بيروت في حضن النفايات
بيروت في حضن النفايات

تتكدس النفايات مجدداً في شوارع بيروت وضواحيها، وتتمدد إلى المناطق المحيطة ككسروان والمتن والشوف وبعبدا وعاليه، الخاضعة بدورها لنطاق عمل شركات الكنس والجمع نفسها التي تتولى المهمة في العاصمة اللبنانية.

هذه الشركات تواجه أزمات مالية في تعاقدها مع السلطات اللبنانية، مما يهدد استمرارية عملها، ومعها البلاد، بكارثة بيئية وصحية سبق أن اختبرت فصولها قبل سنوات. 

في الضاحية الجنوبية لبيروت، كان مشهد الأزمة في ذروته، النفايات افترشت الشوارع حتى أغلقتها نهائياً أمام السيارات، ومثلها عشرات الأحياء السكنية والأزقة المكتظة، التي فاضت بأكياس النفايات، وسبحت شوارعها بعصارتها السامة، فيما الرائحة المنبعثة عنها عمت الأجواء ودفعت بالناس إلى داخل منازلهم ومحالهم التجارية، أو حتى إلى مغادرة المنطقة كلياً، بعدما باتت أشبه بمنطقة منكوبة، تتكاثر فيها الحشرات والقوارض، وتهدد قاطنيها بالأمراض والفيروسات.

وزاد الطين بلة، إقدام عدد من الشبان في الأحياء على إحراق تجمعات النفايات من أجل التخلص منها، وهو ما ترك تلوثا كبيراً في الهواء لم يقتصر على الضاحية الجنوبية فحسب، وانما عم أجواء مدينة بيروت، لاسيما وأن عمليات الإحراق طالت أيضا مطمر "الجديدة" للنفايات في الأيام الماضية. 

وسرعان ما استعاد اللبنانيون ذكريات كارثة العام 2015، حين واجهت البلاد أزمة نفايات ضخمة أدت إلى تكدسها لأشهر في الشوارع، وشرعت التخلص منها في المحميات الطبيعية والغابات والأحراش وحتى في البحر، متسببة بمشكلات صحية وبيئية لم يخرج اللبنانيون من تداعياتها حتى اليوم، لاسيما وأن المعالجات التي اعتمدت حينها، اقتصرت على حلول مؤقتة غير مستدامة، كان الهدف منها تهدئة الشارع الذي شهد احتجاجات واسعة على أداء السلطات اللبنانية في إدارة ملف النفايات. 

وفيما كانت المشكلات السابقة عام 2015 تتعلق بقدرة السلطات على تأمين المطامر والمكبات ومعامل الفرز اللازمة لمعالجة النفايات بالطرق الصحية اللازمة، تغير شكل المشكلة بعد الانهيار المالي الكبير الذي ضرب لبنان، وبات التحدي في توفير الأموال اللازمة لتشغيل عملية جمع النفايات ومعالجتها، قبل أي هاجس صحي أو بيئي أو لوجستي. 

ما علاقة المصارف؟

ما جرى في الأيام الماضية في الضواحي الجنوبية لبيروت، ومنطقة جبل لبنان (بعبدا، الشوف، عاليه)، جاء نتيجة إضراب عمال شركة "سيتي بلو" المتعهدة جمع وكنس النفايات، بسبب عدم حصولهم على رواتبهم نهاية الشهر الماضي، نتيجة الإجراءات المصرفية التي تفرض قيوداً جديدة على السحوبات بالعملة اللبنانية، في إطار إجراءات يتخذها مصرف لبنان لتجفيف الليرة من الأسواق، وخفض الطلب تالياً على الدولار، من أجل خفض سعر صرفه، بعد انفلاته مطلع العام. 

هذه الإجراءات تنعكس عرقلة في المصارف الخاصة لإجراءات تسليم الرواتب للموظفين والعمال في القطاعين الرسمي والخاص، التي تصرف بالليرة اللبنانية، حيث تطالب المصارف مصرف لبنان برفع حجم الكوتا الشهرية التي تحصل عليها، لتتمكن من سداد هذه التحويلات المالية لمستحقيها، فيما يرد مصرف لبنان بدعوة المصارف إلى تصريف دولاراتها للحصول على الليرة عبر منصة "صيرفة" التابعة له. 

تلك المعمعة المالية، تدخل البلاد أكثر فأكثر في دوامة من الشلل والجمود، وتفاقم رداءة الواقع المعيشي المتأزم، لاسيما بالنسبة للموظفين، كما تهدد القطاعات بمجملها بالإفلاس والتعثر والاضرابات، كما هو حال قطاع النفايات، إلا أن ما يجعل معالجة أزمة هذا القطاع ضرورية ومستعجلة، هو البعد الحيوي لملف النفايات والطابع اليومي للعمل عليه، حيث أن أي تسويف من شأنه أن يؤدي إلى أزمة كتلك التي نتجت عن 3 أيام من الاضراب فقط. 

لكن لا يبدو أن السلطات اللبنانية تتعامل مع الملف وفق تلك الاعتبارات، حيث يؤكد المدير العام لشركة "رامكو" وليد أبو سعد، أن الشهر الماضي شهد المشكلة نفسها أيضاً، "وطلبوا منا منحهم 15 يوماً لحل المشكلة مع المصارف، عبر رفع مصرف لبنان للكوتا المالية المخصصة للمصارف التي نتعامل معها بالليرة اللبنانية، بقيمة 4 مليارات ليرة، لنتكمن من دفع الأجور للموظفين، ولكن بعد مرور شهر الموضوع لم يحل."

ويوضح أبو سعد أن المشكلة اليوم ليست ناتجة عن المشكلات المالية التي تواجهها الشركات في عقودها مع الدولة اللبنانية، وإنما بسبب عدم القدرة على الحصول على السيولة المادية اللازمة لدفع رواتب العمال والموظفين عبر المصارف اللبنانية، "فمثلاً يرسل مصرف لبنان مبلغ مليون دولار إلى حساب الشركة في المصرف، ولكن المصارف لا تسمح بسحوبات مرتفعة، مما يضطرني إلى أخذ المبلغ كشيك مصرفي وتصريفه في السوق السوداء بما يقارب الـ150 ألف دولار، أي بخسارة تصل نسبتها إلى 85%.

وبالإضافة إلى ذلك، فإن الشركات حين تحول الأموال كرواتب للموظفين، المصارف لا تعطيهم إياها، "مما يضطرنا لمحاولة تأمينها نقدا، والمصارف تحدد 10 ملايين ليرة كسقف سحوبات في الشهر ما يساوي نحو 100 دولار فقط، في حين أن الرواتب والأجور الشهرية للموظفين في الشركة تقارب الأربعة مليارات ليرة، وهذا هو سبب الصرخة الكبيرة"، وفق ما يشرح أبو سعد.

الحكومة تتدخل

وشهد السراي الحكومي في بيروت، الاثنين، اجتماعاً مخصصا لبحث أزمة النفايات، جرى خلاله اتصال ما بين رئيس الحكومة نجيب ميقاتي، وحاكم مصرف لبنان رياض سلامة، وكان رد سلامة إيجابياً حيث أوعز للمصرف الذي تتعامل معه شركات جمع النفايات بدفع المستحقات بالليرة اللبنانية نقداً، على أن يرفع مصرف لبنان من الكوتا المالية المخصصة له، وبحسب أبو سعد فقد تبلغ بالأمر رسمياً عبر وزير البيئة ناصر ياسين. 

ويضيف أبو سعد " تواصلنا بعدها مع المصرف الذي أبلغنا أنه تلقى اتصالاً بهذا السياق، لكنه لا يعرف بعد ما الآلية التي ستعتمد لذلك، وقد يحتاج ذلك مزيداً من الوقت، ولكن بالخلاصة هناك إيجابية في التعامل، كان يجب أن تظهر قبل شهرين كي لا نصل إلى هنا. ولكن حتى اليوم لم ندفع لعمالنا وموظفينا".

ويلفت أبو سعد إلى أن عمال شركة "رامكو" وموظفيها لم يضربوا عن العمل كما هو الحال مع شركة "سيتي بلو"، وذلك لكون "رامكو" تصرف رواتب موظفيها بتاريخ الخامس من كل شهر، بخلاف شركة "سيتي بلو" التي تصرفها في نهاية كل شهر، لذلك لم يشعر موظفو "رامكو" بالتأخير، بحسب ما يؤكد آبو سعد في حديثه لموقع "الحرة"، "وليس لأن وضع عمالنا أفضل، فقد كانوا على طريق الاضراب أيضاً، ولكننا استمهلناهم 48 ساعة بعد الاتصال الذي تلقيناه من وزير البيئة."

وكان من شأن اضراب عمال "رامكو" أن يغرق بيروت الإدارية، ومناطق المتن وكسروان بالنفايات على غرار ما حصل في المناطق الخاضعة لنطاق شركة "سيتي بلو". 

من جهته، يؤكد وزير البيئة ناصر ياسين في حديثه لموقع "الحرة" أن المشكلة تم حلها، "وحسب معلوماتي شركة "سيتي بلو" عادت إلى العمل اليوم، والمصرف المركزي اعطى أمراً بزيادة الكوتا لمتعهدي النفايات، وسينعكس الأمر نفسه على "رامكو"، وقد تكون التأخيرات متعلقة بالإجراءات المالية بين المصارف لا أكثر."

ياسين ينبه إلى أن هذه المشكلة لا علاقة لوزارة البيئة فيها، "هي مشكلة مالية بحتة وتتعلق بالعقود والدفع والمستحقات، والدور الذي أمارسه اليوم هو فقط للحفاظ على هذا القطاع الذي يتعلق بصحة وسلامة الناس ونريد ألا ينهار في المدى القريب."

الشركات عاجزة عن الاستمرار

وبذلك تكون حلت مشكلة رواتب الموظفين، لتبقى مشاكل الشركة مع السلطات اللبنانية عالقة لاسيما لناحية قيمة العقود المبرمة معها مقابل جمع النفايات وكنس الشوارع، وفق ما يشير أبو سعد.

ولشركات جمع النفايات أموال لدى الحكومة اللبنانية متوقف دفعها منذ شهر فبراير 2021، دفع قسم منها الشهر الماضي، والقسم المتبقي لم يدفع بعد، بحسب أبو سعد، الذي يرى أن مشكلة شركات جمع النفايات أكبر بكثير من أي متعاقد مع الدولة اللبنانية، "فكل العقود المبرمة بين المتعهدين والدولة اللبنانية إن كان بالدولار أو بالليرة اللبنانية توقفت بعد الانهيار الاقتصادي، والعقود الوحيدة التي لا تزال سارية هي المتعلقة بملف النفايات، وذلك لكون الملف هذا حيوي جداً وأثره يومي، فلا يحتمل كما في غير مجالات أن يتوقف المتعهد عن العمل ويعمل بقدر ما يتلقى من أموال، وإن فعلنا ذلك ليوم واحد سيعجز الناس عن التنقل في الشوارع بسبب تراكم النفايات."

ولهذا السبب طلبت الشركات من بلدية بيروت والحكومة اللبنانية، التسريع بإطلاق مناقصات جديدة، تلحظ الفروق في الأسعار والمبالغ المرصودة في العقود بما يتناسب مع المستجدات، "لأننا كشركة غير قادرين على الاستمرار حتى تاريخ انتهاء العقد، فالخسائر باتت فادحة وتضعنا في موقع الخطر وعلى شفير الإفلاس، حيث تضطر الشركة كل شهر لتغطية هذه الفروق من جيبها، لتتمكن من شراء المحروقات وإجراء الصيانة الدورية لآلياتها وشراء قطع الغيار والزيوت وباقي المصاريف التشغيلية التي تحسب بالدولار وليس بالليرة، في حين حتى رواتب الموظفين بالليرة تضاعفت 10 مرات"، بحسب مدير عام شركة "رامكو"، الذي يطلب من الدولة اللبنانية "إما ان تدفع لنا بالدولار ان تلحظ الفروقات في آلية الدفع المعتمدة."

هذا الأمر وعد به رئيس الحكومة نجيب ميقاتي، وشكل خلية أزمة لهذا الموضوع منذ سبتمبر 2021، "وحتى اليوم اجتمعت هذه اللجنة مرة واحدة، ونام الملف في الأدراج، دون حل أو تصور حتى، لذلك نناشد الدولة التسريع بالتعويض عن خسائرنا للقدرة على متابعة مهامنا حتى انتهاء تاريخ العقد"، يقول أبو سعد. 

من جهته، يوافق رئيس بلدية بيروت جمال عيتاني على كلام أبو أسعد، لافتا في حديثه لموقع "الحرة" إلى أن العقد الموقع مع الشركة يعود تاريخه إلى العام 2017، حيث لم يلحظ ما نتج عن انهيار العملة اللبنانية، ولا الارتفاع القياسي في أسعار المحروقات، ولهذا السبب نتجت هذه الفروقات في التكلفة التشغيلية.

ويضيف عيتاني "لكن ما قمنا به نحن هو محاولة تعديلات بسيطة للأسعار بنسب معينة وفق بنود العقد المبرم سابقاً، ولاسيما لناحية المحروقات وكمية النفايات المجموعة والتي زادت اليوم عما كانت عليه، وهو ما ينص عليه دفتر الشروط، وتواصلنا مع مصرف لبنان ليكون الدفع بـ "اللولار" (الدولار المصرفي) لتسيير أموره، وطبعاً وهناك ارتفاع سعر اليد العاملة الضخم جداً حيث ساعدنا قليلاً في هذا المجال."

"طبعا هذا ليس الحل الأمثل"، يقول عيتاني لافتاً إلى أن البلدية توجهت إلى مجلس الوزراء بطلب إيجاد حل لكافة العقود المبرمة مع المقاولين في مختلف المجالات، الذين يواجهون المشكلة نفسها في فروق الأسعار، وكان مجلس الانماء والإعمار قد تقدم لمجلس الوزراء بصيغة كان يفترض اعتمادها".

ويبقى وضع بلدية بيروت في تعاقدها مع الشركة أفضل من وضع السلطات اللبنانية، وفق عيتاني، "حيث لا نتأخر بالدفع أكثر من 3 أشهر كحد أقصى في الدفع، بعكس ما يحصل مع الدولة اللبنانية ومجلس الانماء والاعمار، حيث التأخير يمتد إلى 6 و9 أشهر ويؤثر على  الوضع المالي للمقاول".

مشهد النفايات باق

ولا تقتصر معالم أزمة النفايات التي تلوح بالأفق اللبناني على المشكلات المالية للشركات مع السلطات اللبنانية، وإنما تظهر أيضاً على الجانب الآخر من رحلة النفايات بعد الجمع، وتحديداً في معامل الفرز والمطامر والمكبات التي تنتهي إليها نفايات المدن، حيث تواجه هذه المرافق انعكاس أزمات البلاد. 

فانفجار مرفأ بيروت أطاح بمعملي الفرز في الكرنتينا والتسبيخ في برج حمود، وبحسب وزير البيئة اللبناني فقد تضررت هذه المعامل بشكل كبير دون أن تحظى باهتمام أو ترميم وإصلاح في عهد الحكومة الماضية، واليوم تبدو المشكلة الرئيسية في توفير الأموال اللازمة لذلك. 

ويكشف ياسين أن الحكومة تواصلت مع المانحين في هذا الشأن، و"اقتنع البنك الدولي بتقديم معونة لنا مرتبطة بمساعدات ما بعد انفجار المرفأ، لإصلاح هذه المعامل ولا يزال هناك إجراءات لإتمام الاتفاق نهائياً، ما قد يمدد بدء العمل به حتى الصيف، أما عودة المعامل إلى عملها الطبيعي فقد يمتد حتى العام المقبل، إذا ما تم السير بالاتفاق".

سلاح المخيمات

في الأزقة الضيقة لأكبر مخيم للاجئين الفلسطينيين في لبنان، يقف رجال مسلحون عند نقاط تفتيش مرتجلة، محاطة بجدران مليئة بثقوب الرصاص، وملصقات قادة تتزاحم مع لافتات قديمة تتحدث عن "المقاومة".

وجود السلاح في مخيم عين الحلوة يُعتبر، منذ عقود، جزءا طبيعيا من تفاصيل الحياة اليومية. لكن هذا الواقع قد يكون على وشك أن يتغير.

في الأسبوع الماضي، وفي بيان مشترك نادر وشديد اللهجة، أعلن الرئيس اللبناني جوزاف عون والرئيس الفلسطيني محمود عباس أن "زمن السلاح الخارج عن سلطة الدولة اللبنانية قد انتهى".

يُنظر إلى هذا الإعلان على أنه خطوة مهمة نحو تفكيك ما يسميه كثيرون في لبنان بـ "الجزر الأمنية"، أي المخيمات المسلحة التي ظلت لعقود خارج نطاق سيطرة الدولة.

لكن يبقى السؤال: هل تمهّد التفاهمات بين عون وعباس لنزع السلاح من المخيمات الفلسطينية بالفعل؟ أم أن التحديات السياسية والأمنية ستبقي هذا الملف معلقا؟ 

مشكلة قديمة تعود للواجهة

مسألة السلاح الفلسطيني في لبنان ليست جديدة. فمنذ سبعينيات القرن الماضي، خاصة خلال الحرب الأهلية اللبنانية، أنشأت الفصائل الفلسطينية قواعد مسلحة في المخيمات. وبمرور الوقت، تحولت هذه المخيمات إلى مناطق شبه مستقلة، لا تدخلها القوى الأمنية اللبنانية، ويُترك أمر ضبط الأمن فيها للفصائل المسلحة.

يُعد مخيم عين الحلوة المثال الأوضح على ذلك.

يؤوي المخيم عشرات الآلاف من اللاجئين، وكان مسرحا لاشتباكات دامية بين الفصائل، ما شكل على الدوام تهديدا لأمن السكان واستقرارهم قبل كل شيء.

ثقل رمزي

أكد البيان المشترك، الذي جاء بعد لقاء بين الرئيسين عون وعباس في قصر بعبدا، رفض أي مظاهر مسلّحة تتجاوز منطق الدولة ومؤسساتها الشرعية.

بالنسبة للبنان، كان البيان تأكيدا على السيادة، وبالنسبة للفلسطينيين، تعبيرا عن التزام بالاستقرار. وكان، إلى ذلك، بمثابة رسالة واضحة إلى الداخل والخارج بأن لبنان يستعد لمعالجة مشكلة طالما جرى تجاهلها.

وعود سابقة

هذه ليست المرة الأولى التي تعد فيها القيادة الفلسطينية بالمساعدة في معالجة قضية السلاح في مخيمات الفلسطينيين في لبنان. ففي أوائل الألفية، أعربت منظمة التحرير الفلسطينية عن دعمها لتطبيق القرار 1559 الصادر عن مجلس الأمن الدولي عام 2003، والذي ينص على نزع سلاح جميع الميليشيات غير اللبنانية. 

وكان عباس قد كرر هذا الالتزام خلال زيارة سابقة إلى بيروت في عهد الرئيس ميشال سليمان. لكن الوضع على الأرض بقي على حاله. 

ظلت الفصائل تحتفظ بأسلحتها، داخل المخيمات وخارجها، واندلعت الاشتباكات بين الحين والآخر في عين الحلوة، بينما كان الجيش اللبناني ممنوعا من دخول المخيمات أو التدخل في ما يجري داخلها.

اليوم، يرى بعض المسؤولين أن التطورات السياسية والإقليمية قد توفر فرصة جديدة.

هل يملك عباس السيطرة الكافية؟

رغم صدور البيان على أعلى مستوى، يواجه تنفيذ مخرجاته تحديات على الأرض. ويرى العميد المتقاعد في الجيش اللبناني جورج نادر أن سيطرة الرئيس عباس على المخيمات محدودة للغاية.

يقول نادر لموقع "الحرة" إن "حركة فتح، التي يتزعمها عباس، تشكل أقلية في المخيمات، فيما يُعدّ مخيم عين الحلوة – الأكبر والأكثر خطورة – ملاذا للجماعات المتطرفة التي لا يملك عباس أي تأثير فعلي عليها".

وتعكس هذه الرؤية موقف العديد من المسؤولين اللبنانيين. فالتوازنات داخل المخيمات، المعقدة والمتشابكة، تجعل من الصعب فرض أي نوع من السيطرة الموحدة.

لكن الباحث الفلسطيني هشام دبسي، مدير مركز التنمية للدراسات الإستراتيجية، يعتقد أن أهمية لقاء عون وعباس تكمن في إضفاء الشرعية السياسية على جهود نزع السلاح.

"ليس المطلوب من الرئيس الفلسطيني أن يمارس الضغط على الفصائل، بل إن المطلوب هو الدور السياسي الذي قام به مع رئيس الجمهورية اللبنانية، وهذا ما قام به بالفعل من خلال اللقاء الذي جمعهما، والذي توّج ببيان ختامي مشترك"، يقول دبسي،

ويضيف أن البيان أصبح بمثابة مرجعية سياسية يمكن الاعتماد عليها للضغط على الفصائل المسلحة من أجل نزع السلاح طوعا، معتبرا أن وحدة الموقف اللبناني والفلسطيني ستجعل من الصعب على الفصائل الاستمرار في تسليح نفسها.

ومع ذلك، يبقى عين الحلوة استثناء بارزا.

يشير دبسي إلى أن الأمر لا يتعلق فقط بالفصائل الفلسطينية، بل بتقاطع مصالح أجهزة استخبارات سورية سابقة، ونفوذ إيراني، ومجموعات متطرفة  مأجورة. 

سلاح المخيمات "نتاج لتجارب سابقة واستثمار جهات لبنانية وأجنبية في الدم الفلسطيني، حيث تم الزج بالفلسطينيين في معارك تخدم مصالح المرشد الإيراني علي خامنئي، والنظام السوري السابق، وحلفائهما في محور الممانعة، فالأمر يتعلق باستغلال الفلسطينيين لتحقيق أجندات خارجية".

"المخيم لم يعد فقط مساحة للسكان، بل ساحة صراع إقليمي"، يقول.

إيران تتراجع

يرى محللون أن توقيت المبادرة اللبنانية ليس مصادفة. فإيران تواجه تحديات متزايدة، داخليا وخارجيا، وتشارك في مفاوضات نووية قد تقيد دورها الإقليمي.

يقول دبسي إن الزمن الآن لصالح الدولة اللبنانية. فقدرة إيران على استخدام وكلائها تتراجع، والعلاقات الخليجية الإيرانية لا تسمح لها بلعب أدوار ابتزاز كما كان عليه الأمر في السابق.

ويضيف "الجيش اللبناني يمتلك الخبرة، والوعي، والدراية الكافية بكيفية التعامل مع هذا الملف الحساس، دون اللجوء إلى العنف وهذا ما يُعمل عليه حاليا بالتعاون والتنسيق مع السلطة الفلسطينية".

بالنسبة للعميد نادر  "إذا فشلت المفاوضات، لا بديل عن الحل العسكري، رغم كلفته وتبعاته. فالجيش اللبناني قادر على فرض الأمن إذا طلب منه ذلك".

وبينما تحذر أطراف أخرى من عواقب اللجوء إلى القوة، يبدو أن الدولة اللبنانية تفضل الآن الحوار والضغط السياسي، بدلا من المواجهة.

الخطوة التالية

قد تكون الأسابيع المقبلة حاسمة. فمن المتوقع أن تبدأ الجهات الرسمية اللبنانية والفلسطينية حوارات مباشرة مع الفصائل داخل المخيمات، بموجب الإطار الذي وضعه البيان الرئاسي المشترك.

وفي الوقت ذاته، يستمر السكان داخل عين الحلوة في العيش تحت سلطة السلاح، يستقبلون وعود الدولة بحذر. بالنسبة لكثيرين، الوعود بالتغيير ليست جديدة.

ومع ذلك، فإنها المرة الأولى منذ سنوات التي يتحدث فيها الجانبان اللبناني والفلسطيني بصوت واحد حول هذه القضية.