يضج الرأي العام اللبناني ومواقع التواصل الاجتماعي في البلاد، بمقاطع مصورة تظهر اعتراض مجموعة من الناشطين الذين يعلنون انتمائهم إلى قوى انتفاضة "17 تشرين" (أكتوبر)، لوزير الطاقة اللبناني، وليد فياض، خلال تناوله للعشاء في مطعم بالعاصمة اللبنانية، بيروت، حيث قام أحدهم بدفعه إلى الحائط.
وفي التفاصيل التي أظهرتها الفيديوهات، احتج الناشطون على ممارسة فياض لحياته الطبيعية بالتزامن مع كارثة غرق مركب المهاجرين في طرابلس من جهة، وفي ظل انقطاع تام للتيار الكهربائي عن مختلف الأراضي اللبنانية بسبب انقطاع المحروقات التي تعتمدها معامل إنتاج الكهرباء في لبنان لتوليد الطاقة، الأمر الذي اعتبره الناشطون "استهتارا بالمسؤوليات" و"استخفافا بمعاناة الناس ومصائبهم"، وفق ما عبر بعضهم في حديثهم لموقع "الحرة".
Omg🤦🏻♀️
— LARA (@lara_klayte) April 24, 2022
pic.twitter.com/vfVF0Hm8LB
وهذا ليس الاعتداء الأول الذي يطال فياض منذ توليه وزارة الطاقة في سبتمبر الماضي، حيث تعرض لسلسلة ملاحقات في الأماكن العامة، كانت من جملة الملاحقات التي طالت عدداً من المسؤولين والشخصيات العامة، التي يحمّلها قسم كبير من اللبنانيين مسؤولية الفساد والانهيار الاقتصادي والمالي في البلاد، تعرض في واحدة منها للصفع والدفع أيضا، إلا أن الواقعة في حينها لم تنل الاهتمام والمتابعة الحالية من الرأي العام اللبناني.
انقسام في الرأي العام
وتصدر اسم وليد فياض قائمة "الهاشتاغ" الأكثر تداولا في لبنان، على موقع تويتر، حيث انقسم رواد مواقع التواصل الاجتماعي ما بين متضامن مع وزير الطاقة ضد العنف الذي تعرض له، وبين مهلل لما حصل يطالب بالمزيد في سياق ما وصفوه بـ "الانتقام من المسؤولين السياسيين".
تروي الناشطة سالي حافظ، التي كانت من بين المشاركين في التحرك ضد فياض، أن المجموعة لم تكن تستهدف فياض بشكل شخصي تلك الليلة، "في أكثر من مرة كانت لدينا معلومات عن مكان وجوده وسهره، لكن وبعدما كنا قد واجهناه أكثر من مرة تعرضنا في واحدة منها للضرب من مرافقيه، تعمّدنا استبعاده كي لا نبدو وكأننا نستهدفه شخصياً أو نستقوي عليه دون سواه".
وتشرح حافظ أن المجموعة التي واجهت الوزير كانت بصدد إقامة تحركات في بيروت تضامناً مع ضحايا كارثة المركب في طرابلس، وقاموا بقطع طرق عدة في المدينة، "وإذ بلغنا خبر أن الوزير فياض يرقص ويحتفل ويغني في أحد مطاعم شارع مونو في وسط بيروت، كان الأمر مستفزاً جدا لنا، خاصة أننا في جو عام من الحداد الوطني والغضب على السلطة السياسية المسؤولة عن كل ما جرى".
وبحسب حافظ، استطلعت المجموعة مكان وجود الوزير، "وكان بالفعل يرقص ويغني، في حالة سكر ظاهر وواضحة في الفيديو المتداول، دخلنا لنتحدث معه فما كان من مرافقيه إلا أن منعونا وبدأوا يدفعوننا إلى الخارج. وحين خرج لحقنا به، لنتحدث إليه، وتظهر الفيديوهات كيف أننا نبهنا الجميع إلى عدم التعرض للوزير لحظة وصولنا إليه، وقلنا بصوت عالٍ واضح في التسجيلات، أننا لسنا إرهابيين ولا قاتلين، نريد فقط الحديث معه باسم الشعب اللبناني".
المجموعة، وفق ما تظهر التسجيلات، توجهت باللوم للوزير على احتفاله في حين يسيطر جو عام من الحزن على البلاد بسبب كارثة المركب في طرابلس، حيث دعته لاحترام الحداد العام، وبدوره الوزير رد مؤكدا أنه ليس مسؤولا ولا فرحاً بما جرى. وخاض الطرفان جدالا طويلا حول واقعة الكهرباء وانتفاء الحلول وعجز الوزير في هذا الملف.
كيف علم هؤلاء أنّ الوزير موجود في هذا المكان لولا أنهم «هم» أيضاً نزلوا في المكان نفسه، يسهرون ويمرحون… و«الشهداء» في #طرابلس لا يزالوا بلا دفن !
— زينب الحاج || #فلسطين_قضيتي (@znb_alhajj) April 24, 2022
كيف إلن عين ثوار الخسة؟!
متضامنة مع الوزير #وليد_فياض ضد البلطجية والقوات طبعاً والفعل الدنيء اللي بيشبهن
pic.twitter.com/Cu0u0Lsy0N
بعد 10 دقائق من الحوار معه، تقول حافظ "تبين أنه لا يعرف شيء ولا يفهم بشيء، وقال بلسانه في التسجيلات: أنا وزير وصاية ولست قادرا على اتخاذ القرارات، وراح يدافع عن نفسه أنه لا علاقة له وليس ذنبه وليس مسؤولاً، طلبنا منه الاستقالة في هذه الحالة، فراح يبرر وجوده وبقاءه في منصبه بحجج واهية، ما استدعى من زميلنا إيلي هيكل أن وجه له رسالة باسم الشعب اللبناني أن يستفيق، من حالة السكر التي كان فيها ومن حالة العجز في وزارته، ثم دفعه نحو الحائط".
"توقيف المعتدين لا يكفي"
في المقابل، صدر عن المكتب الاعلامي للوزير فياض بياناً قال فيه: "دأبت مجموعة معروفة من المخربين أو من يسمون أنفسهم زورا بالثوار على رصد وملاحقة وزير الطاقة والمياه الدكتور وليد فياض بطريقة متكررة وغير مسبوقة".
وأضاف البيان "وصل بهم الانحطاط الأخلاقي ليل أمس إلى الاعتداء الجسدي غدرا على الوزير فياض في وسط الشارع وهو معروف بتنقلاته دون مرافقة أمنية، ما هدد سلامته كمواطن قبل أن يكون وزيرا من قبل من نصبوا أنفسهم زورا كمتحدثين باسم الشعب والشعب براء منهم ومن أمثالهم".
وتابع: "خلافا لادعاءات بعض المحرضين، فإن الوزير فياض خرج لمحاورة المعتدين إيمانا منه بجدوى الحوار الحضاري البناء، وشرح ما قام به في الوزارة، بذهن صاف ووعي تام، وهذا مثبت في الفيديوهات المتداولة.
وزير الطاقة وضع "الاعتداء السافر" برسم كبار المسؤولين اللبنانيين والأجهزة الأمنية كافة، موضحا أنه سيتخذ صفة الادعاء الشخصي على كل من حرض ورصد وخطط وساهم بهذا الاعتداء.
وختم البيان قائلا إن "توقيف المعتدي أو المعتدين لا يكفي، بل يجب أن ينال عقابا باسم الشعب يحول دون تكرار ما حصل، فكرامات الناس أيا كان موقعها ليست رهنا لأحد وخصوصا لمجموعات متفلتة تتخطى كل القوانين والأعراف والأخلاق والقيم الانسانية مدعية النطق باسم الشعب اللبناني زورا".
خطر اللجوء إلى العنف
ومن كامل المشهد الذي رآه اللبنانيون، كان اللجوء في العنف بوجه الوزير من أبرز ما أثار اعتراضات، ودفع إلى التضامن مع فياض، حيث عبرت شريحة واسعة من رواد مواقع التواصل الاجتماعي، ومنهم نشطاء وفنانون وإعلاميون ومناصرون لقوى "17 تشرين"، عن رفضهم استخدام العنف تحت أي ذريعة بوجه شخص أعزل في موقع ضعيف، ومن خطر انتهاج هذا الأسلوب.
تصرفه غير لائق انو ينزل يسهر والبلد ما في كهربا وفي فاجعة بطرابلس . نعم صحيح . يحق للناس ان تعترضه وتناقشه في ما فعل...
Posted by Riad Kobaissi on Sunday, April 24, 2022
يقول الناشط السياسي، عماد بزي، إن شعوره بالتعاطف مع المسؤولين والوزراء في لبنان "شبه معدوم"، وفي حالة الوزير فياض يرى أن خروجه للسهر في تلك الليلة، "بينما يستمر إهمال الدولة بقتل الناس، يلغي بحد ذاته احتمالية التعاطف معه بما يمثل، ولكن ذلك لا يجعل ما جرى صحيحاً، استخدام العنف والاستقواء أمر مرفوض بكافة المعايير".
ويتابع بزي "التصرف بحد ذاته خاطئ، والاعتراض على مبدأ استخدام العنف واللجوء إليه كأسلوب تعبير أو مواجهة، فمن ضرب الوزير هو نفسه من ضرب العمال في منطقة نهر الكلب، وهو نفسه من ضرب الناس في منطقة الذوق حين مسه شعار "كلن يعني كلن"، وهو نفسه من سيتعرض لنا بالضرب في مواقف أخرى إن اختلفنا معه، فهذا أسلوبه".
ويرى، في حديثه لموقع "الحرة"، أن المشكلة في كون شريحة كبيرة من الناس في لبنان، "دجنها وطبعها النظام اللبناني لتحترم الأقوى وحامل السلاح ومن يتنقل بمرافقة ومواكب، ويمارس العنف في وجه الضعيف، هؤلاء أنفسهم باتوا يحبون مشهد استقواء شاب بعضلاته على وزير في موقع ضعف، وعبروا عن ذلك في تعليقاتهم على مواقع التواصل الاجتماعي، وهنا تكمن المشكلة، في تعميم هذه الذهنية التي ستنقلب إلى دوامة من العنف".
من جهتها، تعتبر حافظ أن ما جرى يأتي نتيجة للعنف الذي تعرضوا له كنشطاء ومتظاهرين من ناحية قوى السلطة، وتضيف "تعرضنا للضرب والقتل واقتلاع الأعين خلال التظاهرات، والقانون لم يحصل لنا حقنا، الدفعة التي وجهها إيلي للوزير لا تساوي شيئا أمام الضرب الذي كنا نتعرض له من قبل السلطة وأجهزتها، ولا الإذلال والأسى الذي نعانيه، وحتى بعد أن دفعه لم يكن هناك نية بالاعتداء عليه وإلا لكان حصل ذلك، بل طلبنا منه المغادرة، وهذا ما جرى، لنتفاجأ اليوم برفعه دعاوى قضائية ضدنا باسم الحرية".
حافظ تقول: "نحن ثوار ونمثل ثورة، ولم نحضر بتحركنا لإقامة علاقة صداقة مع الوزير، حين رأيناه بسكر ظاهر وواضح، قررنا عدم الاستقواء عليه، ولكن برأيي كان يجب أن نفعل أكثر من ذلك، به وبأمثاله، فحين تصل فاتورة الكهرباء في بيتي إلى 5 ملايين ليرة، بينما راتبي مليون ونصف، دون أن نرى الكهرباء أصلا، يحق لي أن أصرخ، والوزير مجبور على الاستماع إليّ، وحين يموت عمي بسبب انقطاع الكهرباء وعدم توفر مادة الأوكسيجين لديه، بينما يتمتع هذا الوزير بـ24 ساعة من الكهرباء، من حقي أن أفعل أي شيء".
ترفض الناشطة اللبنانية وصف ما جرى بالخطأ، لناحية التعرض للوزير، وتضيف "وقفنا كثيرا في الطرقات وبأساليب سلمية نصرخ بحقوقنا ولا أحد يسمع، وعدونا بالكهرباء والمياه والحياة الكريمة ولم نحصل على شيء من ذلك، وبرأيي ما جرى قليل نسبة لما كنا ننوي القيام به، برمي أي مسؤول في مستوعبات النفايات، على غرار ما سبق وحصل في أوكرانيا مع المسؤولين الفاسدين".
أما بزي، فيرى من ناحيته أن إطلاق الشعارات الشعبوية والأشعار الثورية في سياق التبرير هو أمر سهل جداً، "وهذا بالتحديد ما تفعله لجماهيرها الأحزاب السياسية التي تواجهها القوى التغييرية في لبنان، والرفض هنا للأسلوب بحد ذاته، الذي لا يمكن القبول به تحت أي شعار أو قضية، فالمشكلة هنا مبدئية وأخلاقية".
ظاهرة ملاحقة السياسيين
وأعادت الحادثة فتح النقاش حول ظاهرة ملاحقة السياسيين في تحركاتهم وأثناء ارتيادهم للأماكن العامة والمطاعم، التي لاقت انتشاراً وشيوعاً منذ احتجاجات 17 أكتوبر 2019، وأثارت منذ ذلك الحين جدلا حول الجدوى منها، ومدى قانونيتها، بحيث يرى فيها البعض مخالفة لحق من حقوق المواطنين المكفولة بالقانون، وهي حرية التنقل على الطرقات وفي الأماكن العامة.
أما مؤيدو هذه الخطوة يعتبرونها أسلوباً ناجحاً في إظهار مدى النقمة الشعبية على الطبقة السياسية الحاكمة، وإحراجهم في ممارستهم لحياتهم الطبيعية بينما يعاني الشعب اللبناني من ويلات الأزمة الاقتصادية وتأثيراتها على حياتهم اليومية.
وشهد لبنان على مدى أكثر من عامين، الكثير من الأحداث المشابهة والتي أدت في بعض الحالات إلى مواجهات مع الأمن المولج حماية الشخصيات، ومع المواكب التي تنقلهم إضافة إلى مواجهات بين المتظاهرين وجماهير الأحزاب السياسية التي لم تتردد في أكثر من مناسبة، في التوجه إلى مكان محاصرة الشخصية السياسية للدفاع عنه، الأمر الذي فاقم الجدل حول تلك التحركات وجدواها، مقابل التهديد الأمني الذي قد تمثله.
Violence will not solve the electricity crisis, or any of our crises. I am frustrated like the rest, but I personally cannot condone what happened
— The Levantine Conservative (@LevantineCath) April 25, 2022
#وليد_فياض #وزير_الطاقة
صفحة "ثورة ماب" على موقع إنستغرام، من بين أشهر الصفحات اللبنانية التي تلاحق وتواكب تحركات السياسيين والمسؤولين في لبنان، ويعتمد عليها المتظاهرون لمعرفة وجهة تحركاتهم، حيث تنشر كل ما يصلها من صور ومواقع تواجد تلك الشخصيات لحظة بلحظة، بحسب ما يصلها من معلومات، وفق ما يؤكد القائمون عليها، الذين يفضلون عدم الكشف عن هويتهم الشخصية، في حديثهم لموقع "الحرة"، لأسباب أمنية تتعلق بطبيعة نشاطهم.
وترى "ثورة ماب" أن كل شخص يمارس ثورته بالأسلوب الذي يجده مناسباً، "في نهاية الأمر هذه أنشطة في سياق ثوري ليس لها حدود، من يريد القيام بنشاطات بيئية ويمارس اليوغا كفعل اعتراضي حقه أن يفعل ذلك، ومن يريد التعبير عن غضبه عبر التحطيم والمواجهة حقه أيضاً، في نهاية الأمر الناس تعاني من الذل ولا يمكن ضبط ردود أفعالها، خاصة أن لا أحد يستجيب لمطالبهم أو يشعر معهم بمعاناتهم".
ويؤكد المشرفون على الصفحة أن مصدر معلوماتهم عن تحركات المسؤولين ترد من "مقربين" لتلك الشخصيات، "بعضهم يكون حاضراً على الطاولة نفسها في المطعم، وبعضهم مدعو، وأحياناً مواطنون عاديون يرونهم في تلك الأماكن أو في خارج البلاد، فيبلغون عنهم، كما أن مواكبهم وحركة طائراتهم تقدم الكثير من المعلومات لنا، لنتمكن من متابعتهم، فيما يقتصر عملنا على إيصال المعلومة ونشر ما يحصل، ونلتزم بشعار وحيد ونهائي 'كلن يعني كلن' ونتعامل مع كافة الشخصيات بكل انتماءاتها بالمستوى نفسه".
ويتابع القائمون على الصفحة أن "مواجهة المسؤولين في الأماكن العامة وتقييد حريتهم لا يمثل شيئا أمام الازعاج وتقييد الحرية الذي يمارسونه بحق الشعب اللبناني، لاسيما حين يمارسون حياتهم الطبيعية في أسوأ الظروف، في حداد عام معلن من قبل الحكومة، يتوجه الوزير ليرقص ويغني في مطاعم بيروت، هذه وقاحة."
ويختم القيمون على الصفحة باعتبار ما جرى مع الوزير فياض "أخذ حجماً أكبر بكثير مما يستحق الأمر، ومن المؤسف أن تنشغل مواقع التواصل بما حصل مع الوزير، فيما فرق الإنقاذ لا زالت تنتشل جثثاً من البحر في طرابلس، هذا الشعب كان يريد أن يعلق المشانق بعد انفجار مرفأ بيروت، من الغريب أن يزعجه تلقي وزير لدفعة".