بهاء الحريري
بهاء الحريري في حديث خاص مع لقناة الحرة | Source: MBN

أسئلة كثيرة يطرحها اللبنانيون منذ إعلان نجل الرئيس الراحل، رفيق الحريري، رجل الأعمال، بهاء الحريري، دخوله المعترك السياسي، أجاب عنها في لقاء حصري لبرنامج "المشهد اللبناني" على قناة "الحرة".

الحريري تحدث عن مشروعه السياسي وتحضيراته للمرحلة المقبلة، إضافة إلى علاقته مع شقيقه رئيس الحكومة الأسبق سعد، وموقفه من "حزب الله" وعلاقته بتركيا. وأكد الحريري نيته للعودة إلى البلاد، لكن المقومات الأمنية لا تسمح بذلك، وأن الموضوع تحت الدراسة و"وعد الحر دين". 

وفي المقابلة التي أجريت عشية الذكرى السابعة عشرة لاغتيال والده، شدد الحريري على ضرورة استدراك خطورة الوضع في لبنان، وإن لم يكن لديه شك كما قال أن "اللبنانيين مسلمين ومسيحيين، مدركون ذلك".

سعد "أخي وأحبه وهذا أمر مفروغ منه وللعائلة حرمتها"، بهذه الكلمات وصف بهاء علاقته بشقيقه قبل أن يستطرد قائلا "في ذات الوقت الخلاف شاسع بيننا في التفكير والرؤية وفي كيفية السير إلى الأمام وبكل شيء، وهذا أمر طبيعي بين الأشقاء".

واعتبر أن الموضوع لم يعد بينه وبين سعد "لأنه ترك الحياة السياسية"، مشيرا إلى أن"العربة تمشي إلى الأمام وليس إلى الوراء".

ولطالما تحدث الحريري عن "احتلال" إيراني للبنان وعن قراره خوض معركة "استرداد الوطن وسيادته من محتلي هذه السيادة"، فما هي إمكاناته لذلك؟ وعن ذلك علق بالقول: "نحن نعتبرها معركة صعبة، والطريقة الوحيدة للتغيير هي من خلال الانتخابات، عندما يمسك اللبناني الورقة الانتخابية ويصوت لمن يريد".

وشدد "نحن لا نؤمن بالسلاح بل بالاعتدال، لم ولن تتلطخ أيدينا بالدماء، وهذه مسيرتنا الوحيدة"، مشددا قوله: " لا أعرف أن أحمل رصاصة ولا مسدسا، أريد بناء وتثبيت المؤسسات، كون لدى الدولة مقومين، الأول اقتصادي والثاني أمني".

وتابع أنه "في زمن رفيق الحريري كان لبنان تحت وصاية شرعية سورية وافق عليها المجتمع الدولي والاقليمي، أما اليوم فليس هناك وصاية إنما فريق إرهابي كما يعتبره ثلاثة أرباع العالم ولا يملك أي وصاية شرعية، هذا الفريق أخذ شعبا بكامله إلى المهوار، وعندما كنا تحت الوصاية استطعنا أن نربح، فلماذا لا نستطيع الآن".

وفيما إن كان يتخوف من أن يقود هذا العنوان إلى حرب أهلية، وما هي الضمانة لتفادي مثل هذا الاحتمال، اعتبر الحريري أن الفساد والوضع الذي وصل إليه اللبنانيون هما من سيؤديان إلى الانهيار، قائلا: "وصل اللبنانيون مسيحيون ومسلمون إلى وضع لم يعد بالإمكان تحمله، ليس باستطاعتهم تأمين رغيف خبز، ولا الكهرباء والطبابة، حتى ضمن الطائفة الشيعية الكريمة هناك ما يزيد عن الخمسين بالمئة لا يوافقون على الفريق الذي حمل سلاحاً وأوصل لبنان إلى ما هو عليه اليوم".

بهاء الحريري بجانب شقيقة رئيس الحكومة اللبنانية الأسبق سعد الحريري

وأضاف "نحن نؤمن بجيشنا، فهو قوي ولديه مقومات، لكن حتى بمقوماته الداخلية جزء كبير من عناصره يعانون من مشكلة معيشية ضخمة بسبب الانهيار".

وتطرق رجل الأعمال إلى السلاح غير الشرعي في لبنان الذي لطالما صوّب عليه، حيث اعتبر أن "المنظومة السياسية تغطي هذا السلاح بشكل كامل" واستطرد "الفساد أكل البلد، أين ذهبت الأموال؟! أكثر من ثلاثين بليون صرفت على الكهرباء، أي إنسان أو محلل اقتصادي ضليع في هذا الموضوع، يقول أن حل مسألة الكهرباء لا تحتاج لأكثر من ثلاثة أرباع بليون". 

وعن السياسة التي سيتبعها للتعامل مع شروط حزب الله وضغوطه قال "بالنسبة إلينا الانتخابات هي الأساس"، واصفا "التحالف الرباعي الذي حصل بعد اغتيال رفيق الحريري بأنه "كفر سياسي" مشددا "نحن لا نتعاون مع حزب الله، لا تعاون مع حزب الله".

فيما يتعلق بحركة أمل قال "لا يمكننا إلغاء فريق بفريق آخر، الوالد كان ينظر إلى لبنان  كموزايك كل قطعة منه جميلة، والجمال الحقيقي عند الابتعاد عن هذه الصورة والنظر اليها كقطعة واحدة".

وذكّر بهاء بما كان يقوله والده "ممنوع إلغاء أحد، ولا أحد يمكنه إلغاء الآخر، نحن أهل الاعتدال ونتمنى من كل اللبنانيين نبذ المشروع الذي أوصل لبنان إلى الكارثة".

بهاء أكد على أنه لا يوجد تواصل مع حركة أمل، "نحن نتواصل مع الاعتدال الشيعي، ولا أريد الدخول في الأسماء، لكنها كثيرة، ونعتمد على إيماننا بأن هذه الطائفة الكريمة لديها مقومات هائلة ولا تؤمن بالمسيرة التي أدت إلى هذه الكارثة، بل تؤمن بالاعتدال".

تابع "أكرر ما قلته سابقا لهذه الطائفة، بأن مشاركتها في مأتم والدي دين في رقبتي، وكما يعلم الجميع نحن كأهل السنة لدينا مرجعية هي الخليج، والمسيحيون لديهم الفاتيكان وأوروبا والغرب، وعندما شارك هذا الفريق المعتدل من الطائفة الشيعية بالمأتم لم يؤخذ بالاعتبار أنه الفريق الأضعف".

وردا على سؤال عما يُحكى عن أجندة له مع الأتراك أجاب "فليسمحوا لنا، لقد أثبتنا أين هو توجهنا في الأشهر الـ 18 الأخيرة، تحدثنا مع الحرّة، الشرق الأوسط، العربية، والصحف الكويتية ولا أذكر أنني تحدثت لصحيفة تركية، ولم أزر تركيا طوال حياتي وليس لدي عمل هناك ولا أي تواصل مباشر أوغير مباشر مع هذه الدولة".

وعن توقيت إعلان عودته لاستكمال مسيرة والده شرح أن "السياسة  ليست مجالي في الحياة، ولم يكن لدي أي نية لخوض المعترك السياسي، القرار اتخذ بعد انفجار الرابع من أغسطس، كإنسان لبناني، لا يمكنني مشاهدة الفاجعة التي أودت بحياة ما يزيد عن المئتي شهيد واعتبار كأن شيئاً لم يكن".

حادثة مرفأ بيروت أودت بحياة 215 شخصا

وردا على من يرددون أن مشروع رفيق الحريري انتهى قال "هذا كلام غير دقيق، والدي أنهى الحرب الأهلية، أسس لاقتصاد حر، بنى المؤسسات، منذ تسعينات القرن الماضي إلى عام 2005 كان الازدهار، ولولا صلابة مشروعه لما كان بامكان لبنان الصمود منذ رحليه إلى عام 2022".

رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري اغتيل في 14 فبراير 2005

وأضاف الحريري قوله: "سبق أن عاهد والدي اللبنانيين باخراجهم من الحرب الأهلية وفعل ذلك، وقد كان الوضع أصعب مما هو عليه الآن، كون معالم الانهيار كانت تطغى على معالم العمار، لذلك الأمل موجود، لكن علينا العمل مع بعضنا البعض، للخروج من الأزمة والوصول إلى بر الأمان".

وشدد "نحن حركة تغييرية كاملة نؤمن بما نقوم به، وأنا أتعهد أمام اللبنانيين أن أفعل المستحيل وأسير بالقيم التي أتحدث عنها، فخلاص لبنان هو في استرجاع الدولة وهيمنتها على كامل الأراضي اللبنانية".

لكن ماذا عن الأدوات التي بين يديه لكي يستكمل مسيرة والده؟ أجاب "قبل سنة ونصف السنة انطلقنا  بمخطط متكامل، أولا منصة (أس بي آي) التي هي اليوم ركيزة إعلامية، تبث ما يزيد عن الثلاثين برنامج، وإلى الآن عرضت ما يزيد عن الأربعة آلاف حلقة في كل المجالات، المشاهدون  بين مئة ألف وثلاثة عشر مليون حسب البرنامج، وفوق هذا لا تروج لشخص، عابرة للطوائف ونحن فخورون بها".

إذا كانت الركيزة الأولى كما قال بهاء "الإعلام الحر"، فإن الركيزة الثانية "مؤسسة نوح التي تديرها زوجتي حسناء، منها انطلقنا  لأعمال عابرة للطوائف  بكل المناطق اللبنانية وبقدر المستطاع، وسيزيد ذلك مع الأيام أي لن يتوقف".

أما الركيزة الثالث فهي "سوا  للبنان التي تقوم على ست نقاط: مشروع اقتصادي، مشروع دستوري، بمعنى تطبيق اتفاق الطائف، القضاء المستقل، الأمن، الشأن الصحي، استئصال الفساد".

وعن المشروع السياسي الذي يحمله كما قال هو تطبيق اتفاق الطائف وفيه فصل الدين عن السلطة التنفيذية والتشريعية، وجود مجلس شيوخ يعطي الصلاحيات للأقليات، تطبيق اللامركزية الادارية، تحقيق استقلالية القضاء ومكافحة الفساد عبر قضاء مستقل، "مكافحة الفساد تكون عبر قضاء مستقل، وهناك قوانين عدة بالدستور اللبناني تصب في هذا الاطار، لكأنها نائمة في الأدراج".

في الموضوع الاقتصادي تحدث الحريري عن أربع ركائز هي: القطاع المصرفي، القطاع السياحي، الطبابة والتعليم، هذا بالاضافة كما قال إلى موضوع اللبنانيين في الخارج الذين يشكلون جزءاً أساسياً للبنان كاقتصاد حر ولفت إلى أنه "يصل ما يزيد عن التسعة بليون دولار من اللبنانيين الذين يعيشون بالخليج وأوروبا وأميركا".

وشدد "علينا أن نعلم ماذا نريد من لبنان ودوره في المنطقة، كما يجب إعادته إلى جسمه العربي، واعادة التوافق بينه وبين المجتمع الدولي، فالمشكلة ليست فقط مع إخواننا الخليجيين والعرب، بل أيضا مع المجتمع الدولي".

وفيما إذا كان لديه تواصل مع تيار المستقبل أو مع شخصيات من هذا التيار أجاب "لدي تواصل مع سوا للبنان التي هي مشروع عابر للطوائف. وأنا لن أرضى ألا يكون للطائفة السنيّة الكريمة دوراً أساسياً في المعادلة اللبنانية، وأزيد على ذلك أنها أكبر طائفة في لبنان وعلينا احترامها لأن من دونها لا وجود لهذا البلد، واعتبر أن هذه الطائفة ليس لها حصة الأسد بل هي الأسد في المعادلة اللبنانية، وفي ذات الوقت لا أرضى إلا أن يكون مشروعنا وطني لكل اللبنانيين، وقد أثبتنا ذلك بعملنا".

يتزعم سعد الحريري تيار المستقبل

وتمنى بهاء الحريري التواصل مع كل المكونات التي ظلّت تحترم مبادئ 14 آذار "لكن من خرج عن القيم وساوم في هذه المنظومة وغض النظر عن السلاح والفساد فنحمّله مسؤولية الكارثة التي وصل إليها لبنان" مستشهداً بما أشار إليه البنك الدولي من أن ما يمر به لبنان يتخطى كارثة 1929 أي الانهيار العالمي، وتخلف الدولة عن دفع السندات اللبنانية لأول مرة في تاريخ لبنان حيث لم يحصل ذلك حتى في ظل الحرب الأهلية، وتبخر عشرات  المليارات من ودائع اللبنانيين وغير اللبنانيين بالخارج والداخل، "هنا نحن لا نواجه مشكلة بل مصيبة".

ولدى بهاء إيمان كامل أن اللبنانيين قالوا كلمتهم عام 2019، "نحن نؤمن بوجود مقومات لدى الكثير من الثوار، كما أننا منفتحون ومستعدون للتعاون معهم  لفتح صفحة جديدة وبناء لبنان الجديد، لا بل على تواصل معهم كونهم يريدون التغيير وتقدم لبنان، فكل من يؤمن بمسيرتنا نريد التواصل معه، حضنه ومساندته في هذا المشوار الطويل".

وعن الفرقاء اللبنانيين الذين سيتحالف أو يتحاور معهم في الانتخابات القادمة قال "المجالس لها أماناتها، وكل من يؤمن بمبادئنا ويريد السير بلبنان نحو الأمام نعتبر التواصل معه خير للبلد وللاعتدال".

وفيما إن كان على تواصل مع حزب الكتائب الذي يرفع الشعارات التي رفعت بـ17 أكتوبر أو يمكن أن يتحالف معه في الانتخابات القادمة؟ قال "أكرر المجالس لها أماناتها. وكان والدي يقول أنا آخذ سري معي، كما أكرر نحن مع من يؤمن بمسيرتنا".

وعن التواصل مع حزب القوات اللبنانية واحتمال أن يكون هناك تحالف معين بينهما في الانتخابات القادمة أجاب "بالنسبة لنا عملنا هو سوا للبنان، وسنكمل بمبادئنا ما بعد الانتخابات، وإذا أراد أفرقاء معينون التعاون بأمور معينة تخص البلد ضمن المخطط التوجيهي الذي نتبعه بعد الانتخابات، سندرس الموضوع بدقة".

واعتبر الحريري أنه في "عهد ميشال عون شهدنا انهياراً لبنانياً تاماً ورأينا عزلة دولية وعربية تامة للبنان، أصبحنا نصوّت في الجامعة العربية ضد إخواننا العرب وهذ  ما لم يحصل بتاريخ لبنان، لذلك نعتبر أن العهد مسؤول عن هذه الأخطاء وعليه تحمّل المسؤولية".

وعن الطائفة السنية وما يحكى عن إحباط في صفوفها، قال إن "تصدّع أو تفكك الطائفة السنية خط أحمر ولن نرضى إلا أن تأخذ حقها بالكامل ضمن المعادلة اللبنانية ولا مساومة بحقوقها، في الوقت نفسه مشروعنا عابر للطوائف، مشروعنا الاعتدال".

وفيما يتعلق بالتحذيرات من ازدهار التطرف السني، وإن كان يتخوف من تنامي هذه المظاهر أجاب "لبنان بأكثريته ليس بمتطرف، ثورة 2019 لم تقل داعش أو إرهاب بل قالت نريد دولة، اللبنانيون الذين قصدوا الساحات بهذا العدد الكبير رسالتهم واضحة وهي الاعتدال، فإذا أخذوا حقهم بالكامل، لماذا سيذهبون إلى التطرف".

ورداً على سؤال حول علاقته بالمملكة العربية السعودية أجاب "أذكر كيف كان والدي يجلس على الأرض بجوار الملك بعد الانتهاء من أداء العمرة في مكة المكرمة، نحن نعتبر العلاقة مع المملكة ركيزة أساسية في المعادلة الخليجية، المملكة أعطتنا الطائف، والودائع الأساسية في البنك المركزي اللبناني، وحثت مؤسساتها والقطاع الخاص على الاستثمار في لبنان عبر عقود، طبعا الكويت كانت إلى جانبنا وكذلك الإمارات وقطر، لكن للمملكة خصوصية".

العاهل السعودي الملك سلمان وبهاء الحريري في لقاء سابق

وأضاف قوله: "الحمد لله وين ما منروح مكرّمين ومنرجع مكرّمين"، ولم أسمع يوماً إساءة لي من إخواننا الخليجيين وحسب ما أعرف علاقتنا جيدة، لم يُسَأ إلينا سابقاً ولا أسيء إلينا اليوم ولن يساء إلينا في المستقبل".

وكرر أن "المجالس لها حرمتها، ما بحياتنا رحنا إلا مكرمين وما بحياتنا رجعنا إلا مكرمين".

وعن سبب عدم مجيئه إلى لبنان قال "النية موجودة، لو كان باستطاعتي أن أقصد لبنان مع زوجتي وأولادي لقمت بذلك الأمس وليس اليوم، لكن لم أقم بذلك لسبب أمني بحت، ولو كان هناك ضمانة أمنية أسافر اليوم، لكن هذا الموضوع يجري درسه بدقة آملاً خيراً ووعد الحر دين، فلدي النية أن أكون مقيم ببلدي الكريم".

وفيما إذا كان مهددا أمنيا أجاب أن "كل الدلائل الأمنية تشير إلى ذلك، والدي وآخرون  اسشتهدوا وقبل سنة استشهد لقمان سليم لذلك نريد أن نكون حريصين لا بل أكثر من حريصين، وفي الوقت المناسب أكون في لبنان".

لبنان حزب الله

يترقب اللبنانيون أول اختبار لقياس حجم التأييد الشعبي لحزب الله بعد الخسائر التي مُنّي بها، والدمار الذي لحق بالسكان، والبلد عموما، جراء الحرب مع إسرائيل.

وستعبر نتائج الانتخابات البلدية المقررة في مايو المقبل، ضمنا، عن مزاج الشارع، الشيعي خصوصا، حيال قضايا أبرزها سلاح الحزب وتقاعسه في إعادة إعمال المناطق المتضررة جراء الحرب.

يأتي ذلك على خلفية حالة تملل، متزايدة، من تداعيات الحرب، وما رافقها من دمار واسع في القرى الجنوبية، ونزوح آلاف العائلات من مناطقها، وتراجع في الخدمات الأساسية، إلى جانب أزمات اقتصادية خانقة.

وبينما يحاول حزب الله الإيحاء بتماسك قاعدته من خلال رفع شعارات بعيدة عن الواقع، فإن جزءا من جمهوره بات يبحث عن حلول ملموسة لأزماته اليومية، ولإعمار ما دمرته الحرب، بعيدا عن الخطابات الأيديولوجية.

المؤشرات كثيرة إلى أن الباب بات مشرعا أمام تغييرات مفصلية في المشهد المحلي، ولو على مستوى بعض البلديات، ويرجح مراقبون، تحدثوا موقع "الحرة"، أن يقول الشارع الشيعي كلمته بشأن حزب الله في الانتخابات النيابية  2026.

تحدي الانتخابات

رغم الدمار الهائل الذي خلفته الحرب لا سيما جنوب لبنان، ورغم استمرار عمليات الاغتيال الإسرائيلية ضد عناصر من حزب الله واستهداف ترسانته العسكرية، "تتجه السلطات اللبنانية إلى إجراء الانتخابات البلدية، بعد أن كانت قد أجلتها لعامين متتاليين دون مبرر قانوني أو مقنع، متذرعة تارةً بغياب التمويل وتارةً أخرى بأوضاع أمنية ولوجستية"، كما يقول الباحث في تطوير القوانين والأنظمة الانتخابية، عاصم شيّا.

وفي حديث لموقع "الحرة"، يرى شيا أن "المشكلة الحالية التي تواجه إجراء الانتخابات البلدية ليست تقنية بقدر ما هي تنظيمية، خاصة في البلدات الجنوبية المدمرة". 

"هناك خياران أمام الجهات المعنية: إما نصب خيام داخل البلدات المتضررة إذا أصرّ السكان على الاقتراع فيها، أو نقل مراكز الاقتراع إلى بلدات مجاورة أكثر استقرارًا، على أن تُستخدم مبانٍ عامة مثل المدارس، الحسينيات، أو الكنائس لهذا الغرض".

لكن التحدي الأبرز، بحسب شيا، يكمن في تأمين "هيئة القلم"، أي الموظفين المكلفين بإدارة العملية الانتخابية، ومعظمهم من النساء العاملات في القطاع العام، لا سيما في التعليم، واللواتي يُبدين تحفظًا على التوجه إلى مناطق غير آمنة.

وتجدر الإشارة إلى أنه بحسب تقرير التقييم السريع للأضرار والاحتياجات في لبنان لعام 2025، الصادر عن البنك الدولي في 7 مارس، تقدّر احتياجات إعادة الإعمار والتعافي في أعقاب الصراع الذي شهده لبنان بنحو 11 مليار دولار أميركي.

ويعد قطاع الإسكان الأكثر تضرراً، مع أضرار تقدَّر بنحو 4.6 مليار دولار، فيما بلغت الأضرار التي لحقت بالمقومات المادية 6.8 مليار دولار.

أما من الناحية الجغرافية، فيشير التقرير إلى أن أكثر المناطق تضرراً هي محافظتا النبطية والجنوب، تليهما محافظة جبل لبنان التي تضم الضاحية الجنوبية لبيروت.

حقل تجارب؟

يلاحظ الباحث عاصم شيا، الذي يراقب الأنماط الانتخابية منذ عام 2009، أن القوى السياسية استخدمت الانتخابات البلدية عام 2016 كـ"حقل تجارب" لقراءة المزاج الشعبي، بعدما راودها القلق من قانون الانتخاب رقم 25/2008 (قانون الستين)، الذي أصبح يشكل خطراً عليها بسبب تطور وعي الخصوم المستقلين.

يقول شيا إن "تأجيل الانتخابات النيابية عامي 2013 و2015، مقابل إجراء الانتخابات البلدية عام 2016، كان مدروساً، الهدف منه مراقبة اتجاهات الناخبين. وفعلاً، كشفت الانتخابات عن نقمة واسعة، ما دفع الأحزاب إلى اللجوء إلى تكتيكات جديدة، أبرزها الدفع بمرشحين "نظيفي الكف" وغير حزبيين ظاهرياً، ليترأسوا اللوائح، ثم إحاطتهم بأعضاء بلديين حزبيين يضمنون ولاء المجلس للحزب. هذه المقاربة ساعدت في ضمان المكاسب لاحقاً في انتخابات 2018".

كذلك، "تم اللجوء إلى توظيف آلاف في مؤسسات رسمية رغم عدم الحاجة الفعلية إليهم، كما جرى التعاقد مع أعداد كبيرة في الوزارات، خصوصاً التعليم، فيما اعتُبر رشوة انتخابية مقنّعة لتأمين الأصوات".

اليوم يتكرر المشهد نفسه، بحسب شيّا، "تُسرع القوى السياسية إلى إجراء الانتخابات البلدية لا لمعالجة أزمات المجالس، بل لرصد اتجاهات الناخبين، تمهيداً لاستخدام الوظائف العامة والعسكرية مجددًا كأداة لاستمالة الأصوات"، فهذه الانتخابات، في نظره، ليست سوى مختبر سياسي يساعد القوى التقليدية على إعادة تنظيم صفوفها استعداداً للمعركة الأهم: انتخابات 2026 النيابية.

في المناطق التي تعرف بـ"الحاضنة" لحزب الله، يعاني معظم السكان، الذين تعرضت منازلهم للتدمير جزئياً أو كلياً، من بطء الإجراءات المتعلقة بإعادة الإعمار، إضافة إلى تأخر استجابة الحزب لتقديم التعويضات اللازمة لترميم المنازل أو تعويض الأثاث المتضرر.

وقال الأمين العام لحزب الله، نعيم قاسم، بشأن إعادة إعمار المناطق المتضررة من الحرب، في 14 ديسمبر، أن "إعادة الإعمار مسؤولية الدولة،" التي تعاني أصلا من أزمة مالية خانقة. ودعا "الأشقاء العرب والدول الصديقة في المساعدة في إعادة الاعمار".

صراع عائلي تحت رايات حزبية؟

لا تعكس الانتخابات البلدية بالضرورة موازين القوى السياسية بشكل دقيق، وفقا لشيّا، "لأنها غالباً ما تكون امتداداً لصراعات عائلية داخلية.

"قد تُطرح لوائح تبدو متنافسة لكنها في الواقع تابعة للحزب نفسه، تختلف فقط حول المواقع أو التفاصيل، في مشهد يختلط فيه النفوذ العائلي بالحسابات الحزبية"، يقول شيا.

وعند تحليل تأثير الحرب الأخيرة على توجهات الناخبين، يرى شيّا ضرورة التمييز بين فئتين "الأولى تضمّ مؤيدي حزب الله، الذين رغم تضررهم من الحرب، زاد ارتباطهم به. أما الفئة الثانية، فهي من الشيعة غير المنضوين ضمن الثنائي الشيعي، هؤلاء يبدون استياءً واضحاً من الحرب ويحملون "الثنائي" مسؤولية ما جرى. ويُتوقع أن تتخذ هذه الفئة موقفاً مغايراً في الانتخابات المقبلة".

ويرى الكاتب، الصحفي مجد بو مجاهد أن "ثمة طابعا مجتمعيّا خاصا باستحقاق الانتخابات البلدية والاختيارية في لبنان في غالبية المناطق اللبنانية بخاصّة في القرى، ولا يمكن الحديث عن طابع سياسي سوى في بعض المدن الكبرى المتنوعة طائفياً كمدينة بيروت. 

"لذلك لا يمكن اعتبار الاستحقاق البلديّ بمثابة مقياس للتوجه الشعبيّ السياسي لدى المواطنين الشيعة أو سواهم من المواطنين اللبنانيين، من دون إغفال أنّ ثمة مدناً يغيب عنها التنافس السياسي في الاستحقاق الانتخابيّ البلديّ الحاليّ رغم أنه كان ظاهراً في استحقاقات بلدية سابقة".

اللافت وفق ما يقوله بو مجاهد لموقع "الحرة" أنّ "الأجواء الشيعية المجتمعية لا تبدو مهتمّة في استحقاق الانتخابات البلديّة مقارنة مع بيئات مجتمعية مغايرة تتطلّع بحيوية نحو خوض الاستحقاق والتنافس بين اللوائح على مستوى مجتمعيّ، لا سياسي".

ويشرح: "خروج المجتمع الشيعي من حرب ألحقت به خسائر كبرى، منها ضرب البنى التحتية والأراضي، سبب لتراجع الاهتمام الشيعي بخوض تنافس مجتمعيّ على الانتخابات البلدية، ولذلك كانت لافتة ظاهرة تشكيل لائحة واحدة فحسب في كثير من البلدات بعيداً عن خوض منافسة بين اللوائح".

إذا تضاعفت النقمة على "الثنائي الشيعي" _ أي حزب الله وحركة أمل _ من المواطنين في المناطق ذات الحضور الشيعي، فإنها ستظهر، وفق بو مجاهد، "في استحقاق الانتخابات النيابية المقبلة، لا في استحقاق الانتخابات البلدية".

"حتى الآن، هناك امتعاض شيعيّ واضح من حزب الله بخاصة بسبب تأخّر إعادة الإعمار، لكنّ تطوّر ذلك الامتعاض من عدمه سيكون مرتبطاً بما ستعرفه الأشهر اللاحقة من متغيرات".

النزاهة موضع شك؟

الحديث عن انتخابات نزيهة "غير واقعي"، يشدد شيّا، "لا بسبب حزب الله فقط، بل بسبب جميع الأحزاب التي تسيطر على مناطق نفوذها بشكل كامل ومدروس، ما يقيد قدرة المعارضين على خوض المعركة بتكافؤ".

يستشهد شيا بلائحة معارضة في بعلبك "تواجه صعوبات جمّة في التواصل مع الناخبين، في وقت تُستغل فيه الحرب والخطاب السياسي في الجنوب لتأليب الرأي العام عبر العاطفة، خصوصاً من قبل حزب الله وحركة أمل".

ويؤكد أن المعركة البلدية يجب أن تبقى محلية الطابع، "هدفها تحسين الخدمات وتفعيل دور البلديات". ويذكّر شيّا أن "الثنائي الشيعي لم يحصل في انتخابات 2022 النيابية على أكثر من 47% من أصوات الناخبين الشيعة مجتمعَين"، ما يعكس تراجعاً في شعبيته.

أما بو مجاهد فيرى أنه "قد يكون لتسليم حزب الله سلاحه والتقليل من سيطرته على المناطق الشيعية إذا حصل، نتائج تسرّع الحلول في المناطق المتضرّرة من الحرب".

ويضيف "كيفية تغيّر المزاج الانتخابي داخل البيئة الشيعية ستظهر في الانتخابات النيابية السنة المقبلة، لا في الانتخابات البلدية التي ستحصل خلال أسابيع. وتالياً، لا ترجيحات في قدرة الانتخابات البلدية على التغيير، والرهان سيكون على الانتخابات النيابية".