لبنان يعاني من انحلال أمني
لبنان يعاني من انحلال أمني

"تحولنا إلى غابة بكل معنى الكلمة، الناس تفترس بعضها البعض، أو كأننا في عصر الزومبي، حيث لا تعرف من أين سيخرج عليك الخطر في الشوارع، دون أن يحميك أحد"،  يقول مصطفى، 43 عاماً، في تعليقه لموقع "الحرة" على انتشار ظاهرة السرقة والنشل والسلب بقوة السلاح، التي باتت تؤرق البلاد وسكانها في الأسابيع الماضية.

عشرات الحوادث المتنقلة، تتداولها مواقع التواصل الاجتماعي بشكل يومي في لبنان، نشل وسلب في الشوارع، كمائن وترصد للسيارات في الأحياء والطرقات الدولية، وعمليات تشليح واقتحام منازل وسرقات على أنواعها، باتت تهدد الأمن الاجتماعي في البلاد، وتنذر بموجات فلتان تثير مخاوف المواطنين وتفقدهم الثقة بأجهزة الدولة، وتدفعهم نحو مخاطر أكبر في سبيل حماية أنفسهم.

وكما توقع الخبراء ومراصد البحث في الأشهر والسنوات الماضية، تواصل نسبة الجرائم والسرقات ارتفاعها في لبنان، حيث بات يعاني نحو 80 بالمئة من اللبنانيين من فقر متعدد الأوجه وفق تقديرات الأمم المتحدة، فيما تتخطى نسبة البطالة الـ 40 بالمئة، وذلك بعد مرور عامين ونصف على أسوأ أزمة اقتصادية في تاريخ البلاد، صنفها البنك الدولي من بين الأعقد في تاريخ العالم، أدت إلى انهيار العملة المحلية، الليرة، إلى مستويات قياسية أمام الدولار (26000 ليرة = 1$)، وأفقدت رواتب اللبنانيين قدرتها الشرائية. رافق ذلك تدهور دراماتيكي في أداء المؤسسات الرسمية، انعكس سلباً على الواقع الاجتماعي والأمني في البلاد.

وتؤكد أرقام قوى الأمن الداخلي اللبناني، التي حصل عليها موقع "الحرة"، ارتفاع نسبة جرائم السرقة والنشل في الأشهر الثلاث الأولى من العام 2022، 21% مقارنة بالفترة نفسها من العام 2021، حيث بلغ عدد السرقات المسجلة للعام الحالي 1745 فيما بلغ الرقم 1439 في المرحلة نفسها من العام 2021.

وبناء على الأرقام الصادرة عن قوى الأمن الداخلي، كشفت "الدولية للمعلومات" عن أن الأشهر الثلاث الأولى من العام الحالي، مقارنة بالفترة ذاتها من العام الماضي، شهدت ارتفعاً في جرائم سرقة السيارات بنسبة 26.2% وجرائم السرقة بنسبة 21.2% والقتل بنسبة 15%. وفي مقارنة مع الأشهر الثلاث الأولى من العام 2019 تصل نسبة الارتفاع إلى 306%.

ارتفاع كبير في معدلات الجرائم بلبنان

بقوة السلاح

ومن بين مختلف أشكال السرقة وانواعها، تزداد عمليات النشل في الطرقات والأماكن العامة، وعمليات السلب بقوة السلاح بشكل خاص، حيث تحول ارتياد الشوارع ليلاً إلى مخاطرة قائمة بحد ذاتها، نظرا لنشاط تلك العصابات تحت جنح الظلام مستفيدة من انقطاع الكهرباء العام في البلاد، وتراجع الحضور الأمني في الشوارع بعد تأثر قدرات الأجهزة الأمنية وامكاناتها بالوضع الاقتصادي المتدهور والانهيار المالي.

حسن. و، لاجئ سوري في لبنان يبلغ عمره 20 عاماً، تعرض لمحاولة سلب أثناء تنقله برفقة شقيقه على دراجته النارية على الطريق الدولية في منطقة "المديرج – حمانا"، حيث اقتربت سيارة منهما وأشهر سائقها مسدساً طالباً من حسن التوقف جانباً وإلا تعرض لإطلاق نار ودهس بالسيارة.

"في البداية طلبوا مني كل ما احمله من أموال، كان بحوزتي 200 ألف ليرة أعطيته إياها، ثم طلب الهواتف الخلوية، لم أكن مستعداً لخسارة كهذه، فرحت اتوسل إليه أن يترك لي هاتفي لما عليه من معلومات وصور وحياتي كلها، لكنه لم يستجب، واستمر بالتهديد إلى أن قام شقيقي الأكبر بضرب المسدس من يده بشكل مباغت اسقطه أرضا خارج السيارة، وانهال على السارق ضرباً، حتى انطلق مسرعاً بالسيارة تاركاً مسدسه أرضاً"، وفق ما يروي حسن لموقع "الحرة". 

حصل حسن على المسدس بعد خسارته المالية، وقرر الاحتفاظ به لحماية نفسه في مواقف مشابهة، "لم أبلغ القوى الأمنية، خوفاً من أن أقع في مزيد من المشاكل، لكوني سوري الجنسية ما قد يعرضني لمساءلة مضاعفة، وقد لا يتم تصديق روايتي لدى الأمن اللبناني، الذي لن يقدم أو يؤخر في نهاية الأمر."

ما حصل مع حسن يتكرر يومياً مع عشرات السكان، وقد يتكرر مرتين مع الضحية نفسها، كما حصل مع محمد، الذي يعمل في شركة توصيل "ديلفري" للأطعمة والمنتجات الغذائية. وبالطريقة نفسها التي حصلت مع حسن، تعرض محمد في المرة الأولى، للتهديد من سيارة يحمل سائقها السلاح، حيث ترجل منها شخص آخر وتولى قيادة الدراجة النارية المسلوبة بعدما سرق الأموال التي كانت بحوزة عامل التوصيل.

وفي منطقة فرن الشباك نفسها، تعرض محمد لسرقة ثانية بعد شهرين على الأولى، خسر بنتيجتها دراجة نارية أخرى كان قد استعارها من والده ليتابع عمله، حيث أوقفه أحد الأشخاص في منتصف الطريق حاملا "ساطورا" حادا حوالي الساعة الواحدة بعد منتصف الليل، وأجبره على الترجل ثم سرق الدراجة وفيها هاتف محمد.

يروي عامل التوصيل كيف تعرض للشك حتى من الشركة التي يعمل بها، "اتهموني بالتآمر مع السارقين، ولم يصدقوا فكرة أن اتعرض لسرقة ثانية في أقل من شهرين على الأولى، إلا أن خدمة تتبع عامل التوصيل عبر الهاتف، سمحت للشركة أن تواكب مسار الدراجة النارية وتبلغ القوى الأمنية عن وجهتها، حيث استقرت في منطقة الليلكي في الضاحية الجنوبية."

بات يحمل محمد معه اليوم سلاح صعق كهربائي في تنقلاته، "الشركة لا تعلم ذلك، وهذا ممنوع في قانونها، ولكن الوضع يتطلب يقظة وتحضر، في نهاية الأمر الشركة تضع قوانين في المكاتب، بينما الواقع في الشارع يتطلب إجراءات وقائية، لن أخاطر بنفسي وبرزقي أكثر من ذلك، حتى لو كلفني ذلك عملي في نهاية الأمر، حماية نفسي أولوية."

السيارات والهواتف.. مصدراً للدولار

ولم يعد الأمر يقتصر على فترات الليل فقط، بل باتت عمليات النشل والسرقة تسجل في وضح النهار كما حصل مع ناديا التي نشل هاتفها من يدها في محلة كورنيش المزرعة في بيروت، خلال تلقيها اتصالا هاتفياً اثناء تنقلها في الشارع. 

تروي الشابة العشرينية لموقع "الحرة" كيف فقدت سنين من الذكريات وكم كبير من المعلومات الشخصية وأرقام الهواتف بلحظة واحدة، "لم أر وجه السارق، مر بقربي عبر دراجة نارية، خفف من سرعته واستل هاتفي من يدي بخفة وسرعة رهيبة، ثم انطلق واختفى، لم استوعب للوهلة الأولى ما جرى، من بعدها بدأت بالصراخ، ولكن الأوان كان قد فات."

تقدمت ناديا ببلاغ لدى القوى الأمنية، ولكن حتى الآن لم تتمكن من استعادة هاتفها، كما انها عاجزة عن شراء هاتف جديد، "قيمة هاتفي كانت نحو ٤٠٠$، تساوي راتبي لمدة شهرين، الآن اعمل عبر هاتف قديم مستعمل كان يستخدمه أخي، إلى أن أتمكن ن تجميع ثمن هاتف جديد."

وتنشط سرقة الهواتف المحمولة كظاهرة منفصلة بحد ذاتها، وذلك بعد ارتفاع أسعارها ومبيعها بالدولار النقدي، الأمر الذي جعلها هدفاً سهلاً ومتوفراً مع أي شخص. كذلك الأمر بالنسبة لسرقة السيارات التي سجلت في العامين الماضيين ارتفاعات قياسية، بحسب أرقام قوى الأمن، بسبب نشاط عصابات تتخصص بسرقة السيارات، وتبيعها إلى خارج البلاد، أو تفككها لتبيعها على شكل قطع غيار بالدولار النقدي أيضاً.

وكانت القوى الأمنية قد ألقت القبض في الأيام الماضية على عصابة كبيرة في منطقة البقاع، تعمد إلى استلام السيارات المسروقة وتفكيكها من أجل بيعها، ونشرت القوى الأمنية صوراً للمستودع الذي ضبط فيه عشرات السيارات المسروقة والمفككة. 

وتنتشر عبر مواقع التواصل الاجتماعي في لبنان، منشورات تحمل توجيهات وتحذيرات للمواطنين من حمل هواتفهم بشكل ظاهر في الشوارع، أو التحدث عبرها خلال السير أو في السيارات مفتوحة النوافذ خلال الزحمة، مما يجعلهم أهداف سهلة للنشالين. 

كذلك تصدر تحذيرات من التوقف للغرباء في الطرقات أو مساعدة سيارات تدعي أنها معطلة على جانب الطريق، أو سلوك الطرقات الفرعية والنائية والمظلمة ليلاً، لاسيما في المناطق المعروفة، كذلك عدم التوقف عند التعرض لرشق بحجارة أو حوادث مفتعلة من هذا النوع، تستخدمها العصابات في عملياتها.

أساليب جديدة

ويعتمد السارقون والعصابات على أساليب جديدة في استدراج الضحايا وتهديدهم، بعضها ينصب ما يشبه الكمائن على الطرقات السريعة، حيث يعمدون في ساعات الليل إلى رشق السيارات المارة بالحجارة وتحطيم زجاجها من أماكن مخفية، من أجل إرباك السائق وإجباره على التوقف لتبيان ما حصل، بعدها يقتربون منه ويعمدون إلى سحب سلاح واتمام عملية السلب.

وفي حالات أخرى، باتت العصابات تدخل العنصر النسائي إلى أفرادها من أجل الاستدراج وابعاد الشبهات، كما حصل قبل أيام مع أحد الشبان، ويدعى محمد. ص، الذي صادف فتاتين في الشارع حوالي الساعة العاشرة ليلاً، طلبتا منه توصيلة إلى منطقة الشويفات، ليتفاجأ عند وصوله بكمين نصبه شخصان ادعيا أنهم جهات أمنية وطلبا من محمد الترجل من السيارة ثم تعرضا له بالضرب، وبعدما تنبه الناس للإشكال، وصلت دورية لقوى الأمن على وجه السرعة وعمدت إلى توقيف العصابة التي تبين أن افرادها مطلوبين للعدالة.

أما جميل عيتاني، فكانت قصته أكثر غرابة وإثارة للريبة، بعدما تبين أن السارق الذي استهدفه، سبق له أن جمع كما كبيرا من المعلومات عنه، وألف عبرها سيناريو كامل قام بتأديته أمامه لاستدراجه، وفق ما يروي لموقع "الحرة".

قصة جميل بدأت من كورنيش الروشة حيث اقترب منه شخص قدم لنفسه اسما وهمياً من عائلة بيروتية، مدعياً أنه يسكن بالقرب من منزل جميل، ويعرف عنه معلومات حتى عن هواياته وحيواناته المفضلة، وراح يتحدث إليه بأحاديث عامة محاولا التقرب منه، إلى أن طلب منه توصيلة على طريقه.

وافق جميل على التوصيلة، وما إن انطلقت السيارة حتى سحب السارق سكينا من جيبه مهدداً جميل بالطعن. "طلب مني التوجه إلى منطقة الناعمة. كان همي سلامتي بالدرجة الأولى، فجاريته بما يطلب إلى أن وصلنا إلى الطريق البحري في الناعمة، حيث دفعني لإيقاف السيارة في منطقة بعيدة عن الناس وطلب مني الترجل ليقود السيارة بنفسه، وبعد أن صعدت معه عاد وأجبرني على النزول منها وهي تسير، كانت لحظات مرعبة."

حتى الآن لم تصل تحقيقات القوى الأمنية لأي نتيجة، بحسب ما يؤكد جميل، "وليس أمامي أي جهة في الدولة اللبنانية لمراجعتها بشأن القضية، حتى خلال التحقيقات، لم اتلق معاملة تتناسب مع كوني ضحية، وصلت إلى مرحلة قلت فيها: يا ليت السارقين تواصلوا معي وطلبوا أموالاً لاستعادة السيارة، بدلا من كل هذا العذاب لدى أجهزة الدولة اللبنانية".

لا يخفي جميل أنه توجه إلى أكثر من جهة حزبية وعائلية من أجل الوصول إلى الجهة السارقة عارضاً دفع أموال لقاء استعادة السيارة، ويكشف أنه تعرض أيضا لعملية نصب من شركة عبر مواقع التواصل الاجتماعي تدعي أنها قادرة على ملاحقة السيارات المسروقة وتتبعها، ليتبين أنها شركات احتيالية تستغل السرقات لتمارس عمليات نصب بدورها على الضحايا.

الضاحية.. نحو الأمن الذاتي مجدداً

وشكلت الضاحية الجنوبية لبيروت، في الأسابيع الماضية مسرحاً للحجم الأكبر من عمليات السلب والنشل، وتميزت مناطق وشوارع محددة منها بنشاط لافت للعصابات التي استغلت شهر رمضان محولة فترات الإفطار والسحور إلى مواعيد لاصطياد الضحايا، حيث تفرغ الشوارع من روادها، ويجري الاستفراد بالمتنقلين في تلك الأوقات.

وسجلت النسبة الأعلى من الحوادث على طريق المطار – مخيم شاتيلا – برج البراجنة، منطقة السفارة الكويتية – الرحاب - صبرا، حي السلم والليلكي، إضافة إلى طريق الشويفات خلدة، ومناطق حي ماضي وصفير والجاموس. عشرات عمليات السرقة والسلب تمت بأساليب متشابهة، تشير إلى جهات محددة وعصابات تمارس تلك الجرائم بوتيرة مستمرة ومتنقلة.

في الثامن من شهر أبريل الجاري، أقدم شخصان قرب مستشفى "الرسول الأعظم" في الضاحية الجنوبية لبيروت، على سلب رجل دراجته النارية بالقوة، وهربا بها باتجاه منطقة شاتيلا، فما كان من سائق فان لنقل الركاب إلا أن طاردهما ودهسهما أمام مطعم "KFC" على طريق المطار حيث توفي أحدهما. 

هذه الحادثة تأتي مثالاً على ما باتت تؤدي إليه هذه السرقات من خلل أمني، يتجه معه الناس نحو خيار المواجهة مع تلك العصابات. وانتشرت في الأيام الماضية مقاطع مصورة تظهر إلقاء بعض الأهالي والشبان القبض على سارقين في أكثر من منطقة، وتظهر ما يشبه محاكمات ميدانية، يتعرض فيها السارق للضرب والسحل والتصوير على أيدي جهات مدنية، وقد تسببت هذه الأمور بإشكالات عائلية وعشائرية عدة.

كذلك ترتفع الأصوات الداعية لاعتماد الأمن الذاتي، كما حصل في الضاحية، حيث صدر بيانات عدة، موقعة من جهات مجهولة تحت مسميات متنوعة كـ "لجان مختصة، وجهات أهلية، وشباب المنطقة، وأهالي الضاحية"، تتوعد السارقين بالقصاص وصولا إلى القتل، وتندد بتخاذل الدولة وتوحي باستلامها زمام الأمور، مع ما يعنيه ذلك من فلتان أمني.

ولا تبتعد هذه "الجهات المختصة"، التي باتت تنفذ مداهمات ميدانية في الضاحية الجنوبية وتعتقل سارقين، عن فلك "حزب الله" الذي يسيطر على أمن الضاحية بشكل محكم، لكونها تمثل أبرز معاقله ومناطق نفوذه، وتضم مراكزه ومؤسساته الرئيسية. هذه القبضة الأمنية لطالما شكلت عائقاً أمام حضور السلطات الرسمية والأجهزة الأمنية في الضاحية، حيث يفرض عليها تنسيقاً مباشراً معه قبل اتخاذ أي إجراءات أمنية ويعيق تحركاتها، الأمر الذي انعكس فلتاناً وجدت فيه العصابات تربة خصبة لتنمو وتعزز حضورها. 

إلا أن حجم النقمة الشعبية التي أثارتها أعمال السلب والسرقة في الفترة الماضية، دفعت كل من حزب الله وحركة أمل إلى إصدار بيان مشترك يعلن وقوفهم خلف القوى الأمنية في التصدي لتلك الأعمال، ترافق ذلك مع دخول دوريات لقوى الأمن الداخلي والجيش اللبناني ونصب حواجز متنقلة وتنفيذ مداهمات أدت إلى توقيف عشرات المتورطين.

قبل أن يقرر مصطفى حمل سلاح بشكل دائم خلال تنقلاته، كان قد تعرض كل من شقيقه وقريبه لعمليات سلب وسرقة، شكلت دافعاً لمصطفى في قراره. "نحن في فوضى، نحتاج فيها سلاحاً لحماية أنفسنا، وكل ما عدا ذلك يعرضني وعائلتي للخطر، ماذا أفعل إن أوقفني أحدهم في الشارع وأشهر سلاحاً في وجهي؟ اتصل بمخفر ليأتي ويسجل ما حصل ثم يذهب رزقي بين المحاضر؟ أفضل ان أحمي نفسي بنفسي وآخذ حقي بيدي."

من جهتها ناديا، لا تستبعد أن تضطر إلى حمل سلاح هي أيضاً لحماية نفسها، وتشير إلى أنها كانت تبحث في الفترة الماضية عن عبوات رذاذ الفلفل، "ولكنها لا تنفع في جميع الحالات، خاصة حالات النشل التي تتم بسرعة، لا أجرؤ بعد على حمل سلاح ناري، قد أضطر يوماً ما، طالما انني أعيش في هذا البلد، ومضطرة للتنقل من وإلى عملي."

وفي بلاد تشهد انتشاراً كبيراً للسلاح بين سكانها، زادت هذه الظواهر من الطلب في سوق السلاح مؤخراً، وفق ما يشير "جهاد" (اسم مستعار) الذي يعمل بتجارة الأسلحة الفردية ضمن نطاق مدينة بيروت. 

يشرح جهاد لموقع "الحرة"، أن الطلب "يتركز مؤخراً على القطع التي تستخدم للحماية الشخصية كالمسدسات والبنادق القصيرة، وبدرجة ثانية الكلاشنكوف كسلاح فردي رائج في لبنان".

ويلفت جهاد إلى أن الطلب يرتفع من ناحية أشخاص "ليس لديهم أحيانا أي معرفة بالسلاح أو لم يستخدموا أسلحة من قبل، بعضهم لديه أعمال ومصالح، وبعضهم يعمل في الصرافة مثلاً ويتنقل حاملاً الأموال، وهناك من يشتري السلاح لحماية منزله وممتلكاته، وتظهر أيضا فئة النساء اللواتي يقبلن على المسدسات ذات الحجم الصغير التي تتسع في الجزادين، او آلات الصعق الكهربائية ورذاذ الفلفل، وغيرها من الأسلحة الفردية المخصصة للحماية الشخصية، كل تلك الأسلحة ارتفع سعرها ما بين 30 و40 في المئة، بسبب الزيادة في الطلب عليها." 

ارتفاع كبير في معدلات الجرائم بلبنان

قوى الأمن تحذر

مصدر في المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي، يحذر المواطنين، في حديثه لموقع الحرة، من مغبة حمل السلاح أو اللجوء إليه كسبيل للحماية، لكون ذلك "يشكل خطرا عليهم وعلى عائلاتهم بالدرجة الأولى، خاصة أن العصابات المنفذة لهذه السرقات واعمال السلب عادة ما تكون مجهزة ومحضرة لاستخدام السلاح، واستحضار سلاح فردي بوجهها قد يؤدي إلى أخطار أعلى من عملية السرقة، كالتعرض للإصابة او القتل، إضافة إلى كون ذلك يعد مخالفة قانونية قد تعرض حامل السلاح للتوقيف على الحواجز الأمنية التي تكافح ذلك."

المصدر، الذي طلب عدم الكشف عن هويته، يدعو إلى "الوثوق بالأجهزة الأمنية، التي تعمل ليل نهار على مكافحة هذه الظواهر، وتبذل كل ما بوسعها لاستتباب الامن"، مضيفا "نحن نقوم بدور كبير جدا حالياً نسبة للظروف التي تعيشها البلاد، والعمل الإيجابي حتى الآن واضح وظاهر، حيث تحقق الأجهزة الأمنية إنجازات بشكل متواصل وبوتيرة يومية، و تسجل معدل 48 ساعة لكشف ملابسات معظم الجرائم وبالحد الأقصى أسبوع، وبلغت نسبة كشف جرائم القتل وتوقيف الفاعلين 83% من مجمل الحوادث، وهذا معدل عالمي مرتفع جدا يتجاوز دول كبرى تملك قدرات أمنية تفوق بكثير ما يملكه لبنان ولا تمر بظروفه الاستثنائية."

ويختم المصدر حديثه منبهاً من الانسياق نحو الدعوات لحمل السلاح والحماية الشخصية، مشيراً إلى أن الأحداث الأخيرة تمثل استثناءات تعمل الأجهزة الزمنية على إنهائها، فيما المسار العام لهذه الظواهر خلال العامين الماضيين، يتجه نحو انخفاض في نسب الجرائم المسجلة من هذا النوع، حيث انخفض السلب بقوة السلاح بمعدل 1.5% عام 2021، و%1.46  في الأشهر الثلاث الأولى من العام 2022، فيما انخفضت جرائم التشليح بمعدل 4% عن الأشهر الأولى من العام الماضي، في المقابل ارتفاع معدل التوقيفات بنسبة 4.5% عام 2021، و 11%  في الأشهر الأولى من العام الجاري.

 

السياحة في لبنان

لم يكن قرار الإمارات رفع الحظر عن سفر مواطنيها إلى لبنان مجرد إجراء دبلوماسي عابر، بل اختبارا حقيقيا لقدرة بيروت على استعادة ثقة طال غيابها. 

ففي ظل الانهيار الاقتصادي والقلق الأمني، تحول هذا القرار إلى ورقة جديدة على طاولة السياحة اللبنانية، يراها البعض بداية لعودة الخليج إلى بيروت، ويرى آخرون أنها مغامرة غير مضمونة النتائج في بلد لم يحسم بعد معركته مع فوضى السلاح خارج الدولة.

وكانت الإمارات قد قررت في أكتوبر 2021 سحب دبلوماسييها من بيروت، ومنعت مواطنيها من السفر إلى لبنان، على خلفية تصريحات لوزير الإعلام اللبناني السابق، جورج قرداحي، بشأن الحرب في اليمن، تسببت بأزمة دبلوماسية مع عدد من دول الخليج.

ورغم بدء تدفق السياح الإماراتيين إلى لبنان منذ 7 مايو الجاري، يبدي كثيرون شكوكا حول إمكانية أن يؤدي القرار إلى تحريك عجلة القطاع السياحي اللبناني، الذي يعد من أكثر القطاعات تضررا بفعل الانهيار الاقتصادي والتوترات الأمنية.

رجل الأعمال الإماراتي البارز، خلف الحبتور، رحب بالخطوة، لكنه عبّر عن مخاوف في ما يتعلق بالوضع الأمني في لبنان.

"لبنان الحبيب يستقبل زوّاره من دول الخليج العربي ويستعد لصيف يأمل أن يكون مزدهراً. لكن كيف يمكن أن يطمئن الزائر وتخطط العائلات لعطلاتها هناك وسط مشاهد عدم الاستقرار المتكررة؟"، كتب الحبتور على أكس.

وأضاف: "غياب الحد الأدنى من الاستقرار الأمني يجعل من قرار السفر تحديا لا رغبة".

الهاجس الأمني

وصف نائب رئيس "نقابة أصحاب المطاعم والمقاهي والملاهي والباتيسري"، خالد نزهة، قرار رفع الحظر عن سفر الإماراتيين إلى لبنان بأنه "خطوة إيجابية وبالغة الأهمية"، وأعرب عن أمله بأن يتبعها تدفّق السياح السعوديين وباقي الزوار العرب الذين انقطعوا عن زيارة لبنان في السنوات القليلة الماضية.

وقال نزهة لموقع "الحرة" إن حضور الإماراتيين يمنح القطاع السياحي دفعة قوية، ويضفي ارتياحا عاما على الساحة الاقتصادية، لا سيما مع اقتراب موسم الصيف وعيد الأضحى، ودعا إلى تحويل السياحة إلى قطاع مستدام لا يقتصر على المواسم. 

ولفت نزهة إلى أن "السياح الخليجيين معروفون بإقامتهم الطويلة وإنفاقهم المرتفع وزيارتهم لبنان عدة مرات في السنة، ما يجعل حضورهم أكثر تأثيرا من السياح الأوروبيين، كما أن عودة الإماراتيين قد تفتح الباب أمام مزيد من الزوار من دول أخرى، بالنظر إلى ما تمثله الإمارات من معيار عالمي في السياحة والخدمات".

وذكّر نزهة بأن كثيرا من الإماراتيين يملكون عقارات ومنازل في لبنان، "ومن الطبيعي أن يعودوا إليها"، ولفت كذلك إلى أن الإمارات تحتضن أعدادا كبيرة من اللبنانيين".

ووضع الباحث في الشأن السياسي، نضال السبع، القرار الإماراتي، في سياق الدعم الخليجي للبنان، واعتبره "بادرة حسن نية" الحكومة اللبنانية الجديدة، وقال أن القرار الإماراتي نتيجة "مساعٍ ديبلوماسية وزيارات قام بها رئيس الجمهورية جوزاف عون إلى دول الخليج".

ورغم هذه المؤشرات الإيجابية، لفت السبع في حديث مع موقع "الحرة" إلى "استمرار القلق الدولي من الوضع الأمني،" وذكّر بتصريحات نائبة المبعوث الأميركي للشرق الأوسط، مورغان أورتاغوس، التي قالت خلال منتدى الدوحة الاقتصادي الأسبوع الماضي إنه لا يزال أمام لبنان الكثير ليفعله من أجل نزع سلاح حزب الله.

وفي السياق نفسه، اعتبر السبع أن مواقف رجل الأعمال الإماراتي خلف الحبتور، المعروف باستثماراته الكبرى في لبنان، تعكس "نبض القلق الخليجي، نظرا لعلاقاته الواسعة مع صناع القرار في الإمارات والخارج".

ورأى السبع أن "لبنان، رغم التهدئة المعلنة منذ 27 نوفمبر، ما زال في دائرة الخطر، في ظل استمرار الغارات الإسرائيلية على مواقع لحزب الله في جنوب وشمال نهر الليطاني، ما يعكس تركيزاً استخباراتياً ودولياً متصاعداً على هذا السلاح".

وأشار إلى أن الحزب "يسعى إلى مقايضة سلاحه بضمانات سياسية، لكنه بات في موقع حرج بعد إعلان الرئيس الفلسطيني محمود عباس عن بدء سحب السلاح الفلسطيني من المخيمات منتصف حزيران"، في خطوة اعتبرها السبع بمثابة "ضوء أخضر للدولة اللبنانية للتحرك بالتنسيق مع السلطة الفلسطينية، ما سيضع حزب الله في موقع الجهة الوحيدة التي لا تزال تحتفظ بسلاح خارج الدولة".

ويتسم ملف السلاح الفلسطيني في لبنان بتعقيدات كبيرة، وفقا للسبع، فسلاح المخيمات يختلف عن السلاح خارجها، وسلاح "فتح" الخاضع للسلطة الفلسطينية، في مقابل سلاح "حماس" و"الجهاد الإسلامي" و"عصبة الأنصار"، الذي يعد الأخطر، إلى جانب وجود نحو 3000 مطلوب داخل المخيمات.

ويرى السبع أن سلاح المخيمات يشكّل تحدياً أمنياً كبيراً للدولة اللبنانية، وحذر من أن أي اقتحام أمني قد يشعل مواجهات واسعة، ما يتطلب دقة وحذرا في المعالجة.

عوائق عدة

يشكّل القطاع السياحي، لا سيما المطاعم والملاهي والباتيسري وأماكن السهر والروف توب، رافعة حقيقية للاقتصاد اللبناني، الذي يعتبره نزهة "المحرّك الأساسي لعدد كبير من القطاعات الاقتصادية".

ويوفر القطاع السياحي  آلافا من فرص العمل للبنانيين، "كما أن لبنان لا يكتفي بجذب السياح، بل يصدّر علامات تجارية مطعمية ناجحة أثبتت حضورها في عواصم عربية وأوروبية، وصولاً إلى أميركا وكندا وأستراليا وأفريقيا، ما يعكس صورة مشرقة عن لبنان في عالم الضيافة".

ويرى الباحث في "المعهد اللبناني لدراسات السوق"، خالد أبو شقرا، أن قرار رفع الحظر عن سفر المواطنين الإماراتيين إلى لبنان هو بمثابة "الصدمة المعنوية الإيجابية"، وقد يفتح الطريق أمام خطوات مماثلة من دول خليجية أخرى، وعلى رأسها السعودية.

وفي حديث لموقع "الحرة"، أشار أبو شقرا إلى أن أهمية القرار لا تكمن فقط في رمزيته السياسية، بل في انعكاساته المحتملة على القطاع السياحي.

وأوضح أبو شقرا أن عودة السياح العرب بأعداد كبيرة تبقى رهناً بعدة عوامل، أبرزها:

ـ الوضع الأمني، في ظل استمرار القصف الإسرائيلي، ما يثير مخاوف مشروعة لدى الزوار
ـ ضعف البنية التحتية، حيث يعاني لبنان من نقص كبير في الخدمات الأساسية كالكهرباء والمياه والطرقات والإنترنت، وهي مقوّمات يطلبها أي سائح
ـ ارتفاع الكلفة السياحية، مقارنة بوجهات منافسة مثل شرم الشيخ وتركيا وقبرص، التي توفّر أسعاراً أقل وخدمات متقاربة
ـ احتكار النقل الجوي، نتيجة هيمنة شركة "طيران الشرق الأوسط" على السوق منذ أكثر من نصف قرن، وغياب الرحلات الاقتصادية أو "الشارتر".

ودعا أبو شقرا إلى فتح المجال أمام شركات طيران إضافية وتقديم تسهيلات لاستقدام وفود سياحية، بما يسهم في خفض الكلفة وتحفيز الإقبال على لبنان كوجهة سياحية رئيسية.

إجراءات مطلوبة

في تعليق رسمي على قرار الإمارات رفع الحظر عن سفر مواطنيها إلى لبنان، أكد رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام أن "لبنان عاد إلى العرب"، مشدداً على تطلّع البلاد إلى عودة السياح الخليجيين، واستعادة مكانتها كوجهة أولى في المنطقة.

تصريح سلام جاء خلال مؤتمر صحافي عقده في السراي الحكومي في بيروت، عقب اجتماعه مع سفراء دول مجلس التعاون الخليجي، حيث قال "ما يهمنا هو القيام بكل ما يسهل عودة إخواننا العرب إلى ربوع لبنان"، مشيراً إلى التزام الحكومة بالعمل على إزالة أي مخاوف أو محاذير لدى دول الخليج.

من جهتها، رحّبت وزيرة السياحة لورا الخازن لحود بالقرار، واعتبرته "تأكيداً على عودة الثقة بلبنان، وبداية جديدة لتطوير الروابط التاريخية التي تجمع البلدين". وأعربت لحود عن أملها في أن "تحذو باقي دول مجلس التعاون الخليجي حذو الإمارات، ليعود لبنان مقصداً رئيسياً لأشقائه العرب، ومركزاً للنشاط السياحي والثقافي في المنطقة".

كما أصدرت وزارة الخارجية والمغتربين اللبنانية بياناً رحّبت فيه بالقرار الإماراتي، معتبرة أنه "خطوة مهمة نحو إعادة الزخم للعلاقات الثنائية"، وأكدت تطلعها إلى تعزيز وتطوير العلاقات مع جميع الدول العربية، انطلاقاً من الروابط التاريخية والانتماء والمصير المشترك.


وفي قراءته للواقع السياحي اللبناني، لفت أبو شقرا إلى أن لبنان متأخر منذ سنوات طويلة في جذب السياح، مشيراً إلى تقرير دولي صدر عام 2019 أظهر أن حصة لبنان من إجمالي السياح الوافدين إلى منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لم تتجاوز 2%، رغم ما يمتلكه من مقومات طبيعية وتاريخية وثقافية، في مقابل نسب تصل إلى 20% في وجهات مثل الإمارات.

ودعا أبو شقرا المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، وتحديداً اللجنة السياحية فيه، إلى التحرك لمعالجة ملفات أساسية تؤثر مباشرة على القطاع، مثل أوضاع المواقع الترفيهية الكبرى كجعيتا، كازينو لبنان، والتلفريك، كما شدد على ضرورة إنشاء هيئات ناظمة مستقلة في قطاعات الطيران والاتصالات والكهرباء، ما من شأنه تعزيز التنافسية وتخفيض الكلفة على المستهلكين، بما في ذلك السياح.

وأكد أبو شقرا أن "تنشيط القطاع السياحي يبدأ بتأمين مناخ مستقر وآمن"، محذراً من أن "غياب هذا المناخ سيبقي أعداد الزوار محدودة"، ولفت إلى أن "معظم الزوار اليوم هم من المغتربين اللبنانيين، وليسوا سياحاً أجانب، ما يقلل من القيمة الاقتصادية المضافة التي يوفرها السائح التقليدي، الذي ينفق على الإقامة، النقل، والمرافق السياحية".

ودعا الوزارات اللبنانية المعنية إلى لعب دور أكثر فاعلية في الترويج للبنان خارجياً من خلال المشاركة في المعارض الدولية وتنظيم المؤتمرات، والاستفادة من الطاقات الشبابية القادرة على مخاطبة الأسواق الجديدة.

الخطأ الاستراتيجي الذي ارتكبته الدولة خلال السنوات الماضية تمثل بحسب أبو شقرا "في الاعتماد على المواسم السياحية التقليدية، مثل فصل الصيف أو موسم التزلج، من دون تطوير نموذج سياحي مستدام يمتد على مدار العام"، لذلك شدد على "أهمية التوجه نحو أسواق جديدة خارج الإطار العربي، مثل روسيا وأوروبا الشرقية، حيث تختلف أوقات العطل ونمط السفر، ما يساعد على تنويع الموسم السياحي".

وختم أبو شقرا بالتأكيد على أن "رفع الحظر عن زيارة لبنان من قبل الإمارات، هو خطوة أساسية، لكنها بحاجة إلى استكمال بإجراءات عملية لطمأنة السائح، سواء من حيث الأمان أو الكلفة أو جودة الخدمات. غياب هذه العناصر سيبقي السياحة في لبنان دون المستوى المطلوب، ويحول دون مساهمتها الفعلية في دعم الاقتصاد الوطني".