السلطات اللبنانية تجمد أصول 20 مصرفا
المصارف في لبنان حجبت أموال المودعين لديها وأقرت سياسات خاصة وضوابط على السحوبات عام 2019

نفذ مصرفان لبنانيان الجمعة، الرابع من مارس، قرارا قضائيا بريطانيا صدر بتاريخ 28 فبراير الماضي، ويقضي بدفع ما يقارب 4 ملايين دولار لأحد المودعين، في حالة هي الأولى من نوعها منذ أن حجبت المصارف في لبنان أموال المودعين لديها وأقرت سياسات خاصة وضوابط على السحوبات عام 2019.  

وفي التفاصيل، أصدر القاضي جاستيس بيكن في المحكمة العليا البريطانية (Queen's Bench Division)، قرارا يلزم مصرفي "عودة" و"SGBL" اللبنانيين، بدفع مبلغ بقيمة 4.6 مليون دولار، لصالح المودع فاتشي مانوكيان، بعد أن قام المصرفان المذكوران بحجز أمواله لديهما والامتناع عن تحويلها.  

ونقلت وكالة "رويترز" عن محامي مانوكيان، غراهام شير، قوله إن "القرار أقر بالحق القانوني لموكله في تحويل أمواله إلى خارج لبنان"، مضيفا أن "هذه هي أول قضية تتعلق بالأزمة المالية اللبنانية يتم رفعها بنجاح في المملكة المتحدة. ومن المرجح أن يكون هذا القرار موضع اهتمام للأفراد الآخرين المقيمين في إنكلترا والاتحاد الأوروبي." 

واستند القرار، إلى ما وصفه "سوء نية وتعسف المصرفين" في تعاملهما مع المدعي مانوكيان، لاسيما لناحية إيداعهم شيكات مصرفية لدى كاتب بالعدل في لبنان، بقيمة ودائع مانوكيان لديها بتاريخ 21 ديسمبر 2021. 

وقد انصبت جهود فريق الدفاع عن مانوكيان في البداية على تأكيد اختصاص المحكمة البريطانية في النظر بالقضية، وذلك بعدما رفضت محاكم عدة حول العالم، من بينها محاكم أوروبية وكندية وأميركية، في النظر بقضايا مشابهة لعدم الاختصاص وحصرها بالمحاكم اللبنانية، إلا أن توفر وقائع عدة في قضية مانوكيان سمحت للمحكمة البريطانية البت بالقضية.  

واللافت في هذه القضية تحديدا، أنها الأولى من نوعها التي تصادق على عدم اعتبار الشيك المصرفي الصادر عن المصارف اللبنانية سندا للإيفاء، وذلك استنادا إلى قرار صادر عن رئيس دائرة التنفيذ في بيروت القاضية مريانا عناني، يعتبر أن الشيك المصرفي لم يعد وسيلة للإيفاء في ظل الظروف الحالية في لبنان. 

وكانت المصارف اللبنانية قد فرضت منذ العام 2019 وحتى اليوم، قيودا مشددة على عمليات سحب المودعين لأموالهم فيها، والتحويلات إلى الخارج، وذلك عقب انهيار النظام المالي في لبنان الناتج عن واحدة من أسوأ الأزمات الاقتصادية التي يشهدها العالم حديثا، والتي أتت نتيجة تراكم الفساد وسوء الإدارة والهدر في السياسات المالية للبلاد.  

إلا أن تلك الإجراءات التي حرمت المودعين من حرية الوصول والحصول على أموالهم، جاءت دون وجود أي تشريعات قانونية تنص عليها، حيث لم يقر البرلمان اللبناني حتى اليوم قانون "الكابيتال كونترول" الذي من شأنه أن يمنح شرعية وانتظاما لإجراءات المصارف التي لا تزال حتى اليوم تأخذ طابعا استنسابيا يعود القرار فيه إلى كل مصرف على حدا.  

هذا الواقع جعل إجراءات المصارف عرضة للطعن والدعاوى أمام عدد كبير من المحاكم المحلية في لبنان وخارجه، كانت نتائجها مختلفة لناحية التعامل مع الواقع القائم، وصولا إلى قرار المحكمة البريطانية الذي شكل تجسيدا لأبرز مخاوف المصارف في مقاضاتها بالخارج وتعريض أصولها هناك لمخاطر وضع اليد عليها في حال عدم تنفيذ القرارات القضائية، وهو الأمر الذي بات يدفع المصارف لمطالبة السلطة السياسية والتشريعية في لبنان بإقرار قانون "الكابيتال كونترول" ليضفي شرعية على إجراءاتها ويجنبها الالتزام بالقرارات والاحكام القضائية في الخارج.  

تقرير لبناني مساعد 

ومن بين ما ركنت اليه المحكمة البريطانية، تقرير أعده المحامي اللبناني المتخصص في الشؤون المصرفية، الدكتور علي زبيب، الذي يؤكد في حديثه لموقع "الحرة" أن تقريره كان عنصرا من العناصر التي قد تكون ساهمت في إصدار المحكمة لقرارها، و "هو تقرير تقني جدا يصف القانون اللبناني، وبالتالي لم يكن مع مانوكيان أو ضد المصارف، بل كان يوصّف الواقع ويترجم تعامل المصارف لوضعها في خانة سيئي النية." 

ووفقا لزبيب فإن المحكمة قد تسلمت التقرير أصولا، وناقشته في جلسات المحاكمة، "والسبب الذي دفع جمعية المودعين للاقتناع أن التقرير الذي تقدمت به كان دافعا مساعدا وأساسيا، هو أن هناك دعوى سابقة تقدم بها المودع بلال خليفة أمام المحكمة في بريطانيا وخسرها أواخر العام 2021، وفي حينها لم يتقدم للمحكمة أي تقرير من محامي لبناني متخصص بالشؤون المصرفية، وحكما المحكمة تعطيه وزنا أكثر من محامي الطرفين المتخاصمين وتنظر إليه كرأي مستقل."  

زبيب يرى أن قرار المحكمة البريطانية "انجاز نوعي لم يحصل من قبل"، لكونه الأول من نوعه الذي يسجل في الخارج ضد المصارف ويلزمها بتحويل الأموال، لافتا إلى أن التحويل لا ينتظر نهاية مراحل الاستئناف والتمييز، بل انه ألزم المصارف أمس بتاريخ 4 مارس، أن يحولوا الأموال إلى حساب مكتب المحاماة وكيل مانوكيان، وبالتالي الأموال ستخرج من الذمة المالية للمصرفين، والحكم يحدد شروطا معينة لكي يستطيع مكتب المحاماة تحرير الأموال لمانوكيان، من بينها أن لا تستأنف المصارف الحكم، أو أن لا تقبل المحكمة الاستئناف  و"غيرها من الشروط البديهية"، وفق زبيب.  

واستند القرار البريطاني، بحسب زبيب، على طلب مانوكيان الذي ينص على أن "الباعث على التعاقد مع مصرف لفتح حساب مصرفي هو عدد من الخدمات، احدى الخدمات الرئيسية هي خدمة تحويل الأموال، التي تمثل حق مكتسب لكل مودع، المصرف يدعي أن له الحق الاختيار في تحويل الأموال من عدمه، مانوكيان استطاع أن يثبت أن اجراء المصارف هو سوء نية، وبالتالي لا يحق للمصرف ذلك، خاصة أنه حين يجذب المودعين لفتح حساب لديه، احدى الخدمات الموجودة والمتعارف عليها هي خدمة التحويل الخارجي للأموال، وبالتالي هو حق بديهي.   

انتصار للمودعين 

وتعاملت "جمعية المودعين" في لبنان، المعنية بمتابعة حقوق المودعين في المصارف اللبنانية، مع القرار القضائي كانتصار صغير لقضية المودعين في وجه المصارف اللبنانية، حيث يرى رئيس الجمعية حسن مغنية أن " أي قرار قضائي بوجه المصارف انصافا للمودعين، إن كان في بريطانيا أو أي دولة أو جهة على وجه الكرة الأرضية، هو مرحب به جدا خاصة بعد الصمت المريب للسلطات القضائية اللبنانية طوال عامين ونصف منذ أن احتجزت المصارف أموال الناس." 

مغنية لم يكن يفضل أن يلجأ المودعون لسلطات قضائية خارج لبنان، وفق ما يؤكد في حديثه لموقع "الحرة"، وكان يتأمل أن يكون القضاء اللبناني منصفا بحق المودعين، "ولكن للأسف السواد الأعظم من القضاء اللبناني مرتشي ومنتفع وفاسد، وأنا مسؤول عن هذا الكلام، لأن السواد الأعظم من القضاة اللبنانيين قد عينوا من قبل الزعماء السياسيين الفاسدين، الذين يتحملون مسؤولية الودائع كما المصارف ومصرف لبنان."  

لا يرى مغنية ومن خلفه جمعية المودعين أن القضاء يمكن أن يكون الحل لأزمتهم، لأنه على افتراض أن القضاء أمر باسترداد جميع الودائع لجميع المودعين، النظام المصرفي لا يملك أموالا بحجم الودائع الحقيقية، وبالتالي المطلوبات أكبر بكثير من الموجودات، "كما أن أي دولة في العالم يتجه فيها جميع المودعين لسحب ودائعهم، من شأن الأمر أن يفلس أكبر مصرف في العالم، لذلك نحن لا نحبذ أن تصل الأمور إلى هنا". 

ويفضل مغنية وضع خطة انقاذ محكمة وشاملة لا تحمل المودعين الخسائر، "فمن يجب أن يتحمل الخسائر هم الدولة اللبنانية والمصارف ومصرف لبنان" معتبرا أنه وبعد عامين ونصف على الأزمة، "لا نية لدى المصارف ولا الدولة اللبنانية ولا مصرف لبنان بتحمل المسؤولية والخسائر، وحده المودع من يجري تحميله الخسارة وحده من يتحمل عبئ الأزمة، وبالتالي من حقه ان يلجأ إلى القضاء وغير القضاء ربما إذا اضطر لذلك." 

المصارف تحذر من "الظلم"  

من جهته كان لبنك "عودة" بيان صادر عنه حول القضية، يعلن فيه التزامه التقيّد بمضمون القرار البريطاني، ضمن المهلة الممنوحة له للتنفيذ، مضيفا أنه سيقيّم خياراته لجهة الطعن استئنافا بالقرار، وبالحكم اللاحق، فور صدور هذا الأخير. 

وأضاف المصرف في بيانه أنه "لم يكن هذا القرار، ولا أي قرار آخر مماثل، ليصدر لو كان ثمة قوانين أو أنظمة نافذة في لبنان تنظم التحويلات الماليّة إلى الخارج، (كابيتال كونترول). مشيراً إلى أن تنفيذ القرار سيؤدي "إلى عدم المساواة بين المودعين، إذ أن القرار يسنى للمودعين المتمولين المقيمين في المملكة المتّحدة الحصول على كامل ودائعهم، وذلك على حساب سائر المودعين الذين لا يتمتعون بحق أو بإمكانية إقامة الدعاوى في الخارج. وسوف ينتج عن هذا الواقع تدني جذري في الأموال المتوافرة لهم."  

وفي هذا الإطار يرى زبيب أن استجابة المصرف للقرار القضائي "يظهر ويثبت أن المصارف لديها القدرة المالية لتسديد حقوق المودعين، وكل ذرائعها بعدم توفر الأموال هو كذب"، ويتابع واصفا حديث المصرف عن عدم المساواة بين المودعين بأنه "ذر رماد في العيون ونفاق وضحك على الناس وكأنهم يقولون إن احتجازهم وتهريبهم لمليارات الدولارات سابقا، لم يكن على حساب المودعين، ولكن حين يحصل مودع على حقه يصبح من درب بقية المودعين؟" 

في حين اعتبر مغنية أن بنك عودة "أدان نفسه بنفسه بقوله إن هذه الأموال تذهب من درب باقي المودعين، لأنهم يعترفون بأن الأموال معهم وموجودة ولا يسددونها لأصحابها، ولو كانوا يعطون للناس أموالها بعدل، لكان هذا العذر مقبولا، ولكن منذ عامين ونصف لم يحصل أحد على حق من المصارف." 

وتابع بيان المصرف أن "كثرة الدعاوى القضائية المقدمة من قبل المودعين ضد المصارف، أمام المحاكم اللبنانيّة والأجنبية، هي نتيجة مباشرة لسوء إدارة الأزمة اللبنانية منذ اكتوبر 2019، وبشكل خاص، نتيجة العجز عن إصدار قانون لضبط التحويلات المالية إلى الخارج وفي وضع خطة اصلاح شاملة." 

"عودة" رأى أن "أوجه القصور هذه في لبنان، دفعت نحو أزمة اقتصادية ومالية ونقدية حادة وأزمة ثقة عميقة بين النظام المصرفي اللبناني والمودعين، ترافقت مع تهافت المودعين على سحب الأموال، الأمر الذي فرض على القطاع المصرفي وضع عدد من القيود بشأن سحب الأموال النقديّة والتحويلات إلى الخارج، كبديل حتمي لقانون ضبط التحويلات الماليّة إلى الخارج (كابيتال كونترول). 

وتعليقا على مطلب المصرف يقول زبيب إن "المصارف باتت تريد الآن قانون الكابيتال كونترول، لكونه يتضمن في المادة الثامنة في اقتراح مشروع القانون المقدم، بند يعفي المصارف من الالتزام بالأحكام القضائية في الخارج وتنص على أنه لدى صدور أي حكم قضائي بتحويل أموال، يجب أن يكون مبرم ونهائي يعني مر بمرحلة الاستئناف والتمييز قبل أن يصدر قانون الكابيتال كونترول، أما إذا صدر قانون الكابيتال كونترول ولم يكن هناك حكم نهائي، المصارف اللبنانية غير ملزمة بالتقييد بالحكم.  

وختم المصرف بيانه بالتأكيد على أنه "حرص منذ نشوء الأزمة على تأمين معاملة عادلة ومتساوية بين جميع المودعين، وسوف يتخذ، تبعا للقرار القضائي المذكور (البريطاني)، الإجراءات والتدابير المناسبة للمحافظة قدر المستطاع على معاملة متساوية فيما بين ًالمودعين والسعي إلى حماية الأغلبية الساحقة منهم." 

عقاب للبريطانيين؟!  

هذه الإجراءات والتدابير التي لوح بها بنك "عودة" بدأت تترجم على شكل إغلاق لحسابات حاملي الجنسية البريطانية والإقامة الدائمة في المملكة المتحدة، وذلك تجنبا لرفع دعاوى قضائية مشابهة ومبنية على الحكم الصادر. هذه المعلومات أكدها كل من المحامي زبيب ورئيس جمعية المودعين الذي وصف هذا الاجراء بـ "التعسفي وغير القانوني"، لأن تبليغ الشخص بإغلاق حسابه يجب أن يتم عبر مباشر من كاتب العدل، بينما تقوم المصارف بإرسال رسائل نصية للمودعين، تبلغهم انهم اقفلوا الحساب، "وهذا اجراء بالقانون لا معنى له ولا جدوى منه" وفقا لمغنية، "المصارف تضع شيكات مصرفية بقيمة الحساب لدى كاتب العدل، ولكن يجب الناس أن تعلم ان أي عملية اغلاق حساب اليوم يمكن للمودع اجبار المصرف على إعادة فتحه بنفس القيمة." 

ويكشف زبيب بدوره، أن المصارف وبعد اغلاق الحسابات، تعود وتتواصل مع المودعين عارضة عليهم اعادة فتح حساب في حال التزموا بالتوقيع على ورقة يصفها زبيب بـ "ورقة الضغط على المودع" وتتضمن طلب الموافقة على فتح حساب دائم جديد، ما يعني أن المودع ما عاد يستفيد من تعاميم مصرف لبنان السابقة، التي يمكن له الاستفادة منها، لكونه بات حسابا جديدا، وفق زبيب. 

ثانيا، تميز المصارف في الوثيقة بين الأموال الجديدة والأموال المودعة، حيث "يدفعون المودع للاعتراف أن المصرف لديه حرية في الخدمات التي يقدمها ولديه حرية عدم التحويل، وبالتالي لا يستطيع المودع إلزام المصرف بالتحويل". أما أخطر البنود وفقا لزبيب هو طلب "الاعتراف بأن خدمة تحويل الأموال إلى الخارج اختيارية وليست الزامية، ما يعني أن المصارف تحدد بحسب مزاجيتها، بينما يعفى المصرف من المسؤولية إذا رفض التحويل."   

وتابع زبيب في عرض شروط المصارف الجديدة حيث تطلب من المودع القبول باتخاذ المصرف الاجراءات التي يجدها مناسبة بغض النظر عن طبيعتها، وأن يعترف المودع أن الشيك المصرفي هو وسيلة ابراء في إعادة الودائع وأن اصدار الشيك سواء بطلب المودع أو تلقائيا يعتبر ايفاء صحيحا. 

كما يعتبر المصرف أن الشروط المذكورة في الوثيقة هي السبب الدافع للتعاقد معه، وبالتالي "بدّل في الأسباب الدافعة" بحسب زبيب الذي يشير أيضا إلى أن المصارف اشترطت على المودع أن "يقر بأن هذه الوثيقة جزء لا يتجزأ من العقد العام وفي حال وجود اختلاف أو تناقض بين الوثيقة أو العقد يعمل بشروط الوثيقة."  

ونقلت "رويترز" في هذا الإطار عن مسؤول في بنك عودة قوله إن البنك "يطلب من المقيمين البريطانيين تطبيق الشروط التي تطبق على أي شخص يفتح حسابا جديدا.. لا تحويلات دولية ولا سحبا نقديا"، مضيفا "إذا لم يتم قبول هذا، لن يكون أمام البنك خيار سوى إغلاق الحساب".

كما نقلت عن متحدث باسم السفارة البريطانية قوله إن "هذا الوضع المؤسف يدل على تداعي الاقتصاد اللبناني ويسلط الضوء على ضرورة أن تتبنى الحكومة اللبنانية إصلاحات اقتصادية شاملة". 

عملية "قرصنة" 

ويؤكد المحامي المختص بالشؤون المصرفية أن "كل هذه الشروط والاجراءات ليست مبنية على أي قانون وانما بناء على "زعرنة وعربدة مصرفية، ولا يمكن توصيفها بوصف آخر"، لافتا إلى أن "هذه الإجراءات تعاكس وتخالف القانون حتى".  

وأشار إلى أنه أعد كتابا مفصلا للجنة الرقابة على المصارف، بالتعاون مع السيد كريم ضاهر، "حملناهم فيه كامل المسؤولية في هذا الموضوع لما حصل مع حملة الجنسية البريطانية بالذات، لنرى إن كانوا سيتخذون اجراءات في هذا المكان ويطبقون المادة 208 والمادة التي تعاقب المصارف 110." 

من ناحيته، يصف مغنية الشروط الجديدة التي تفرضها المصارف بـ "عملية قرصنة"، معتبرا أن "هناك مودعين معرضين للاحتيال من قبل المصرف، عبر فرض شروط قد لا تكون واضحة أو مفهومة للمودع إن لم يكن يملك دراية قانونية أو ثقافة مالية، وقد يعتبر أنه اجراء عادي أو جيد ويعود ويفتح حسابه بشروط جديدة، ولكن في القانون وعبر القضاء اللبناني يمكن إعادة فتح الحساب بالشروط القديمة التي اقدم على فتح الحساب فيها منذ اليوم الأول." 

زبيب يلفت إلى أن القرار يمكن استثماره أوروبيا لكون "احدى القوانين الأوروبية تعطي الحق للمحاكم هناك أن يأخذوا الاختصاص في النزاعات مع المصارف اللبنانية"، أما فيما يخص القضاء اللبنانية وإمكانية استثمار المودعين للقرار في لبنان يقول زبيب إن "القضاء في لبنان متقاعس وهناك قضاة يجب أن يخجلوا من انفسهم كيف أن القضاء البريطاني يحصل حقوق المودعين في لبنان، بينما لم يفعلوا هم"، مضيفا "لدينا قضاء مرتهن للسياسيين والمصارف بأغلبيته، هناك من يقبض وهناك من ينصاع للضغوطات السياسية، وهناك جزء شريف ترفع له القبعة، وللأسف بتنا نبحث عن قضاة شرفاء نحول إليهم القضايا لتهريبها من أيدي القضاة المعروفين بولائهم للمصارف." 

موقع "الحرة" تواصل مع فريق الدفاع الموكل من قبل المصرفين لمتابعة القضية في بريطانيا، إلا أن المحامي والوزير السابق كميل أبو سليمان، رفض التعليق على القرار أو تقديم أي تفاصيل حول مسار القضية وحول وجود نية بالاستئناف من عدمه لدى المصارف.  

كذلك حاول موقع "الحرة" التواصل مع إدارة المصرفين (عودة و SGBL) وجمعية المصارف ورئيسها سليم صفير، للحصول على تعليق حول الإجراءات المتبعة مع حملة الجنسية البريطانية، دون الحصول على أي إجابة أو رد.  
 

السياحة في لبنان

لم يكن قرار الإمارات رفع الحظر عن سفر مواطنيها إلى لبنان مجرد إجراء دبلوماسي عابر، بل اختبارا حقيقيا لقدرة بيروت على استعادة ثقة طال غيابها. 

ففي ظل الانهيار الاقتصادي والقلق الأمني، تحول هذا القرار إلى ورقة جديدة على طاولة السياحة اللبنانية، يراها البعض بداية لعودة الخليج إلى بيروت، ويرى آخرون أنها مغامرة غير مضمونة النتائج في بلد لم يحسم بعد معركته مع فوضى السلاح خارج الدولة.

وكانت الإمارات قد قررت في أكتوبر 2021 سحب دبلوماسييها من بيروت، ومنعت مواطنيها من السفر إلى لبنان، على خلفية تصريحات لوزير الإعلام اللبناني السابق، جورج قرداحي، بشأن الحرب في اليمن، تسببت بأزمة دبلوماسية مع عدد من دول الخليج.

ورغم بدء تدفق السياح الإماراتيين إلى لبنان منذ 7 مايو الجاري، يبدي كثيرون شكوكا حول إمكانية أن يؤدي القرار إلى تحريك عجلة القطاع السياحي اللبناني، الذي يعد من أكثر القطاعات تضررا بفعل الانهيار الاقتصادي والتوترات الأمنية.

رجل الأعمال الإماراتي البارز، خلف الحبتور، رحب بالخطوة، لكنه عبّر عن مخاوف في ما يتعلق بالوضع الأمني في لبنان.

"لبنان الحبيب يستقبل زوّاره من دول الخليج العربي ويستعد لصيف يأمل أن يكون مزدهراً. لكن كيف يمكن أن يطمئن الزائر وتخطط العائلات لعطلاتها هناك وسط مشاهد عدم الاستقرار المتكررة؟"، كتب الحبتور على أكس.

وأضاف: "غياب الحد الأدنى من الاستقرار الأمني يجعل من قرار السفر تحديا لا رغبة".

الهاجس الأمني

وصف نائب رئيس "نقابة أصحاب المطاعم والمقاهي والملاهي والباتيسري"، خالد نزهة، قرار رفع الحظر عن سفر الإماراتيين إلى لبنان بأنه "خطوة إيجابية وبالغة الأهمية"، وأعرب عن أمله بأن يتبعها تدفّق السياح السعوديين وباقي الزوار العرب الذين انقطعوا عن زيارة لبنان في السنوات القليلة الماضية.

وقال نزهة لموقع "الحرة" إن حضور الإماراتيين يمنح القطاع السياحي دفعة قوية، ويضفي ارتياحا عاما على الساحة الاقتصادية، لا سيما مع اقتراب موسم الصيف وعيد الأضحى، ودعا إلى تحويل السياحة إلى قطاع مستدام لا يقتصر على المواسم. 

ولفت نزهة إلى أن "السياح الخليجيين معروفون بإقامتهم الطويلة وإنفاقهم المرتفع وزيارتهم لبنان عدة مرات في السنة، ما يجعل حضورهم أكثر تأثيرا من السياح الأوروبيين، كما أن عودة الإماراتيين قد تفتح الباب أمام مزيد من الزوار من دول أخرى، بالنظر إلى ما تمثله الإمارات من معيار عالمي في السياحة والخدمات".

وذكّر نزهة بأن كثيرا من الإماراتيين يملكون عقارات ومنازل في لبنان، "ومن الطبيعي أن يعودوا إليها"، ولفت كذلك إلى أن الإمارات تحتضن أعدادا كبيرة من اللبنانيين".

ووضع الباحث في الشأن السياسي، نضال السبع، القرار الإماراتي، في سياق الدعم الخليجي للبنان، واعتبره "بادرة حسن نية" الحكومة اللبنانية الجديدة، وقال أن القرار الإماراتي نتيجة "مساعٍ ديبلوماسية وزيارات قام بها رئيس الجمهورية جوزاف عون إلى دول الخليج".

ورغم هذه المؤشرات الإيجابية، لفت السبع في حديث مع موقع "الحرة" إلى "استمرار القلق الدولي من الوضع الأمني،" وذكّر بتصريحات نائبة المبعوث الأميركي للشرق الأوسط، مورغان أورتاغوس، التي قالت خلال منتدى الدوحة الاقتصادي الأسبوع الماضي إنه لا يزال أمام لبنان الكثير ليفعله من أجل نزع سلاح حزب الله.

وفي السياق نفسه، اعتبر السبع أن مواقف رجل الأعمال الإماراتي خلف الحبتور، المعروف باستثماراته الكبرى في لبنان، تعكس "نبض القلق الخليجي، نظرا لعلاقاته الواسعة مع صناع القرار في الإمارات والخارج".

ورأى السبع أن "لبنان، رغم التهدئة المعلنة منذ 27 نوفمبر، ما زال في دائرة الخطر، في ظل استمرار الغارات الإسرائيلية على مواقع لحزب الله في جنوب وشمال نهر الليطاني، ما يعكس تركيزاً استخباراتياً ودولياً متصاعداً على هذا السلاح".

وأشار إلى أن الحزب "يسعى إلى مقايضة سلاحه بضمانات سياسية، لكنه بات في موقع حرج بعد إعلان الرئيس الفلسطيني محمود عباس عن بدء سحب السلاح الفلسطيني من المخيمات منتصف حزيران"، في خطوة اعتبرها السبع بمثابة "ضوء أخضر للدولة اللبنانية للتحرك بالتنسيق مع السلطة الفلسطينية، ما سيضع حزب الله في موقع الجهة الوحيدة التي لا تزال تحتفظ بسلاح خارج الدولة".

ويتسم ملف السلاح الفلسطيني في لبنان بتعقيدات كبيرة، وفقا للسبع، فسلاح المخيمات يختلف عن السلاح خارجها، وسلاح "فتح" الخاضع للسلطة الفلسطينية، في مقابل سلاح "حماس" و"الجهاد الإسلامي" و"عصبة الأنصار"، الذي يعد الأخطر، إلى جانب وجود نحو 3000 مطلوب داخل المخيمات.

ويرى السبع أن سلاح المخيمات يشكّل تحدياً أمنياً كبيراً للدولة اللبنانية، وحذر من أن أي اقتحام أمني قد يشعل مواجهات واسعة، ما يتطلب دقة وحذرا في المعالجة.

عوائق عدة

يشكّل القطاع السياحي، لا سيما المطاعم والملاهي والباتيسري وأماكن السهر والروف توب، رافعة حقيقية للاقتصاد اللبناني، الذي يعتبره نزهة "المحرّك الأساسي لعدد كبير من القطاعات الاقتصادية".

ويوفر القطاع السياحي  آلافا من فرص العمل للبنانيين، "كما أن لبنان لا يكتفي بجذب السياح، بل يصدّر علامات تجارية مطعمية ناجحة أثبتت حضورها في عواصم عربية وأوروبية، وصولاً إلى أميركا وكندا وأستراليا وأفريقيا، ما يعكس صورة مشرقة عن لبنان في عالم الضيافة".

ويرى الباحث في "المعهد اللبناني لدراسات السوق"، خالد أبو شقرا، أن قرار رفع الحظر عن سفر المواطنين الإماراتيين إلى لبنان هو بمثابة "الصدمة المعنوية الإيجابية"، وقد يفتح الطريق أمام خطوات مماثلة من دول خليجية أخرى، وعلى رأسها السعودية.

وفي حديث لموقع "الحرة"، أشار أبو شقرا إلى أن أهمية القرار لا تكمن فقط في رمزيته السياسية، بل في انعكاساته المحتملة على القطاع السياحي.

وأوضح أبو شقرا أن عودة السياح العرب بأعداد كبيرة تبقى رهناً بعدة عوامل، أبرزها:

ـ الوضع الأمني، في ظل استمرار القصف الإسرائيلي، ما يثير مخاوف مشروعة لدى الزوار
ـ ضعف البنية التحتية، حيث يعاني لبنان من نقص كبير في الخدمات الأساسية كالكهرباء والمياه والطرقات والإنترنت، وهي مقوّمات يطلبها أي سائح
ـ ارتفاع الكلفة السياحية، مقارنة بوجهات منافسة مثل شرم الشيخ وتركيا وقبرص، التي توفّر أسعاراً أقل وخدمات متقاربة
ـ احتكار النقل الجوي، نتيجة هيمنة شركة "طيران الشرق الأوسط" على السوق منذ أكثر من نصف قرن، وغياب الرحلات الاقتصادية أو "الشارتر".

ودعا أبو شقرا إلى فتح المجال أمام شركات طيران إضافية وتقديم تسهيلات لاستقدام وفود سياحية، بما يسهم في خفض الكلفة وتحفيز الإقبال على لبنان كوجهة سياحية رئيسية.

إجراءات مطلوبة

في تعليق رسمي على قرار الإمارات رفع الحظر عن سفر مواطنيها إلى لبنان، أكد رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام أن "لبنان عاد إلى العرب"، مشدداً على تطلّع البلاد إلى عودة السياح الخليجيين، واستعادة مكانتها كوجهة أولى في المنطقة.

تصريح سلام جاء خلال مؤتمر صحافي عقده في السراي الحكومي في بيروت، عقب اجتماعه مع سفراء دول مجلس التعاون الخليجي، حيث قال "ما يهمنا هو القيام بكل ما يسهل عودة إخواننا العرب إلى ربوع لبنان"، مشيراً إلى التزام الحكومة بالعمل على إزالة أي مخاوف أو محاذير لدى دول الخليج.

من جهتها، رحّبت وزيرة السياحة لورا الخازن لحود بالقرار، واعتبرته "تأكيداً على عودة الثقة بلبنان، وبداية جديدة لتطوير الروابط التاريخية التي تجمع البلدين". وأعربت لحود عن أملها في أن "تحذو باقي دول مجلس التعاون الخليجي حذو الإمارات، ليعود لبنان مقصداً رئيسياً لأشقائه العرب، ومركزاً للنشاط السياحي والثقافي في المنطقة".

كما أصدرت وزارة الخارجية والمغتربين اللبنانية بياناً رحّبت فيه بالقرار الإماراتي، معتبرة أنه "خطوة مهمة نحو إعادة الزخم للعلاقات الثنائية"، وأكدت تطلعها إلى تعزيز وتطوير العلاقات مع جميع الدول العربية، انطلاقاً من الروابط التاريخية والانتماء والمصير المشترك.


وفي قراءته للواقع السياحي اللبناني، لفت أبو شقرا إلى أن لبنان متأخر منذ سنوات طويلة في جذب السياح، مشيراً إلى تقرير دولي صدر عام 2019 أظهر أن حصة لبنان من إجمالي السياح الوافدين إلى منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لم تتجاوز 2%، رغم ما يمتلكه من مقومات طبيعية وتاريخية وثقافية، في مقابل نسب تصل إلى 20% في وجهات مثل الإمارات.

ودعا أبو شقرا المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، وتحديداً اللجنة السياحية فيه، إلى التحرك لمعالجة ملفات أساسية تؤثر مباشرة على القطاع، مثل أوضاع المواقع الترفيهية الكبرى كجعيتا، كازينو لبنان، والتلفريك، كما شدد على ضرورة إنشاء هيئات ناظمة مستقلة في قطاعات الطيران والاتصالات والكهرباء، ما من شأنه تعزيز التنافسية وتخفيض الكلفة على المستهلكين، بما في ذلك السياح.

وأكد أبو شقرا أن "تنشيط القطاع السياحي يبدأ بتأمين مناخ مستقر وآمن"، محذراً من أن "غياب هذا المناخ سيبقي أعداد الزوار محدودة"، ولفت إلى أن "معظم الزوار اليوم هم من المغتربين اللبنانيين، وليسوا سياحاً أجانب، ما يقلل من القيمة الاقتصادية المضافة التي يوفرها السائح التقليدي، الذي ينفق على الإقامة، النقل، والمرافق السياحية".

ودعا الوزارات اللبنانية المعنية إلى لعب دور أكثر فاعلية في الترويج للبنان خارجياً من خلال المشاركة في المعارض الدولية وتنظيم المؤتمرات، والاستفادة من الطاقات الشبابية القادرة على مخاطبة الأسواق الجديدة.

الخطأ الاستراتيجي الذي ارتكبته الدولة خلال السنوات الماضية تمثل بحسب أبو شقرا "في الاعتماد على المواسم السياحية التقليدية، مثل فصل الصيف أو موسم التزلج، من دون تطوير نموذج سياحي مستدام يمتد على مدار العام"، لذلك شدد على "أهمية التوجه نحو أسواق جديدة خارج الإطار العربي، مثل روسيا وأوروبا الشرقية، حيث تختلف أوقات العطل ونمط السفر، ما يساعد على تنويع الموسم السياحي".

وختم أبو شقرا بالتأكيد على أن "رفع الحظر عن زيارة لبنان من قبل الإمارات، هو خطوة أساسية، لكنها بحاجة إلى استكمال بإجراءات عملية لطمأنة السائح، سواء من حيث الأمان أو الكلفة أو جودة الخدمات. غياب هذه العناصر سيبقي السياحة في لبنان دون المستوى المطلوب، ويحول دون مساهمتها الفعلية في دعم الاقتصاد الوطني".