قوات لبنانية تحمي مبنى مصرف لبنان - أرشيف
قوات لبنانية تحمي مبنى مصرف لبنان خلال احتجاجات 2019 ضد تفشي الفساد في مؤسسات الدولة.

"لا أحد يغير ضباطه أثناء الحرب"، بهذه العبارة أجاب رئيس الحكومة اللبنانية نجيب ميقاتي، في شهر ديسمبر الماضي، على سؤال حول مصير حاكم مصرف لبنان، رياض سلامة، ومدى ثقته به. وإن كان المقصود بالحرب هو الأزمة المالية والانهيار الاقتصادي اللاحق بالبلاد، فإن الإشارة إلى سلامة بوصفه "ضابطا" ولو ما باب الاستعارة، كان بمثابة غطاء سياسي علني له في منصبه، في مواجهة المساعي الهادفة للإطاحة به.

إلا أن تلك الإشارات المرسلة من رئاسة الحكومة اللبنانية لم تكن على الموجة نفسها التي تعمل عليها النائبة العامة الاستئنافية في جبل لبنان، القاضية غادة عون، والتي تتهم بالانحياز لفريق رئيس الجمهورية اللبنانية ميشال عون وتياره السياسي، والعمل وفق مصالحهم وبأوامرهم المباشرة.

ففي الخامس عشر من شهر فبراير الجاري، وبعد تخلف حاكم مصرف لبنان سلامة عن حضور ثلاث جلسات استماع أمام القاضية عون، في إطار الشكاوى المقدمة ضده بتهم الإثراء غير المشروع، وتبييض الأموال، وتبديد المال العام، أصدرت طلب إحضار بحق سلامة، توجهت على أثره ثلاث دوريات تابعة لجهاز أمن الدولة إلى أماكن إقامة حاكم المصرف، حيث اصطدمت بالحراسة المؤمنة لسلامة من ناحية قوى الأمن الداخلي هناك، والتي لم تكن على علم بالقرار.

وفيما تداول الإعلام المحلي روايات عدة حول ما جرى، لاسيما لناحية المواجهة بين الأجهزة الأمنية، أكدت القاضية عون في تصريحات صحفية أن قوى الأمن الداخلي منعت دورية أمن الدولة من القيام بواجبها، مشيرة إلى أن الواقعة مثبتة ومسجلة في إفادات دورية جهاز أمن الدولة، مضيفة أنها بعثت برسالة رسمية إلى مدير عام قوى الأمن الداخلي، اللواء عماد عثمان، تطلب فيها إيضاحا بشأن الواقعة، واصفة منع تنفيذ القرار القضائي بالجريمة، مشيرة إلى تواطؤ بين الأجهزة الأمنية لاخفائها.

وبالفعل ادّعت القاضية عون على مدير عام قوى الأمن الداخلي، بتهمة التمرّد وعرقلة التحقيق بملف حاكم مصرف لبنان، من خلال إعاقة تنفيذ القرارات القضائية. وأحالت الملف إلى قاضي التحقيق الأول في جبل لبنان القاضي نقولا منصور الذي حدّد موعداً لاستجواب عثمان الأسبوع المقبل من خلال مراسلة إلى وزارة الداخلية.

اشتباك سياسي

التطورات سرعان ما تحولت إلى اشتباك سياسي في البلاد، بلغ ذروته بعد بيان صادر عن تيار المستقبل، الذي يتزعمه سعد الحريري، تعليقاً على محاولة إحضار سلامة إلى التحقيق، قال فيه إن "المداهمة وقرار التوقيف اتخذا في القصر الجمهوري بطلب مباشر من الرئيس ميشال عون شخصياً الى رئيس جهاز أمن الدولة اللواء طوني صليبا، وأن موعد المداهمة معروف منذ أسبوع، وجرى تداوله على مواقع التواصل الاجتماعي لناشطين عونيين".

وتابع البيان أن "الإصرار على هذا الإجراء من رئيس الجمهورية يرمي إلى تحقيق هدف في المرمى الاقتصادي لحساب التيار الوطني الحر على أبواب الانتخابات النيابية، بمثل ما يرمي إلى تبرير التقصير في المفاوضات الجارية مع صندوق النقد الدولي وتعطيل هذه المفاوضات وضرب أي إمكانية لتحقيق الاستقرار الاقتصادي".

وختم البيان مشيرا إلى رئيس الجمهورية و"عندما جرى تنبيهه إلى احتمال اصطدام عناصر أمن الدولة مع عناصر الحماية للحاكم من قوى الأمن الداخلي أجاب: جروه، حتى لو استدعى الأمر الاشتباك مع قوى الأمن الداخلي".

في المقابل، نفى مكتب الإعلام في رئاسة الجمهورية ما ورد في بيان تيار المستقبل، معتبراً "أن الكلام المنسوب في البيان للرئيس "كذب مطلق ولا أساس له من الصحة ويندرج في إطار الافتراءات التي درج المستقبل على توزيعها".

إلا أن الادعاء على مدير عام قوى الأمن الداخلي، شكل إعلان نفير لتيار المستقبل، الذي أصدر بيانا لاحقاً اتهم فيه رئاسة الجمهورية بخوض معارك التيار الوطني "الحر لضرب مؤسسات الدولة الشرعية"، مشيراً إلى أن استهداف قيادة قوى الأمن الداخلي بعد حاكمية مصرف لبنان "بهذا الشكل الفج والمريب، هو أمر مرفوض بكل المقاييس".

وختم البيان بالقول إن "القاضية عون لا تتصرف من رأسها، وعلى اللبنانيين أن يبحثوا عن الرؤوس المدبرة لإغراق البلاد في مزيد من الفوضى، في أروقة القصر الذي يقيم فيه العماد عون".

فيما ردت الرئاسة أن "رئيس الجمهورية غير معني بأي إجراء يتخذه القضاء أو الأجهزة الأمنية المختصة، معلنة تمسك الرئاسة بمعرفة مصير 69 مليار دولار فُقدت من أصل 86 مليار دولار أودعتها المصارف اللبنانية في مصرف لبنان من مجموع أموال المودعين اللبنانيين وغيرهم. مع العلم بأن ما استدانته الدولة اللبنانية بالعملات الأجنبية من المصرف المركزي لم يتجاوز 5 مليارات دولار".

وامتد الاشتباك السياسي ليتخطى تيار المستقبل ورئاسة الجمهورية، حيث دخل في أتون المحسوبيات الطائفية والمذهبية والسياسية، وكان لافتاً في هذا السياق الكلام المنقول عن رئيس الحكومة نجيب ميقاتي، في بيان صادر عن النائبة بهية الحريري، ولفتت فيه إلى أن ميقاتي "أكد لها أنه سيتابع شخصياً الموضوع مع وزير العدل ومدعي عام التمييز لوقف هذا التمادي بالاعتداء على مؤسسات الدولة وهيبتها وكرامات القيمين عليها".

انعدام ثقة

ويرى المنسق الإعلامي لتيار المستقبل، عبد السلام موسى، أن القضاء في البلاد بات "غب الطلب عبر قاضية العهد غادة عون"، مضيفاً، في حديثه لموقع "الحرة"، أن تيار المستقبل "لن يقف متفرجاً على هذا الشذوذ المتمثل بتسخير القضاء لمصالح انتخابية وسياسية للتيار الوطني الحر الذي يصادر رئاسة الجمهورية اليوم".

موسى إذ يتهم رئيس الجمهورية اللبنانية أنه ارتضى تحويل الرئاسة إلى مؤسسة حزبية وتحول إلى طرف بدلا من أن يكون حكماً بين اللبنانيين، يؤكد أن تيار المستقبل "يدافع عن الحق وعن مؤسسة أمنية يرى أنها تتعرض لظلم وهناك كيدية وتشفي تمارس بحقها".

وشدد على أن المعلومات التي أوردها بيان تيار المستقبل "دقيقة جداً وليست مجرد اتهامات، ونحن نحترم الرأي العام ولا ننسب كلاماً لشخص في بيان رسمي وهو مؤلف".

وحول المانع من استجواب سلامة، يشير موسى إلى عدم وجود مانع بالنسبة لتيار المستقبل، "ولكن شرط أن تتم الأمور وفق الأصول القضائية الصحيحة وليس عبر قضاء ميشال عون".

وتساءل "كيف أثق برئيس يتصرف بكيدية تجاه حاكم مصرف لبنان رياض سلامة وتجاه مدير عام قوى الأمن الداخلي، وهو يرسم خطا أحمر على مدير عام أمن الدولة طوني صليبا في قضية انفجار مرفأ بيروت؟".

ويتابع "كيف اثق بأداء رئيس الجمهورية يوقف الترقيات في قوى الأمن الداخلي، ويستدعي مدير عام قوى الأمن الداخلي إلى بعبدا ويقول له بالحرف إما أن تتضمن الترقيات سوزان الحاج وإما لا ترقيات، مع ما يعنيه ذلك من ظلم لجميع الضباط في قوى الأمن؟ في حين أن سوزان الحاج لفقت قضية للممثل زياد عيتاني عبر جهاز أمن الدولة، الذي تستخدمه اليوم القاضية غادة عون في عراضاتها، وبالتالي كيف نثق بقضاء يكيل بمكيالين؟".

ويذكر موسى "كيف تم التجديد لرياض سلامة من خارج جدول الأعمال، عبر رئيس الجمهورية، وكلنا نذكر التطبيل لرياض سلامة من قبل التيار الوطني الحر، وقبل أسبوعين كان رياض سلامة في قصر بعبدا وعقد اجتماعا ماليا على أثره صرح بأنه اتخذ إجراءات لضبط الدولار. في ليلة وضحاها بات رياض سلامة مطلوباً للعدالة؟".

ويختم موسى أن تيار المستقبل يرى مسؤولية على رياض سلامة كحاكم لمصرف لبنان، "ولكن إذا قمنا بجردة حساب منذ العام 2005 وحتى اليوم، يظهر أن المسؤولية يتحملها الجميع، ومن يريد التدقيق الجنائي فليبدأ من وزارة الطاقة أو من العام 1989"، واصفاً ما يجري بالشعبوية الانتخابية التي لن تعيد أموال الناس.

القضية قديمة

من ناحيته، يشير عضو المكتب السياسي في التيار الوطني الحر، المحامي وديع عقل، إلى أن ملاحقة سلامة ومن خلفه المنظومة المالية، ليست بالأمر الجديد على الساحة اللبنانية، ولكن اليوم يأخذ صدى إعلاميا أكبر لأن الناس أفقرت ولم تعد قادرة على استيفاء أموالها.

وأكد أنه بدأ شخصياً منذ العام 2010 و2011، "بفتح ملفات كازينو لبنان المملوك من بنك انترا بأكثرية أسهمه، وشركة انترا وكل ممتلكاتها تحت وصاية مصرف لبنان وحاكمه، وكذلك عدد آخر من الملفات المرتبطة كقضية بنك التمويل، المملوك أيضاً من انترا، او الميدل إيست أو مرفأ بيروت قبل وبعد الانفجار، وهذه الملفات مترابطة ببعضها البعض، برابط مالي، وعبر هذه المؤسسات، وعبرها تتم رشوة السياسيين والإعلاميين ورجال الدين وحتى ناخبين لبنانيين من خلال الوظائف وغيره. وبالتالي هذه الملاحقات قديمة وليست جديدة ونحن مستمرين به".

وينفي عقل أن يكون لرئيس الجمهورية قضاة محسوبون عليه، واصفاً إياها بالاتهامات غير الدقيقة، معتبراً أن "هؤلاء القضاة يعملون اليوم ويحاولون الوصول إلى أموال اللبنانيين المختفية، وهذا أساس الموضوع لا سياسية ولا طائفية ولا مناطقية"، لافتاً إلى أن الدور الأساسي في مكافحة تبييض الأموال في لبنان هو من مسوولية هيئة التحقيق الخاصة التي يرأسها رياض سلامة، "ولم يفعل شيئاً في هذا الخصوص، كذلك بالنسبة إلى اللواء عماد عثمان الذي يرأس مجموعة مختصة بمكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب، وهو أيضاً لم يفعل أي شيء رغم أنه مسؤول".

ويتابع مشيراً إلى أن رئاسة الجمهورية "لا تتهم أحدا ولا تأخذ طرفا مع أحد ضد الآخر في هذه الأمور"، معتبراً أنها "تقوم بدورها الطبيعي جداً في سعيها لتحصيل حقوق الناس وهي ليست رمادية في هذا الملف، وهي تأخذ الدور الواجب بموضوع دعم القضاة كافة، وهذا كلام علني قاله رئيس الجمهورية أمام مجلس القضاء الأعلى "أنا سقفكم وهذا السقف عالي جداً".

وحول التأييد السابق للتجديد لسلامة من قبل التيار الوطني الحر، يرد عقل بأن التجديد لرياض سلامة لم يكن ناتجاً عن حماسة التيار الوطني، "البلد كله كان يريد رياض سلامة، وجوائز رياض سلامة الوهمية كانت تعود به إلى منصبه، والضغط الكبير على موضوع الليرة وغيرها".

مضيفاً أنه ومنذ ذلك الحين حتى اليوم، "تبدل الكثير من المعطيات حول رياض سلامة نفسه، أموال الناس اختفت، ولنعتبر بأسوأ الأحوال إننا كنا موافقين عليه، اليوم بعد ما تبين هذه الارتكابات طبيعي ان تطلب تنحيته وملاحقته وجزء من هذه الملاحقات باتت خارجية، بعد اكتشاف الشبكات العنكبوتية لرياض سلامة التي استخدمت في تهريب الأموال مع شقيقه، واليوم هناك مساع لملاحقة هذه الأموال وجهتها، وهنا يطرح السؤال لماذا بلبنان لم تظهر؟ وهنا نعود إلى لب القصة أن رياض سلامة هو رئيس هيئة التحقيق الخاصة ويحق له وحده فتح الحسابات والتدقيق بها وهو المؤتمن عليها".

الملاحقة مستمرة

وتجدر الإشارة إلى أن حاكم لمصرف لبنان الذي يشغل منصبه منذ نحو ثلاثة عقود، تدور حوله تحقيقات في العديد من الدول الأوروبية، كسويسرا وفرنسا ولوكسمبورغ وألمانيا، بسبب اتهامات له بغسل الأموال واختلاس مئات الملايين من الدولارات من البنك المركزي، في حين ينفي سلامة في مختلف تصريحاته هذه المزاعم مقدما بعداً سياسية للاتهامات التي يواجهها، مطالباً بتقديم "أدلة حقيقية" ضده. كما أنه سبق وطلب تنحية القاضية غادة عون عن التحقيقات، معتبراً أنها متحيزة.

وفي الخلاصة مددت عون، أمر استدعاء سلامة إلى أجل غير مسمى، مؤكدة في تصريحاتها إنها "ستواصل ملاحقته" حتى تقدمه إلى المحكمة، مضيفة: "لدي أسئلة مهمة لطرحها عليه حول خسائر المصرف المركزي وغيرها".

وفي هذا السياق يرى رئيس منظمة جوستيسيا وأستاذ القانون الدولي، المحامي بول مرقص، أن قضية ملاحقة حاكم مصرف لبنان تحتمل الحديث التقني، "ولكن قبل كل ذلك، الملاحقة إن لم تكن شاملة من أجل مكافحة الفساد ومعيارية، ترسم حولها علامات استفهام كبيرة لاسيما أن أتت مجتزأة من شأنها ان تترك تداعيات على ما تبقى من سمعة لبنان في الخارج وأن تؤثر سلباً على التحويلات المالية منه وإليه وعلى التعاملات المالية معه من الخارج، خاصة إن لم تثمر عن نتيجة محققة بناء على مسار قضائي مركزي ومدروس وهادف".

ويضيف مرقص أنه بالمعنى التقني والقانوني، "يحق للنيابة العامة الاستئنافية بما لها من صلاحيات مكانية أن تلاحق حاكم مصرف لبنان، ولا حصانة له في الجرائم التي يمكن أن يكون قد ارتكبها".

أما لناحية ارتباط الملاحقات في لبنان مع الملاحقات في الخارج، يرى مرقص أن هذا الربط ليس واقعاً في محله القانوني، لكنه لا يخلو من الترابط المعنوي، بمعنى تعبئة وتجييش وحقن الأجواء والتمهيد للنيل من سمعة سلامة بمجرد أن تكون ثمة ملاحقات متعددة في لبنان والخارج تجاهه، خصوصا بما لديه من صفة الحاكمية ورئاسة هيئة التحقيق الخاصة بمكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب مما يضعف مكانته المعنوية، حتى لو لم تكن هذه الملاحقات قد أصابت في القانون، ويختم بالتذكير أنه "لم يصدر لغاية تاريخه أي حكم بإدانة الحاكم".

السياحة في لبنان

لم يكن قرار الإمارات رفع الحظر عن سفر مواطنيها إلى لبنان مجرد إجراء دبلوماسي عابر، بل اختبارا حقيقيا لقدرة بيروت على استعادة ثقة طال غيابها. 

ففي ظل الانهيار الاقتصادي والقلق الأمني، تحول هذا القرار إلى ورقة جديدة على طاولة السياحة اللبنانية، يراها البعض بداية لعودة الخليج إلى بيروت، ويرى آخرون أنها مغامرة غير مضمونة النتائج في بلد لم يحسم بعد معركته مع فوضى السلاح خارج الدولة.

وكانت الإمارات قد قررت في أكتوبر 2021 سحب دبلوماسييها من بيروت، ومنعت مواطنيها من السفر إلى لبنان، على خلفية تصريحات لوزير الإعلام اللبناني السابق، جورج قرداحي، بشأن الحرب في اليمن، تسببت بأزمة دبلوماسية مع عدد من دول الخليج.

ورغم بدء تدفق السياح الإماراتيين إلى لبنان منذ 7 مايو الجاري، يبدي كثيرون شكوكا حول إمكانية أن يؤدي القرار إلى تحريك عجلة القطاع السياحي اللبناني، الذي يعد من أكثر القطاعات تضررا بفعل الانهيار الاقتصادي والتوترات الأمنية.

رجل الأعمال الإماراتي البارز، خلف الحبتور، رحب بالخطوة، لكنه عبّر عن مخاوف في ما يتعلق بالوضع الأمني في لبنان.

"لبنان الحبيب يستقبل زوّاره من دول الخليج العربي ويستعد لصيف يأمل أن يكون مزدهراً. لكن كيف يمكن أن يطمئن الزائر وتخطط العائلات لعطلاتها هناك وسط مشاهد عدم الاستقرار المتكررة؟"، كتب الحبتور على أكس.

وأضاف: "غياب الحد الأدنى من الاستقرار الأمني يجعل من قرار السفر تحديا لا رغبة".

الهاجس الأمني

وصف نائب رئيس "نقابة أصحاب المطاعم والمقاهي والملاهي والباتيسري"، خالد نزهة، قرار رفع الحظر عن سفر الإماراتيين إلى لبنان بأنه "خطوة إيجابية وبالغة الأهمية"، وأعرب عن أمله بأن يتبعها تدفّق السياح السعوديين وباقي الزوار العرب الذين انقطعوا عن زيارة لبنان في السنوات القليلة الماضية.

وقال نزهة لموقع "الحرة" إن حضور الإماراتيين يمنح القطاع السياحي دفعة قوية، ويضفي ارتياحا عاما على الساحة الاقتصادية، لا سيما مع اقتراب موسم الصيف وعيد الأضحى، ودعا إلى تحويل السياحة إلى قطاع مستدام لا يقتصر على المواسم. 

ولفت نزهة إلى أن "السياح الخليجيين معروفون بإقامتهم الطويلة وإنفاقهم المرتفع وزيارتهم لبنان عدة مرات في السنة، ما يجعل حضورهم أكثر تأثيرا من السياح الأوروبيين، كما أن عودة الإماراتيين قد تفتح الباب أمام مزيد من الزوار من دول أخرى، بالنظر إلى ما تمثله الإمارات من معيار عالمي في السياحة والخدمات".

وذكّر نزهة بأن كثيرا من الإماراتيين يملكون عقارات ومنازل في لبنان، "ومن الطبيعي أن يعودوا إليها"، ولفت كذلك إلى أن الإمارات تحتضن أعدادا كبيرة من اللبنانيين".

ووضع الباحث في الشأن السياسي، نضال السبع، القرار الإماراتي، في سياق الدعم الخليجي للبنان، واعتبره "بادرة حسن نية" الحكومة اللبنانية الجديدة، وقال أن القرار الإماراتي نتيجة "مساعٍ ديبلوماسية وزيارات قام بها رئيس الجمهورية جوزاف عون إلى دول الخليج".

ورغم هذه المؤشرات الإيجابية، لفت السبع في حديث مع موقع "الحرة" إلى "استمرار القلق الدولي من الوضع الأمني،" وذكّر بتصريحات نائبة المبعوث الأميركي للشرق الأوسط، مورغان أورتاغوس، التي قالت خلال منتدى الدوحة الاقتصادي الأسبوع الماضي إنه لا يزال أمام لبنان الكثير ليفعله من أجل نزع سلاح حزب الله.

وفي السياق نفسه، اعتبر السبع أن مواقف رجل الأعمال الإماراتي خلف الحبتور، المعروف باستثماراته الكبرى في لبنان، تعكس "نبض القلق الخليجي، نظرا لعلاقاته الواسعة مع صناع القرار في الإمارات والخارج".

ورأى السبع أن "لبنان، رغم التهدئة المعلنة منذ 27 نوفمبر، ما زال في دائرة الخطر، في ظل استمرار الغارات الإسرائيلية على مواقع لحزب الله في جنوب وشمال نهر الليطاني، ما يعكس تركيزاً استخباراتياً ودولياً متصاعداً على هذا السلاح".

وأشار إلى أن الحزب "يسعى إلى مقايضة سلاحه بضمانات سياسية، لكنه بات في موقع حرج بعد إعلان الرئيس الفلسطيني محمود عباس عن بدء سحب السلاح الفلسطيني من المخيمات منتصف حزيران"، في خطوة اعتبرها السبع بمثابة "ضوء أخضر للدولة اللبنانية للتحرك بالتنسيق مع السلطة الفلسطينية، ما سيضع حزب الله في موقع الجهة الوحيدة التي لا تزال تحتفظ بسلاح خارج الدولة".

ويتسم ملف السلاح الفلسطيني في لبنان بتعقيدات كبيرة، وفقا للسبع، فسلاح المخيمات يختلف عن السلاح خارجها، وسلاح "فتح" الخاضع للسلطة الفلسطينية، في مقابل سلاح "حماس" و"الجهاد الإسلامي" و"عصبة الأنصار"، الذي يعد الأخطر، إلى جانب وجود نحو 3000 مطلوب داخل المخيمات.

ويرى السبع أن سلاح المخيمات يشكّل تحدياً أمنياً كبيراً للدولة اللبنانية، وحذر من أن أي اقتحام أمني قد يشعل مواجهات واسعة، ما يتطلب دقة وحذرا في المعالجة.

عوائق عدة

يشكّل القطاع السياحي، لا سيما المطاعم والملاهي والباتيسري وأماكن السهر والروف توب، رافعة حقيقية للاقتصاد اللبناني، الذي يعتبره نزهة "المحرّك الأساسي لعدد كبير من القطاعات الاقتصادية".

ويوفر القطاع السياحي  آلافا من فرص العمل للبنانيين، "كما أن لبنان لا يكتفي بجذب السياح، بل يصدّر علامات تجارية مطعمية ناجحة أثبتت حضورها في عواصم عربية وأوروبية، وصولاً إلى أميركا وكندا وأستراليا وأفريقيا، ما يعكس صورة مشرقة عن لبنان في عالم الضيافة".

ويرى الباحث في "المعهد اللبناني لدراسات السوق"، خالد أبو شقرا، أن قرار رفع الحظر عن سفر المواطنين الإماراتيين إلى لبنان هو بمثابة "الصدمة المعنوية الإيجابية"، وقد يفتح الطريق أمام خطوات مماثلة من دول خليجية أخرى، وعلى رأسها السعودية.

وفي حديث لموقع "الحرة"، أشار أبو شقرا إلى أن أهمية القرار لا تكمن فقط في رمزيته السياسية، بل في انعكاساته المحتملة على القطاع السياحي.

وأوضح أبو شقرا أن عودة السياح العرب بأعداد كبيرة تبقى رهناً بعدة عوامل، أبرزها:

ـ الوضع الأمني، في ظل استمرار القصف الإسرائيلي، ما يثير مخاوف مشروعة لدى الزوار
ـ ضعف البنية التحتية، حيث يعاني لبنان من نقص كبير في الخدمات الأساسية كالكهرباء والمياه والطرقات والإنترنت، وهي مقوّمات يطلبها أي سائح
ـ ارتفاع الكلفة السياحية، مقارنة بوجهات منافسة مثل شرم الشيخ وتركيا وقبرص، التي توفّر أسعاراً أقل وخدمات متقاربة
ـ احتكار النقل الجوي، نتيجة هيمنة شركة "طيران الشرق الأوسط" على السوق منذ أكثر من نصف قرن، وغياب الرحلات الاقتصادية أو "الشارتر".

ودعا أبو شقرا إلى فتح المجال أمام شركات طيران إضافية وتقديم تسهيلات لاستقدام وفود سياحية، بما يسهم في خفض الكلفة وتحفيز الإقبال على لبنان كوجهة سياحية رئيسية.

إجراءات مطلوبة

في تعليق رسمي على قرار الإمارات رفع الحظر عن سفر مواطنيها إلى لبنان، أكد رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام أن "لبنان عاد إلى العرب"، مشدداً على تطلّع البلاد إلى عودة السياح الخليجيين، واستعادة مكانتها كوجهة أولى في المنطقة.

تصريح سلام جاء خلال مؤتمر صحافي عقده في السراي الحكومي في بيروت، عقب اجتماعه مع سفراء دول مجلس التعاون الخليجي، حيث قال "ما يهمنا هو القيام بكل ما يسهل عودة إخواننا العرب إلى ربوع لبنان"، مشيراً إلى التزام الحكومة بالعمل على إزالة أي مخاوف أو محاذير لدى دول الخليج.

من جهتها، رحّبت وزيرة السياحة لورا الخازن لحود بالقرار، واعتبرته "تأكيداً على عودة الثقة بلبنان، وبداية جديدة لتطوير الروابط التاريخية التي تجمع البلدين". وأعربت لحود عن أملها في أن "تحذو باقي دول مجلس التعاون الخليجي حذو الإمارات، ليعود لبنان مقصداً رئيسياً لأشقائه العرب، ومركزاً للنشاط السياحي والثقافي في المنطقة".

كما أصدرت وزارة الخارجية والمغتربين اللبنانية بياناً رحّبت فيه بالقرار الإماراتي، معتبرة أنه "خطوة مهمة نحو إعادة الزخم للعلاقات الثنائية"، وأكدت تطلعها إلى تعزيز وتطوير العلاقات مع جميع الدول العربية، انطلاقاً من الروابط التاريخية والانتماء والمصير المشترك.


وفي قراءته للواقع السياحي اللبناني، لفت أبو شقرا إلى أن لبنان متأخر منذ سنوات طويلة في جذب السياح، مشيراً إلى تقرير دولي صدر عام 2019 أظهر أن حصة لبنان من إجمالي السياح الوافدين إلى منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لم تتجاوز 2%، رغم ما يمتلكه من مقومات طبيعية وتاريخية وثقافية، في مقابل نسب تصل إلى 20% في وجهات مثل الإمارات.

ودعا أبو شقرا المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، وتحديداً اللجنة السياحية فيه، إلى التحرك لمعالجة ملفات أساسية تؤثر مباشرة على القطاع، مثل أوضاع المواقع الترفيهية الكبرى كجعيتا، كازينو لبنان، والتلفريك، كما شدد على ضرورة إنشاء هيئات ناظمة مستقلة في قطاعات الطيران والاتصالات والكهرباء، ما من شأنه تعزيز التنافسية وتخفيض الكلفة على المستهلكين، بما في ذلك السياح.

وأكد أبو شقرا أن "تنشيط القطاع السياحي يبدأ بتأمين مناخ مستقر وآمن"، محذراً من أن "غياب هذا المناخ سيبقي أعداد الزوار محدودة"، ولفت إلى أن "معظم الزوار اليوم هم من المغتربين اللبنانيين، وليسوا سياحاً أجانب، ما يقلل من القيمة الاقتصادية المضافة التي يوفرها السائح التقليدي، الذي ينفق على الإقامة، النقل، والمرافق السياحية".

ودعا الوزارات اللبنانية المعنية إلى لعب دور أكثر فاعلية في الترويج للبنان خارجياً من خلال المشاركة في المعارض الدولية وتنظيم المؤتمرات، والاستفادة من الطاقات الشبابية القادرة على مخاطبة الأسواق الجديدة.

الخطأ الاستراتيجي الذي ارتكبته الدولة خلال السنوات الماضية تمثل بحسب أبو شقرا "في الاعتماد على المواسم السياحية التقليدية، مثل فصل الصيف أو موسم التزلج، من دون تطوير نموذج سياحي مستدام يمتد على مدار العام"، لذلك شدد على "أهمية التوجه نحو أسواق جديدة خارج الإطار العربي، مثل روسيا وأوروبا الشرقية، حيث تختلف أوقات العطل ونمط السفر، ما يساعد على تنويع الموسم السياحي".

وختم أبو شقرا بالتأكيد على أن "رفع الحظر عن زيارة لبنان من قبل الإمارات، هو خطوة أساسية، لكنها بحاجة إلى استكمال بإجراءات عملية لطمأنة السائح، سواء من حيث الأمان أو الكلفة أو جودة الخدمات. غياب هذه العناصر سيبقي السياحة في لبنان دون المستوى المطلوب، ويحول دون مساهمتها الفعلية في دعم الاقتصاد الوطني".