برلمان لبنان
مجلس النواب اللبناني على موعد في 21 فبراير المقبل مع استحقاق تشريعي قد يغير شكل الاقتصاد اللبناني إلى الأبد.

ينتظر مجلس النواب اللبناني، في 21 فبراير المقبل، استحقاقاً تشريعياً قد يغير في شكل الاقتصاد اللبناني إلى الأبد، ويحقق حلماً إصلاحياً تعذر تحقيقه لأكثر من نصف قرن عاشه اللبنانيون تحت سطوة الاحتكار ومآسيه، التي شاهد العالم برمته آخر فصولها خلال الأعوام الماضية، مع أزمات انقطاع السلع والأدوية والمحروقات.  

حلمٌ إذا ما تحقق، سيتحول إلى كابوس لدى قلّة من المنتفعين الذين تمتعوا بحماية رسمية من الدولة اللبنانية طيلة 55 عاماً، عرضت الاقتصاد اللبناني إلى "انفصام" في هويته، ما بين توجهه الليبيرالي الحر وواقع السوق الاحتكاري القائم على استئثار عدد قليل من التجار والمستوردين بـ "وكالات حصرية" للعلامات التجارية العالمية.  

القرار سيبته به التصويت في المجلس النيابي اللبناني على "قانون المنافسة" المطروح في الجلسة العامة المقبلة، والذي يتضمن بند إلغاء الوكالات الحصرية نهائيا، إلا أن الأمر ليس بتلك البساطة، فحلم الإطاحة بالـ "وكالات الحصرية" لطالما أطاح بأصحابه عبر التاريخ اللبناني، وذلك نتيجة ما يتمتع به أصحاب تلك الوكالات، من نفوذ اقتصادي وحماية سياسية وقدرة على الضغط، لا تتوقف عند حد تهديد الأمن الصحي أو الغذائي أو حتى السلم الأهلي في البلاد.  

ما هي الوكالات الحصرية؟  

بدأت قصة هذه الوكالات عام 1967، حين كرسها القانون بموجب المرسوم الاشتراعي الرقم 34 تاريخ 5 أغسطس 1967، الذي قدم حماية قانونية لعدد من التجار، تسمح لهم بحصرية تمثيل الشركات والعلامات التجارية على الأراضي اللبنانية، وبالتالي تمنع أي جهة أخرى من استيراد أو توزيع منتجات وسلع من تلك العلامات التجارية إلا أصحاب الوكالة الحصرية.  

وعرف الممثل التجاري بأنه "الوكيل الذي يقوم بالمفاوضة لإتمام عمليات البيع والشراء، أو التأجير الخدمات أو تقديمها، ويقوم، عند الاقتضاء، بهذه الأعمال باسم المنتجين أو التجار ولحسابهم. ويجب أن يكون العقد خطيا لمدة محددة أو غير محددة، ولا يسري حصر التمثيل الا إذا أعلنه الوكيل بقيده في السجل التجاري". 

ولأن هذا القانون أتى كامتياز رسمي وعلني للتجار، أدى في نهاية الأمر إلى استئثار عدد قليل من الشركات التجارية بحجم كبير من السوق اللبنانية وسيطرتهم التامة على قطاعات كاملة. فبحسب إحصاء مقدم من "الدولية للمعلومات" لا يزيد عدد أصحاب الوكالات الحصرية في لبنان عن 300 شخص فقط، يحتكرون استيراد وتوزيع 2335 سلعة بحسب ما تظهره عقود الوكالات الحصرية المسجلة لدى وزارة الاقتصاد اللبناني بين عامي 2005 و2018. 

وتتوزع على كافة القطاعات والجوانب الاستهلاكية، من المواد الأولية إلى المشتقات النفطية والغاز والمواد البيتروكيميائية، مرورا بالمعدات الطبية والمستلزمات الصحية وقطاع الأدوية والمواد الزراعية ومواد البناء، إضافة إلى السيارات والآليات والمعدات والأجهزة الإلكترونية وحتى الملابس والخدمات والسلع الاستهلاكية.  

هذا الواقع افرز طابعاً احتكاريا للسوق اللبنانية، تسيطر فيه الشركات الاحتكارية على أكثر من نصف السوق المحلية، حيث قدر البنك الدولي عام 2007، الريع الناتج عن الاحتكارات في لبنان بأكثر من 16 بالمئة من الناتج المحلي، وهي نسبة تتخطى مساهمة القطاع الصناعي بمجمله في الناتج المحلّي. 

وكانت دراسة للمنافسة في السوق اللبناني، أعدها الخبير الاقتصادي اللبناني توفيق كسبار، بطلب من الحكومة اللبنانية عام 2003، أظهرت أن ثلثي السوق اللبنانية تتسم بطابع احتكاري، حيث إن سبع شركات كبرى تسيطر على 60 بالمئة من الاقتصاد اللبناني، في حين أن هذه الاحتكارات والوكالات الحصرية باتت منذ ذلك الحين إلى اليوم، أكثر حدة.  

أزمة الأدوية مثالاً 

منذ صيف عام 2020 وحتى اليوم، يشهد لبنان أزمة انقطاع حادة في الأدوية والمستلزمات الطبية، ناتجة عن تداعيات الأزمة الاقتصادية وانهيار الليرة اللبنانية. هذه الأزمة لا تزال تهدد الأمن الصحي للبنانيين تاركة أكثر من 80 بالمئة منهم يواجهون مشاكل ومعوقات في حصولهم على الحق بالعلاج والوصول إلى الدواء.  

مصرف لبنان أطلق عام 2019 خطة دعم مباشر على السلع والمواد المستوردة بعد الانهيار المالي، كان الدواء أبرزها، ووصلت كلفة استيراد الأدوية والمستلزمات الطبية وحليب الأطفال إلى 1.173 مليار دولار، خلال العام 2020، لتعود وترتفع خلال العام 2021، حيث قدرت بحوالي 1.4 مليار دولار من خلال الطلبات التي تقدمت بها شركات استيراد الأدوية والمستلزمات الطبية. 

وبما أن 85 بالمئة من سوق الدواء يقوم على الاستيراد من علامات تجارية، تستحوذ 10 شركات أدوية على 90 بالمئة من السوق، وتمتلك خمس شركات كبرى 53 بالمئة من سوق الأدوية المستوردة، فإن هذه الشركات استأثرت بالحجم الأكبر من دعم مصرف لبنان للأدوية المستوردة الذي كان يفترض أن يصب في مصلحة التخفيف على المواطن والمستهلك، وتبلغ نسبته 85 بالمئة.  

وعليه حين وصل حجم دعم مصرف لبنان لاستيراد الأدوية إلى قرابة مليار دولار، كانت وزارة الصحة العامة والقطاع العام في الدولة اللبنانية يحصلان على ما قيمته 255 مليون دولار منه، مقابل 765 مليون دولار حصلت عليها شركات استيراد الأدوية. كل ذلك على قياس عام واحد من أعوام الأزمة، دون العودة إلى ما حققته تلك الشركات من أرباح طائلة قبل الأزمة نتيجة الحصرية التي تتمتع بها في هذا القطاع.  

في المقابل كانت شركات استيراد الأدوية أول من تخلت عن مسؤولياتها خلال الأزمة، إذ قررت عند أول خلاف حسابي بينها وبين مصرف لبنان (يوليو 2020)، التوقف عن استيراد وتسليم وتوزيع الأدوية إلا بعد تقاضي ثمنها، تاركة البلاد أمام أزمة انقطاع في الأدوية وحليب الأطفال، أدت إلى معاناة آلاف وموت عشرات، ولا يزال اللبنانيون يعيشون فصولها حتى اليوم.  

ومع ذلك، لم تعمد الدولة اللبنانية طيلة فترة الأزمة إلى مجرد التلويح بالسلاح الفعال الذي تملكه في وجه تجار الأدوية: سحب الوكالات الحصرية منهم وفتح سوق الدواء أمام المستوردين. وهو ما وصف على انه مزيد من المداراة والتواطؤ مع تلك الشركات واصحابها، وتقاعس، "لا يغتفر" بحسب منظمة العفو الدولية، عن معالجة أزمة الدواء. 

سلاح لم يخرج إلى العلن إلا مرة واحدة في عهد وزير الصحة إيميل بيطار عام 1971، الذي تقدم بمشروع قانون يخول وزير الصحة عند الضرورة سحب رخص استيراد الأدوية بغية توفيرها وعدم المخاطرة بالأمن الدوائي للبنانيين، ولكن المشروع اصطدم بتحالف أصحاب الشركات مع أقطاب السلطة السياسية وخلص في النهاية إلى استقالة الوزير بيطار نفسه بعد عدم تجاوب الحكومة. 

وردا على هذه المعلومات،  أوضح نقيب مستوردي الأدوية في لبنان، كريم جبارة أن استيراد الأدوية عام 2021 انخفض عما كان عليه في السنوات السابقة ولم يرتفع كما ورد، أما فيما يخص الرقم الذي أعلن عنه مصرف لبنان (1.4 مليار دولار) ككلفة استيراد أدوية، يعود سببه إلى أن مصرف لبنان أعلن ما عليه مدفوعات جامعاً ما كان عليه في السنة الماضية (نحو 500 مليون دولار) مع ما طلب في الأشهر الأولى من العام 2021 وقيمته أيضاً 500 مليون

وأضاف عليها طلبات الاستيراد المسبقة، في حين أن النصف الثاني من العام 2021 توقفت شركات الأدوية عن الاستيراد والتزمت لاحقاً بالمبلغ المحدد من قبل وزارة الصحة بالاتفاق مع مصرف لبنان. 

ويلفت جبارة إلى أن الدولة لا تحمي أي وكالة حصرية في قطاع الدواء، وذلك لكون وزارة الصحة تسمح لمؤسسة صيدلانية أن تستورد دواء حتى لو كان له وكيلاً حصرياً عبر قرارات تسمى "الاستيراد الموازي" حيث ألغت مفاعيل قانون حماية أصحاب الوكالات الحصرية في قطاع الأدوية، وصحيح أن الدواء غير مستثنى من المرسوم الاشتراعي 34/67، لكن ذلك يتعلق بمصلحة شركات الأدوية بالحفاظ على الحماية القانونية الممنوحة في لبنان. 

ويرفض جبارة وسم شركات الأدوية بالاحتكار، لكون الاحتكار غير ممكن لأسباب عدة "أولا بسبب عدم تمتع وكالاتها الحصرية بالحماية القانونية، ثانياً لا إمكانية لأصحاب الشركات التحكم بالأسعار التي تحددها وزارة الصحة حصراً وضمنا هامش ربح المستورد وحتى سعر الصرف المعتمد للدولار، وبالتالي ما من هدف تحققه الشركات بالاحتكار الذي لا يمكن الكلام عنه بوجود أدوية الجينيريك البديلة في الأسواق. 

ويرى جبارة أن سيطرة 10 شركات على 70٪ من قطاع الدواء لا يمثل واقعا احتكاريا وانما هو واقع تنافسي ينطبع على كافة القطاعات في لبنان وكذلك بالنسبة لقطاعات الأدوية خارج لبنان كأوروبا وأميركا. وهذا لا يؤثر شيئا على سعر الدواء طالما أن الوزارة هي من تحدده.
ويختم مشدداً على أن أزمة الأدوية جاءت نتيجة للأزمة المالية، وليس مسؤولية شركات استيراد الأدوية، التي من حقها أن تعمل على تحصيل مستحقاتها خاصة وان هذه الأموال ليست لها وإنما للشركات المصدرة في الخارج التي ستتوقف عن توريد بضاعتها إن لم تحصل على أموالها، وقد حصل هذا الأمر.

 

تاريخ من العرقلة 

ما يحصل في قطاع الدواء يسري على كل القطاعات الخاضعة للوكالات الحصرية في لبنان، الأمر الذي جعل إلغاءها مطلباً دوليا، دعمه الاتحاد الأوروبي والبنك الدولي، ومولوا لأجله خططاً ودراسات بهدف فتح الأسواق اللبنانية على الشراكة الأوروبية وتمهيداً لانضمام لبنان إلى منظمة التجارة العالمية.  

عام 1975 خضع القانون لتعديلات وألغى الوكالات الحصرية عن المواد الغذائية، وبموجب المرسوم رقم 2339 عام 1992، تم تحديد المواد التي لا تعتبر من الكماليات والتي لا يسري عليها حصر التمثيل التجاري أي لا تسري عليها الوكالات الحصرية وهي المواد الغذائية للاستهلاك البشري والحيواني بجميع أسمائها وأنواعها وأصنافها، ومواد التنظيف ومساحيق الغسيل، دون التطرق للدواء الذي بقي مصنفاً ضمن "الكماليات" حتى اليوم، وهو الأمر الذي يكشف "قوة أصحاب الوكالات الحصرية والدعم السياسي الذي يتمتعون به"، وفقاً لوصف "الدولية للمعلومات".  

عام 2002 أقر مجلس الوزراء اللبناني برئاسة رفيق الحريري، عدة مشاريع قوانين ومراسيم تهدف الى منع الاحتكار في مجال استيراد السلع على اختلافها بما فيها الدواء والمشتقات النفطية وتشجع على المنافسة. وطرح على مجلس النواب مشروع قانون يقضي بإلغاء الوكالات الحصرية مقابل إعطاء أصحاب هذه الوكالات حق تقاضي مبلغ يعادل 5 بالمئة من قيمة البضائع والسلع التي تشملها الحصرية وذلك لمدة خمس سنوات. وبعد سنتين من المماطلة والدراسة أقر مجلس النواب القانون والغى رسم الـ 5 بالمئة الذي اقترحته الحكومة. 

ولكن القانون لم يمرر، فرئيس الجمهورية اللبنانية حينها، إيميل لحود، رد القانون إلى مجلس النواب بعد حملة ضغط إعلامية سياسية وطائفية، اعتبرت أن إلغاء الاحتكار هو تعريض لجودة ونوعية السلع المستوردة، وصولا الى حد اعتبارها تشكل اعتداء على حقوق المسيحيين واستهدافاً لهم.  

تطويع طائفي  

عام 2002 أيضا، وفي سياق تعليقه على مساعي إلغاء الوكالات الحصرية، قال البطريرك الراحل مار نصر الله بطرس صفير "القصة فيها وما فيها، يريدون أن يأخذوا منا كل شيء، ولا يريدون أن يكون للمسيحيين في هذا البلد أي وجود فاعل، وكأنه لا يكفي تغييبهم السياسي عن القرار وعن التمثيل الديموقراطي الصحيح".  

هذا البعد الطائفي للقضية ناتج عن كون النسبة الأكبر من الحاصلين على الوكالات الحصرية منذ ما بعد الاستقلال إلى اليوم هم تجار ومستوردون من الطائفة المسيحية، وبفعل استغلالهم لهذا الواقع من أجل الحفاظ على مكتسباتهم، أصبحت هذه الوكالات جزءا من الامتيازات الطائفية، ويستمر هذا الترويج حتى اليوم. 

فبعد 55 عاماً من الحصرية، وبعد نحو 20 عاماً منذ آخر محاولة لإلغائها، لا يزال الملف يفرز انقساماً طائفياً في البلاد، يتمثل اليوم في اصطفاف الأحزاب السياسية المسيحية (القوات اللبنانية، التيار الوطني الحر) في خط المدافعين عن إبقاء الوكالات الحصرية، فيما الأحزاب الممثلة للمسلمين وفي مقدمتهم "الثنائي الشيعي" (حركة أمل وحزب الله) يصطفون ضدها إلى جانب الحزب التقدمي الاشتراكي، فيما يتمايز تيار المستقبل بانقسام بين أعضاء كتلته بين مؤيدين ومعارضين.  

وكما هو واضح فقد تجاوزت القضية الانقسامات السياسية التي عادة ما تسير قرارات السلطة السياسية في البلاد، لتدخل في انقسامات ذات بعد اقتصادي عابر للأحزاب وتحالفاتها واعتباراتها الوجدانية، الأمر الذي أشار إليه الخبير القانوني وعضو المجلس الاقتصادي والاجتماعي صادق علوية، المتابع لتفاصيل القضية، جازماً، في حديث لموقع "الحرة"، أن "الأمر بجوهره لا يحمل بعداً طائفياً حقيقياً، وإنما خلقه أصحاب الوكالات كوسيلة ضغط للحفاظ على مكتسباتهم، والمدخل الأسهل والأكثر نفوذا وتأثيراً في لبنان هو الباب الطائفي".  

يأسف النائب فادي علامة، من كتلة التنمية والتحرير (حركة أمل)، وهو الذي تقدم بمشروع إلغاء قانون الوكالات الحصرية، بأن يتخذ الملف طابعاً طائفياً، "خاصة وان اليوم المعطيات مختلفة عما كانت عليه، اليوم البلد كله منهار واقتصاده منهار، والناس جميعها خسرت من كافة الفئات والطوائف، العملة انهارت والتضخم خيالي، ولا أتخيل أن القانون أو المستهلك أو أي أحد من الأطراف السياسية سيقف إلى جانب الحصرية فيما الناس تموت من الجوع، وتعيش وضعاً مأساوياً من كل الطوائف والمذاهب". 

آخر التطورات... تسييس 

وكان المجلس النيابي اللبناني قد شهد في ٧ فبراير جلسة مناقشة حادة بين اللجان النيابية المشتركة، التي تعمل على إخراج الصيغة النهائية لقانون المنافسة، انقسم فيها نواب الحزب الواحد في مواقفهم من المادة الخامسة المتعلقة بإلغاء الوكالات الحصرية.  

وفي حين أن قانون المنافسة ذاته، الذي قدمت مشروعه كتلة "حزب الله"، مستوحى باعتراف نوابها من مشروع قانون سبق وأعده وزير الاقتصاد السابق منصور بطيش، المحسوب على التيار الوطني الحر، فإن نواب التيار الوطني أنفسهم كانوا من أشد المعترضين خلال الجلسة على مادة الغاء الوكالات الحصرية.  

في المقابل، يُتهم الثنائي الشيعي بالضغط في هذا الملف كنوع من التصعيد في وجه الأحزاب المسيحية التي ارتفعت نبرة مطالبتها مؤخراً بالفيديرالية المالية واللامركزية الموسعة، لاسيما بعد الانهيار المالي الكبير، حيث يرون أن جزءاً رئيسياً منه يقع على مسؤولية حزب الله وتدخله في القضايا الإقليمية التي عادت على لبنان بعزلة عربية ودولية وترجمت مقاطعة اقتصادية.  

أما في ما يتعلق بانقسام نواب تيار المستقبل، كان لافتاً توجه المعترضين على إلغاء الوكالات الحصرية، لكونه توجها يتعارض مع واحد من أبرز الأهداف التي عمل عليها رفيق الحريري، مؤسس التيار، في أيامه الأخيرة قبل اغتياله عام 2005. ولكنه يبقى انقساماً مفهوماً بالنظر إلى المصالح التي تجمع ما بين أصحاب الوكالات الحصرية وبعض نواب التيار، كالنائبة رولا الطبش التي تتشارك مكتب محاماة مع محامي بارز من محامي الهيئات الاقتصادية. 

شياطين التفاصيل 

النائب سمير الجسر من جهته، وبناء على طلب اللجنة النيابية، حاول إيجاد مخرج قانوني للمادة الخامسة من خلال تقسيمها إلى 6 بنود، لكن شيطان الخلاف كمن مجدداً في التفاصيل، حيث رأى البعض في تعديلات الجسر إفراغاً للقانون من مضمونه والهدف الواضح منه بإلغاء الوكالات الحصرية والحماية الرسمية لها. في النهاية وعلى أثر عدم التوافق على الفقرة المتعلقة بالوكالات الحصرية، أحيلت المادة الخامسة من قانون المنافسة إلى الهيئة العامة لمجلس النواب للتصويت عليها.  

من جهته يشرح النائب علامة في حديثه لموقع "الحرة" أن البند الخلافي ومحط الجدل يتركز حول التعويضات على أصحاب الوكالات الحصرية، الذين يعملون منذ سنوات طويلة وفق هذه الوكالات في لبنان، وإذا ما كان يجب الحجز على العلامات التجارية ووقف إدخالها إلى حين تعويض الشركات الأم على الوكيل أم لا. في حين أيضا جرى نقاش فكرة التعويض على أصحاب الوكالات، "ولكن لا أتصور ان هذه الأمور فرغت مضمون القانون من أساسه". 

في المقابل يرى علوية أن التعديلات التي أدرجت على البند الرابع من المادة الخامسة في القانون، تمثل إفراغاً جزئياً للقانون من مضمونه والهدف منه، مقدماً في حديثه مع "الحرة" مثالاً عما يمكن أن يحصل على أرض الواقع في ظل هذا التعديل.  

"لنفترض أن الوكيل الحصري على خلاف مع الشركة الأم في إيطاليا مثلاً ولديه حكم مبرم بالتعويض عليه من المحاكم اللبنانية. ولكن هناك مستورد آخر حصل على بضائع من نفس العلامة التجارية للشركة الأم، ولكن من دولة أخرى كالإمارات او تركيا، فما علاقة الدولة اللبنانية هنا لتمنع ادخال البضائع؟ وما علاقة الطرف الثالث ليدفع ثمن الخلاف؟ هذا التسلط على الأسواق مخيف فعلياً، ، هل يريد الوكيل تحصيل تعويضه على حساب المستوردين الجدد؟ لماذا لا يكلف محامياً يلاحق قضيته مباشرة مع الشركة الأم في بلد المنشأ؟" يتساءل علوية.  

ويضيف "وكأنه يراد حماية مصالح تجار الوكالات الحصرية، عبر اتخاذ المستوردين الجدد كرهائن، وبالتالي مرة جديدة يكون الهدف حماية الامتيازات وليس المصلحة العامة للسوق والمستهلك اللبناني".  ويلفت إلى أن هذا البند إذا ما أصبح نافذاً من شأنه أن يثير مخاوف كبيرة لدى الشركات الأم المصدرة، إذ إنه يمثل تهديداً لها هي أيضا، فالرسالة التي تتلقاها الشركات العالمية من البند مفادها "إذا بدلتم تعاملكم مع هذا الوكيل الحصري، سوف تتعرضون للملاحقة والإجراءات المنصوص عنها".  

ويختصر علامة الموقف بالقول "اليوم هناك توجهان، هناك من يتحمس أكثر للهيئات الاقتصادية وحماية مصالحها ومكتسباتها، وهناك من هم مثلنا يؤيدون فتح السوق، وخلق فرص عمل، وافساح المجال أمام صغار التجار وكبارهم على حد سواء، وفتح الأسواق أمام منتجات وعلامات تجارية جديدة، وليتنافسوا جميعاً وفق القانون. وخلال الجلسة العامة المقبلة من يحب مجاهرة الناس بمناصرته الإبقاء على الغلاء وانعدام الفرص والمنافسة في السوق والاصطفاف مع الوكالات الحصرية، فليصارح الناس ويقول أمام الرأي العام نحن مع المحتكرين وضد المستهلك". 

الهيئات الاقتصادية تحذر 

على المقلب الآخر، يقدم رئيس جمعية تجار بيروت نقولا الشماس، سردية "الدور الكبير الذي لعبته هذه الوكالات الحصرية في ازدهار لبنان وتنمية اقتصاده طيلة المرحلة الماضية إلى جانب السرية المصرفية"، محذراً في حديثه لموقع "الحرة" من أن "أي تعديل حالياً لن يكون مناسباً فيما الوضع التجاري والاقتصادي في أسوأ أحواله، وسط تراجع بلغ حدود الـ 80 بالمئة".  

ويضيف "وعلى الرغم من ذلك، فإن الهيئات الاقتصادية تجاوبت مع عمل المجلس النيابي من خلال لجنة الاقتصاد والتجارة واستمعت إلى كل الافرقاء، وهي في الواقع تؤيد تبني وإقرار قانون المنافسة العصري، على أن يتماشى مع متطلبات منظمات التجارة العالمية ومع مقتضيات التقدم التجاري والاقتصادي". 

لكن وفي الوقت نفسه ينتقد الشماس ما أسماه "استهداف القطاع التجاري" وتخلي وزراء الاقتصاد المتعاقبين عن حماية القطاع التجاري. لافتاً إلى أن "المطلوب من الدولة كان أن تحمينا من الاقتصاد غير الشرعي والتهريب الذي يمثل "أصل المشكلة". 

وحول الوكالات الحصرية يرى الشماس أنها "تنطلق من الحرية بين المتعاقدين أي المصنع في الخارج والوكيل في الداخل"، معتبراً أن القانون الصادر سنة 1967 كان يهدف إلى حماية التاجر اللبناني كي يعمل براحته ويستثمر أمواله بحرية تعود على البلاد بالنفع والازدهار.  

ويتساءل الشماس عن السبب خلف الاعتراض على البند الرابع من المادة القانونية، المتعلق بالتعويض على الوكيل الحصري، مشيراً إلى أنه حق للوكيل "الذي عمل عشرات السنين على التسويق والتوزيع وخلق سوق للعلامة التجارية في لبنان، واستثمر اموالاً طائلة، أن يحصل على تعويض يساوي تضحياته وجهده". لافتاً إلى أن التعويض لن يكون على حساب المستهلك، بل لحماية الوكيل اللبناني من موكل خارجي. 

الشماس يختم حديثه محذراً من أن "إقرار هذا القانون سيزيد عمليات التهريب والتزوير والتقليد في البضائع"، متسائلاً "إن كنا في ظل هذا القانون نعجز عن حماية البضائع من التهريب والتزوير فكيف مع إلغائه؟ سيصبح لبنان مرتعاً لتجار الشنط". 

كيف يستفيد المواطن؟ 

وفي ظل ثقل المصطلحات الاقتصادية والتجارية والقانونية التي تغلف هذا الملف، وتجعل الإلمام به حصراً على الخبراء والمتابعين، يتساءل المواطن اللبناني كيف سينعكس الأمر عليه مباشرة وماذا سيستفيد إذا ما ألغيت أو بقيت الوكالات الحصرية.  

وفي هذا السياق يؤكد علوية أن تأثير إقرار القانون على الناس يتمثل في فتح باب المنافسة بين التجار داخل الصنف أو السلعة الواحدة، "هناك أدوات كهربائية مثلاً بمقدور تجارها الحصول عليها بثلث سعرها في الأسواق العالمية، إلا أنه ونتيجة الوكالات الحصرية يمنعون من استيراد العلامة التجارية".  

ويلفت علوية النظر إلى الفرق ما بين أسعار الهواتف الذكية في لبنان بين شركة وأخرى نتيجة وجود أو انعدام الوكالة الحصرية، "ففي حين أن شركة آبل تلتزم القانون الأميركي الذي يمنع الوكالات الحصرية، يتقارب سعر منتجاتها في لبنان من سعرها عالمياً، بعكس سامسونغ مثلاً حيث الفوارق كبيرة نظرا لوجود وكيل حصري لها في لبنان".  

ويختم "إن أردنا أن نصف اقتصاد لبنان بأنه اقتصاد ليبيرالي حر يجب أن يكون حراً في الاتجاهين، بالنسبة إلى التاجر والمستهلك على حد سواء، في حالتنا اليوم، السعر يحدده شخص واحد أو جهة واحدة التي تملك الوكالة الحصرية، وهذا يمثل امتيازاً لعدد محدود من الأشخاص في البلد، وبالتالي بالمعايير العالمية هذا القانون متخلف، ويجب إلغاؤه".  

فضيحة في اللحظة الأخيرة 

يذكر أن جلسة السابع من فبراير في مجلس النواب اللبناني، كانت قد كشفت عن فضيحة طالت أصحاب الوكالات الحصرية، أظهرتها الأرقام التي عرضها وزير الاقتصاد أمين سلام، إذ تبين خلال تقديمه لعدد الشركات التي تحمل وكالات تجارية حصرية، التي يبلغ عددها 3330، أن الشركات التي تدفع الرسوم المتوجبة عليها يبلغ 316 فقط، فيما يبلغ عدد الوكالات الحصرية المشطوبة 3014 وكالة، وهي تشطب عادةً لعدم دفعها الرسوم السنوية، عدم تجديد العقد، أو تبعاً لأحكام قضائية. 

إلا أن هذه الشركات المتخلفة عن الدفع، لا تزال تمارس حقها الحصري باستيراد بعض المنتجات حتى اليوم، ولا تزال مسجلة في السجل التجاري، وتمنع غيرها من الاستيراد عن طريق قاضي الأمور المستعجلة عبر دعاوى قضائية.  

السياحة في لبنان

لم يكن قرار الإمارات رفع الحظر عن سفر مواطنيها إلى لبنان مجرد إجراء دبلوماسي عابر، بل اختبارا حقيقيا لقدرة بيروت على استعادة ثقة طال غيابها. 

ففي ظل الانهيار الاقتصادي والقلق الأمني، تحول هذا القرار إلى ورقة جديدة على طاولة السياحة اللبنانية، يراها البعض بداية لعودة الخليج إلى بيروت، ويرى آخرون أنها مغامرة غير مضمونة النتائج في بلد لم يحسم بعد معركته مع فوضى السلاح خارج الدولة.

وكانت الإمارات قد قررت في أكتوبر 2021 سحب دبلوماسييها من بيروت، ومنعت مواطنيها من السفر إلى لبنان، على خلفية تصريحات لوزير الإعلام اللبناني السابق، جورج قرداحي، بشأن الحرب في اليمن، تسببت بأزمة دبلوماسية مع عدد من دول الخليج.

ورغم بدء تدفق السياح الإماراتيين إلى لبنان منذ 7 مايو الجاري، يبدي كثيرون شكوكا حول إمكانية أن يؤدي القرار إلى تحريك عجلة القطاع السياحي اللبناني، الذي يعد من أكثر القطاعات تضررا بفعل الانهيار الاقتصادي والتوترات الأمنية.

رجل الأعمال الإماراتي البارز، خلف الحبتور، رحب بالخطوة، لكنه عبّر عن مخاوف في ما يتعلق بالوضع الأمني في لبنان.

"لبنان الحبيب يستقبل زوّاره من دول الخليج العربي ويستعد لصيف يأمل أن يكون مزدهراً. لكن كيف يمكن أن يطمئن الزائر وتخطط العائلات لعطلاتها هناك وسط مشاهد عدم الاستقرار المتكررة؟"، كتب الحبتور على أكس.

وأضاف: "غياب الحد الأدنى من الاستقرار الأمني يجعل من قرار السفر تحديا لا رغبة".

الهاجس الأمني

وصف نائب رئيس "نقابة أصحاب المطاعم والمقاهي والملاهي والباتيسري"، خالد نزهة، قرار رفع الحظر عن سفر الإماراتيين إلى لبنان بأنه "خطوة إيجابية وبالغة الأهمية"، وأعرب عن أمله بأن يتبعها تدفّق السياح السعوديين وباقي الزوار العرب الذين انقطعوا عن زيارة لبنان في السنوات القليلة الماضية.

وقال نزهة لموقع "الحرة" إن حضور الإماراتيين يمنح القطاع السياحي دفعة قوية، ويضفي ارتياحا عاما على الساحة الاقتصادية، لا سيما مع اقتراب موسم الصيف وعيد الأضحى، ودعا إلى تحويل السياحة إلى قطاع مستدام لا يقتصر على المواسم. 

ولفت نزهة إلى أن "السياح الخليجيين معروفون بإقامتهم الطويلة وإنفاقهم المرتفع وزيارتهم لبنان عدة مرات في السنة، ما يجعل حضورهم أكثر تأثيرا من السياح الأوروبيين، كما أن عودة الإماراتيين قد تفتح الباب أمام مزيد من الزوار من دول أخرى، بالنظر إلى ما تمثله الإمارات من معيار عالمي في السياحة والخدمات".

وذكّر نزهة بأن كثيرا من الإماراتيين يملكون عقارات ومنازل في لبنان، "ومن الطبيعي أن يعودوا إليها"، ولفت كذلك إلى أن الإمارات تحتضن أعدادا كبيرة من اللبنانيين".

ووضع الباحث في الشأن السياسي، نضال السبع، القرار الإماراتي، في سياق الدعم الخليجي للبنان، واعتبره "بادرة حسن نية" الحكومة اللبنانية الجديدة، وقال أن القرار الإماراتي نتيجة "مساعٍ ديبلوماسية وزيارات قام بها رئيس الجمهورية جوزاف عون إلى دول الخليج".

ورغم هذه المؤشرات الإيجابية، لفت السبع في حديث مع موقع "الحرة" إلى "استمرار القلق الدولي من الوضع الأمني،" وذكّر بتصريحات نائبة المبعوث الأميركي للشرق الأوسط، مورغان أورتاغوس، التي قالت خلال منتدى الدوحة الاقتصادي الأسبوع الماضي إنه لا يزال أمام لبنان الكثير ليفعله من أجل نزع سلاح حزب الله.

وفي السياق نفسه، اعتبر السبع أن مواقف رجل الأعمال الإماراتي خلف الحبتور، المعروف باستثماراته الكبرى في لبنان، تعكس "نبض القلق الخليجي، نظرا لعلاقاته الواسعة مع صناع القرار في الإمارات والخارج".

ورأى السبع أن "لبنان، رغم التهدئة المعلنة منذ 27 نوفمبر، ما زال في دائرة الخطر، في ظل استمرار الغارات الإسرائيلية على مواقع لحزب الله في جنوب وشمال نهر الليطاني، ما يعكس تركيزاً استخباراتياً ودولياً متصاعداً على هذا السلاح".

وأشار إلى أن الحزب "يسعى إلى مقايضة سلاحه بضمانات سياسية، لكنه بات في موقع حرج بعد إعلان الرئيس الفلسطيني محمود عباس عن بدء سحب السلاح الفلسطيني من المخيمات منتصف حزيران"، في خطوة اعتبرها السبع بمثابة "ضوء أخضر للدولة اللبنانية للتحرك بالتنسيق مع السلطة الفلسطينية، ما سيضع حزب الله في موقع الجهة الوحيدة التي لا تزال تحتفظ بسلاح خارج الدولة".

ويتسم ملف السلاح الفلسطيني في لبنان بتعقيدات كبيرة، وفقا للسبع، فسلاح المخيمات يختلف عن السلاح خارجها، وسلاح "فتح" الخاضع للسلطة الفلسطينية، في مقابل سلاح "حماس" و"الجهاد الإسلامي" و"عصبة الأنصار"، الذي يعد الأخطر، إلى جانب وجود نحو 3000 مطلوب داخل المخيمات.

ويرى السبع أن سلاح المخيمات يشكّل تحدياً أمنياً كبيراً للدولة اللبنانية، وحذر من أن أي اقتحام أمني قد يشعل مواجهات واسعة، ما يتطلب دقة وحذرا في المعالجة.

عوائق عدة

يشكّل القطاع السياحي، لا سيما المطاعم والملاهي والباتيسري وأماكن السهر والروف توب، رافعة حقيقية للاقتصاد اللبناني، الذي يعتبره نزهة "المحرّك الأساسي لعدد كبير من القطاعات الاقتصادية".

ويوفر القطاع السياحي  آلافا من فرص العمل للبنانيين، "كما أن لبنان لا يكتفي بجذب السياح، بل يصدّر علامات تجارية مطعمية ناجحة أثبتت حضورها في عواصم عربية وأوروبية، وصولاً إلى أميركا وكندا وأستراليا وأفريقيا، ما يعكس صورة مشرقة عن لبنان في عالم الضيافة".

ويرى الباحث في "المعهد اللبناني لدراسات السوق"، خالد أبو شقرا، أن قرار رفع الحظر عن سفر المواطنين الإماراتيين إلى لبنان هو بمثابة "الصدمة المعنوية الإيجابية"، وقد يفتح الطريق أمام خطوات مماثلة من دول خليجية أخرى، وعلى رأسها السعودية.

وفي حديث لموقع "الحرة"، أشار أبو شقرا إلى أن أهمية القرار لا تكمن فقط في رمزيته السياسية، بل في انعكاساته المحتملة على القطاع السياحي.

وأوضح أبو شقرا أن عودة السياح العرب بأعداد كبيرة تبقى رهناً بعدة عوامل، أبرزها:

ـ الوضع الأمني، في ظل استمرار القصف الإسرائيلي، ما يثير مخاوف مشروعة لدى الزوار
ـ ضعف البنية التحتية، حيث يعاني لبنان من نقص كبير في الخدمات الأساسية كالكهرباء والمياه والطرقات والإنترنت، وهي مقوّمات يطلبها أي سائح
ـ ارتفاع الكلفة السياحية، مقارنة بوجهات منافسة مثل شرم الشيخ وتركيا وقبرص، التي توفّر أسعاراً أقل وخدمات متقاربة
ـ احتكار النقل الجوي، نتيجة هيمنة شركة "طيران الشرق الأوسط" على السوق منذ أكثر من نصف قرن، وغياب الرحلات الاقتصادية أو "الشارتر".

ودعا أبو شقرا إلى فتح المجال أمام شركات طيران إضافية وتقديم تسهيلات لاستقدام وفود سياحية، بما يسهم في خفض الكلفة وتحفيز الإقبال على لبنان كوجهة سياحية رئيسية.

إجراءات مطلوبة

في تعليق رسمي على قرار الإمارات رفع الحظر عن سفر مواطنيها إلى لبنان، أكد رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام أن "لبنان عاد إلى العرب"، مشدداً على تطلّع البلاد إلى عودة السياح الخليجيين، واستعادة مكانتها كوجهة أولى في المنطقة.

تصريح سلام جاء خلال مؤتمر صحافي عقده في السراي الحكومي في بيروت، عقب اجتماعه مع سفراء دول مجلس التعاون الخليجي، حيث قال "ما يهمنا هو القيام بكل ما يسهل عودة إخواننا العرب إلى ربوع لبنان"، مشيراً إلى التزام الحكومة بالعمل على إزالة أي مخاوف أو محاذير لدى دول الخليج.

من جهتها، رحّبت وزيرة السياحة لورا الخازن لحود بالقرار، واعتبرته "تأكيداً على عودة الثقة بلبنان، وبداية جديدة لتطوير الروابط التاريخية التي تجمع البلدين". وأعربت لحود عن أملها في أن "تحذو باقي دول مجلس التعاون الخليجي حذو الإمارات، ليعود لبنان مقصداً رئيسياً لأشقائه العرب، ومركزاً للنشاط السياحي والثقافي في المنطقة".

كما أصدرت وزارة الخارجية والمغتربين اللبنانية بياناً رحّبت فيه بالقرار الإماراتي، معتبرة أنه "خطوة مهمة نحو إعادة الزخم للعلاقات الثنائية"، وأكدت تطلعها إلى تعزيز وتطوير العلاقات مع جميع الدول العربية، انطلاقاً من الروابط التاريخية والانتماء والمصير المشترك.


وفي قراءته للواقع السياحي اللبناني، لفت أبو شقرا إلى أن لبنان متأخر منذ سنوات طويلة في جذب السياح، مشيراً إلى تقرير دولي صدر عام 2019 أظهر أن حصة لبنان من إجمالي السياح الوافدين إلى منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لم تتجاوز 2%، رغم ما يمتلكه من مقومات طبيعية وتاريخية وثقافية، في مقابل نسب تصل إلى 20% في وجهات مثل الإمارات.

ودعا أبو شقرا المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، وتحديداً اللجنة السياحية فيه، إلى التحرك لمعالجة ملفات أساسية تؤثر مباشرة على القطاع، مثل أوضاع المواقع الترفيهية الكبرى كجعيتا، كازينو لبنان، والتلفريك، كما شدد على ضرورة إنشاء هيئات ناظمة مستقلة في قطاعات الطيران والاتصالات والكهرباء، ما من شأنه تعزيز التنافسية وتخفيض الكلفة على المستهلكين، بما في ذلك السياح.

وأكد أبو شقرا أن "تنشيط القطاع السياحي يبدأ بتأمين مناخ مستقر وآمن"، محذراً من أن "غياب هذا المناخ سيبقي أعداد الزوار محدودة"، ولفت إلى أن "معظم الزوار اليوم هم من المغتربين اللبنانيين، وليسوا سياحاً أجانب، ما يقلل من القيمة الاقتصادية المضافة التي يوفرها السائح التقليدي، الذي ينفق على الإقامة، النقل، والمرافق السياحية".

ودعا الوزارات اللبنانية المعنية إلى لعب دور أكثر فاعلية في الترويج للبنان خارجياً من خلال المشاركة في المعارض الدولية وتنظيم المؤتمرات، والاستفادة من الطاقات الشبابية القادرة على مخاطبة الأسواق الجديدة.

الخطأ الاستراتيجي الذي ارتكبته الدولة خلال السنوات الماضية تمثل بحسب أبو شقرا "في الاعتماد على المواسم السياحية التقليدية، مثل فصل الصيف أو موسم التزلج، من دون تطوير نموذج سياحي مستدام يمتد على مدار العام"، لذلك شدد على "أهمية التوجه نحو أسواق جديدة خارج الإطار العربي، مثل روسيا وأوروبا الشرقية، حيث تختلف أوقات العطل ونمط السفر، ما يساعد على تنويع الموسم السياحي".

وختم أبو شقرا بالتأكيد على أن "رفع الحظر عن زيارة لبنان من قبل الإمارات، هو خطوة أساسية، لكنها بحاجة إلى استكمال بإجراءات عملية لطمأنة السائح، سواء من حيث الأمان أو الكلفة أو جودة الخدمات. غياب هذه العناصر سيبقي السياحة في لبنان دون المستوى المطلوب، ويحول دون مساهمتها الفعلية في دعم الاقتصاد الوطني".