنون أنه مدع ويكذب، خاصة أن تضخيم الأمور بات عادة في السجن من أجل الوصول إلى الطبيب."

يؤكد محمد أن السجن يفتقد حتى إلى مسكنات وهو أقل ما يمكن توفيره صحياً، "نضطر أيضاً لنستجدي حبة بانادول من المحامين والعسكر والعاملين في السجن ليحضروها معهم من الخارج لعلاج صداع سجين أو ألم أسنان".

أما من جهة سجن رومية فيؤكد "الشيخ" أن الوضع الطبي متهالك، "السجن خالي من أي اهتمام طبي او إجراءات وقاية في موضوع كورونا، السجين اليوم مضطر لدفع جزء كبير من تكاليف علاجه على نفقته الخاصة، الإدارة تقول أن على السجين دفع ما قيمته 20٪ من قيمة الفاتورة الاستشفائية، لكن في الواقع المستشفيات التي تتعامل مع السجون تحاول وضع الكلفة الأكبر على السجين الذي يدفع الفاتورة نقدا بعكس الدولة التي تسجلها ديون في دفاترها، والمستشفيات ترفض ادخال احد دون دفع المبلغ اللازم، ولا أحد يأخذ بعين الاعتبار أن السجين عنصر غير منتج في سجنه، وأهله ليسوا ملوكاً وأمراء ليتمكنوا من تغطية حاجاته في السجن".

وبحسب الشهادات، حتى الصور الطبية والفحوصات المخبرية وعدد من الأدوية المزمنة باتت تكلفتها على عاتق السجين، وهو ما ينعكس سوءاً في الأحوال الصحية للسجناء الذين "يفضلون البقاء طرحى فراشهم على آن يواجهوا عجز الدولة عن تطبيبهم وعجزهم عن تأمين التكاليف.

هذا الواقع يصفه المحامي صبلوح بـ "أم المصائب"، ناقلاً معاناة سجين يحتاج 7000 دولار ليجري عملية جراحية في القلب، "والمبلغ مطلوب منه بالدولار رغم ان المستشفى حكومي، الدولة عاجزة عن تأمين التكلفة وحق السجين بالاستشفاء، وأهله أعجز من تأمين دولار واحد، وأمام هذه المأساة لم يكن أمامنا إلا أن نشحذ الأموال من الخارج حرفياً لنتمكن من اجراء العملية التي تهدد حياة السجين".

 وزارة الصحة اللبنانية لا تشرف على الأمن الصحي والحاجات الاستشفائية للسجناء، وإنما تقع هذه المسؤولية على عاتق وزارتي الداخلية والدفاع، بحسب ما يؤكد صبلوح، "وبالتالي سجن رومية الذي يضم اليوم نحو 4000 او 5000 سجين لا يضم مستشفى ميداني للحالات الطارئة التي قد تقع عليهم، ليس هناك أطباء يتناوبون بشكل مستمر، بدليل أن لدي موكل توفي منذ نحو سنتين بسبب ذبحة قلبية، بعد أن انتظر لـ 45 دقيقة وصول الطبيب من خارج السجن وخضوعه للتفتيش ومعاملات إخراج السجين الذي توفي في النهاية على مدخل المستشفى."

ويستشهد صبلوح بحادثة أخرى حصلت قبل أسابيع حيث توفي سجين في سجن رومية أيضاً، بسبب تشخيص خاطئ من طبيب السجن بأنه يعاني من انتفاخ في المعدة، وبعدما اشتدت حالته حولوه لإجراء تخطيط للقلب، ليكتشفوا أن جهاز التخطيط في السجن معطل، وإلى أن اخرجوه إلى المستشفى كان أيضاً قد فارق الحياة، إلى هذا الحد يصل الاستهتار."

ووفقاً لمعطيات لجنة الوقاية من التعذيب في السجون اللبنانية، "لولا التبرعات التي تصل من جمعيات خيرية وجهات دينية إلى السجون ولاسيما سجن رومية، لكانت انهارت المنظومة الغذائية والصحية في السجون ولكان الواقع أكثر سوءا، خاصة وأن هذا النقص شديد ومزمن"، بحسب القنطار.

الاكتظاظ منطلق الحل

تتفق كل الجهات المتابعة لملف السجون على أن أي حل يجب أن ينطلق من معالجة الاكتظاظ الكبير في السجون، فمثلاً سجن رومية الذي تبلغ طاقته الاستيعابية القصوى 1050 سجيناً، يضم اليوم قرابة الـ 4000 سجين، في حين أن 45٪ من سجناء لبنان من الموقوفين غير المحاكمين.

يؤكد صبلوح أن الحكومات اللبنانية المتعاقبة لم تعط أولوية للسجون، وهذا ما انتج الوضع المأساوي القائم اليوم، لاسيما لناحية الاكتظاظ وبطء المحاكمات، حيث أن هناك مساجين يقبعون منذ سنوات طويلة دون محاكمة نتيجة إهمال الدولة، ومؤخراً بات مصير الموقوفين معلق على توفر المحروقات لسوقهم إلى المحاكمات، ما زاد من التأخير وفاقم الاكتظاظ.

وبحسب القنطار فقد حاولت جهات عديدة إصدار مجموعة توصيات لتخفيف الاكتظاظ في السجون، منها اطلاق سراح من انهوا محكوميتهم ولا يزال عليهم غرامات، أو التعجيل في المحكمات والتحقيقات، "ولكن ذلك لم يسهم بشكل جدي بتغيير واقع السجون إلى اليوم، ونسبة الإفراج عن السجناء لم تأت على قدر التوقعات".

وبحسب المتوقع للعام 2022 من ارتفاع في معدلات الجرائم، سنكون أمام اكتظاظ أكبر في السجون، وبالتالي مزيد من الضغط، فيما الحلول ترتبط أولا وأخيرا بقدرة نظام العدالة اللبناني بمواكبة ما يحصل بطريقة استثنائية وإلا فإننا مقبلون على كارثة أكبر. 

جريمة بحق الإنسانية

ما يجري اليوم داخل السجون مظلومية كبيرة وحرمان للسجين من ابسط حقوقه الإنسانية، بحسب صبلوح، فبينما يخضع السجين للقانون ويحاسب على أساسه، "الدولة في المقابل لا تقوم بواجبها تجاهه ولا تعطيه حقوقه، السلطات اللبنانية مجتمعة ترتكب جريمة بحق الإنسانية في معاملة هؤلاء السجناء".

ويعبر مدير مركز حقوق السجين عن قناعته بوجود إرادة بعدم الحل، وإبقاء المعاناة على ما هي عليه، ويسأل "إن كانت الدولة تعبر عن عجزها عن تحمل عبئ المساجين، فلماذا لا تختار حلا من كل الحلول المعروضة عليها؟ العفو العام لم يتحقق، فلماذا لا يتم تخفيض السنة السجنية إلى 6 أشهر ولو لمرة واحدة ليخففوا عن السجون وعن أنفسهم؟ بهكذا قانون من شأنه تخفيض عدد المساجين إلى النصف، هذا حل لا يكلف أي ليرة، ومثله هناك الكثير من الحلول التي تحتاج فقط إرادة من ناحية الدولة."

ويلخص مؤكداً أن "السجون في لبنان ليست للإصلاح والتأهيل وانما لتخريج مجرمين أكثر عنفاً، ما يجري اليوم أن الدولة تربي حقدا عليها من قبل السجناء من جهة ومن أهلهم واقاربهم الذين يعانون معهم من ناحية أخرى."

من جهته يختم رئيس جمعية "عدل ورحمة" بنداء عاجل إلى جميع الجهات المانحة بدعم الجمعيات التي تعمل في السجون اللبنانية لأن الواقع بات كارثي، ولا أحد في الدولة يدير آذاناً صاغية.

حزب الله

عادت "جمعية القرض الحسن"، الذراع المالي لحزب الله، إلى الواجهة مجددا مع تداول تقارير إعلامية تشير إلى جهود أميركية لإضعاف الحزب ماليا.

الجمعية، التي كانت تدير أكثر من 30 فرعا في مختلف المناطق اللبنانية قبل آخر حرب مع إسرائيل، تثير جدلا واسعا بشأن دورها في تمويل الحزب. 

وتحاصر الجمعية التي تقدم نفسها كمؤسسة خدمات مالية تشمل قروضا دون فوائد مقابل رهونات، اتهامات بتبييض الأموال لتمويل أنشطة حزب الله.

ويزداد الجدل تعقيدا في ظل غياب الرقابة الرسمية التي يفترض أن يقوم بها مصرف لبنان على أنشط "القرض الحسن" المالية.

ومع تصاعد الضغوط الدولية على لبنان لسحب سلاح حزب الله وإغلاق قنوات تمويله، ومع ربط المساعدات الدولية وإعادة الإعمار بتنفيذ إصلاحات مالية واقتصادية، يتساءل كثير من اللبنانيين حول تأثير استمرار عمل "القرض الحسن" على مسار التعافي الاقتصادي في البلاد. 

فهل تستطيع الدولة اللبنانية اتخاذ خطوات حاسمة لإغلاق هذه "المؤسسة المالية" المخالفة لقانون النقد والتسليف؟

تجاوز الترخيص

تأسست جمعية "القرض الحسن" عام 1982 بموجب ترخيص "علم وخبر" صادر عن وزارة الداخلية اللبنانية، وفقاً للخبير الاستراتيجي في المخاطر المصرفية والاقتصادية، الدكتور محمد فحيلي. 

يوضح فحيلي أن "هذا الترخيص يتيح للجمعية تقديم قروض ذات طابع اجتماعي. وفي البداية، افتتحت الجمعية مكاتبها داخل عدد من المصارف اللبنانية في مناطق نفوذ حزب الله، حيث بدأت بمنح قروض صغيرة جداً تتراوح قيمتها بين 100 و3000 دولار".

ومع مرور الوقت، وسّعت الجمعية نطاق خدماتها لتتجاوز حدود الترخيص الممنوح لها، كما يقول فحيلي لموقع "الحرة".

"أصبحت تقدم خدمات مالية مشابهة للخدمات المصرفية، مثل استقبال الودائع ومنح القروض وإصدار بطاقات الدفع البلاستيكية، إضافة إلى توفير الصرافات الآلية. هذه التجاوزات تمت نتيجة غياب الرقابة من قبل السلطة المعنية، وهي وزارة الداخلية التي منحتها الترخيص".

بدوره، يؤكد الصحفي الاقتصادي، خالد أبو شقرا، أن الجمعية تحولت تدريجياً إلى ما يشبه المصرف غير المرخص، لا سيما بعد تركيب أجهزة الصراف الآلي وتقديم قروض بمبالغ كبيرة سنوياً، بالإضافة إلى استقبال الودائع النقدية والذهبية ودفع أرباح عليها.

ويشدد أبو شقرا في حديث لموقع "الحرة" على أن نشاط "القرض الحسن يمثل مخالفة واضحة لقانون النقد والتسليف اللبناني". ويلفت إلى أن جميع المسؤولين في الجمعية منتمون إلى حزب الله ويخضعون لعقوبات أميركية مفروضة من وزارة الخزانة ومكتب مراقبة الأصول الأجنبية".

ويرى الكاتب والمحلل السياسي، الدكتور مكرم رباح، في حديث لموقع "الحرة" أن "القرض الحسن لا يُعد عقبة بحد ذاته أمام مسار الإصلاح، بل يمثل اختباراً لمدى جدية الدولة اللبنانية في التعامل مع ملف سلاح حزب الله". ويشير رباح إلى أن "القرض الحسن هو سلاح مالي يُدار خارج إطار الدولة".

وتنص المادة 200 من قانون النقد والتسليف على تجريم أي شخص أو مؤسسة تمارس عمليات التسليف دون ترخيص من مصرف لبنان، فيما تلزم المادة 206 بملاحقة المخالفين أمام المحاكم الجزائية.

وفرضت وزارة الخزانة الأميركية عقوبات على "القرض الحسن" عام 2007، وأعقبتها بعقوبات إضافية في 2021 طالت ستة من موظفيه. وقد اتُهم هؤلاء باستخدام حسابات شخصية في مصارف لبنانية لتحويل أكثر من 500 مليون دولار إلى الجمعية، مما أتاح لها الوصول إلى النظام المالي الدولي.

وفي سياق متصل، سبق أن وصف المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي في تغريدة عبر منصة "إكس"، الجمعية بـ"المصرف الأسود لحزب الله"، مشيراً إلى أنها تُستخدم كقناة خلفية لتبييض الأموال الناتجة عن تجارة المخدرات التي يديرها الحزب، ويمتد نشاطها إلى أميركا اللاتينية.

وفي حديث سابق لموقع "غلوبس" الإسرائيلي، أشار خبير الحرب المالية، عوزي شايع، إلى أن "القرض الحسن" يمثل الخزينة المالية لحزب الله، حيث تُدار من خلاله الحسابات المالية للمنظمة، فضلاً عن تمويل الأنشطة التجارية والخيرية.

خطر مزدوج

يشير تقرير لمنظمة الدفاع عن الديمقراطيات إلى أن "كبار ممولي حزب الله امتلكوا حسابات في القرض الحسن، واستخدم موظفو الجمعية حسابات شخصية في المصارف اللبنانية الكبرى لتنفيذ معاملات نيابة عن الجمعية، مما أتاح لها الوصول إلى النظام المصرفي اللبناني"، 

وأوضحت المنظمة، في التقرير الذي حمل عنوان "القرض الحسن التابع لحزب الله والقطاع المصرفي في لبنان،" أن وزارة الخزانة الأميركية فرضت عام 2019 عقوبات على "بنك جمال تراست" لتورطه في تسهيل وصول "القرض الحسن" إلى القطاع المصرفي، "وهو ما كان أحد الأسباب الرئيسية وراء فرض تلك العقوبات"، وعقب ذلك تقدم المصرف بطلب إلى مصرف لبنان للحصول على الموافقة لتصفيته، وهو ما تم بالفعل.

وفي ديسمبر 2020، تمكنت مجموعة من القراصنة الإلكترونيين تدعى "Spiderz" من اختراق حسابات جمعية "القرض الحسن"، و"نشرت معلومات تتعلق بنحو 400 ألف حساب مرتبط بالجمعية، تضمّنت أسماء شخصيات بارزة في حزب الله. 

ومن بين تلك الشخصيات قائد قوة الرضوان الذي اغتالته إسرائيل وسام الطويل، وإبراهيم علي ضاهر، رئيس الوحدة المالية للحزب، وحتى المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي" وفقا لما نشره موقع "غلوبس".

وعقب هذا الاختراق، أصدرت بعض المصارف اللبنانية بيانات نفت فيها وجود حسابات رسمية باسم "القرض الحسن"، بحسب ما أشارت إليه "منظمة الدفاع عن الديمقراطيات".

وأوضحت أنه "رغم صحة هذه البيانات من الناحية القانونية، إذ لا توجد حسابات مسجلة باسم الجمعية، إلا أن الوثائق المسربة كشفت أن مسؤولي الجمعية استخدموا حساباتهم الشخصية لإجراء معاملات نيابة عنها".

وفي إطار الجهود الأميركية لمساعدة لبنان على تجاوز أزمته الاقتصادية، حملت مورغان أورتاغوس، نائبة المبعوث الأميركي إلى الشرق الأوسط، خلال زيارتها إلى بيروت في أبريل الماضي، رسائل متعددة تضمنت التركيز على ملف الإصلاحات الاقتصادية والمالية إلى جانب الشق الأمني المتعلق بنزع سلاح حزب الله.

وفي هذا السياق، يقول فحيلي أن "الولايات المتحدة تعتبر جمعية القرض الحسن إحدى الأذرع المالية لحزب الله. لكن إذا طبّق لبنان القرار 1701 بشكل صارم، فإن الجمعية ستصبح مجرد تفصيل صغير، في حال فرضت وزارة الداخلية حدوداً واضحة على أنشطتها ضمن إطار الترخيص الممنوح لها، فلن تشكل خطراً على مستوى تبييض الأموال أو تمويل الإرهاب".

"سلاح" يجب ضبطه

خلال زيارة وفد مجموعة العمل المالي إلى لبنان، شدد الوفد، وفقاً لما يقول أبو شقرا، "على ضرورة تعزيز الرقابة على المؤسسات المالية غير المرخصة والتي لا تلتزم بالأنظمة والقوانين المعمول بها. هذه المؤسسات، سواء كانت القرض الحسن أو غيرها، قد تساهم بشكل أو بآخر في عمليات تبييض الأموال وتمويل الأنشطة العسكرية، مما يستدعي فرض إجراءات رقابية صارمة للحد من هذه الأنشطة غير القانونية".

وفي ظل تجاوز الجمعية لحدود أنشطتها المسموح بها، يؤكد فحيلي أن المسؤولية تقع على عاتق السلطة اللبنانية التي تمتلك الصلاحيات لتطبيق القانون على المخالفين. ويشدد على ضرورة أن تقوم وزارة الداخلية بإبلاغ إدارة الجمعية بوضوح بحدود الترخيص وإلزامها بالالتزام به.

وبشأن إدراج لبنان على اللائحة الرمادية لمجموعة العمل المالي، نفى فحيلي وجود علاقة مباشرة بين القرار وأنشطة "القرض الحسن". 

وأوضح أن "المشكلة الأساسية تكمن في غياب الرقابة على المعاملات النقدية، خاصة بعد فقدان الثقة بالمنظومة المصرفية وابتعاد المواطنين عن استعمال وسائل الدفع المتاحة من خلال القطاع المصرفي والإفراط في استعمال الأوراق النقدية، وقرار مصرف لبنان بتجفيف السيولة بالليرة اللبنانية، والذي سمح باستبدال مبالغ نقدية كبيرة بالدولار الأميركي". 

ويضيف أن "هذا القرار، في ظل غياب الرقابة، أعطى مساحة إضافية لمن يريد تبييض الأموال. وزاد الأمور تعقيداً ظهور عدد كبير من الجمعيات المدنية، وكان معظمها غير مرخص، عقب انفجار مرفأ بيروت".

بالنسبة لمطالب صندوق النقد الدولي، يؤكد فحيلي "رغم أنه لا يتدخل في التفاصيل، فإنه بالتأكيد يهتم بأن تكون جميع المؤسسات التي تقدم خدمات مصرفية مرخصة رسميًا وتحت إشراف الجهات الرقابية الرسمية"، وأضاف قوله: "إذا كانت الحكومة اللبنانية تسعى إلى إعادة الانتظام المالي، فإن ذلك يستوجب وجود مؤسسات مرخصة من قبل مصرف لبنان وخاضعة لرقابته".

وفي السياق ذاته، يقول أبو شقرا إن "المجتمع الدولي وصندوق النقد الدولي يطالبان بمعالجة ملفات يعتبرانها أكثر إلحاحاً من ملف القرض الحسن، تشمل إصلاح القطاع المصرفي وإعادة هيكلته، واستعادة الانتظام المالي، ومعالجة الفجوة المالية، وإصلاح قطاع الطاقة، وخاصة قطاع الكهرباء، فضلاً عن إصلاح السرية المصرفية والخروج من اللائحة الرمادية المرتبطة بتبييض الأموال".

ويشير أبو شقرا إلى أنه "رغم قدرة السلطات اللبنانية على وضع حد للنشاط المالي والمصرفي لجمعية القرض الحسن، إلا أن التوازنات السياسية التي شهدتها البلاد في الفترة الماضية حالت دون التعامل الجدي مع الجمعية".

ويعتبر أبو شقرا أن "معالجة ملف القرض الحسن ترتبط أساساً بالتسوية السياسية"، وقال إن القضية لا تقتصر على الإصلاحات المالية فقط، "بل تتطلب مقاربة شاملة تأخذ في الاعتبار الأبعاد السياسية والأمنية والعسكرية".

من جانبه يدعو رباح إلى إغلاق الجمعية فوراً ومنعها من التظاهر بأي شرعية مالية، وأوضح أن "القرض الحسن، سواء كان له ارتباط مباشر بالحرس الثوري الإيراني أم لا، يظل مؤسسة غير حكومية تمارس أنشطة مالية خارج إطار القانون".