أثارت صورة سليماني في المعرض حفيظة العديد من اللبنانيين
أثارت صورة سليماني في المعرض حفيظة العديد من اللبنانيين

"بيروت حرة حرة.. إيران طلعي برا"، بهذه العبارة صرخ الشاب اللبناني شفيق بدر ضاربا بيده على لوحة كبيرة تحمل صورة القائد السابق لفيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني، قاسم سليماني، الذي قتل في غارة أميركية قرب مطار بغداد في يناير 2020.

الصورة علقتها إحدى دور النشر المقربة سياسيا من حزب الله وإيران في معرض بيروت الدولي للكتاب المقام في منطقة "البيال" على الواجهة البحرية لبيروت.

وكانت مواقع التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام المحلية في لبنان، قد شهدت على مدى اليومين الماضيين نقاشا حادا حول مدى طغيان دور النشر الإيرانية وتلك الدائرة في فلك حزب الله وما يسمى بـ "محور الممانعة"، على المشهد العام لمعرض بيروت الدولي للكتاب، ولاسيما بعد انتشار صور كبيرة لسليماني وخامنئي معروضة في عدد من أجنحة المعرض، حيث أطلق بعض النشطاء على المعرض وصف "معرض الاحتلال الإيراني" و"معرض طهران للكتاب".

وتوجه بدر ومعه الناشطتان مريم مجدولين لحام ونيللي قنديل، صباح الاثنين إلى المعرض للتعبير عن رأيهم اعتراضا على ما وصفوه بـ "الهيمنة الإيرانية"، وبعد جولة لهم في المعرض استفز شفيق لدى وصوله إلى أمام صورة قاسم سليماني، بحسب ما تروي كل من مريم ونيللي لموقع "الحرة"، حيث بدأ بترديد شعار "بيروت حرة.. إيران برا"، ضاربا على وجه سليماني في الصورة، "من دون أن يمزقها أو أن يحطمها كما قيل"، وفق ما تؤكدان.

وتتابع مريم "وما هي إلا لحظات حتى وصل عشرات الشبان يلبسون قبعات متشابهة وينهالون بالضرب والركل على شفيق من دون استيضاح أي أمر، وحاول أحدهم خنقه فيما شفيق يرفع يديه في الهواء صارخا "بيروت حرة حرة"، وبعد إبعاده عن مكان رفع صورة سليماني هجم أحد الأشخاص على شفيق وسدد له ضربات وهو يقول "تعا قلك كيف بتكون بيروت حرة"، جرى سحب شفيق إلى الخارج، حيث حضرت القوى الأمنية، واكتشف شفيق أن هاتفه قد سرق منه خلال الإشكال، لتصل من بعدها دورية لفرع المعلومات، حيث اخذوا إفادة شفيق بما جرى".

من ناحيتها تروي نيللي أنها تأثرت على مدى اليومين الماضيين بما شهدته مواقع التواصل من بلبلة كبيرة حول معرض بيروت وهيمنة الرموز والشخصيات الإيرانية عليه.

وأضافت"استفزني الأمر وقررت النزول إلى المعرض لمعاينة الأمر عن كثب مع رفاقي، بداية وصلنا واطلعنا على إصدارات دور نشر ذات طابع ديني، وكانت تجربة غنيّة اطلعنا فيها على كتب لأئمة وعلماء دين، وكان هناك جناح خاص بأوكرانيا ربطا بالحرب الجارية فيها، ونحن في لبنان ننتهج حيادا إيجابيا تجاه الأمر، وبالتالي لا مشكلة، ولكن حين وصلنا إلى الداخل كانت الصور مستفزة جدا، فتوقف شفيق امام صورة كبيرة لسليماني وحصل ما حصل."

وتضيف نيللي، "ما تظهره المقاطع المصورة، تكشف أن معظم المتواجدين في المعرض استفزهم شعار شفيق، وانهم من توجه أيديولوجي واحد، حاولت الدفاع عنه لحظة هجومهم، من دون فائدة، فرميت بنفسي فوقه لحمايته إلى أن وصل موظفو الأمن في المعرض وسحبوه خارجا، وبالفعل كانوا يشبهون كل شيء إلا الثقافة والمثقفين. حاليا شفيق في المستشفى "أوتيل ديو" حيث تعرض لكدمات في مختلف أنحاء جسده وإصابات بالغة في ضلوعه".

نيللي كانت شاهدة على الحادث

بدوره يروي بدر لموقع "الحرة"، بعد خروجه من المستشفى، كيف انهال عليه العشرات بالضرب المبرح وكيف تم تهديده وتخوينه، "تركز الضرب على رأسي وضلوعي، كانوا يصرخون اقتلوه وتخلصوا منه، وهذا عميل وهناك من أرسله إلى هنا، وفي الخارج طرحوني أرضا وبدأوا بتسديد الركلات على رأسي، وصدري كل ذلك لأنني عبرت عن رأيي الرافض لرفع صورة سليماني، الإرهابي الذي دمر الدول العربية، بدلوا صور جبران خليل جبران وشعراء لبنان وأدباءه بصور سليماني.

ويتابع "نحن أبناء بيروت سنقاوم ذلك بشتى الوسائل، قد تنالون من الجسد بالضرب، ولكن القضية مستمرة، كل اعتداءاتكم وضربكم وحملاتكم الإعلامية سنواجهها بتمسكنا بالحياة، وأنتم من يموت دفاعاً عن شعارات وهاتشاغات وحملات فارغة."

شفيق بدر تعرض للضرب في المعرض
شفيق اعترض على رفع صور قاسم سليماني في المعرض

وشهدت مواقع التواصل الاجتماعي موجة تضامن واسعة مع بدر حيث وجهت له التحية على ما فعله من قبل مؤيدي خطوته، فيما سجل آخرون اعتراضهم على خطوة بدر معتبرين أنها تمس بحد ذاتها حرية التعبير التي يناضل اللبنانيون للحفاظ عليها، فيما أحتفى أنصار حزب الله بالمقاطع المصورة لعملية الاعتداء على بدر، وأطلقوا هاشتاغات تمجد بالضرب الذي تعرض له، وتتوعد كل من يمس برموزهم وبشخص سليماني، كما نشروا صورا للمعتدين بوصفهم أبطالا.

خلفية التوتر

ولم يكن ما جرى الحادثة الأولى التي يشهدها معرض بيروت للكتاب، إذ شهدت قاعاته ليل السبت الماضي، توترا خلال إقامة فرقة "بيكار" الموسيقية لحفل من تنظيم معرض بيروت نفسه، إلا أن الحفل وصوت الأغاني أثاروا حفيظة عدد من دور النشر الذين عبروا عن انزعاجهم من الضجة المثارة، وطالبوا بوقف العرض الغنائي مهددين بالانسحاب من المعرض في حال عدم الاستجابة لمطلبهم من قبل الإدارة.

مريم التي كانت تقدم الحفل في حينها، تؤكد أنه مع بداية الحفل وصل أحد الأشخاص ويحمل جهاز لاسلكي، وحاول العبث بالتوصيلات الكهربائية، "إلا أننا منعناه لأن الحفل كان على وشك البدء، ولم نتعرف على هويته لاحقاً حتى أن إدارة المعرض لم تعرف من هو."

وبعد بدء الحفل تفاجأ المنظمون والحضور خلال الحفل بإشكال خارج مكان الحفل، تقول مريم "علا الصراخ خارج الحفل وبدأت بعض دور النشر المحسوبة على حزب الله وإيران تهدد بالانسحاب اعتراضاً على صوت الموسيقى والضجة، وقالوا إما نحن او الحفل، أجبناهم "إما دور النشر أو بيروت" وبدأنا بأغنية "يا بيروت للفنانة ماجدة الرومي، حيث تفاعل معها الجمهور بشكل كبير وعلا الصفيق والحماس نتيجة كل ما جرى والاحتقان الذي سيطر على المكان، وكان قد تبقى للفرقة تأدية أغنية واحدة إلا أن الإدارة قطعت الكهرباء عن المعرض كله وتوقف العرض.

وتتابع مريم "كان هذا الطغيان مستفزا لنا، ألا يكفي أن ٧٥ بالمئة من معرض بيروت للكتاب إيراني الهوية والهوى ويسوق لمحور الممانعة ورموزه وكتبه وافكاره، ثم يمنعوننا عن تأدية أغان وطنية؟ ثم يرفعون صورا لإرهابي وسط بيروت من دون أن يمنعهم أحد؟ ولا أعلم كيف توافق إدارة المعرض على رفع صور ومجسمات لشخص مصنف عالميا كإرهابي، وحوله خلاف كبير وانقسام حاد في لبنان، هل كانوا سيوافقون بهذه الأريحية على رفع صور لأبو بكر البغدادي او لتنظيم داعش؟"

غياب عربي وهيمنة إيرانية

التحرك لم يكن بوجه حرية التعبير والتنوع، بحسب مريم، "بل في وجه الهيمنة التي يمارسونها أينما حلوا، موسيقانا أيضا حرية تعبير لماذا يجبروننا على إيقافها ويسمحون ببث أناشيد التمجيد لقاسم سليماني؟ والتنوع الثقافي الذي يتحدثون عنه هم أنفسهم لا يراعونه، إذ لم يبق إلا صور خامنئي وسليماني من كل الثقافة التي يتحدثون عنها؟ كيف نرضى بنشر كتب أطفال تروج لثقافة القتال والتمثل بإرهابيين".

يذكر أن فعاليات الدورة الـ 63 لـ "معرض بيروت العربي والدولي للكتاب"، قد افتتح الخميس الماضي بتاريخ 3 مارس، تحت شعار "بيروت الصمود...بيروت لا تنكسر"، بدعوة من "النادي الثقافي العربي"، بعد انقطاع قسري دام 3 سنوات متتالية، وقد افتتحت هذه الدورة الاستثنائية بغير الموعد المحدد للمعرض في شهر ديسمبر.

ويشارك في المعرض 90 دار نشر لبنانية، و4 دور نشر من سوريا ومصر، مقابل 10 من إيران، في ظل غياب كبريات دور النشر المحلية والعربية التي لم تستجب لدعوة المنظمين نتيجة ارتباطات بمواعيد معارض كتب مختلفة حول العالم من بينها معرض مسقط.

وافتتح المعرض رئيس الحكومة اللبنانية، نجيب ميقاتي، الذي أكد أن "هذا المعرض محطة من بين محطات كثيرة في مسيرة تحصين الإنسان اللبناني والعربي ضد الأنماط الغريبة عن طبيعتنا وثقافتنا وتقاليدنا وإرثنا الذي به نعتز"، لافتا إلى أنه "ليس جديدا على بيروت أن تحتضن الكتاب العربي، فهي كانت ولا تزال عاصمة الثقافة العربية، وهي التي كانت منطلق الثورات الفكرية في العالم العربي".

إلا أن غياب الحضور العربي الوازن بالإضافة إلى غياب العديد من دور النشر اللبنانية بسبب تأثرها بالأزمة الاقتصادية، أدى إلى طغيان لافت لدور النشر الإيرانية واللبنانية المنسجمة معها سياسيا وايديولوجيا، وفي هذا الإطار تعبر مريم عن أن "غياب دور النشر المحلية والعربية عن المعرض بحد ذاته أمر مستفز، لم نعد نشعر هذا العام ان هناك ما يعنينا او يمثلنا او يهمنا في معرض الكتاب، وهناك سؤال يطرح للقيمين على المعرض، حتى ولو كان هناك ابعاد اقتصادية مرتبطة بالأزمة، هل يعقل ان في أي دولة في العالم ان يفتتح معرض كتاب خاص بمدينة وبلد وثقافته ثم ان تهيمن على ارجائه ثقافة أخرى من بلد آخر، كما يحصل الآن في بيروت؟"

مريم مجدولين شهدت تعرض شفيق للضرب

الانقسام السياسي يطغى على الثقافة

"الحديث عن أن غياب دور النشر العربية والمحلية أدى إلى هيمنة إيرانية هو كلام غير دقيق" يقول المسؤول الإعلامي في معرض بيروت الدولي للكتاب، أكرم حمدان، ويضيف "قد نتفق مع القائل أن التوقيت لم يكن مناسبا بالتزامن مع معارض عربية أخرى، لمشاركة عربية وازنة في معرض بيروت، لكونهم ملتزمين معنا على توقيت شهر ديسمبر، ولكن في الوقت نفسه منطقيا وموضوعيا لم يكن ذلك العامل الأساسي لعدم مشاركة دور النشر المحلية والعربية وإنما السبب الأكبر والأهم يتعلق بالوضع الاقتصادي والظرف المعيشي في البلاد، وهناك ما يتعلق بانتشار فايروس كورونا."

وحول تقريب موعد المعرض، يؤكد حمدان أن الغاية منه كان "المساهمة في نهوض بيروت والعودة بنبضها الثقافي إلى طبيعته وهذا الهدف الحقيقي منه في عودته إلى قلب بيروت الجامع، لذلك اخترنا له شعار "بيروت لا تنكسر"، ولا أعلم كيف ينسجم ذلك مع الاتهامات المساقة".

ويلفت إلى أن تقريب الموعد جاء بهدف تعويض غياب المعرض لمدة ثلاث سنوات بسبب جائحة كورونا وما شهده لبنان، "فقررنا أن نطلق المعرض في هذا الموعد لكي نعوض الغياب ونتجنب مدة ٣ سنوات من الانقطاع لتسجيل المعرض الثالث والستين على أن يعود في موعده ديسمبر ٢٠٢٢."

حمدان يشير إلى أن هناك مشكلة لوجستية بالغة التأثير تتعلق بحجم القاعة المرممة بعد انفجار بيروت، والتي تبلغ مساحتها 40 في المئة فقط من حجم المعرض، حيث يقام اليوم على مساحة 4000 متر مربع فيما المساحة السابقة كانت 10 آلاف متر مربع، و"بالتالي لم تكن المشاركة الواسعة متاحة أصلا".

ويسأل حمدان، "ما المقياس الذي يجعل عدم مشاركة دور النشر محددة بطغيان طابع ثقافي معين على المعرض؟ سمعنا الكلام عما يسمى "هيمنة إيرانية" على المعرض، ولكن لا افهم ما الغاية منه أو سبب التسويق لذلك، خاصة وان الواقع مختلف عن ذلك تماما".

حمدان يرى أن "الأمر مضخم، إن لم تدخل إلى قلب جناح دار النشر الذي علق صورة سليماني، لن ترى الصورة من خارجه، وبالتالي هي ليست صورة عملاقة او مجسم كبير لسليماني في المعرض كما يصور ويسوق للأمر، الموضوع اعطي أكبر من حجمه، وأخذ إلى الاستغلال السياسي في مكان مخصص للقراءة والثقافة والانفتاح."

ويوضح أن إدارة المعرض لا تتدخل بما يعرضه دار النشر داخل جناحه، إلا ما يخالف السياق الأخلاقي أو الأدبي، "في الجناح الأوكراني وضعوا يافطات تقول "أوكرانيا لن تخضع"، إن أتى غدا أحد المؤيدين لروسيا وهجم على الجناح الأوكراني ماذا نفعل؟ وما علاقتنا؟"

اما فيما يخص الاشكال الذي شهده المعرض ليل السبت يوضح حمدان أن "سوء تفاهم بسيط حصل ولم يحصل سوى في الدقائق الخمس الأخيرة من الحفل، حيث اعترضت بعض دور النشر على الصوت المرتفع والضجة الصادرة عن الحفل، وجرى تسويته في أرضه دون أبعاد"، نافيا أن يكون قد تم قطع الكهرباء عن الحفل.

اعتداء على الرأي الآخر؟

في المقابل يرى جمهور حزب الله أن ما فعله الشاب اليوم اعتداء على الرأي الآخر، واصفين الشبان بالإلغائيين الذين "لا يحتملون وجود الآخر معهم"، فيما اختار البعض وصفهم بـ "المتطرفين والداعشيين".

وفي هذا الإطار يرى الباحث والكاتب السياسي، غسان جواد، أن "معرض الكتاب هو معرض لبناني، ودار النشر التي استهدفت (دار المودة) هي دار نشر لبنانية، وليست إيرانية، ولديها منشورات دينية وثقافية، ومن بين منشوراتها ما يتعلق مباشرة بشخصية قاسم سليماني، وكتب تتناوله وتغلفها صورته، وفي كل المعارض قد تجد صورا لسياسيين أو منشورات حول شخصيات معينة قد لا تتفق معها أو لا تمثلك، هناك سفارات لدول عربية وعالمية تقيم اجنحتها الخاصة في معارض الكتب، وقد تجد شعارات وأفكار لا تناسب الجميع، ولكن في نهاية الأمر هذا هو معرض الكتاب".

ويضيف جواد أن ما جرى اليوم "من اعتداء على الصورة وما تبعه، هو في نهاية الأمر اعتداء معرض الكتاب والفكرة منه، وإيران ليست طرفا في المشهد، إنما هناك فريق في لبنان ومنهم هؤلاء الشباب، يحرضون ضد فكرة "الاحتلال الإيراني"، ويقنعون الناس بأن إيران تحتل لبنان، وأعتقد أن هناك من دفع بهذا الشاب ليقوم بما قام به اليوم واستدعى رد فعل من أصحاب دار النشر ورفاقهم."

ويتابع "لبنان اليوم لا يواجه أي هيمنة على حرية التعبير، وإنما ما فعله هذا الناشط بحد ذاته اعتداء على حرية التعبير وابداء الرأي في مناسبة ثقافية كبيرة كمعرض الكتاب، كما ان لبنان تنتشر في كل ارجائه صور زعماء سياسيين خارجيين من مختلف المشارب والأفكار، وأسماؤهم تطلق على الشوارع في البلاد، وبالتالي هذه الثقافة موجودة عموماً، فكيف بشخص تنظر إليه شريحة واسعة جدا من اللبنانيين كحليف ساعدهم على تحرير أرضهم؟ وليس مطلوبا الاتفاق معهم في آرائهم ولكن المطلب احترام وجودهم وتعبيرهم عنه وعن أفكارهم لاسيما في مكان ذو طابع ثقافي وحضاري كمعرض الكتاب."

من جهتها تشدد مريم على أنها ورفاقها "مستمرين في الاعتراض والتعبير عن رأيهم الرافض لرفع صور سليماني في بيروت، "وإن لم تنزع وتزال تلك الصورة سيبقى لدينا تحركات بشكل يومي، للتعبير عن ان قاسم سليماني مجرم حرب لا يمثلنا، ولا يشرفنا رفع صوره في بيروت وسنستمر في مواجهة الاحتلال الإيراني الذي يريد البعض اليوم تسويقه على أنه تنوع ثقافي".

في حين يختم جواد بالقول "لو كانت إيران فعلا تحتل لبنان كما يدعون، لما كان تجرأ هذا الشاب أو غيره على القيام بما فعلوه اليوم".

السياحة في لبنان

لم يكن قرار الإمارات رفع الحظر عن سفر مواطنيها إلى لبنان مجرد إجراء دبلوماسي عابر، بل اختبارا حقيقيا لقدرة بيروت على استعادة ثقة طال غيابها. 

ففي ظل الانهيار الاقتصادي والقلق الأمني، تحول هذا القرار إلى ورقة جديدة على طاولة السياحة اللبنانية، يراها البعض بداية لعودة الخليج إلى بيروت، ويرى آخرون أنها مغامرة غير مضمونة النتائج في بلد لم يحسم بعد معركته مع فوضى السلاح خارج الدولة.

وكانت الإمارات قد قررت في أكتوبر 2021 سحب دبلوماسييها من بيروت، ومنعت مواطنيها من السفر إلى لبنان، على خلفية تصريحات لوزير الإعلام اللبناني السابق، جورج قرداحي، بشأن الحرب في اليمن، تسببت بأزمة دبلوماسية مع عدد من دول الخليج.

ورغم بدء تدفق السياح الإماراتيين إلى لبنان منذ 7 مايو الجاري، يبدي كثيرون شكوكا حول إمكانية أن يؤدي القرار إلى تحريك عجلة القطاع السياحي اللبناني، الذي يعد من أكثر القطاعات تضررا بفعل الانهيار الاقتصادي والتوترات الأمنية.

رجل الأعمال الإماراتي البارز، خلف الحبتور، رحب بالخطوة، لكنه عبّر عن مخاوف في ما يتعلق بالوضع الأمني في لبنان.

"لبنان الحبيب يستقبل زوّاره من دول الخليج العربي ويستعد لصيف يأمل أن يكون مزدهراً. لكن كيف يمكن أن يطمئن الزائر وتخطط العائلات لعطلاتها هناك وسط مشاهد عدم الاستقرار المتكررة؟"، كتب الحبتور على أكس.

وأضاف: "غياب الحد الأدنى من الاستقرار الأمني يجعل من قرار السفر تحديا لا رغبة".

الهاجس الأمني

وصف نائب رئيس "نقابة أصحاب المطاعم والمقاهي والملاهي والباتيسري"، خالد نزهة، قرار رفع الحظر عن سفر الإماراتيين إلى لبنان بأنه "خطوة إيجابية وبالغة الأهمية"، وأعرب عن أمله بأن يتبعها تدفّق السياح السعوديين وباقي الزوار العرب الذين انقطعوا عن زيارة لبنان في السنوات القليلة الماضية.

وقال نزهة لموقع "الحرة" إن حضور الإماراتيين يمنح القطاع السياحي دفعة قوية، ويضفي ارتياحا عاما على الساحة الاقتصادية، لا سيما مع اقتراب موسم الصيف وعيد الأضحى، ودعا إلى تحويل السياحة إلى قطاع مستدام لا يقتصر على المواسم. 

ولفت نزهة إلى أن "السياح الخليجيين معروفون بإقامتهم الطويلة وإنفاقهم المرتفع وزيارتهم لبنان عدة مرات في السنة، ما يجعل حضورهم أكثر تأثيرا من السياح الأوروبيين، كما أن عودة الإماراتيين قد تفتح الباب أمام مزيد من الزوار من دول أخرى، بالنظر إلى ما تمثله الإمارات من معيار عالمي في السياحة والخدمات".

وذكّر نزهة بأن كثيرا من الإماراتيين يملكون عقارات ومنازل في لبنان، "ومن الطبيعي أن يعودوا إليها"، ولفت كذلك إلى أن الإمارات تحتضن أعدادا كبيرة من اللبنانيين".

ووضع الباحث في الشأن السياسي، نضال السبع، القرار الإماراتي، في سياق الدعم الخليجي للبنان، واعتبره "بادرة حسن نية" الحكومة اللبنانية الجديدة، وقال أن القرار الإماراتي نتيجة "مساعٍ ديبلوماسية وزيارات قام بها رئيس الجمهورية جوزاف عون إلى دول الخليج".

ورغم هذه المؤشرات الإيجابية، لفت السبع في حديث مع موقع "الحرة" إلى "استمرار القلق الدولي من الوضع الأمني،" وذكّر بتصريحات نائبة المبعوث الأميركي للشرق الأوسط، مورغان أورتاغوس، التي قالت خلال منتدى الدوحة الاقتصادي الأسبوع الماضي إنه لا يزال أمام لبنان الكثير ليفعله من أجل نزع سلاح حزب الله.

وفي السياق نفسه، اعتبر السبع أن مواقف رجل الأعمال الإماراتي خلف الحبتور، المعروف باستثماراته الكبرى في لبنان، تعكس "نبض القلق الخليجي، نظرا لعلاقاته الواسعة مع صناع القرار في الإمارات والخارج".

ورأى السبع أن "لبنان، رغم التهدئة المعلنة منذ 27 نوفمبر، ما زال في دائرة الخطر، في ظل استمرار الغارات الإسرائيلية على مواقع لحزب الله في جنوب وشمال نهر الليطاني، ما يعكس تركيزاً استخباراتياً ودولياً متصاعداً على هذا السلاح".

وأشار إلى أن الحزب "يسعى إلى مقايضة سلاحه بضمانات سياسية، لكنه بات في موقع حرج بعد إعلان الرئيس الفلسطيني محمود عباس عن بدء سحب السلاح الفلسطيني من المخيمات منتصف حزيران"، في خطوة اعتبرها السبع بمثابة "ضوء أخضر للدولة اللبنانية للتحرك بالتنسيق مع السلطة الفلسطينية، ما سيضع حزب الله في موقع الجهة الوحيدة التي لا تزال تحتفظ بسلاح خارج الدولة".

ويتسم ملف السلاح الفلسطيني في لبنان بتعقيدات كبيرة، وفقا للسبع، فسلاح المخيمات يختلف عن السلاح خارجها، وسلاح "فتح" الخاضع للسلطة الفلسطينية، في مقابل سلاح "حماس" و"الجهاد الإسلامي" و"عصبة الأنصار"، الذي يعد الأخطر، إلى جانب وجود نحو 3000 مطلوب داخل المخيمات.

ويرى السبع أن سلاح المخيمات يشكّل تحدياً أمنياً كبيراً للدولة اللبنانية، وحذر من أن أي اقتحام أمني قد يشعل مواجهات واسعة، ما يتطلب دقة وحذرا في المعالجة.

عوائق عدة

يشكّل القطاع السياحي، لا سيما المطاعم والملاهي والباتيسري وأماكن السهر والروف توب، رافعة حقيقية للاقتصاد اللبناني، الذي يعتبره نزهة "المحرّك الأساسي لعدد كبير من القطاعات الاقتصادية".

ويوفر القطاع السياحي  آلافا من فرص العمل للبنانيين، "كما أن لبنان لا يكتفي بجذب السياح، بل يصدّر علامات تجارية مطعمية ناجحة أثبتت حضورها في عواصم عربية وأوروبية، وصولاً إلى أميركا وكندا وأستراليا وأفريقيا، ما يعكس صورة مشرقة عن لبنان في عالم الضيافة".

ويرى الباحث في "المعهد اللبناني لدراسات السوق"، خالد أبو شقرا، أن قرار رفع الحظر عن سفر المواطنين الإماراتيين إلى لبنان هو بمثابة "الصدمة المعنوية الإيجابية"، وقد يفتح الطريق أمام خطوات مماثلة من دول خليجية أخرى، وعلى رأسها السعودية.

وفي حديث لموقع "الحرة"، أشار أبو شقرا إلى أن أهمية القرار لا تكمن فقط في رمزيته السياسية، بل في انعكاساته المحتملة على القطاع السياحي.

وأوضح أبو شقرا أن عودة السياح العرب بأعداد كبيرة تبقى رهناً بعدة عوامل، أبرزها:

ـ الوضع الأمني، في ظل استمرار القصف الإسرائيلي، ما يثير مخاوف مشروعة لدى الزوار
ـ ضعف البنية التحتية، حيث يعاني لبنان من نقص كبير في الخدمات الأساسية كالكهرباء والمياه والطرقات والإنترنت، وهي مقوّمات يطلبها أي سائح
ـ ارتفاع الكلفة السياحية، مقارنة بوجهات منافسة مثل شرم الشيخ وتركيا وقبرص، التي توفّر أسعاراً أقل وخدمات متقاربة
ـ احتكار النقل الجوي، نتيجة هيمنة شركة "طيران الشرق الأوسط" على السوق منذ أكثر من نصف قرن، وغياب الرحلات الاقتصادية أو "الشارتر".

ودعا أبو شقرا إلى فتح المجال أمام شركات طيران إضافية وتقديم تسهيلات لاستقدام وفود سياحية، بما يسهم في خفض الكلفة وتحفيز الإقبال على لبنان كوجهة سياحية رئيسية.

إجراءات مطلوبة

في تعليق رسمي على قرار الإمارات رفع الحظر عن سفر مواطنيها إلى لبنان، أكد رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام أن "لبنان عاد إلى العرب"، مشدداً على تطلّع البلاد إلى عودة السياح الخليجيين، واستعادة مكانتها كوجهة أولى في المنطقة.

تصريح سلام جاء خلال مؤتمر صحافي عقده في السراي الحكومي في بيروت، عقب اجتماعه مع سفراء دول مجلس التعاون الخليجي، حيث قال "ما يهمنا هو القيام بكل ما يسهل عودة إخواننا العرب إلى ربوع لبنان"، مشيراً إلى التزام الحكومة بالعمل على إزالة أي مخاوف أو محاذير لدى دول الخليج.

من جهتها، رحّبت وزيرة السياحة لورا الخازن لحود بالقرار، واعتبرته "تأكيداً على عودة الثقة بلبنان، وبداية جديدة لتطوير الروابط التاريخية التي تجمع البلدين". وأعربت لحود عن أملها في أن "تحذو باقي دول مجلس التعاون الخليجي حذو الإمارات، ليعود لبنان مقصداً رئيسياً لأشقائه العرب، ومركزاً للنشاط السياحي والثقافي في المنطقة".

كما أصدرت وزارة الخارجية والمغتربين اللبنانية بياناً رحّبت فيه بالقرار الإماراتي، معتبرة أنه "خطوة مهمة نحو إعادة الزخم للعلاقات الثنائية"، وأكدت تطلعها إلى تعزيز وتطوير العلاقات مع جميع الدول العربية، انطلاقاً من الروابط التاريخية والانتماء والمصير المشترك.


وفي قراءته للواقع السياحي اللبناني، لفت أبو شقرا إلى أن لبنان متأخر منذ سنوات طويلة في جذب السياح، مشيراً إلى تقرير دولي صدر عام 2019 أظهر أن حصة لبنان من إجمالي السياح الوافدين إلى منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لم تتجاوز 2%، رغم ما يمتلكه من مقومات طبيعية وتاريخية وثقافية، في مقابل نسب تصل إلى 20% في وجهات مثل الإمارات.

ودعا أبو شقرا المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، وتحديداً اللجنة السياحية فيه، إلى التحرك لمعالجة ملفات أساسية تؤثر مباشرة على القطاع، مثل أوضاع المواقع الترفيهية الكبرى كجعيتا، كازينو لبنان، والتلفريك، كما شدد على ضرورة إنشاء هيئات ناظمة مستقلة في قطاعات الطيران والاتصالات والكهرباء، ما من شأنه تعزيز التنافسية وتخفيض الكلفة على المستهلكين، بما في ذلك السياح.

وأكد أبو شقرا أن "تنشيط القطاع السياحي يبدأ بتأمين مناخ مستقر وآمن"، محذراً من أن "غياب هذا المناخ سيبقي أعداد الزوار محدودة"، ولفت إلى أن "معظم الزوار اليوم هم من المغتربين اللبنانيين، وليسوا سياحاً أجانب، ما يقلل من القيمة الاقتصادية المضافة التي يوفرها السائح التقليدي، الذي ينفق على الإقامة، النقل، والمرافق السياحية".

ودعا الوزارات اللبنانية المعنية إلى لعب دور أكثر فاعلية في الترويج للبنان خارجياً من خلال المشاركة في المعارض الدولية وتنظيم المؤتمرات، والاستفادة من الطاقات الشبابية القادرة على مخاطبة الأسواق الجديدة.

الخطأ الاستراتيجي الذي ارتكبته الدولة خلال السنوات الماضية تمثل بحسب أبو شقرا "في الاعتماد على المواسم السياحية التقليدية، مثل فصل الصيف أو موسم التزلج، من دون تطوير نموذج سياحي مستدام يمتد على مدار العام"، لذلك شدد على "أهمية التوجه نحو أسواق جديدة خارج الإطار العربي، مثل روسيا وأوروبا الشرقية، حيث تختلف أوقات العطل ونمط السفر، ما يساعد على تنويع الموسم السياحي".

وختم أبو شقرا بالتأكيد على أن "رفع الحظر عن زيارة لبنان من قبل الإمارات، هو خطوة أساسية، لكنها بحاجة إلى استكمال بإجراءات عملية لطمأنة السائح، سواء من حيث الأمان أو الكلفة أو جودة الخدمات. غياب هذه العناصر سيبقي السياحة في لبنان دون المستوى المطلوب، ويحول دون مساهمتها الفعلية في دعم الاقتصاد الوطني".