بيروت في حضن النفايات
بيروت في حضن النفايات

تتكدس النفايات مجدداً في شوارع بيروت وضواحيها، وتتمدد إلى المناطق المحيطة ككسروان والمتن والشوف وبعبدا وعاليه، الخاضعة بدورها لنطاق عمل شركات الكنس والجمع نفسها التي تتولى المهمة في العاصمة اللبنانية.

هذه الشركات تواجه أزمات مالية في تعاقدها مع السلطات اللبنانية، مما يهدد استمرارية عملها، ومعها البلاد، بكارثة بيئية وصحية سبق أن اختبرت فصولها قبل سنوات. 

في الضاحية الجنوبية لبيروت، كان مشهد الأزمة في ذروته، النفايات افترشت الشوارع حتى أغلقتها نهائياً أمام السيارات، ومثلها عشرات الأحياء السكنية والأزقة المكتظة، التي فاضت بأكياس النفايات، وسبحت شوارعها بعصارتها السامة، فيما الرائحة المنبعثة عنها عمت الأجواء ودفعت بالناس إلى داخل منازلهم ومحالهم التجارية، أو حتى إلى مغادرة المنطقة كلياً، بعدما باتت أشبه بمنطقة منكوبة، تتكاثر فيها الحشرات والقوارض، وتهدد قاطنيها بالأمراض والفيروسات.

وزاد الطين بلة، إقدام عدد من الشبان في الأحياء على إحراق تجمعات النفايات من أجل التخلص منها، وهو ما ترك تلوثا كبيراً في الهواء لم يقتصر على الضاحية الجنوبية فحسب، وانما عم أجواء مدينة بيروت، لاسيما وأن عمليات الإحراق طالت أيضا مطمر "الجديدة" للنفايات في الأيام الماضية. 

وسرعان ما استعاد اللبنانيون ذكريات كارثة العام 2015، حين واجهت البلاد أزمة نفايات ضخمة أدت إلى تكدسها لأشهر في الشوارع، وشرعت التخلص منها في المحميات الطبيعية والغابات والأحراش وحتى في البحر، متسببة بمشكلات صحية وبيئية لم يخرج اللبنانيون من تداعياتها حتى اليوم، لاسيما وأن المعالجات التي اعتمدت حينها، اقتصرت على حلول مؤقتة غير مستدامة، كان الهدف منها تهدئة الشارع الذي شهد احتجاجات واسعة على أداء السلطات اللبنانية في إدارة ملف النفايات. 

وفيما كانت المشكلات السابقة عام 2015 تتعلق بقدرة السلطات على تأمين المطامر والمكبات ومعامل الفرز اللازمة لمعالجة النفايات بالطرق الصحية اللازمة، تغير شكل المشكلة بعد الانهيار المالي الكبير الذي ضرب لبنان، وبات التحدي في توفير الأموال اللازمة لتشغيل عملية جمع النفايات ومعالجتها، قبل أي هاجس صحي أو بيئي أو لوجستي. 

ما علاقة المصارف؟

ما جرى في الأيام الماضية في الضواحي الجنوبية لبيروت، ومنطقة جبل لبنان (بعبدا، الشوف، عاليه)، جاء نتيجة إضراب عمال شركة "سيتي بلو" المتعهدة جمع وكنس النفايات، بسبب عدم حصولهم على رواتبهم نهاية الشهر الماضي، نتيجة الإجراءات المصرفية التي تفرض قيوداً جديدة على السحوبات بالعملة اللبنانية، في إطار إجراءات يتخذها مصرف لبنان لتجفيف الليرة من الأسواق، وخفض الطلب تالياً على الدولار، من أجل خفض سعر صرفه، بعد انفلاته مطلع العام. 

هذه الإجراءات تنعكس عرقلة في المصارف الخاصة لإجراءات تسليم الرواتب للموظفين والعمال في القطاعين الرسمي والخاص، التي تصرف بالليرة اللبنانية، حيث تطالب المصارف مصرف لبنان برفع حجم الكوتا الشهرية التي تحصل عليها، لتتمكن من سداد هذه التحويلات المالية لمستحقيها، فيما يرد مصرف لبنان بدعوة المصارف إلى تصريف دولاراتها للحصول على الليرة عبر منصة "صيرفة" التابعة له. 

تلك المعمعة المالية، تدخل البلاد أكثر فأكثر في دوامة من الشلل والجمود، وتفاقم رداءة الواقع المعيشي المتأزم، لاسيما بالنسبة للموظفين، كما تهدد القطاعات بمجملها بالإفلاس والتعثر والاضرابات، كما هو حال قطاع النفايات، إلا أن ما يجعل معالجة أزمة هذا القطاع ضرورية ومستعجلة، هو البعد الحيوي لملف النفايات والطابع اليومي للعمل عليه، حيث أن أي تسويف من شأنه أن يؤدي إلى أزمة كتلك التي نتجت عن 3 أيام من الاضراب فقط. 

لكن لا يبدو أن السلطات اللبنانية تتعامل مع الملف وفق تلك الاعتبارات، حيث يؤكد المدير العام لشركة "رامكو" وليد أبو سعد، أن الشهر الماضي شهد المشكلة نفسها أيضاً، "وطلبوا منا منحهم 15 يوماً لحل المشكلة مع المصارف، عبر رفع مصرف لبنان للكوتا المالية المخصصة للمصارف التي نتعامل معها بالليرة اللبنانية، بقيمة 4 مليارات ليرة، لنتكمن من دفع الأجور للموظفين، ولكن بعد مرور شهر الموضوع لم يحل."

ويوضح أبو سعد أن المشكلة اليوم ليست ناتجة عن المشكلات المالية التي تواجهها الشركات في عقودها مع الدولة اللبنانية، وإنما بسبب عدم القدرة على الحصول على السيولة المادية اللازمة لدفع رواتب العمال والموظفين عبر المصارف اللبنانية، "فمثلاً يرسل مصرف لبنان مبلغ مليون دولار إلى حساب الشركة في المصرف، ولكن المصارف لا تسمح بسحوبات مرتفعة، مما يضطرني إلى أخذ المبلغ كشيك مصرفي وتصريفه في السوق السوداء بما يقارب الـ150 ألف دولار، أي بخسارة تصل نسبتها إلى 85%.

وبالإضافة إلى ذلك، فإن الشركات حين تحول الأموال كرواتب للموظفين، المصارف لا تعطيهم إياها، "مما يضطرنا لمحاولة تأمينها نقدا، والمصارف تحدد 10 ملايين ليرة كسقف سحوبات في الشهر ما يساوي نحو 100 دولار فقط، في حين أن الرواتب والأجور الشهرية للموظفين في الشركة تقارب الأربعة مليارات ليرة، وهذا هو سبب الصرخة الكبيرة"، وفق ما يشرح أبو سعد.

الحكومة تتدخل

وشهد السراي الحكومي في بيروت، الاثنين، اجتماعاً مخصصا لبحث أزمة النفايات، جرى خلاله اتصال ما بين رئيس الحكومة نجيب ميقاتي، وحاكم مصرف لبنان رياض سلامة، وكان رد سلامة إيجابياً حيث أوعز للمصرف الذي تتعامل معه شركات جمع النفايات بدفع المستحقات بالليرة اللبنانية نقداً، على أن يرفع مصرف لبنان من الكوتا المالية المخصصة له، وبحسب أبو سعد فقد تبلغ بالأمر رسمياً عبر وزير البيئة ناصر ياسين. 

ويضيف أبو سعد " تواصلنا بعدها مع المصرف الذي أبلغنا أنه تلقى اتصالاً بهذا السياق، لكنه لا يعرف بعد ما الآلية التي ستعتمد لذلك، وقد يحتاج ذلك مزيداً من الوقت، ولكن بالخلاصة هناك إيجابية في التعامل، كان يجب أن تظهر قبل شهرين كي لا نصل إلى هنا. ولكن حتى اليوم لم ندفع لعمالنا وموظفينا".

ويلفت أبو سعد إلى أن عمال شركة "رامكو" وموظفيها لم يضربوا عن العمل كما هو الحال مع شركة "سيتي بلو"، وذلك لكون "رامكو" تصرف رواتب موظفيها بتاريخ الخامس من كل شهر، بخلاف شركة "سيتي بلو" التي تصرفها في نهاية كل شهر، لذلك لم يشعر موظفو "رامكو" بالتأخير، بحسب ما يؤكد آبو سعد في حديثه لموقع "الحرة"، "وليس لأن وضع عمالنا أفضل، فقد كانوا على طريق الاضراب أيضاً، ولكننا استمهلناهم 48 ساعة بعد الاتصال الذي تلقيناه من وزير البيئة."

وكان من شأن اضراب عمال "رامكو" أن يغرق بيروت الإدارية، ومناطق المتن وكسروان بالنفايات على غرار ما حصل في المناطق الخاضعة لنطاق شركة "سيتي بلو". 

من جهته، يؤكد وزير البيئة ناصر ياسين في حديثه لموقع "الحرة" أن المشكلة تم حلها، "وحسب معلوماتي شركة "سيتي بلو" عادت إلى العمل اليوم، والمصرف المركزي اعطى أمراً بزيادة الكوتا لمتعهدي النفايات، وسينعكس الأمر نفسه على "رامكو"، وقد تكون التأخيرات متعلقة بالإجراءات المالية بين المصارف لا أكثر."

ياسين ينبه إلى أن هذه المشكلة لا علاقة لوزارة البيئة فيها، "هي مشكلة مالية بحتة وتتعلق بالعقود والدفع والمستحقات، والدور الذي أمارسه اليوم هو فقط للحفاظ على هذا القطاع الذي يتعلق بصحة وسلامة الناس ونريد ألا ينهار في المدى القريب."

الشركات عاجزة عن الاستمرار

وبذلك تكون حلت مشكلة رواتب الموظفين، لتبقى مشاكل الشركة مع السلطات اللبنانية عالقة لاسيما لناحية قيمة العقود المبرمة معها مقابل جمع النفايات وكنس الشوارع، وفق ما يشير أبو سعد.

ولشركات جمع النفايات أموال لدى الحكومة اللبنانية متوقف دفعها منذ شهر فبراير 2021، دفع قسم منها الشهر الماضي، والقسم المتبقي لم يدفع بعد، بحسب أبو سعد، الذي يرى أن مشكلة شركات جمع النفايات أكبر بكثير من أي متعاقد مع الدولة اللبنانية، "فكل العقود المبرمة بين المتعهدين والدولة اللبنانية إن كان بالدولار أو بالليرة اللبنانية توقفت بعد الانهيار الاقتصادي، والعقود الوحيدة التي لا تزال سارية هي المتعلقة بملف النفايات، وذلك لكون الملف هذا حيوي جداً وأثره يومي، فلا يحتمل كما في غير مجالات أن يتوقف المتعهد عن العمل ويعمل بقدر ما يتلقى من أموال، وإن فعلنا ذلك ليوم واحد سيعجز الناس عن التنقل في الشوارع بسبب تراكم النفايات."

ولهذا السبب طلبت الشركات من بلدية بيروت والحكومة اللبنانية، التسريع بإطلاق مناقصات جديدة، تلحظ الفروق في الأسعار والمبالغ المرصودة في العقود بما يتناسب مع المستجدات، "لأننا كشركة غير قادرين على الاستمرار حتى تاريخ انتهاء العقد، فالخسائر باتت فادحة وتضعنا في موقع الخطر وعلى شفير الإفلاس، حيث تضطر الشركة كل شهر لتغطية هذه الفروق من جيبها، لتتمكن من شراء المحروقات وإجراء الصيانة الدورية لآلياتها وشراء قطع الغيار والزيوت وباقي المصاريف التشغيلية التي تحسب بالدولار وليس بالليرة، في حين حتى رواتب الموظفين بالليرة تضاعفت 10 مرات"، بحسب مدير عام شركة "رامكو"، الذي يطلب من الدولة اللبنانية "إما ان تدفع لنا بالدولار ان تلحظ الفروقات في آلية الدفع المعتمدة."

هذا الأمر وعد به رئيس الحكومة نجيب ميقاتي، وشكل خلية أزمة لهذا الموضوع منذ سبتمبر 2021، "وحتى اليوم اجتمعت هذه اللجنة مرة واحدة، ونام الملف في الأدراج، دون حل أو تصور حتى، لذلك نناشد الدولة التسريع بالتعويض عن خسائرنا للقدرة على متابعة مهامنا حتى انتهاء تاريخ العقد"، يقول أبو سعد. 

من جهته، يوافق رئيس بلدية بيروت جمال عيتاني على كلام أبو أسعد، لافتا في حديثه لموقع "الحرة" إلى أن العقد الموقع مع الشركة يعود تاريخه إلى العام 2017، حيث لم يلحظ ما نتج عن انهيار العملة اللبنانية، ولا الارتفاع القياسي في أسعار المحروقات، ولهذا السبب نتجت هذه الفروقات في التكلفة التشغيلية.

ويضيف عيتاني "لكن ما قمنا به نحن هو محاولة تعديلات بسيطة للأسعار بنسب معينة وفق بنود العقد المبرم سابقاً، ولاسيما لناحية المحروقات وكمية النفايات المجموعة والتي زادت اليوم عما كانت عليه، وهو ما ينص عليه دفتر الشروط، وتواصلنا مع مصرف لبنان ليكون الدفع بـ "اللولار" (الدولار المصرفي) لتسيير أموره، وطبعاً وهناك ارتفاع سعر اليد العاملة الضخم جداً حيث ساعدنا قليلاً في هذا المجال."

"طبعا هذا ليس الحل الأمثل"، يقول عيتاني لافتاً إلى أن البلدية توجهت إلى مجلس الوزراء بطلب إيجاد حل لكافة العقود المبرمة مع المقاولين في مختلف المجالات، الذين يواجهون المشكلة نفسها في فروق الأسعار، وكان مجلس الانماء والإعمار قد تقدم لمجلس الوزراء بصيغة كان يفترض اعتمادها".

ويبقى وضع بلدية بيروت في تعاقدها مع الشركة أفضل من وضع السلطات اللبنانية، وفق عيتاني، "حيث لا نتأخر بالدفع أكثر من 3 أشهر كحد أقصى في الدفع، بعكس ما يحصل مع الدولة اللبنانية ومجلس الانماء والاعمار، حيث التأخير يمتد إلى 6 و9 أشهر ويؤثر على  الوضع المالي للمقاول".

مشهد النفايات باق

ولا تقتصر معالم أزمة النفايات التي تلوح بالأفق اللبناني على المشكلات المالية للشركات مع السلطات اللبنانية، وإنما تظهر أيضاً على الجانب الآخر من رحلة النفايات بعد الجمع، وتحديداً في معامل الفرز والمطامر والمكبات التي تنتهي إليها نفايات المدن، حيث تواجه هذه المرافق انعكاس أزمات البلاد. 

فانفجار مرفأ بيروت أطاح بمعملي الفرز في الكرنتينا والتسبيخ في برج حمود، وبحسب وزير البيئة اللبناني فقد تضررت هذه المعامل بشكل كبير دون أن تحظى باهتمام أو ترميم وإصلاح في عهد الحكومة الماضية، واليوم تبدو المشكلة الرئيسية في توفير الأموال اللازمة لذلك. 

ويكشف ياسين أن الحكومة تواصلت مع المانحين في هذا الشأن، و"اقتنع البنك الدولي بتقديم معونة لنا مرتبطة بمساعدات ما بعد انفجار المرفأ، لإصلاح هذه المعامل ولا يزال هناك إجراءات لإتمام الاتفاق نهائياً، ما قد يمدد بدء العمل به حتى الصيف، أما عودة المعامل إلى عملها الطبيعي فقد يمتد حتى العام المقبل، إذا ما تم السير بالاتفاق".

السياحة في لبنان

لم يكن قرار الإمارات رفع الحظر عن سفر مواطنيها إلى لبنان مجرد إجراء دبلوماسي عابر، بل اختبارا حقيقيا لقدرة بيروت على استعادة ثقة طال غيابها. 

ففي ظل الانهيار الاقتصادي والقلق الأمني، تحول هذا القرار إلى ورقة جديدة على طاولة السياحة اللبنانية، يراها البعض بداية لعودة الخليج إلى بيروت، ويرى آخرون أنها مغامرة غير مضمونة النتائج في بلد لم يحسم بعد معركته مع فوضى السلاح خارج الدولة.

وكانت الإمارات قد قررت في أكتوبر 2021 سحب دبلوماسييها من بيروت، ومنعت مواطنيها من السفر إلى لبنان، على خلفية تصريحات لوزير الإعلام اللبناني السابق، جورج قرداحي، بشأن الحرب في اليمن، تسببت بأزمة دبلوماسية مع عدد من دول الخليج.

ورغم بدء تدفق السياح الإماراتيين إلى لبنان منذ 7 مايو الجاري، يبدي كثيرون شكوكا حول إمكانية أن يؤدي القرار إلى تحريك عجلة القطاع السياحي اللبناني، الذي يعد من أكثر القطاعات تضررا بفعل الانهيار الاقتصادي والتوترات الأمنية.

رجل الأعمال الإماراتي البارز، خلف الحبتور، رحب بالخطوة، لكنه عبّر عن مخاوف في ما يتعلق بالوضع الأمني في لبنان.

"لبنان الحبيب يستقبل زوّاره من دول الخليج العربي ويستعد لصيف يأمل أن يكون مزدهراً. لكن كيف يمكن أن يطمئن الزائر وتخطط العائلات لعطلاتها هناك وسط مشاهد عدم الاستقرار المتكررة؟"، كتب الحبتور على أكس.

وأضاف: "غياب الحد الأدنى من الاستقرار الأمني يجعل من قرار السفر تحديا لا رغبة".

الهاجس الأمني

وصف نائب رئيس "نقابة أصحاب المطاعم والمقاهي والملاهي والباتيسري"، خالد نزهة، قرار رفع الحظر عن سفر الإماراتيين إلى لبنان بأنه "خطوة إيجابية وبالغة الأهمية"، وأعرب عن أمله بأن يتبعها تدفّق السياح السعوديين وباقي الزوار العرب الذين انقطعوا عن زيارة لبنان في السنوات القليلة الماضية.

وقال نزهة لموقع "الحرة" إن حضور الإماراتيين يمنح القطاع السياحي دفعة قوية، ويضفي ارتياحا عاما على الساحة الاقتصادية، لا سيما مع اقتراب موسم الصيف وعيد الأضحى، ودعا إلى تحويل السياحة إلى قطاع مستدام لا يقتصر على المواسم. 

ولفت نزهة إلى أن "السياح الخليجيين معروفون بإقامتهم الطويلة وإنفاقهم المرتفع وزيارتهم لبنان عدة مرات في السنة، ما يجعل حضورهم أكثر تأثيرا من السياح الأوروبيين، كما أن عودة الإماراتيين قد تفتح الباب أمام مزيد من الزوار من دول أخرى، بالنظر إلى ما تمثله الإمارات من معيار عالمي في السياحة والخدمات".

وذكّر نزهة بأن كثيرا من الإماراتيين يملكون عقارات ومنازل في لبنان، "ومن الطبيعي أن يعودوا إليها"، ولفت كذلك إلى أن الإمارات تحتضن أعدادا كبيرة من اللبنانيين".

ووضع الباحث في الشأن السياسي، نضال السبع، القرار الإماراتي، في سياق الدعم الخليجي للبنان، واعتبره "بادرة حسن نية" الحكومة اللبنانية الجديدة، وقال أن القرار الإماراتي نتيجة "مساعٍ ديبلوماسية وزيارات قام بها رئيس الجمهورية جوزاف عون إلى دول الخليج".

ورغم هذه المؤشرات الإيجابية، لفت السبع في حديث مع موقع "الحرة" إلى "استمرار القلق الدولي من الوضع الأمني،" وذكّر بتصريحات نائبة المبعوث الأميركي للشرق الأوسط، مورغان أورتاغوس، التي قالت خلال منتدى الدوحة الاقتصادي الأسبوع الماضي إنه لا يزال أمام لبنان الكثير ليفعله من أجل نزع سلاح حزب الله.

وفي السياق نفسه، اعتبر السبع أن مواقف رجل الأعمال الإماراتي خلف الحبتور، المعروف باستثماراته الكبرى في لبنان، تعكس "نبض القلق الخليجي، نظرا لعلاقاته الواسعة مع صناع القرار في الإمارات والخارج".

ورأى السبع أن "لبنان، رغم التهدئة المعلنة منذ 27 نوفمبر، ما زال في دائرة الخطر، في ظل استمرار الغارات الإسرائيلية على مواقع لحزب الله في جنوب وشمال نهر الليطاني، ما يعكس تركيزاً استخباراتياً ودولياً متصاعداً على هذا السلاح".

وأشار إلى أن الحزب "يسعى إلى مقايضة سلاحه بضمانات سياسية، لكنه بات في موقع حرج بعد إعلان الرئيس الفلسطيني محمود عباس عن بدء سحب السلاح الفلسطيني من المخيمات منتصف حزيران"، في خطوة اعتبرها السبع بمثابة "ضوء أخضر للدولة اللبنانية للتحرك بالتنسيق مع السلطة الفلسطينية، ما سيضع حزب الله في موقع الجهة الوحيدة التي لا تزال تحتفظ بسلاح خارج الدولة".

ويتسم ملف السلاح الفلسطيني في لبنان بتعقيدات كبيرة، وفقا للسبع، فسلاح المخيمات يختلف عن السلاح خارجها، وسلاح "فتح" الخاضع للسلطة الفلسطينية، في مقابل سلاح "حماس" و"الجهاد الإسلامي" و"عصبة الأنصار"، الذي يعد الأخطر، إلى جانب وجود نحو 3000 مطلوب داخل المخيمات.

ويرى السبع أن سلاح المخيمات يشكّل تحدياً أمنياً كبيراً للدولة اللبنانية، وحذر من أن أي اقتحام أمني قد يشعل مواجهات واسعة، ما يتطلب دقة وحذرا في المعالجة.

عوائق عدة

يشكّل القطاع السياحي، لا سيما المطاعم والملاهي والباتيسري وأماكن السهر والروف توب، رافعة حقيقية للاقتصاد اللبناني، الذي يعتبره نزهة "المحرّك الأساسي لعدد كبير من القطاعات الاقتصادية".

ويوفر القطاع السياحي  آلافا من فرص العمل للبنانيين، "كما أن لبنان لا يكتفي بجذب السياح، بل يصدّر علامات تجارية مطعمية ناجحة أثبتت حضورها في عواصم عربية وأوروبية، وصولاً إلى أميركا وكندا وأستراليا وأفريقيا، ما يعكس صورة مشرقة عن لبنان في عالم الضيافة".

ويرى الباحث في "المعهد اللبناني لدراسات السوق"، خالد أبو شقرا، أن قرار رفع الحظر عن سفر المواطنين الإماراتيين إلى لبنان هو بمثابة "الصدمة المعنوية الإيجابية"، وقد يفتح الطريق أمام خطوات مماثلة من دول خليجية أخرى، وعلى رأسها السعودية.

وفي حديث لموقع "الحرة"، أشار أبو شقرا إلى أن أهمية القرار لا تكمن فقط في رمزيته السياسية، بل في انعكاساته المحتملة على القطاع السياحي.

وأوضح أبو شقرا أن عودة السياح العرب بأعداد كبيرة تبقى رهناً بعدة عوامل، أبرزها:

ـ الوضع الأمني، في ظل استمرار القصف الإسرائيلي، ما يثير مخاوف مشروعة لدى الزوار
ـ ضعف البنية التحتية، حيث يعاني لبنان من نقص كبير في الخدمات الأساسية كالكهرباء والمياه والطرقات والإنترنت، وهي مقوّمات يطلبها أي سائح
ـ ارتفاع الكلفة السياحية، مقارنة بوجهات منافسة مثل شرم الشيخ وتركيا وقبرص، التي توفّر أسعاراً أقل وخدمات متقاربة
ـ احتكار النقل الجوي، نتيجة هيمنة شركة "طيران الشرق الأوسط" على السوق منذ أكثر من نصف قرن، وغياب الرحلات الاقتصادية أو "الشارتر".

ودعا أبو شقرا إلى فتح المجال أمام شركات طيران إضافية وتقديم تسهيلات لاستقدام وفود سياحية، بما يسهم في خفض الكلفة وتحفيز الإقبال على لبنان كوجهة سياحية رئيسية.

إجراءات مطلوبة

في تعليق رسمي على قرار الإمارات رفع الحظر عن سفر مواطنيها إلى لبنان، أكد رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام أن "لبنان عاد إلى العرب"، مشدداً على تطلّع البلاد إلى عودة السياح الخليجيين، واستعادة مكانتها كوجهة أولى في المنطقة.

تصريح سلام جاء خلال مؤتمر صحافي عقده في السراي الحكومي في بيروت، عقب اجتماعه مع سفراء دول مجلس التعاون الخليجي، حيث قال "ما يهمنا هو القيام بكل ما يسهل عودة إخواننا العرب إلى ربوع لبنان"، مشيراً إلى التزام الحكومة بالعمل على إزالة أي مخاوف أو محاذير لدى دول الخليج.

من جهتها، رحّبت وزيرة السياحة لورا الخازن لحود بالقرار، واعتبرته "تأكيداً على عودة الثقة بلبنان، وبداية جديدة لتطوير الروابط التاريخية التي تجمع البلدين". وأعربت لحود عن أملها في أن "تحذو باقي دول مجلس التعاون الخليجي حذو الإمارات، ليعود لبنان مقصداً رئيسياً لأشقائه العرب، ومركزاً للنشاط السياحي والثقافي في المنطقة".

كما أصدرت وزارة الخارجية والمغتربين اللبنانية بياناً رحّبت فيه بالقرار الإماراتي، معتبرة أنه "خطوة مهمة نحو إعادة الزخم للعلاقات الثنائية"، وأكدت تطلعها إلى تعزيز وتطوير العلاقات مع جميع الدول العربية، انطلاقاً من الروابط التاريخية والانتماء والمصير المشترك.


وفي قراءته للواقع السياحي اللبناني، لفت أبو شقرا إلى أن لبنان متأخر منذ سنوات طويلة في جذب السياح، مشيراً إلى تقرير دولي صدر عام 2019 أظهر أن حصة لبنان من إجمالي السياح الوافدين إلى منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لم تتجاوز 2%، رغم ما يمتلكه من مقومات طبيعية وتاريخية وثقافية، في مقابل نسب تصل إلى 20% في وجهات مثل الإمارات.

ودعا أبو شقرا المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، وتحديداً اللجنة السياحية فيه، إلى التحرك لمعالجة ملفات أساسية تؤثر مباشرة على القطاع، مثل أوضاع المواقع الترفيهية الكبرى كجعيتا، كازينو لبنان، والتلفريك، كما شدد على ضرورة إنشاء هيئات ناظمة مستقلة في قطاعات الطيران والاتصالات والكهرباء، ما من شأنه تعزيز التنافسية وتخفيض الكلفة على المستهلكين، بما في ذلك السياح.

وأكد أبو شقرا أن "تنشيط القطاع السياحي يبدأ بتأمين مناخ مستقر وآمن"، محذراً من أن "غياب هذا المناخ سيبقي أعداد الزوار محدودة"، ولفت إلى أن "معظم الزوار اليوم هم من المغتربين اللبنانيين، وليسوا سياحاً أجانب، ما يقلل من القيمة الاقتصادية المضافة التي يوفرها السائح التقليدي، الذي ينفق على الإقامة، النقل، والمرافق السياحية".

ودعا الوزارات اللبنانية المعنية إلى لعب دور أكثر فاعلية في الترويج للبنان خارجياً من خلال المشاركة في المعارض الدولية وتنظيم المؤتمرات، والاستفادة من الطاقات الشبابية القادرة على مخاطبة الأسواق الجديدة.

الخطأ الاستراتيجي الذي ارتكبته الدولة خلال السنوات الماضية تمثل بحسب أبو شقرا "في الاعتماد على المواسم السياحية التقليدية، مثل فصل الصيف أو موسم التزلج، من دون تطوير نموذج سياحي مستدام يمتد على مدار العام"، لذلك شدد على "أهمية التوجه نحو أسواق جديدة خارج الإطار العربي، مثل روسيا وأوروبا الشرقية، حيث تختلف أوقات العطل ونمط السفر، ما يساعد على تنويع الموسم السياحي".

وختم أبو شقرا بالتأكيد على أن "رفع الحظر عن زيارة لبنان من قبل الإمارات، هو خطوة أساسية، لكنها بحاجة إلى استكمال بإجراءات عملية لطمأنة السائح، سواء من حيث الأمان أو الكلفة أو جودة الخدمات. غياب هذه العناصر سيبقي السياحة في لبنان دون المستوى المطلوب، ويحول دون مساهمتها الفعلية في دعم الاقتصاد الوطني".