ارتفعت نسبة عمال الأطفال في لبنان بسبب سوء الظروف الاقتصادية
ارتفعت نسبة عمال الأطفال في لبنان بسبب سوء الظروف الاقتصادية | Source: MBN

"أجبرتني الحياة على التخلي عن حقيبة المدرسة والانخراط في العمل في محل لتصليح السيارات، ثياب بالية، شحم ووجع ما بعده وجع، كل ذلك بسبب الظروف الاقتصادية التي حرمت والدي من وظيفته وأعجزته عن تأمين مصروف العائلة"... كلمات قالها بحرقة محمد (11 عاما) لموقع "الحرة".

"مستقبل جيل كامل من الأطفال في لبنان على المحك" بحسب تقرير لمنظمة الأمم المتحدة للطفولة "اليونيسف"، صدر في نوفمبر الماضي، "جراء تفاقم تداعيات الانهيار الاقتصادي عليهم، من نقص في التغذية والرعاية الصحية، وارتفاع في معدل العمالة في صفوفهم".

وبحسب الدراسة التي أجرتها المنظمة "ارتفع عدد الأسر التي أرسلت أطفالها إلى العمل من 9 بالمئة إلى 12 بالمئة، في حين خفضت بين 3 و10 أسر نفقات التعليم، كما أن 53 في المئة من الأسر، لديها طفل واحد على الأقل، فوّت وجبة طعام في شهر أكتوبر مقارنة بنسبة 37 في المئة في أبريل".

ثماني ساعات يمضيها محمد ابن بيروت في عمله، مقابل 200 ألف ليرة في الأسبوع، وقال بغصة "تساعد ولو قليلا في مساندة عائلتي، تبعد شبح الجوع عنا وتحول دون أن نمد يدنا إلى الناس" مضيفا "منذ سنة لم أجد أمامي سوى هذا الخيار لكي أخفف عن والدي التفكير المرير بكيفية الاستمرار من دون عمل وهو المسؤول عن خمسة أشخاص".

ماذا عن القانون؟

عرفت رئيسة وحدة مكافحة عمل الأطفال في وزارة العمل، نزهة شليطا، عمل الأطفال بأنه "كل عمل استغلالي يتم بأجر أو من دون أجر داخل الأسرة أو خارجها ويؤدي إلى فقدان العناصر الضرورية لنمو الطفل العقلي، الجسدي والنفسي".

وعن سن الاستخدام في قانون العمل اللبناني قالت شليطا لموقع "الحرة" "حظرت المادة 23 من القانون بصورة مطلقة استخدام الأحداث قبل إكمالهم سن الثالثة عشرة ويجب ألا يستخدم الحدث قبل إجراء فحص طبي للتأكد من لياقته للقيام بالأعمال التي يستخدم لأدائها، كما يحظر استخدام الأحداث في المشاريع الصناعية والأعمال المرهقة أو المضرة بالصحة والمبينة في الجدولين رقم (1) و(2) الملحقين بالقانون قبل إكمالهم سن الخامسة عشرة."

وأضافت "كما تحظر المادة 23 استخدام الأحداث قبل إكمالهم سن السادسة عشرة في الأعمال الخطرة بطبيعتها أو التي تشكل خطرا على الحياة أو الصحة أو الأخلاق بسبب الظروف التي تجري فيها، ويحظر تشغيل الأحداث الذين يقل سنهم عن الثامنة عشرة في الأعمال التي تشكل خطرا على صحتهم أو سلامتهم أو سلوكهم الأخلاقي الواردة في المرسوم رقم 8987 لسنة 2012، أما اتفاقيات العمل الدولية فتحدد سن الاستخدام بين 12 و14 عاماً بحسب ظروف البلد الاقتصادية والاجتماعية".

ولفتت شليطا إلى أن لبنان "صادق على اتفاقيات العمل الدولية المختصة بالقضاء على عمل الاطفال لاسيما الاتفاقية 182 التي تحظر استخدام الأطفال في اسوأ اشكال العمل حيث حددته بالعمل الجبري والقسري، النزاعات المسلحة، الأعمال الإباحية، والمخدرات".

الطعام هو الهدف

منذ الصباح يتوجه عبد الوهاب إلى فرن مناقيش لتوصيل الطلبيات، كل همه أن يجمع مبلغا ماليا صغيرا يمكّنه من شراء الطعام "اللذيذ" له ولعائلته، كما قال لموقع "الحرة"، داعيا الله أن يتكرم الزبائن عليه لكي تكبر غلّة يومه.

اعتاد ابن السبعة أعوام الوقوف خارج الفرن بانتظار أن يسلمه الفرّان "الطلبية" ليسرع إلى وجهته، لكن هذه المرة سارع إلى منزله لكي نشاهد مدى الفقر المدقع الذي يعيشه.

في غرفة واحدة تفتقد لأدنى مقومات الحياة، يعيش، عبد الوهاب، مع عائلته اللاجئة من سوريا، والده يعجز عن المشي، وشقيقته تعاني من شلل دماغي، أما والدته فأكدت لموقع "الحرة" أنه لا يزال على مقاعد الدراسة "لكنه خلال العطل يقصد الفرن للعمل من أجل مساعدتنا"، في حين أصر والده أنه لا يلزمه بذلك، قائلا "هو يرفض أكل الزعتر وما يتحنن علينا الجيران به من طعام، يفضل العمل مقابل منقوشة أو شراء المأكولات التي يحبها والألعاب، من هنا يتوجه إلى الفرن من دون أن أراه، في حين يبيع شقيقه ذو الـ12 عاما عبوات المياه عندما تغلق المدرسة أبوابها".

 يعكس اللاجئ السوري الصغير صور عدد كبير من الأولاد الذين أصبحوا يشتهون الطعام والألعاب وكل شيء، في وقت يعجز أهلهم عن شراء ربطة خبز، وبحسب دراسة أصدرتها لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا (الإسكوا) في شهر أيلول الماضي تحت عنوان "الفقر المتعدد الأبعاد في لبنان: واقع أليم وآفاق مبهَمة" تبين أن "الفقر تفاقم إلى حدّ هائل في غضون عام واحد فقط، إذ أصبح يطال 74 بالمئة تقريبا من مجموع السكان، وإذا ما تم أخذ أبعاد أوسع من الدخل في الاعتبار، كالصحة والتعليم والخدمات العامة، تصل نسبة الذين يعيشون في فقر متعدد الأبعاد إلى 82 بالمئة من السكان".

الوجع كبير

على أحد أرصفة شارع صبرا يقف الطفل يزن ذو العشر سنوات أمام بسطة خضر منتظرا وهو يرتجف من البرد زبونا، أو بالأحرى ينتظر أن تمر الساعات وينتهي دوام عمله، تحدث لموقع "الحرة" كيف أجبرته الظروف الاقتصادية على ترك مقاعد الدراسة والنزول إلى سوق العمل من أجل مساعدة عائلته في تأمين المصروف، لكن قست عليه الحياة كثيرا بحسب تعبيره، فهو مجبر على البقاء 12 ساعة  يوميا في العراء من دون جدران تحتضن ألمه، وقال "أقف من الساعة السادسة صباحا حتى الساعة السادسة مساء، لأحصل على 50 ألف ليرة في الأسبوع".

يزن ليس الوحيد الذي يعمل بين أشقائه اللاجئين من سوريا بل، ويقول إن "هناك خمسة غيري يعملون، كل ذلك من أجل تأمين بدل إيجار المنزل وكسرة خبز"، هو يحلم بالعودة إلى مقاعد الدراسة، والعيش كبقية الناس، وشدد "نحن محرمون من أمور كثيرة، فقد اشتقت لآكل اللحم والدجاج وشراء الحلويات وغيرها الكثير من الحاجيات".

كذلك لم ترحم الحياة الطفل السوري عبد الكافي، هو الذي كان يجر همومه وعربة حاويات هي عدة عمله لجمع العبوات البلاستيكية لبيعها، تحدث لموقع "الحرة" عن مرارة أيامه، وحظه السيء كونه يعيش وسط ثلاث عائلات، وعندما طلبنا منه توضيح ذلك قال "والدي متزوج من ثلاث نساء، لديه 8 أولاد، نسكن جميعاً في غرفتين في مخيم شاتيلا"،  في حين قال زميله في "العمل" كمال "عمري ثماني سنوات أجمع البلاستيك من النفايات، أبيع الكيلو منه بثلاثة آلآف ليرة، أجني يومياً ما بين الخمسين والستين ألف ليرة، أسلمها لوالدي على الفور".

إذا كان العدد الأكبر من الأطفال مجبرون على العمل، إلا أن هناك من يختار ذلك رغم رفض عائلته، منهم اللبناني ناجي أمون (17 سنة) الذي قرر قبل سنتين ترك مقاعد الدراسة والعمل في محل عمه لتصليح كهرباء السيارات أما السبب كما قال لموقع "الحرة" "وصلت إلى قناعة أن لا مستقبل للعلم في بلدنا، لدي عمّ حصل على شهادات جامعية ولم يتمكن من الحصول على وظيفة، وعلى الرغم من أن راتبي البالغ 300 ألف ليرة في الأسبوع لا يكفي بالتأكيد، إلا أني لا أندم على قراري الذي يعارضني به والدي".

أسباب فاقمت الظاهرة

لا يوجد إحصاء دقيق لعدد الأطفال العاملين في لبنان لاسيما في السنوات الثلاث الأخيرة، لكن كما قالت شليطا "ازدادت النسبة بين 20 و30 بالمئة، ونقدر أن العدد يزيد عن 100 طفل يعملون في مختلف القطاعات الخطرة وأسوأ أشكال عمل الأطفال وفي الشوارع. أعلى نسبة في القطاع الزراعي، إضافة إلى المتاجر، الميكانيك وجمع النفايات".

تفاقمت ظاهرة عمل الأطفال كما قالت المنسقة العامة لمعهد حقوق الإنسان في نقابة المحامين في طرابلس المحامية سهير درباس لموقع "الحرة" "عقب النزوح السوري إلى لبنان وازدادت حدتها مع الأزمة الاقتصادية، وساهم في ذلك أمور عدة منها التسرب المدرسي، غياب القوانين وضعف التوجه نحو التعليم المهني".

يعمل الأطفال في مهن مختلفة وفي ظروف صعبة ومنهم من ترك الدراسة لتأمين الطعام لأسرته

من جانبها اعتبرت رئيسة جمعية "نضال لأجل الإنسان" ريما صليبا أن "أسباباً عدة تلعب دوراً في وصول الطفل إلى الشارع تبدأ من خلال "جهل الأهل " وعدم إعطاء الأولوية لحماية الطفل وتمكينه من كافة حقوقه البديهية أي التعليم، الصحة والرعاية، إضافة إلى غياب الدولة، العامل الأبرز والتي لا تأخذ حتى الساعة القضية على محمل الجد، وما يؤكد ذلك عدم السعي لتمكين فريق وزارة العمل من العدد الكافي من المفتشين والمراقبين لمراقبة الأماكن التي يعمل فيها الأطفال والتدخل مع أصحاب العمل لوضع حد لتفشي هذه الظاهرة الخطيرة".

كما أشارت صليبا خلال حديث مع موقع "الحرة" إلى أن "المجلس الأعلى للطفولة التابع لوزارة الشؤون الاجتماعية اكتفى بلعب دور التوعية وتدريب ناشطين وجمعيات وعاملين في هذا المجال، بينما يجب أن يتعدى دوره ذلك إلى ايجاد بدائل رادعة لنزول الطفل إلى حقل العمل في سن مبكرة، وما زاد الطين بلة جائحة كورونا والحجر الصحي، حيث فضّل الأهل ارسال أولادهم للعمل على توقيف الأب من قبل القوى الأمنية فيما لو خرج هو لذلك، وصولاً إلى الوضع الاقتصادي الصعب والانهيار الحاصل مؤخراً والذي أجبر مرغماً الطفل خوض هذا الميدان  حتى أدى كل ذلك إلى ارتفاع نسبة الأطفال العاملين 400 بالمئة".

القضية أعمق من "عمل الأطفال"

عنوان "عمالة الأطفال" لم يعد مناسباً في لبنان بحسب أستاذة علم الاجتماع في الجامعة اللبنانية الدكتورة منى فياض التي اعتبرت أن "العمالة تفرض وجود بلد طبيعي يمكن أن يعثر فيه الأطفال على عمل، لكن ماذا يعمل هؤلاء في ظل هذا الوضع، من هنا أنا أسميها شحادة وليست عمالة".

وأضافت في حديث لموقع "الحرة" أن "القضية أعمق من عمالة أطفال، فهي تتعلق بالقضاء على مستقبل أطفال لبنان لجيلين وأكثر، فالمجتمع يضرب من جذوره ووجوده الأساسي، فحتى لو انتهت الأزمة وعاد الأطفال إلى المدرسة أصبح لديهم فجوات معرفية وتكوينية لا أعلم كيف يمكن معالجتها".

"يدفع الأطفال ثمن الأزمات التي يمر بها لبنان كونهم الحلقة الأضعف" بحسب صليبا التي شرحت "هم معرضون للعنف سواء اللفظي أو الجسدي، من قبل رب العمل الذي يعتبرهم كروبوت يشغلهم مقابل المال، أو من قبل أهلهم الذين يجبرونهم على العمل، كما أنهم معرضون  للتحرش والاغتصاب، وقد بدأنا نسمع عن أطفال يتورطون بترويج المخدرات مقابل مبالغ زهيدة وحتى إلى تعاطيها".

كلام صليبا أكدته أخصائية علم النفس هيفاء السيّد حيث قالت لموقع "الحرة" " الآثار النفسية لعمل الأطفال كثيرة، فعندما يتعرض الطفل للعقاب البدني، اللفظي، اللوم، التنمر والمضايقات من قبل رب العمل سيصاب بالاكتئاب الذي ينتج عنه اعاقة نمو شخصيته وتأخير نموه العاطفي، تتشوه صورة الذات لديه فيفقد احترامه لنفسه ويغيب تفاعله مع الآخرين، حيث تضعف قدرته على التواصل الاجتماعي سواء مع أسرته أوالمجتمع".

كما قد يكتسب الطفل بحسب السيّد "عادات سيئة وغير سليمة كالإدمان على المخدرات والكحول والقيام بأعمال مضادة للمجتمع تتمحور بممارسة سلوكيات خطيرة وعداونية" مشددة "عندما لا يشعر الطفل بالانتماء إلى أسرة تغدقه بالحب والعاطفة، سينعزل ويحقد على المجتمع وكل هذا يهدد توازنه النفسي".

اتفاقيات واستراتيجيات على ورق

"على الرغم من كل الاتفاقيات التي صادقت عليها الدولة اللبنانية واستراتيجية مكافحة الأطفال التي تم وضعها إلا أن النزوح السوري وضعف الدولة وأجهزتها والظروف الاقتصادية حالت دون تطبيق ذلك على الأرض" بحسب درباس التي أشارت إلى أن لبنان "شارك في صياغة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، كما صادق على الاتفاقيات الدولية والعربية الخاصة بالطفولة، لاسيما تلك التي تعنى بالقضاء على عمل الأطفال".

 لا بل كما قالت "عام 2000 وقعت الحكومة اللبنانية مذكرة مع منظمة العمل الدولية ضمن برنامج القضاء على عمل الأطفال، وفي السنة التالية صادقت على اتفاقية العمل الدولية رقم 182  حول تحظير أسوأ أشكال عمل الأطفال وغيرها، وفوق هذا تم وضع استراتيجية لمكافحة عمل الأطفال في عام 2004 وافقت عليها الحكومة اللبنانية في السنة التالية والأهم اصدار الحكومة المرسوم رقم 8987".

السؤال الذي يُطرح: أين دور وزارة العمل مما يحصل على الأرض؟ عن ذلك أجابت شليطا "دورها ريادي واشرافي من ناحية وضع السياسات، القوانين ومراقبة تطبيق قانون العمل، وذلك من خلال اللجنة الوطنية لمكافحة عمل الأطفال التي يرأسها وزير العمل، أما مهمة وحدة مكافحة عمل الأطفال فتقوم على نشر التوعية لمخاطر عمل الأطفال وتكثيف الجهود مع كافة الأطراف المعنية محلياً، اقليميا ودوليا للقضاء على عمل الأطفال واعداد خطط وسياسات في هذا المجال".

لكن  منذ سنتين لم تجتمع اللجنة الوطنية لمكافحة عمل الأطفال كون كما قالت شليطا "الوزراء السابقون لم يولوا الموضوع أهمية، وقد أعطى وزير العمل الحالي الدكتور مصطفى بيرم توجيهاته لتفعيل عمل هذه اللجنة والتنسيق مع المنظمات الدولية خاصة منظمة العمل الدولية، لكن الثغرة الأساسية أنه لا يوجد ميزانية لذلك، نحن في مرحلة انعدام التمويل من الجهات المانحة والمنظمات الدولية".

وعن عقوبة من لا يحترم القانون فيما يتعلق بعمل الأطفال قالت شليطا "تعد من الجرائم الجنائية كل من استخدم طفل في أسوأ أشكال عمل الأطفال، ويحكم عليه بالسجن وبدفع غرامة وقد يصل الأمر إلى اقفال مؤسسته، وفي حال  استخدام الطفل في الأعمال الخطرة يوجه لصاحب العمل انذارا لتسوية الوضع من قبل مفتش وزارة العمل واذا لم يمتثل يسطر محضر ضبط بحقه بين 5 و6 ملايين ليرة".

ولبناء وطن يجب الاتكال كما قالت فياض "على الجيل القادم، فأي جيل نربيه خارج المدارس، موجود ضمن دائرة الخطر ويتعرض لأبشع أنواع العنف؟! وحتى الأطفال في بيوتهم محرومون من حقوقهم بعد تلاشي الطبقة الوسطى، إذ ليس في قدرة الوالد تأمين ما يطلبه أطفاله من طعام وملبس وهدايا وغيرها".

ولمعالجة آثار عمل الأطفال على نفسيتهم لا بد كما قالت السيّد "من مراكز ارشادية لذلك، ونشر الوعي من خلال وسائل الاعلام لمنع التسرب المدرسي والمساعدة بتأمين أبسط حقوق الأطفال بالتركيز على التعلم المهني للذين لديهم تأخر في التحصيل الدراسي الأكاديمي لتأمين مهنة تفيدهم في مستقبلهم، كما أنه على المجتمعات التكافل لتقديم المعونة للأسر الأشد فقرا".

"الأطفال في خطر، يعيشون أسوأ أيام حياتهم" كما قالت شليطا "ولا يمكنهم انتظار تحسن الوضع السياسي والاقتصادي، بل يجب اتخاذ تدابير إجرائية ووقائية مباشرة وتدخل سريع للحد من هذه الظاهرة"، من جانبها اعتبرت فياض أن "ما يفعله أهل السلطة في لبنان غير مسبوق في العالم، إذ لا يوجد دولة تعرّض شعبها لكل هذا الذل، الانهيار، والتحطيم، وفوق هذا لا يزال السياسيون يعقدون الصفقات على حساب الشعب".

أما صليبا فاعتبرت أن "الطبقة السياسية أثبتت أن ملف عمالة الأطفال لا بل ملف حقوق الانسان كاملا  لا يعنيها، فنحن اليوم نحتاج إلى عجيبة من الله لتشفع بالأطفال وترحمهم من الخطر الكبير الذي يداهم صحتهم، نموهم العقلي، الجسدي ونفسيتهم".

مطار بيروت شهد زيادة في عدد الركاب بنسبة 12 بالمئة عام 2023 مقارنة بـ 2022
مطار بيروت شهد زيادة في عدد الركاب بنسبة 12 بالمئة عام 2023 مقارنة بـ 2022 (أرشيف)

بعد أكثر من 12 عاما من إغلاق أجوائها أمام الطيران المدني السوري، قررت دول عربية عدة، آخرها المملكة العربية السعودية، فتح أجوائها أمام الرحلات السورية. يأتي هذا القرار بعد انقطاع العلاقات بين هذه الدول وسوريا بسبب حملة القمع الوحشية التي شنها نظام بشار الأسد على المتظاهرين المناهضين للحكومة في بداية الحرب الأهلية.

قرار إعادة فتح الأجواء العربية أمام الطيران المدني السوري، يثير العديد من التساؤلات بشأن تبعات ذلك على حركة المسافرين والشحن عبر مطار رفيق الحريري الدولي في بيروت، إذ شكّل هذا المطار، طيلة فترة الحرب السورية، شرياناً حيوياً للسفر والشحن إلى سوريا، إذ اعتمد الكثير من السوريين عليه كنقطة عبور رئيسية، مما ساعد في تعزيز الحركة الاقتصادية في لبنان، خصوصاً في قطاعي الطيران والسياحة.

وفي يونيو من العام الماضي أعلن مدير عام الطيران المدني في سوريا، باسم منصور، أن منظمة الطيران المدني العربية، التابعة للجامعة العربية، أعلمت الجانب السوري بعودة كامل نشاطاتها وفعالياتها، وذلك بعد عودة سوريا إلى الجامعة العربية.

ووصلت الحرب الأهلية السورية المستمرة منذ 13 عاماً الآن إلى نقطة جمود، فيما أعادت الحكومة المركزية في دمشق سيطرتها على معظم الأراضي، بينما يظل شمال غربي البلاد تحت سيطرة مجموعة من الجماعات المعارضة، فيما تسيطر القوات الكردية على شمال شرقي سوريا.

حركة ملموسة

حركة الركاب السوريين في مطار رفيق الحريري الدولي كبيرة، كما يؤكد المدير العام للطيران المدني، المهندس فادي الحسن، ورغم ذلك يوضح الحسن لموقع "الحرة" أنه "من المبكر الحديث عن تأثير استئناف الرحلات الجوية العربية إلى سوريا قبل معرفة الشركات التي ستسير هذه الرحلات".

وتشير البيانات المنشورة على موقع البنك الدولي إلى زيادة ملحوظة في أعداد الركاب في مطار رفيق الحريري الدولي منذ بداية الحرب السورية عام 2011. في ذلك العام، بلغ عدد الركاب في مطار بيروت 2,029,610، ليرتفع العدد في العام 2012 إلى 2,148,669. 

واستمرت الزيادة في السنوات التالية، حيث سجل عام 2015 عدد ركاب بلغ 2,591,297، ثم وصل العدد إلى 3,164,358 في عام 2019. بعدها تراجع العدد نتيجة جائحة كورونا، إذ سجل 1,077,762 راكب في عام 2020، ليعود ويصل في عام 2021 إلى 1,603,134، وفقاً لآخر تحديث متاح على الموقع.

وشهد العام 2023 وفق الوكالة الوطنية للإعلام، زيادة ملحوظة في عدد الركاب الذين استخدموا مطار رفيق الحريري الدولي، إذ بلغ إجمالي المسافرين 7,127,649 راكباً، مقابل 6,349,967 راكباً، في العام 2022، بزيادة فاقت 12 بالمئة.

من ناحية أخرى، شهد مطار دمشق تراجعاً كبيراً في عدد المسافرين والعابرين خلال السنوات الماضية، وفقاً للبيانات المنشورة على موقع البنك الدولي، إذ بلغ عدد المسافرين في عام 2011 من وإلى المطار 1,433,766 مسافراً، وانخفض العدد إلى 17,902 مسافر في عام 2015. وفي عام 2019، سجل المطار استخدام 18,456 مسافراً، أما في آخر تحديث متاح على الموقع لعام 2021، سجلت حركة الركاب 672,219 مسافراً.

استئناف محدود

استئناف الرحلات الجوية بين سوريا والدول العربية لا يزال محدوداً، كما تقول أستاذة إدارة الطيران في جامعة ساري البريطانية، الدكتورة نادين عيتاني "حيث لم تستأنف شركات الطيران الخليجية رحلاتها إلى المطارات السورية بعد".

وتواجه شركات الطيران السورية، بحسب ما تقوله عيتاني لموقع "الحرة"، "تحديات كبيرة في الفترة الحالية، مما يحد من قدرتها على الاستحواذ على حصة كبيرة من سوق مطار بيروت". مرجعة ذلك إلى محدودية عدد الطائرات العاملة، إذ "يتكون أسطول الطيران السوري من 15 طائرة، 9 منها فقط في الخدمة من بينها 5 طائرات ركاب وطائرتي شحن وطائرتين رئاسيتين، هذا العدد القليل من الطائرات يحد من قدرة الشركة حالياًعلى المنافسة في سوق النقل الجوي".

وتشرح عيتاني "3 من طائرات الركاب التي في الخدمة من طراز ايرباص، والبعض من الطائرات روسية الصنع، متوسط عمرها التشغيلي حوالي 45 عاماً، وهي تعاني من مشكلات في الصيانة نتيجة العقوبات المفروضة على روسيا، مما يعيق استقبالها في بعض المطارات."

وتشير إلى وجود مشاريع مستقبلية تهدف إلى توسيع وتحسين أوضاع شركة الطيران السورية والمطارات في سوريا، "خاصة بعد عودة سوريا إلى جامعة الدول العربية"، متوقعة أن يشهد هذا القطاع تحسناً ملحوظاً في المستقبل مع عودة شركات الطيران العربية والأجنبية لتسيير رحلاتها إلى سوريا.

وفيما يتعلق بتأثير ذلك على مطار بيروت، توضح عيتاني أن "لبنان سيستعيد حصته الطبيعية من حركة النقل الجوي. فمنذ إغلاق المطارات السورية  عام 2012، تحول جزء كبير من حركة النقل الجوي إلى مطار بيروت كوجهة نهائية للعديد من المسافرين المتجهين إلى سوريا". لذا، تشدد على أن المشاريع التوسعية لمطار بيروت يجب أن تأخذ بعين الاعتبار أن جزءاً كبيراً من نمو حركة المسافرين مرتبط بالسوق السوري.

وفي تصريح له من مطار رفيق الحريري الدولي، في يونيو الماضي، أكد وزير الأشغال العامة والنقل، علي حمية، على تصميم الوزارة الراسخ على تطوير هذا المرفق الحيوي، رغم التحديات التي يواجهها لبنان.

وأشار حمية إلى التعاون الوثيق مع الشركات العاملة في المطار، ولا سيما شركة طيران الشرق الأوسط، التي أضافت طائرة جديدة ذات مواصفات عالية إلى أسطولها.

وأكد حمية أن رؤية الوزارة لتطوير وتحسين خدمات المطار ستظل قيد المتابعة والتنفيذ، مشيراً إلى أن إيرادات الوزارة من المرافق العامة في تزايد مستمر، وسيتم إنفاق جزء منها على مشاريع سلامة الطيران، وصيانة مبنى الركاب ومدارج الطيران، من أجل راحة المسافرين.

كما أعلن الوزير استئناف العمل في مشروع الممر السريع على الجهة اليمنى للوصول إلى المطار، الذي توقفت الأعمال فيه منذ عام 2019.

وأوضح أن وزارة المال ستقوم بتحويل كامل المبلغ المطلوب إلى مجلس الإنماء والإعمار لاستكمال المشروع، مما سيمكن المطار من استقبال حوالي 3 ملايين راكب إضافي، بما يحقق سرعة في إنجاز المعاملات.

تحذير مزدوج

من جانبه، يحذرّ الصحفي المتخصص بالشأن الاقتصادي، خالد أبو شقرا، من تطورين أساسين يؤثران على لبنان، هما "أولاً: عودة الطيران الخليجي إلى سوريا، "فمع استئناف الرحلات الجوية بين سوريا ودول الخليج، سينخفض عدد المسافرين الذين يتجهون إلى لبنان منذ عام 2011 حتى عام 2023 كبوابة عبور إلى سوريا، مما سيؤثر سلباً على إيرادات المطار".

وسبق أن كشف حمية، أن إيرادات المطار تناهز نحو 250 مليون دولار سنويا، و أن كل إيرادات المطار يجرى تحويلها إلى الخزينة العامة.

أما التطور الثاني، بحسب أبو شقرا، فهو انتهاء مفاعيل قانون قيصر في 17 يونيو الماضي، الذي فرض كما يقول "عقوبات اقتصادية على سوريا منذ عام 2019، مما دفع بالعديد من السوريين إلى الاعتماد على لبنان لاستيراد السلع، بما في ذلك النفط والسيارات". 

مع انتهاء مفاعيل قانون قيصر، لا يزال من غير الواضح، وفقاً لما يقوله أبو شقرا "ما إذا كانت العلاقات التجارية السورية مع الخارج ستعود إلى ما كانت عليه قبل عام 2019، لكن من المتوقع أن تنخفض عمليات الاستيراد عبر مطار رفيق الحريري الدولي، مما سيؤثر على إيراداته من الرسوم الجمركية".

ويشير أبو شقرا إلى أن حركة المطار ومدخوله مهمان جداً للاقتصاد اللبناني، "خاصة بعد رفع الرسوم وفرض رسوم بالعملة الصعبة على الوافدين والمغادرين"، لافتاً إلى أن "المطار يوفر كميات كبيرة من العملة الصعبة من شركات الطيران والمسافرين، وبالتالي أي تراجع في حركة المطار سيؤثر بشكل مباشر على الاقتصاد اللبناني في ظل الأزمات التي تمر بها البلاد".

ويشهد لبنان منذ العام 2019 انهياراً اقتصادياً يُعتبر الأسوأ في تاريخ البلاد، ويتزامن مع شلل سياسي وفراغ في سدة الرئاسة من جرّاء انقسامات سياسية تمنع انتخاب رئيس للجمهورية.