بهاء الحريري
بهاء الحريري في حديث خاص مع لقناة الحرة | Source: MBN

أسئلة كثيرة يطرحها اللبنانيون منذ إعلان نجل الرئيس الراحل، رفيق الحريري، رجل الأعمال، بهاء الحريري، دخوله المعترك السياسي، أجاب عنها في لقاء حصري لبرنامج "المشهد اللبناني" على قناة "الحرة".

الحريري تحدث عن مشروعه السياسي وتحضيراته للمرحلة المقبلة، إضافة إلى علاقته مع شقيقه رئيس الحكومة الأسبق سعد، وموقفه من "حزب الله" وعلاقته بتركيا. وأكد الحريري نيته للعودة إلى البلاد، لكن المقومات الأمنية لا تسمح بذلك، وأن الموضوع تحت الدراسة و"وعد الحر دين". 

وفي المقابلة التي أجريت عشية الذكرى السابعة عشرة لاغتيال والده، شدد الحريري على ضرورة استدراك خطورة الوضع في لبنان، وإن لم يكن لديه شك كما قال أن "اللبنانيين مسلمين ومسيحيين، مدركون ذلك".

سعد "أخي وأحبه وهذا أمر مفروغ منه وللعائلة حرمتها"، بهذه الكلمات وصف بهاء علاقته بشقيقه قبل أن يستطرد قائلا "في ذات الوقت الخلاف شاسع بيننا في التفكير والرؤية وفي كيفية السير إلى الأمام وبكل شيء، وهذا أمر طبيعي بين الأشقاء".

واعتبر أن الموضوع لم يعد بينه وبين سعد "لأنه ترك الحياة السياسية"، مشيرا إلى أن"العربة تمشي إلى الأمام وليس إلى الوراء".

ولطالما تحدث الحريري عن "احتلال" إيراني للبنان وعن قراره خوض معركة "استرداد الوطن وسيادته من محتلي هذه السيادة"، فما هي إمكاناته لذلك؟ وعن ذلك علق بالقول: "نحن نعتبرها معركة صعبة، والطريقة الوحيدة للتغيير هي من خلال الانتخابات، عندما يمسك اللبناني الورقة الانتخابية ويصوت لمن يريد".

وشدد "نحن لا نؤمن بالسلاح بل بالاعتدال، لم ولن تتلطخ أيدينا بالدماء، وهذه مسيرتنا الوحيدة"، مشددا قوله: " لا أعرف أن أحمل رصاصة ولا مسدسا، أريد بناء وتثبيت المؤسسات، كون لدى الدولة مقومين، الأول اقتصادي والثاني أمني".

وتابع أنه "في زمن رفيق الحريري كان لبنان تحت وصاية شرعية سورية وافق عليها المجتمع الدولي والاقليمي، أما اليوم فليس هناك وصاية إنما فريق إرهابي كما يعتبره ثلاثة أرباع العالم ولا يملك أي وصاية شرعية، هذا الفريق أخذ شعبا بكامله إلى المهوار، وعندما كنا تحت الوصاية استطعنا أن نربح، فلماذا لا نستطيع الآن".

وفيما إن كان يتخوف من أن يقود هذا العنوان إلى حرب أهلية، وما هي الضمانة لتفادي مثل هذا الاحتمال، اعتبر الحريري أن الفساد والوضع الذي وصل إليه اللبنانيون هما من سيؤديان إلى الانهيار، قائلا: "وصل اللبنانيون مسيحيون ومسلمون إلى وضع لم يعد بالإمكان تحمله، ليس باستطاعتهم تأمين رغيف خبز، ولا الكهرباء والطبابة، حتى ضمن الطائفة الشيعية الكريمة هناك ما يزيد عن الخمسين بالمئة لا يوافقون على الفريق الذي حمل سلاحاً وأوصل لبنان إلى ما هو عليه اليوم".

بهاء الحريري بجانب شقيقة رئيس الحكومة اللبنانية الأسبق سعد الحريري

وأضاف "نحن نؤمن بجيشنا، فهو قوي ولديه مقومات، لكن حتى بمقوماته الداخلية جزء كبير من عناصره يعانون من مشكلة معيشية ضخمة بسبب الانهيار".

وتطرق رجل الأعمال إلى السلاح غير الشرعي في لبنان الذي لطالما صوّب عليه، حيث اعتبر أن "المنظومة السياسية تغطي هذا السلاح بشكل كامل" واستطرد "الفساد أكل البلد، أين ذهبت الأموال؟! أكثر من ثلاثين بليون صرفت على الكهرباء، أي إنسان أو محلل اقتصادي ضليع في هذا الموضوع، يقول أن حل مسألة الكهرباء لا تحتاج لأكثر من ثلاثة أرباع بليون". 

وعن السياسة التي سيتبعها للتعامل مع شروط حزب الله وضغوطه قال "بالنسبة إلينا الانتخابات هي الأساس"، واصفا "التحالف الرباعي الذي حصل بعد اغتيال رفيق الحريري بأنه "كفر سياسي" مشددا "نحن لا نتعاون مع حزب الله، لا تعاون مع حزب الله".

فيما يتعلق بحركة أمل قال "لا يمكننا إلغاء فريق بفريق آخر، الوالد كان ينظر إلى لبنان  كموزايك كل قطعة منه جميلة، والجمال الحقيقي عند الابتعاد عن هذه الصورة والنظر اليها كقطعة واحدة".

وذكّر بهاء بما كان يقوله والده "ممنوع إلغاء أحد، ولا أحد يمكنه إلغاء الآخر، نحن أهل الاعتدال ونتمنى من كل اللبنانيين نبذ المشروع الذي أوصل لبنان إلى الكارثة".

بهاء أكد على أنه لا يوجد تواصل مع حركة أمل، "نحن نتواصل مع الاعتدال الشيعي، ولا أريد الدخول في الأسماء، لكنها كثيرة، ونعتمد على إيماننا بأن هذه الطائفة الكريمة لديها مقومات هائلة ولا تؤمن بالمسيرة التي أدت إلى هذه الكارثة، بل تؤمن بالاعتدال".

تابع "أكرر ما قلته سابقا لهذه الطائفة، بأن مشاركتها في مأتم والدي دين في رقبتي، وكما يعلم الجميع نحن كأهل السنة لدينا مرجعية هي الخليج، والمسيحيون لديهم الفاتيكان وأوروبا والغرب، وعندما شارك هذا الفريق المعتدل من الطائفة الشيعية بالمأتم لم يؤخذ بالاعتبار أنه الفريق الأضعف".

وردا على سؤال عما يُحكى عن أجندة له مع الأتراك أجاب "فليسمحوا لنا، لقد أثبتنا أين هو توجهنا في الأشهر الـ 18 الأخيرة، تحدثنا مع الحرّة، الشرق الأوسط، العربية، والصحف الكويتية ولا أذكر أنني تحدثت لصحيفة تركية، ولم أزر تركيا طوال حياتي وليس لدي عمل هناك ولا أي تواصل مباشر أوغير مباشر مع هذه الدولة".

وعن توقيت إعلان عودته لاستكمال مسيرة والده شرح أن "السياسة  ليست مجالي في الحياة، ولم يكن لدي أي نية لخوض المعترك السياسي، القرار اتخذ بعد انفجار الرابع من أغسطس، كإنسان لبناني، لا يمكنني مشاهدة الفاجعة التي أودت بحياة ما يزيد عن المئتي شهيد واعتبار كأن شيئاً لم يكن".

حادثة مرفأ بيروت أودت بحياة 215 شخصا

وردا على من يرددون أن مشروع رفيق الحريري انتهى قال "هذا كلام غير دقيق، والدي أنهى الحرب الأهلية، أسس لاقتصاد حر، بنى المؤسسات، منذ تسعينات القرن الماضي إلى عام 2005 كان الازدهار، ولولا صلابة مشروعه لما كان بامكان لبنان الصمود منذ رحليه إلى عام 2022".

رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري اغتيل في 14 فبراير 2005

وأضاف الحريري قوله: "سبق أن عاهد والدي اللبنانيين باخراجهم من الحرب الأهلية وفعل ذلك، وقد كان الوضع أصعب مما هو عليه الآن، كون معالم الانهيار كانت تطغى على معالم العمار، لذلك الأمل موجود، لكن علينا العمل مع بعضنا البعض، للخروج من الأزمة والوصول إلى بر الأمان".

وشدد "نحن حركة تغييرية كاملة نؤمن بما نقوم به، وأنا أتعهد أمام اللبنانيين أن أفعل المستحيل وأسير بالقيم التي أتحدث عنها، فخلاص لبنان هو في استرجاع الدولة وهيمنتها على كامل الأراضي اللبنانية".

لكن ماذا عن الأدوات التي بين يديه لكي يستكمل مسيرة والده؟ أجاب "قبل سنة ونصف السنة انطلقنا  بمخطط متكامل، أولا منصة (أس بي آي) التي هي اليوم ركيزة إعلامية، تبث ما يزيد عن الثلاثين برنامج، وإلى الآن عرضت ما يزيد عن الأربعة آلاف حلقة في كل المجالات، المشاهدون  بين مئة ألف وثلاثة عشر مليون حسب البرنامج، وفوق هذا لا تروج لشخص، عابرة للطوائف ونحن فخورون بها".

إذا كانت الركيزة الأولى كما قال بهاء "الإعلام الحر"، فإن الركيزة الثانية "مؤسسة نوح التي تديرها زوجتي حسناء، منها انطلقنا  لأعمال عابرة للطوائف  بكل المناطق اللبنانية وبقدر المستطاع، وسيزيد ذلك مع الأيام أي لن يتوقف".

أما الركيزة الثالث فهي "سوا  للبنان التي تقوم على ست نقاط: مشروع اقتصادي، مشروع دستوري، بمعنى تطبيق اتفاق الطائف، القضاء المستقل، الأمن، الشأن الصحي، استئصال الفساد".

وعن المشروع السياسي الذي يحمله كما قال هو تطبيق اتفاق الطائف وفيه فصل الدين عن السلطة التنفيذية والتشريعية، وجود مجلس شيوخ يعطي الصلاحيات للأقليات، تطبيق اللامركزية الادارية، تحقيق استقلالية القضاء ومكافحة الفساد عبر قضاء مستقل، "مكافحة الفساد تكون عبر قضاء مستقل، وهناك قوانين عدة بالدستور اللبناني تصب في هذا الاطار، لكأنها نائمة في الأدراج".

في الموضوع الاقتصادي تحدث الحريري عن أربع ركائز هي: القطاع المصرفي، القطاع السياحي، الطبابة والتعليم، هذا بالاضافة كما قال إلى موضوع اللبنانيين في الخارج الذين يشكلون جزءاً أساسياً للبنان كاقتصاد حر ولفت إلى أنه "يصل ما يزيد عن التسعة بليون دولار من اللبنانيين الذين يعيشون بالخليج وأوروبا وأميركا".

وشدد "علينا أن نعلم ماذا نريد من لبنان ودوره في المنطقة، كما يجب إعادته إلى جسمه العربي، واعادة التوافق بينه وبين المجتمع الدولي، فالمشكلة ليست فقط مع إخواننا الخليجيين والعرب، بل أيضا مع المجتمع الدولي".

وفيما إذا كان لديه تواصل مع تيار المستقبل أو مع شخصيات من هذا التيار أجاب "لدي تواصل مع سوا للبنان التي هي مشروع عابر للطوائف. وأنا لن أرضى ألا يكون للطائفة السنيّة الكريمة دوراً أساسياً في المعادلة اللبنانية، وأزيد على ذلك أنها أكبر طائفة في لبنان وعلينا احترامها لأن من دونها لا وجود لهذا البلد، واعتبر أن هذه الطائفة ليس لها حصة الأسد بل هي الأسد في المعادلة اللبنانية، وفي ذات الوقت لا أرضى إلا أن يكون مشروعنا وطني لكل اللبنانيين، وقد أثبتنا ذلك بعملنا".

يتزعم سعد الحريري تيار المستقبل

وتمنى بهاء الحريري التواصل مع كل المكونات التي ظلّت تحترم مبادئ 14 آذار "لكن من خرج عن القيم وساوم في هذه المنظومة وغض النظر عن السلاح والفساد فنحمّله مسؤولية الكارثة التي وصل إليها لبنان" مستشهداً بما أشار إليه البنك الدولي من أن ما يمر به لبنان يتخطى كارثة 1929 أي الانهيار العالمي، وتخلف الدولة عن دفع السندات اللبنانية لأول مرة في تاريخ لبنان حيث لم يحصل ذلك حتى في ظل الحرب الأهلية، وتبخر عشرات  المليارات من ودائع اللبنانيين وغير اللبنانيين بالخارج والداخل، "هنا نحن لا نواجه مشكلة بل مصيبة".

ولدى بهاء إيمان كامل أن اللبنانيين قالوا كلمتهم عام 2019، "نحن نؤمن بوجود مقومات لدى الكثير من الثوار، كما أننا منفتحون ومستعدون للتعاون معهم  لفتح صفحة جديدة وبناء لبنان الجديد، لا بل على تواصل معهم كونهم يريدون التغيير وتقدم لبنان، فكل من يؤمن بمسيرتنا نريد التواصل معه، حضنه ومساندته في هذا المشوار الطويل".

وعن الفرقاء اللبنانيين الذين سيتحالف أو يتحاور معهم في الانتخابات القادمة قال "المجالس لها أماناتها، وكل من يؤمن بمبادئنا ويريد السير بلبنان نحو الأمام نعتبر التواصل معه خير للبلد وللاعتدال".

وفيما إن كان على تواصل مع حزب الكتائب الذي يرفع الشعارات التي رفعت بـ17 أكتوبر أو يمكن أن يتحالف معه في الانتخابات القادمة؟ قال "أكرر المجالس لها أماناتها. وكان والدي يقول أنا آخذ سري معي، كما أكرر نحن مع من يؤمن بمسيرتنا".

وعن التواصل مع حزب القوات اللبنانية واحتمال أن يكون هناك تحالف معين بينهما في الانتخابات القادمة أجاب "بالنسبة لنا عملنا هو سوا للبنان، وسنكمل بمبادئنا ما بعد الانتخابات، وإذا أراد أفرقاء معينون التعاون بأمور معينة تخص البلد ضمن المخطط التوجيهي الذي نتبعه بعد الانتخابات، سندرس الموضوع بدقة".

واعتبر الحريري أنه في "عهد ميشال عون شهدنا انهياراً لبنانياً تاماً ورأينا عزلة دولية وعربية تامة للبنان، أصبحنا نصوّت في الجامعة العربية ضد إخواننا العرب وهذ  ما لم يحصل بتاريخ لبنان، لذلك نعتبر أن العهد مسؤول عن هذه الأخطاء وعليه تحمّل المسؤولية".

وعن الطائفة السنية وما يحكى عن إحباط في صفوفها، قال إن "تصدّع أو تفكك الطائفة السنية خط أحمر ولن نرضى إلا أن تأخذ حقها بالكامل ضمن المعادلة اللبنانية ولا مساومة بحقوقها، في الوقت نفسه مشروعنا عابر للطوائف، مشروعنا الاعتدال".

وفيما يتعلق بالتحذيرات من ازدهار التطرف السني، وإن كان يتخوف من تنامي هذه المظاهر أجاب "لبنان بأكثريته ليس بمتطرف، ثورة 2019 لم تقل داعش أو إرهاب بل قالت نريد دولة، اللبنانيون الذين قصدوا الساحات بهذا العدد الكبير رسالتهم واضحة وهي الاعتدال، فإذا أخذوا حقهم بالكامل، لماذا سيذهبون إلى التطرف".

ورداً على سؤال حول علاقته بالمملكة العربية السعودية أجاب "أذكر كيف كان والدي يجلس على الأرض بجوار الملك بعد الانتهاء من أداء العمرة في مكة المكرمة، نحن نعتبر العلاقة مع المملكة ركيزة أساسية في المعادلة الخليجية، المملكة أعطتنا الطائف، والودائع الأساسية في البنك المركزي اللبناني، وحثت مؤسساتها والقطاع الخاص على الاستثمار في لبنان عبر عقود، طبعا الكويت كانت إلى جانبنا وكذلك الإمارات وقطر، لكن للمملكة خصوصية".

العاهل السعودي الملك سلمان وبهاء الحريري في لقاء سابق

وأضاف قوله: "الحمد لله وين ما منروح مكرّمين ومنرجع مكرّمين"، ولم أسمع يوماً إساءة لي من إخواننا الخليجيين وحسب ما أعرف علاقتنا جيدة، لم يُسَأ إلينا سابقاً ولا أسيء إلينا اليوم ولن يساء إلينا في المستقبل".

وكرر أن "المجالس لها حرمتها، ما بحياتنا رحنا إلا مكرمين وما بحياتنا رجعنا إلا مكرمين".

وعن سبب عدم مجيئه إلى لبنان قال "النية موجودة، لو كان باستطاعتي أن أقصد لبنان مع زوجتي وأولادي لقمت بذلك الأمس وليس اليوم، لكن لم أقم بذلك لسبب أمني بحت، ولو كان هناك ضمانة أمنية أسافر اليوم، لكن هذا الموضوع يجري درسه بدقة آملاً خيراً ووعد الحر دين، فلدي النية أن أكون مقيم ببلدي الكريم".

وفيما إذا كان مهددا أمنيا أجاب أن "كل الدلائل الأمنية تشير إلى ذلك، والدي وآخرون  اسشتهدوا وقبل سنة استشهد لقمان سليم لذلك نريد أن نكون حريصين لا بل أكثر من حريصين، وفي الوقت المناسب أكون في لبنان".

صورة عامة للعاصمة اللبنانية بيروت تظهر مقر البرلمان
قانون موازنة العام الحالي اللبناني أقر الزيادة على رسوم الطوابع المالية

رفع مخاتير لبنانيون أختامهم احتجاجاً على رفع تعرفة الطوابع المالية لمعاملات الأحوال الشخصية والتي ضُربت بعشرين ضعفاً في إطار مشروع موازنة عام 2024، مطالبين السلطة بالتراجع عن قرارها ومهددين بالتصعيد إذا لم يلق مطلبهم آذاناً صاغية.

وأقرت المادة 66 من قانون موازنة العام الحالي الزيادة على رسوم الطوابع المالية، ما انعكس على تعرفة الحصول على وثائق رسمية عدة، لاسيما إخراج القيد الذي يستخدم في العديد من المعاملات الرسمية والشخصية، منها استخراج جواز سفر أو تجديده، وتسجيل عقود الزواج والطلاق والمواليد، ومعاملات الإرث، والحصول على رخصة قيادة، والتسجيل في المدارس والجامعات، والتقديم لوظائف حكومية أو خاصة.

"في زمن الإفلاس، تبحث حكومة تصريف الأعمال عن أي مخرج، حتى لو كان من ورق قديم، ففي وقت تعتمد فيه معظم الدول على المكننة في معاملاتها الرسمية، يستمر الطابع المالي في لبنان كرمز للفساد، والبيروقراطية، والضرائب التي لا تنتهي" كما يقول رئيس اتحاد روابط مخاتير عكار، مختار ببنين، زاهر الكسار.

والمضحك المبكي كما يقول الكسار لموقع "الحرة" إنه "تم رفع تعرفة هذه الطوابع على الرغم من أنها مفقودة من الأسواق، حتى ظهر سوق سوداء يوفرها بأضعاف سعرها، ما دفع وزارة المالية، في يونيو الماضي، إلى إصدار تعميم يتيح استيفاء قيمتها في مراكز التحويل المالي في لبنان، ليصبح الوصل بمكانة الطابع الورقيّ، وفوق هذا كنا نجبر على دفع 50 ألفاً ليرة بدلاً من 28 ألفاً ثمن طوابع إخراج القيد".

ومع إقرار موازنة العام الحالي، تخطى بدل إخراج القيد المليون ليرة، كما يقول مختار الأشرفية، إيلي صباغة في حديث لموقع "الحرة" شارحاً "في السابق كانت كلفة إخراج القيد 200,000 ليرة وربحنا كذلك، أي أن المواطن كان يدفع 400,000 للحصول عليه، أما الآن أصبح يتوجب عليه دفع 1,200,000 ليرة، وذلك بسبب رفع ثمن الطوابع الذي ندفعه في مراكز التحويل المالي إلى 600,000 ليرة، إضافة إلى 50,000 ليرة طابع مختار، وعلى الرغم من ارتفاع المبلغ الذي نحصل عليه، إلا أن ربحنا تراجع إذا ما تم احتسابه بالدولار الأميركي".

"جريمة موصوفة"

يصف الكسار قانون موازنة العام الحالي بالجريمة بحق المواطنين "الذين يعاني 90 في المئة منهم من الفقر، فمن كان قبل الأزمة الاقتصادية ينتمي إلى الطبقة الوسطى أو الميسورة، حُجزت ودائعه في المصارف، في وقت فقدت رواتب الموظفين والعمال في القطاعين العام والخاص قيمتها، حتى بات اللبناني عاجزاً عن تأمين أبسط متطلبات الحياة من طعام وشراب وأقساط مدرسية وأدوية واستشفاء".

ويضيف وصل الوضع إلى مرحلة "أصبح فيها اللبناني يحتفل إذا ما حصل على قارورة غاز أو غالون من المحروقات، ويحتار بين إطعام أولاده وشراء علبة دواء. نسي الرفاهية ورضخ للعيش من دون كهرباء وتدفئة ولشرب المياه الملوثة وللموت وهو على قيد الحياة، كل هذا والمسؤولون لا يرحمونه، بل يخنقونه أكثر فأكثر بحبل الضرائب والرسوم."

ويشدد رئيس رابطة مخاتير عكار على أنه "كان الأجدى بالمسؤولين العمل على توفير الطوابع في الأسواق، ومراعاة ظروف الناس الذين يعيشون ويلات الأزمة الاقتصادية، والتركيز على إصلاحات جوهرية تعالج الأزمات من جذورها، لا أن يغدقوا علينا مزيداً من الضرائب".

من جانبه يؤكد مختار الهرمل، مساعد صقر أن "في مالية الهرمل طوابع بملياري ليرة حين كان سعر صرف الدولار 1500 ليرة، إلا أنه بسبب إضراب الموظفين تارة والتحجج بتعطّل السيستم تارة أخرى، لم يتم بيعها لطالبيها، ما اضطر المواطنين والمخاتير إلى شرائها من السوق السوداء بسعر 50,000 ليرة لطابع الألف ليرة".

ويتساءل صقر في حديث مع موقع "الحرة" "لماذا يستحصل المواطن على بطاقة هوية إن كانت المعاملات الرسمية تتطلب إخراج قيد، فحتى لو كانت هذه البطاقة صادرة حديثاً إلا أنه لا يؤخذ بها في المعاملات الرسمية".

أما صباغة فيشدد على أن رفع رسوم الطوابع يزيد الطين بلّة، وفوق هذا لم تصدر وزارة الداخلية إلى حد الآن أي آلية للإجراءات التي يجب اتباعها لإصدار المعاملات في ظل عدم وجود طوابع مناسبة"، إذ بحسب القانون الجديد يجب كما يقول الكسار "لصق 40 طابعاً من فئة العشرة آلاف ليرة، أو 400 طابعاً من فئة الألف ليرة، على وثيقة اخراج القيد الفردي، فأي منطق هذاً".

صرخة مدوية

رفض المخاتير الرسوم الجديدة التي تثقل كاهل المواطنين، وامتنع بعضهم عن إنجاز أي معاملة قبل إعادة النظر في الزيادة المجحفة، فتعذّر إنجاز المعاملات الرسمية في بعض المدن والقرى، وأعاق حياة المواطنين اليومية وزاد من معاناتهم.

وترجم غضب المخاتير اعتصامات في معظم المناطق اللبنانية، ففي شمال لبنان أكدت رابطة مختاري عكار أن المخاتير لن يضعوا أختامهم على أي معاملة ما لم يتم التراجع عن هذه الضرائب، مهددة بتصعيد تحركاتها السلمية على مستوى مخاتير كل لبنان.

كما أعلنت رابطة مختاري الضنية الإضراب والتوقف عن العمل لمدة أسبوع حتى تبلور الأمور، وذلك بعد الاجتماع الطارئ الذي عقدته عقب الاعتصام الذي نفذته أمام مركز قلم نفوس سير في مبنى القائمقامية.

ورأى مخاتير منطقة المنية الإدارية خلال وقفة احتجاجية أن "الرسوم الجديدة جائرة وظالمة"، وسألوا "كيف سيتم تنفيذ القانون الجديد والطوابع المالية الجديدة غير متوافرة بعد؟"، مطالبين المسؤولين بأن "تتوافر الطوابع في الدوائر المالية لا أن تبقى أسيرة بعض السماسرة في السوق السوداء، وأن تكون هناك مهلة قبل تنفيذ القانون للنظر في كيفية تنفيذه، وأن تتوافر الظروف المناسبة لذلك، أو أن يتم تعديله".

واستنكرت "رابطة مخاتير منطقة البترون" في بيان "رفع الرسوم على المعاملات في دوائر الأحوال الشخصية"، واعتذرت من "أهالي البترون ومن جميع اللبنانيين، كونها لم تعد قادرة على تحمل المزيد"، داعية "المسؤولين الى تحمل مسؤوليتهم وإعادة النظر في هذه الموازنة المجحفة في حق الجميع".

واعتبر رؤساء وأعضاء روابط مخاتير طرابلس ومختلف المناطق الشمالية، أن " الموازنة العامة التي أقرت تفتقر الى معايير العدالة الاجتماعية".

الطعن.. قادم

ومن الشمال إلى الجنوب، أعلن مخاتير صيدا ومنطقتها والزهراني، خلال اعتصام أنهم "سيقدمون طعناً في القانون المتعلق بالأحوال الشخصية".

وشارك النائب عبد الرحمن البزري في الاعتصام، حيث اعتبر أن "الموازنة ضريبية بامتياز، ولا تحمل عناصر تحفيزية مما رفع كلفة الضرائب والرسوم على المواطنين من دون تأمين أي بدائل خدماتية حقيقية" وشدد "الموازنة غير عادلة بما تتضمنه من ضغط معيشي واقتصادي واجتماعي على المواطن، وسوف نعمل على نقضها عبر تقديم طعون في العديد من بنودها".

كذلك شارك النائب شربل مسعد في الاعتصام، حيث أكد أن "أن الموازنة تشوبها مشاكل قانونية منها عدم وجود قطع حساب عدا الضرائب المجحفة في حق المواطنين، وقال "نحن كنواب سنؤدي واجبنا من خلال تقديم الطعن في هذه الموازنة إلى المجلس الدستوري لنكون إلى جانب المواطن الذي من واجب الدولة أن تقف معه في هذه الظروف والانهيار الاقتصادي المعيشي بدلا من زيادة أعبائه".

وأمل مسعد أن يسلك الطعن طريقه "لنحقق الحلول للضرائب والرسوم الجديدة التي فرضت على المواطن".

أما النائب أسامة سعد الذي شارك كذلك في الاعتصام، فاعتبر أن الموازنة لم تقدم حلولاً اقتصادية واجتماعية للناس، بل عملت على تأمين موارد الدولة، وقال "بدل العمل في هذا الاتجاه فلتلاحق الدولة الفاسدين والذين نهبوا أموال البلد وسرقوها وما زالوا مستمرين ولم يتم توقيفهم حتى الآن".

وأضاف "نحن كنواب اعترضنا على الموازنة وسنحاول تأمين نصاب نيابي لنتمكن من تقديم الطعن بنص متماسك وقوي عنوانه الأساسي هو العدالة الاجتماعية والضريبية، لأنه لا يجوز تأمين موارد الدولة من الأكثرية الساحقة أو 90 في المئة من اللبنانيين الفقراء والكادحين والطبقات المنتجة بسواعدها أو بعقولها، فيما يدفع عشرة بالمئة من الأغنياء الرسوم كالتي تدفعها الأكثرية".

كذلك أعلنت رابطة مخاتير حاصبيا وقضائها، خلال اعتصام نفذته أمام مدخل قائمقامية حاصبيا، رفض الزيادات التي طرأت على كلفة اخراجات القيد، وطالبت الحكومة ووزارة المالية بالعودة عن هذه الرسوم وتخفيضها.

رسائل إلى المعنيين

ومن الجنوب إلى البقاع، أعلنت رابطة مخاتير قضاء راشيا إضراب مخاتير القضاء عن إصدار الإفادات لمدة أسبوع لحين نظر الجهات المختصة في الموازنة، وخلال اعتصام نفذته داخل سرايا راشيا وأمام قلم النفوس، وصف رئيسها المختار جميل قاسم، الموازنة "بالظالمة والجائرة والملعونة على هذه الطبقة الفقيرة والمتعففة".

وطالب مخاتير قضاء الهرمل خلال اعتصام نفذوه أمام السرايا، وزير الداخلية والبلديات في حكومة تصريف الأعمال بسام مولوي والنواب بـ "التراجع عن القرار المجحف الذي يمس الطبقات الفقيرة في إنجاز معاملاتها في دوائر الدولة" مطالبين باعتماد الهوية في المعاملات بدل إخراج القيد الذي "أصبح يتجاوز تحمل المواطنين".

أما رابطة مخاتير البقاع الشمالي فنفذت وقفة احتجاجية كذلك، ناشد خلالها رئيسها علي الحاج حسن، رئيس مجلس النواب نبيه بري، "التدخل والعمل مع الكتل النيابية على تقديم مشروع قانون معجل وإقراره يعيد تصويب الأمور".

ونظمت رابطة مخاتير زحلة والبقاع اعتصاماً أمام سراي زحلة، حيث طالب رئيسها مختار مجدل عنجر علي يوسف "لجنة المال والموازنة ووزير المالية والنواب الذين صوتوا على الموازنة، إما الطعن بهذا القانون أو إعادة النظر بهذه الرسوم والرسوم الأخرى التي تهلك المواطن، وكذلك اعتماد بطاقة الهوية كمستند وحيد في المعاملات الرسمية لحين البت برسوم إخراجات القيد.

خطوة في غير محلها

حذّرت المتخصصة بالاقتصاد النقدي، الدكتورة ليال منصور، من مخاطر رفع الضرائب في ظل الأزمة الاقتصادية التي يعاني منها لبنان، قائلة "إذا كان من حق السلطة فرض الضرائب، ومن بينها رفع تعرفة رسوم الطوابع المالية كمقابل للخدمات التي تقدمها، وذلك لتأمين إيرادات إضافية، إلا أن الضرائب لا تحل أزمة، بل تفاقمها، خاصة في ظل اتباع سياسة التقشف.

وتشدد منصور في حديث إلى موقع "الحرة" أهمية البدء بإصلاحات جوهرية لإخراج لبنان من أزمته، وعلى رأسها "التخلص من المصرف المركزي الذي أصبح بقاؤه متعباً ومكلفاً ومن دون قيمة مضافة، مقترحة اعتماد الدولار كعملة رسمية، بدءاً من رواتب القطاع العام، لفرض ضرائب بالدولار".

كما لا بد، كما تقول منصور، من القيام بإصلاحات بديهية، التي تطلب قضاء نزيهاً يُمكنه محاسبة الفاسدين، وحل مشكلة الودائع، أي إعادة الأموال المحتجزة في المصارف ليتمكن المواطنون من دفع رسوم الخدمات التي يحصلون عليها، وكذلك تصغير القطاع العام لتخفيض النفقات.

وفي تغريدة له عبر منصة "إكس" اعتبر رئيس لجنة المال والموازنة، النائب ابراهيم كنعان، أن "فقدان الطابع المالي للمختار بعد رفعه إلى 50 ألف ليرة يهدد بشلل العمل الاختياري" وأن "المطلوب فوراً إما توفير الطابع أو تعليق العمل به لحين توفيره من قبل وزارة المالية" لافتاً إلى أنه تواصل مع عدد من المسؤولين المعنيين لمعالجة هذه المسألة بالإضافة إلى تصحيح بعض الرسوم المتعلقة بالأحوال الشخصية.