الانتخابات النيابية تتصدراهتمامات اللبنانيين ومتابعتهم
الانتخابات النيابية تتصدراهتمامات اللبنانيين ومتابعتهم

يخيم طيف الانتخابات النيابية على الأجواء اللبنانية، سياسيا واجتماعيا واقتصاديا، رغم فاصل شهر ونصف عن موعدها في الخامس عشر من مايو المقبل. بيد إن المعركة على الأرض انطلقت بالفعل، في الإعلام والحملات الترويجية، وفي الطرقات التي اكتست ألوانا وصورا وشعارات إعلانية.  

لا صوت يعلو على صوت الماكينات الانتخابية في لبنان، حتى أن ضجيجها، بحسب رأي مراقبين، غطى على صراخ المواطنين الرازحين تحت وطأة أشد أزمة اقتصادية ومعيشية في تاريخ البلاد والعالم، إذ بات اللبنانيون ثاني أكثر الشعوب تعاسة على وجه الأرض، بحسب الأمم المتحدة، فيما يواجه نحو 80% منهم فقرا متعدد الأوجه، مع نسب بطالة تقارب الـ 40%.   

ورغم ذلك، أو ربما بسببه، تتصدر الانتخابات النيابية اهتمامات اللبنانيين، لاسيما وأن نسبة كبيرة منهم تعقد على صناديق الاقتراع  آمالا بتغيير الواقع الذي يعيشونه، سياسيا ومعيشيا، خاصة وأن الانتخابات النيابية القادمة هي الأولى بعد "ثورة 17 أكتوبر"، والاحتجاجات الشعبية التي تلتها، وبعد انفجار مرفأ بيروت، الذي زاد من النقمة الشعبية على الطبقة السياسية الحاكمة وأحزابها، فضلا عن الانهيار المالي الذي تسببت به منظومة متهمة بالفشل في إدارة مؤسسات الدولة ومرافقها وسياساتها المالية.   

الحاضر الغائب  

يؤكد المدير التنفيذي لـ "الجمعية اللبنانية من أجل ديمقراطية الانتخابات" في لبنان (لادي)، علي سليم، أن الجمعية لم توثق وجود برامج انتخابية حقيقية، معروضة على الساحة الانتخابية، "بل كانت أغلب البرامج عبارة عن شعارات وعناوين فضفاضة" وفق ما يقول لموقع "الحرة".   

هذا الواقع من شأنه أن يهدد آمال التغيير المعقودة على الانتخابات، لاسيما وأن البرنامج يمثل عقد الاتفاق ما بين المرشح أو اللائحة والناخب، ويتضمن البنود التي يعرضها المرشح ويوافق عليها الناخب من خلال الاقتراع له، وعبره يتاح للناخب محاسبة المرشح على مدى التزامه ببرنامجه المطروح. وبالتالي من شأن غياب هذا العنصر أن يعرقل مبدأ المحاسبة من أصله، ويفرغ الوعود المعلنة من جديتها.   

وفي هذا السياق، يرى الكاتب والصحفي المتخصص في الشأن الانتخابي، مجد بو مجاهد، أنه "لا يمكن التعبير عن جديّة تاريخية تكتسبها البرامج الانتخابية على صعيد الاستحقاق النيابي في لبنان"، مضيفا في حديثه لموقع "الحرة" أن ذلك "قد يفسر أسباب الأزمات المتراكمة في لبنان، وغياب القدرة على تنفيذ الإصلاحات، طالما أن العملية الانتخابية غير سليمة".  

بو مجاهد يؤكد أنه لا يمكن التعبير واقعيا عن إجراء عملية انتخابية سليمة كما في بلاد العالم المتقدّم والحرّ، طالما أن البرامج الانتخابية لا تشكل أساسا في بناء أرضية الاستحقاق الانتخابي، باعتبار أن شرائح واسعة من الناخبين لا تبني خياراتها على أسس علمية، "لذلك فإن الحل الأساسي لبنانيا لا بدّ أن يترجم من خلال الوصول إلى علاقة تفاعلية بين الأسس التي يختار الناخب عليها  أسماء ممثليه، والبرامج الانتخابية الواضحة".

ينتشر على مواقع التواصل الاجتماعي في لبنان مقطع مصور من مؤتمر صحفي تخلله إعلان رئيس حزب القوات اللبنانية، سمير جعجع، عن مرشحي القوات، وبرنامجهم الانتخابي للمرحلة المقبلة. توجه صحفية أجنبية سؤالها لجعجع باللغة الإنجليزية، متوقفة عند بند في برنامج القوات السياسي يعد بـ "استعادة أموال المسروقة من اللبنانيين"، فتستوضح من جعجع "كيف ستقومون بذلك؟"، ثم تقفز إلى أحد أبرز شعارات القوات "استعادة الدولة من خاطفيها"، وتسأل جعجع "كيف ستواجههم؟" يستأذن جعجع باستخدام اللغة العربية في الإجابة التالية: "بالتأكيد أننا نواجه وضعية معقدة جدا، من عدة نواح، ولكن في الوقت المطلوب سنجد لكل عقدة الحل المناسب لها".   

الطائفية أولاً  

يعزو بو مجاهد غياب البرامج الانتخابية إلى ارتباط الانتخابات في لبنان بأبعاد مناطقية أو حزبية، بحيث درجت العادة أن تتحوّل فئات واسعة من الناخبين، إلى أرقام أو أحجام تعود بالولاء إلى بيوتات سياسية على امتداد المناطق، وأن تقارب الاستحقاق الانتخابي من معيار قائم على التكافل الجماعي وغياب الفردية في اتخاذ القرار، "على طريقة أن يتّجه الفرد إلى الالتحاق بقرار الجماعة لإثبات حضوره فيها".   

وفي بلاد تحتدم فيها الانقسامات الطائفية، وتقوم في أصل نظامها على مبدأ التوافق والتوازن والمحاصصة بين الطوائف، فإن الطابع الانتخابي يلحق حكما بالتركيبة القائمة من نواح عدة، تبدأ من القانون الانتخابي نفسه، ولا تنتهي عند حد إصدار فتاوى وتكليفات شرعية دينية بالاقتراع لجهة دون سواها، حيث لا تتوانى المؤسسات الدينية نفسها عن الانخراط في التعبئة الانتخابية.   

ويعتبر حزب الله طليعيا في هذه الظاهرة، إذ يجول رجال الدين المحسوبين على الحزب بين المناطق والأحياء المحسوبة عليه، ليطلقوا فتاوى وتوجيهات شرعية تضع التصويت للوائح الحزب بمثابة "فريضة عبادية توازي الصلاة في المساجد"، كما عبر رئيس المجلس السياسي لحزب الله، إبراهيم أمين السيد، في كلمة أثارت جدلا كبيرا. فضلا عما بات يعرف بـ "التكليف الشرعي" الذي يصدره حزب الله لعناصره وجمهوره بالاقتراع للوائحه مع كل استحقاق انتخابي.   

ولم تقف الأمور عند هذا الحد، إذ  أطلقت الماكينة الإعلامية لحزب الله حملة على مواقع التواصل الاجتماعي، تحت عنوان "صوتي نيابة عن الشهيد" استخدمت فيها صور الأموات من صفوفه، في استعطاف واستهداف واضح لأهلهم وعائلاتهم وأقاربهم، وتحفيزهم على "التصويت نيابة عنهم" و "باسمهم".   

وبحسب بو مجاهد "تعتمد فئات واسعة من الأحزاب على أسلوب شدّ العصب الشعبي على صعد طائفية أو سياسية بدلا من تبني برامج انتخابية جدية، ما يجعل السياسة مرتبطة لبنانيا بالمذاهب والطوائف لا بالبرامج العلمية، حيث يشكّل الزعماء امتداداً مذهبياً وترتبط معايير القيادة بأبعاد طائفية.   

وتترجِم المقاعد النيابية والعملية الانتخابية هذه الصورة، من خلال ربط الصوت الانتخابي كما المقعد النيابي بهوية مذهبية. "ومن هنا، تتحوّل الخطابات التصعيدية المبنيّة على استعادة محطات خلافية بين الأحزاب المتنافسة مادّة دسمة لحضّ الناخبين على الاقتراع"، وفق ما يشير بو مجاهد.   

من ناحيته يربط سليم بين غياب البرامج الانتخابية والنظام الانتخابي المعتمد في لبنان الذي يصفه بـ "النسبي المشوّه"، إذ يعتمد دوائر انتخابية صغيرة جداً تمنع خروج خطاب جامع مبني على برامج سياسية، وتدفع باتجاه التركيز على التحالفات والحسابات الانتخابية.  

وبحسب سليم، أغلب تلك الدوائر ، من لون طائفي ومذهبي واحد ومقاعد مقسمة طائفياً غالباً ما تتناسب وطوائف الناخبين، وهو ما يؤدي إلى تغييب البرامج والخطابات الوطنية لصالح الخطاب الطائفي والبرنامج الطائفي بمصالحه الضيقة، والتحالفات الانتخابية بدلاً من التحالفات السياسية، وبالتالي لا تقوم التحالفات على رؤى متقدمة للسنوات الأربع المقبلة أو خطة عمل معينة، "وهذا ما يقلل من وجود البرامج والاعتماد عليها، ويجعل الخطاب موجها لفئات من لون واحد. وهو ما بات واضحا وموثقاً لدى جمعية "لادي".   

ويضيف أن المشكلة الثانية في لبنان، تتمثل في الخطابات الطائفية التي "تستعر خلال المرحلة الانتخابية، ويرتفع الخطاب التخويني والتحريضي، بحيث يصبح أغلب الناخبين مسيرين ومحركين بالخطاب المذهبي والطائفي الذي يسمعونه في ظل غياب البرامج، وهذا ما أعلنا عنه في أكثر من مناسبة ووثقناه في تقاريرنا".   

القانون الانتخابي: أصل المشكلة  

يلفت الباحث في علم النظم والقوانين الانتخابية عاصم شيّا، إلى أن القوانين الانتخابية في طبيعة صياغتها، إما أن تكون مساعدة على إطلاق برامج انتخابية، فتجعلها جزءا من المنافسة، أو لا تفعل، مؤكدا أن "لبنان لم يصغ في تاريخه أي قانون انتخابي يلزم المرشحين أو الكتل الأحزاب بإعداد برامج انتخابية"، معتبرا أن هناك سوء فهم لدى فئة كبيرة من المتحدثين في علم النظم الانتخابية، فقد "كانوا يعتقدون أن قانون الانتخاب النسبي هو ما سيدفع باتجاه إعداد برامج انتخابية، وهذا الأمر غير دقيق، فما يدفع إلى البرامج الانتخابية هو اعتماد اللوائح الانتخابية المغلقة في النظام الانتخابي، أكثريا كان أم نسبيا".  

ويرى شيّا في حديثه لموقع "الحرة"، أن هذه هي الإشكالية الرئيسية في لبنان، والتي لا يتم الإضاءة عليها، "فحتى النظام الأكثري الذي يعتمد لوائح حزبية مغلقة يخلق منافسة على أساس البرامج السياسية، وليس بالضرورة أن يكون نسبيا"، مذكرا بوجود ثلاثة أنواع من اللوائح الانتخابية بحسب القوانين، منها ما يكون مفتوحا ويعتمد على الأصوات التفضيلية، كما هو الحال في لبنان، وهناك اللائحة المغلقة حيث لا يستطيع الناخب أن يختار أشخاصا داخلها، بل هو ملزم بالاقتراع للائحة كاملة من اللوائح المرشحة، "عندئذ يكون الناخب مضطرا للتصويت على أساس البرنامج والتوجه للائحة وخطابها المقدم وليس على أساس الوجوه المرشحة فيها، ولا لاعتبارات شخصية".   

وهناك اللائحة الحرة التي تسمح باختيار المرشحين لكل فرد من كل اللوائح، أي أن الناخب يشكل اللائحة التي تناسبه من بين كل المرشحين واللوائح، وهذا ما كان قائما في لبنان في ظل ما يسمى بقانون الـ 60.  

وكلما كانت اللائحة مفتوحة كلما كان الالتزام بالبرنامج الانتخابي أضعف، بحسب شيّا، لذلك تُعتمد اللوائح المغلقة عادة في الدول التي تعتمد نظاما سياسيا حزبيا، حيث تتنافس الأحزاب بلوائح مغلقة ولا يهم من الشخص الذي فاز لطالما أنه يحمل برنامج وخطاب الحزب".   

ويعتمد لبنان قانونا نسبيا يقوم على لوائح مفتوحة في دوائر صغرى مع إمكانية اختيار مرشح واحد للصوت التفضيلي ضمن اللائحة المختارة، هذا القانون بحسب الباحث في علم النظم الانتخابية، يسمح للأحزاب أن تتحالف ضمن اللائحة الواحدة، "ولو كانت اللوائح مغلقة، لما كانت الأحزاب قادرة على التحالف في لائحة واحدة، لصعوبة الاتفاق فيما بينها على الأسماء الأولى التي يمكن أن تفوز بالحواصل، وبالتالي هم أعدوا هذا القانون الانتخابي بهذا الشكل لكي يتمكنوا من التحالف بين بعضهم البعض للحصول على أكبر عدد حواصل انتخابية ممكنة".   

عن سابق إصرار وتصميم  

 وفيما يبرز توجه يحمل الناخب اللبناني مسؤولية شخصية عن عدم اعتماده على البرامج كمعيار أساسي في عملية انتقاء مرشحيه، يرى شيّا أن الناخب اللبناني، وخلال الـ15 عاما الماضية، كان يبحث عن جهات تقدم له برامج يقترع على أساسها، "ولكن الطبقة السياسية هذه، في تعديلاتها للقوانين الانتخابية وإقرارها لقوانين جديدة، كانت أذكى من أن تسمح للناس بفهم هذه الآليات الانتخابية بتفاصيلها، حيث انتقلت من النظام الأكثري إلى النسبي ولكن بلوائح مفتوحة، لتجنب نفسها الالتزام ببرامج انتخابية تمكن الناخب من محاسبتهم على أساسها بعد ٤ سنوات".  

وأكثر من ذلك، يضيف شيا، "اعتمدوا الدائرة الصغرى بصوت تفضيلي وقسموا الدوائر إلى أقضية لا تمكن الناس من الإقتراع ضمن نفس الدائرة لمرشح خارج القضاء، بهدف قطع الطريق أمام معارضي هذه الطبقة السياسية، ومنعهم من التكتل في وجهها لتحصيل الأصوات، والدليل على ذلك يظهر في تحالف الأخصام ضمن لوائح واحدة في المناطق".   

ويمثل التيار الوطني الحر نموذجا في هذه الحالة، حيث لم يستثن، في تحالفاته الانتخابية في الدورة الماضية، أي فريق سياسي موجود على الساحة اللبنانية، من القوات اللبنانية إلى حزب الله وتيار المستقبل والحزب الاشتراكي والقومي، وحتى غريمه اللدود، حركة أمل. اجتمع معها جميعا بتحالفات انتخابية مناطقية، من المرجح أن تتكرر اليوم في بعض الدوائر كصيدا- جزين، على الرغم من أن الدعاية الانتخابية تقوم بمجملها على مواجهة تلك الأحزاب وتحميلها مسؤولية الفساد والانهيار المالي في البلاد.   

كذلك الأمر بالنسبة إلى حزب الله، الذي بنى خطابه السياسي والاجتماعي، طيلة أعوام الأزمة، على التصويب ضد المصارف والتحريض عليها سياسيا وفي الشارع، وتحميلها مسؤولية كبرى في الانهيار الاقتصادي، لكن ذلك لم يثنه عن ترشيح مروان خير الدين، وهو صاحب أحد المصارف اللبنانية، على لائحته في دائرة الجنوب الثالثة، التي توصف بكونها قلعته الانتخابية المحصنة، وذلك بالتوافق بينه وبين حركة أمل والثنائي الدرزي (الحزب الاشتراكي والحزب الديمقراطي)، وهو ما أثار بلبلة كبيرة في أوساط جمهور حزب الله وحركة أمل.   

وبالنسبة إلى شيّا، حتى ولو طرحت الأحزاب برنامجاً انتخابياً، فهي قادرة على "التملص من الالتزامات، عبر رمي المسؤوليات على الحلفاء في اللوائح، بعدم تحقيق الطروحات المقدمة في البرامج، وهذا هو الهدف من تعدد الأحزاب والتحالفات في اللوائح".   

ويمثل قانون العفو العام، نموذجاً صالحاً لتوضيح الأمر، فكل من حزب الله وتيار المستقبل، تبنى العمل على إصدار قانون عفو عام، استخدمه حزب الله في منطقة البقاع التي واجه فيها تململاً كبيراً في بيئته عام 2018، وصلت إلى حد تهديد مصالح الحزب الانتخابية في أبرز معاقله الشعبية، فيما استخدمه تيار المستقبل لشد عصب جمهوره الإسلامي، بعدما تعهد بقانون عفو يشمل الموقوفين الإسلاميين. إلا أن القانون لم يقر، بسبب معارضة كبيرة من الأحزاب المسيحية أعطى القضية بعداً فئوياً وأفقده ميثاقية وحظوظ الإقرار.   

هذه الأحزاب نفسها، كانت تتحالف مع حزب الله وتيار المستقبل في الانتخابات النيابية الماضية، وشاركتهم اللوائح في البقاع والشمال، وفي نهاية الأمر، تملصت الأحزاب من هذا الالتزام، ملقية اللوم على الخصوم – الحلفاء. وفيما انسحب تيار المستقبل من الانتخابات النيابية لهذه الدورة، لم يتوان حزب الله عن إعادة طرح هذا العنوان، العفو العام، ضمن نقاط برنامجه الانتخابي الحالي، مستهدفا فيه الشريحة الاجتماعية والمناطق نفسها.  

العبرة بالتنفيذ  

لا يلغي ذلك أن بعض الأحزاب والمجموعات، كانت تقدّم وطرحت أوراقاً وبرامج رأت أنها تشكّل منطلقات إصلاحية على الصعد الاقتصادية والاجتماعية في مراحل سابقة غير مرتبطة بالضرورة بالاستحقاق الانتخابي، وفق ما يلفت بو مجاهد، "لكنها لم تسلط طريقاً تنفيذياً، حالها حال عشرات مشاريع القوانين التي أقرت في مجلس النواب، وبقيت شكلية، فلم تنفذ على أرض الواقع".   

ويبرز في هذا السياق على سبيل المثال، قانون تشريع زراعة الحشيشة، الذي بنت عليه أحزاب كحركة أمل والحزب التقدمي الاشتراكي حملات انتخابية عام ٢٠١٨، ورغم إقراره في مجلس النواب عام ٢٠٢٠، لا يزال حتى اليوم فاقداً للأطر القانونية والتشريعات اللازمة لوضعه في المسار التنفيذي والبدء بتطبيقه، حتى أن رئيس حركة أمل نبيه بري عاد وطرح الملف نفسه في إعلانه عن "العناوين" الانتخابية الجديد لحركة أمل لهذه الدورة.   

وبالتالي العبرة ليست في تقديم برامج بقدر ما تبقى دائما في التنفيذ والقدرة على تطبيق هذه البرامج في ظل الاصطدام بمعوقات جمّة، منها بحسب بو مجاهد "تفاقم استشراء مظاهر الفساد من جهة، والواقع غير الطبيعي الذي يعانيه لبنان مع عدم بسط الدولة سلطتها وسيادتها على أراضيها في ظلّ الظروف المرتبطة بتوسع نفوذ "حزب الله" من جهة ثانية".  

وتبني أحزاب ولوائح كامل معركتها الانتخابية على مبدأ "مواجهة حزب الله ومنعه من تمكين النفوذ الإيراني في البلاد"، التي باتت تخرج فيها أصوات كثيرة تتحدث عن "احتلال إيراني"، وهيمنة ثقافية اجتماعية وسياسية على قرارات البلاد وهويتها، وعلاقاتها الخارجية بسبب سلوك حزب الله.   

ومع أن ذلك يكاد يمثل البرنامج الانتخابي الوحيد لدى البعض، فإن أياً من تلك الجهات لم تعرض لناخبيها المسار والخطة، أو الرؤية الممكنة لحل الأزمة التي تعانيها البلاد، التي يرى كثيرون أنها متمثلة بسلاح حزب الله وتأثيره على التوازنات الداخلية بين المكونات اللبنانية، وإنما تقتصر عناوين المواجهة على المعركة الانتخابية نفسها.   

أكثر من مجرد برنامج  

قدّمت أحزاب ومجموعات عدّة ناشئة بعد انتفاضة 17 أكتوبر، برامج أو رؤية خاصة بها للتوصل إلى حلول إصلاحية بما في ذلك على الصعد المصرفية والمالية والنقدية، بحسب ما رصد الصحفي بو مجاهد، لكن مشكلة هذه المجموعات المحسوبة على الخط التغييري في البلاد، أكبر من مجرد إعداد برامج وخطط، حيث تواجه تحديات قد تحرمها فرصة الوصول أصلا إلى سدة التمثيل.  

ويضيف بو مجاهد "هذه المجموعات لا تبدو موحدة حتى الساعة، تنطلق مشتتة نحو خوض الانتخابات لجهة تشكيل اللوائح، ومن منطلقات لا تتعلق بالبرامج والرؤى، بل بالأسماء المرشحة والتنسيق فيما بينها لخوض المعركة الانتخابية، في ظل كثافة غير مسبوقة في الأعداد المرشحة لخوض الانتخابات. وهذا يتحكم بالصورة الانتخابية على صعيد دوائر عدة، في غياب التوصل الى مقاربة واحدة مشتركة".  

وبينما يرى البعض في ذلك مشكلة، قد تبدو للبعض الآخر تلك الانقسامات واقعية إلى حد بعيد، لاسيما وأن الجبهة التغييرية في لبنان لا تحمل أيديولوجيا معينة أو توجه موحد، وإنما هي عبارة عن جبهة ممتدة على مساحة البلاد، ولكن من مختلف المشارب والانتماءات الفكرية، لا يجمعها إلا رفضها لأداء السلطة السياسية وسعيها لتغييرها بعد الحال التي وصلت إليها البلاد.   

ما هو البرنامج   

وبالنظر إلى معظم البرامج الانتخابية المطروحة على الساحة اليوم، يبدو أن هناك سوء فهم عام للبرنامج الانتخابي لدى كل من المرشحين والناخبين على حد سواء، وفق شيّا الذي يرى أن هناك التباسا بين البرنامج السياسي للحزب والبرنامج الانتخابي، و"المشكلة أن كل شخص يعرف البرنامج الانتخابي بطريقة معينة تناسب وجهة نظره".  

ويفترض للبرنامج الانتخابي أن ينبثق من مبادئ الجهة التي تقدمه أكانت حزباً أم فرداً، ومن توجهاته السياسية والأيديولوجية، حيث يحاول من خلال العمل البرلماني تحقيق أهداف توافق تلك التوجهات، من خلال إعداد قوانين ومناصرتها وصولاً إلى إقرارها، وطرح مشاريع تنموية وتحقيق أهداف سياسية واضحة المعالم والسبيل إليها.  

 ويشرح شيّا أن البرنامج الانتخابي تقنياً يجب أن يتضمن ثلاثة أمور، "أولها الشق التشريعي لأن بداية الإصلاح تبدأ بتشريع القوانين التي تعالج مشاكل الناس، وبالتالي على البرامج أن تلتزم بتشريع قوانين معينة تهم الناخب وتمثل مصلحته. فيما الشق الثاني يتعلق بالرقابة على أداء الحكومة من أجل مراقبة السلطة التنفيذية في معالجتها للأزمات كالفساد والهدر وغيرها".   

ومن ثم يأتي الدور التمثيلي بالدرجة الثالثة، وليس في سلم البرنامج، وذلك لكون الدستور اللبناني منح للنائب وكالة غير حصرية وغير الزامية. ويختم شيّا "أي أن النائب بعد وصوله إلى مجلس النواب ليس مضطرا لتلبية كل طموحات جمهوره، بل يخضعها الدستور لتقييمه الشخصي نسبة إلى المصلحة العامة، بناء على وعيه بالأمور المناسبة وغير المناسبة".  

سلاح المخيمات

في الأزقة الضيقة لأكبر مخيم للاجئين الفلسطينيين في لبنان، يقف رجال مسلحون عند نقاط تفتيش مرتجلة، محاطة بجدران مليئة بثقوب الرصاص، وملصقات قادة تتزاحم مع لافتات قديمة تتحدث عن "المقاومة".

وجود السلاح في مخيم عين الحلوة يُعتبر، منذ عقود، جزءا طبيعيا من تفاصيل الحياة اليومية. لكن هذا الواقع قد يكون على وشك أن يتغير.

في الأسبوع الماضي، وفي بيان مشترك نادر وشديد اللهجة، أعلن الرئيس اللبناني جوزاف عون والرئيس الفلسطيني محمود عباس أن "زمن السلاح الخارج عن سلطة الدولة اللبنانية قد انتهى".

يُنظر إلى هذا الإعلان على أنه خطوة مهمة نحو تفكيك ما يسميه كثيرون في لبنان بـ "الجزر الأمنية"، أي المخيمات المسلحة التي ظلت لعقود خارج نطاق سيطرة الدولة.

لكن يبقى السؤال: هل تمهّد التفاهمات بين عون وعباس لنزع السلاح من المخيمات الفلسطينية بالفعل؟ أم أن التحديات السياسية والأمنية ستبقي هذا الملف معلقا؟ 

مشكلة قديمة تعود للواجهة

مسألة السلاح الفلسطيني في لبنان ليست جديدة. فمنذ سبعينيات القرن الماضي، خاصة خلال الحرب الأهلية اللبنانية، أنشأت الفصائل الفلسطينية قواعد مسلحة في المخيمات. وبمرور الوقت، تحولت هذه المخيمات إلى مناطق شبه مستقلة، لا تدخلها القوى الأمنية اللبنانية، ويُترك أمر ضبط الأمن فيها للفصائل المسلحة.

يُعد مخيم عين الحلوة المثال الأوضح على ذلك.

يؤوي المخيم عشرات الآلاف من اللاجئين، وكان مسرحا لاشتباكات دامية بين الفصائل، ما شكل على الدوام تهديدا لأمن السكان واستقرارهم قبل كل شيء.

ثقل رمزي

أكد البيان المشترك، الذي جاء بعد لقاء بين الرئيسين عون وعباس في قصر بعبدا، رفض أي مظاهر مسلّحة تتجاوز منطق الدولة ومؤسساتها الشرعية.

بالنسبة للبنان، كان البيان تأكيدا على السيادة، وبالنسبة للفلسطينيين، تعبيرا عن التزام بالاستقرار. وكان، إلى ذلك، بمثابة رسالة واضحة إلى الداخل والخارج بأن لبنان يستعد لمعالجة مشكلة طالما جرى تجاهلها.

وعود سابقة

هذه ليست المرة الأولى التي تعد فيها القيادة الفلسطينية بالمساعدة في معالجة قضية السلاح في مخيمات الفلسطينيين في لبنان. ففي أوائل الألفية، أعربت منظمة التحرير الفلسطينية عن دعمها لتطبيق القرار 1559 الصادر عن مجلس الأمن الدولي عام 2003، والذي ينص على نزع سلاح جميع الميليشيات غير اللبنانية. 

وكان عباس قد كرر هذا الالتزام خلال زيارة سابقة إلى بيروت في عهد الرئيس ميشال سليمان. لكن الوضع على الأرض بقي على حاله. 

ظلت الفصائل تحتفظ بأسلحتها، داخل المخيمات وخارجها، واندلعت الاشتباكات بين الحين والآخر في عين الحلوة، بينما كان الجيش اللبناني ممنوعا من دخول المخيمات أو التدخل في ما يجري داخلها.

اليوم، يرى بعض المسؤولين أن التطورات السياسية والإقليمية قد توفر فرصة جديدة.

هل يملك عباس السيطرة الكافية؟

رغم صدور البيان على أعلى مستوى، يواجه تنفيذ مخرجاته تحديات على الأرض. ويرى العميد المتقاعد في الجيش اللبناني جورج نادر أن سيطرة الرئيس عباس على المخيمات محدودة للغاية.

يقول نادر لموقع "الحرة" إن "حركة فتح، التي يتزعمها عباس، تشكل أقلية في المخيمات، فيما يُعدّ مخيم عين الحلوة – الأكبر والأكثر خطورة – ملاذا للجماعات المتطرفة التي لا يملك عباس أي تأثير فعلي عليها".

وتعكس هذه الرؤية موقف العديد من المسؤولين اللبنانيين. فالتوازنات داخل المخيمات، المعقدة والمتشابكة، تجعل من الصعب فرض أي نوع من السيطرة الموحدة.

لكن الباحث الفلسطيني هشام دبسي، مدير مركز التنمية للدراسات الإستراتيجية، يعتقد أن أهمية لقاء عون وعباس تكمن في إضفاء الشرعية السياسية على جهود نزع السلاح.

"ليس المطلوب من الرئيس الفلسطيني أن يمارس الضغط على الفصائل، بل إن المطلوب هو الدور السياسي الذي قام به مع رئيس الجمهورية اللبنانية، وهذا ما قام به بالفعل من خلال اللقاء الذي جمعهما، والذي توّج ببيان ختامي مشترك"، يقول دبسي،

ويضيف أن البيان أصبح بمثابة مرجعية سياسية يمكن الاعتماد عليها للضغط على الفصائل المسلحة من أجل نزع السلاح طوعا، معتبرا أن وحدة الموقف اللبناني والفلسطيني ستجعل من الصعب على الفصائل الاستمرار في تسليح نفسها.

ومع ذلك، يبقى عين الحلوة استثناء بارزا.

يشير دبسي إلى أن الأمر لا يتعلق فقط بالفصائل الفلسطينية، بل بتقاطع مصالح أجهزة استخبارات سورية سابقة، ونفوذ إيراني، ومجموعات متطرفة  مأجورة. 

سلاح المخيمات "نتاج لتجارب سابقة واستثمار جهات لبنانية وأجنبية في الدم الفلسطيني، حيث تم الزج بالفلسطينيين في معارك تخدم مصالح المرشد الإيراني علي خامنئي، والنظام السوري السابق، وحلفائهما في محور الممانعة، فالأمر يتعلق باستغلال الفلسطينيين لتحقيق أجندات خارجية".

"المخيم لم يعد فقط مساحة للسكان، بل ساحة صراع إقليمي"، يقول.

إيران تتراجع

يرى محللون أن توقيت المبادرة اللبنانية ليس مصادفة. فإيران تواجه تحديات متزايدة، داخليا وخارجيا، وتشارك في مفاوضات نووية قد تقيد دورها الإقليمي.

يقول دبسي إن الزمن الآن لصالح الدولة اللبنانية. فقدرة إيران على استخدام وكلائها تتراجع، والعلاقات الخليجية الإيرانية لا تسمح لها بلعب أدوار ابتزاز كما كان عليه الأمر في السابق.

ويضيف "الجيش اللبناني يمتلك الخبرة، والوعي، والدراية الكافية بكيفية التعامل مع هذا الملف الحساس، دون اللجوء إلى العنف وهذا ما يُعمل عليه حاليا بالتعاون والتنسيق مع السلطة الفلسطينية".

بالنسبة للعميد نادر  "إذا فشلت المفاوضات، لا بديل عن الحل العسكري، رغم كلفته وتبعاته. فالجيش اللبناني قادر على فرض الأمن إذا طلب منه ذلك".

وبينما تحذر أطراف أخرى من عواقب اللجوء إلى القوة، يبدو أن الدولة اللبنانية تفضل الآن الحوار والضغط السياسي، بدلا من المواجهة.

الخطوة التالية

قد تكون الأسابيع المقبلة حاسمة. فمن المتوقع أن تبدأ الجهات الرسمية اللبنانية والفلسطينية حوارات مباشرة مع الفصائل داخل المخيمات، بموجب الإطار الذي وضعه البيان الرئاسي المشترك.

وفي الوقت ذاته، يستمر السكان داخل عين الحلوة في العيش تحت سلطة السلاح، يستقبلون وعود الدولة بحذر. بالنسبة لكثيرين، الوعود بالتغيير ليست جديدة.

ومع ذلك، فإنها المرة الأولى منذ سنوات التي يتحدث فيها الجانبان اللبناني والفلسطيني بصوت واحد حول هذه القضية.