الأوضاع الاقتصادية والمعيشية دفعت عدداً من اللبنانيين إلى الهجرة
الأوضاع الاقتصادية والمعيشية دفعت عدداً من اللبنانيين إلى الهجرة

لا تزال تداعيات غرق المركب الذي كان يقل مهاجرين غير شرعيين من مدينة طرابلس شمال لبنان إلى السواحل الإيطالية تتفاعل، لاسيما مع تصويب الناجين أصابع الاتهام إلى الجيش اللبناني وبالتحديد إلى الضابط المسؤول الذي أمر بإيقافهم ومنعهم من استكمال رحلتهم، في وقت عزا الجيش اللبناني، في بيان، وقوع الحادثة إلى تسرّب المياه بسبب ارتفاع الموج وحمولة المركب ‏الزائدة.

ومنذ الساعات الأولى لغرق المركب، قال بعض الناجين إن الارتطام كان مقصودا، لتتوحد بعدها الرواية التي يقصها جميعهم كبارا وصغارا عن اللحظات التي سبقت الفاجعة وكيفية وقوعها، وبين تحميل الجيش مسؤولية غرق المركب ونفي ذلك، يطرح السؤال ما الذي سيدفع ضابطا  إلى إغراق مركب على متنه عشرات الأرواح؟

لكشف ملابسات ما حصل أعلن وزير الإعلام، زياد مكاري، بعد انتهاء جلسة استثنائية لمجلس الوزراء ترأسها الرئيس اللبناني ميشال عون، وشارك فيها قائد الجيش ومدير المخابرات وقائد القوات البحرية خصصت للبحث في الحادثة، الثلاثاء، أن الحكومة قررت "الطلب من قيادة الجيش إجراء تحقيق شفاف حول ظروف وملابسات الحادث وذلك تحت إشراف القضاء المختص".

وأوضح مكاري أن القضاء العسكري سيتولى التحقيق. كما كلفت الحكومة وزارتي الخارجية والدفاع التواصل مع الدول والجهات المعنية للمساعدة على تعويم المركب الغارق، لاسيما وأنه لا يزال هناك عدد كبير من المفقودين.

"مجزرة متعمدة"

على خلاف رحلات الهجرة غير الشرعية التي ينظمها مهربون لقاء مبالغ مالية محددة عن كل شخص، قرر بلال الدندشي "أبو ابراهيم" وشقيقاه وأقاربه ومعارفه، كما قال لموقع "الحرة"، شراء مركب وتجهيزه للانطلاق به نحو "الحلم الكبير" بالوصول إلى دولة أوروبية والحصول على لجوء، لكن جرت رياح "أبو ابراهيم" ومن معه بما لا تشتهي "سفينتهم".

وشرح "أردت إيصال أولادي إلى بر الأمان والعيش في بلد يؤمن أدنى مقومات الحياة الكريمة من أمن وأمان، وقبل حوالي الثلاثة أشهر اشترينا المركب، جهزناه بأفضل التجهيزات، أمنّا صيانته من خلال ميكانيكي قرر أن يكون معنا في الرحلة وأشخاص لديهم خبرة في البحر".

ثلاثة أشهر والمركب مركون على بعد أمتار من أنظار الجيش كما شدد "أبو إبراهيم"، يقاطعه شقيقه عميد قائلا "منذ الساعة الثانية عشر من ظهر السبت الماضي كان المركب مركونا على شاطئ القلمون في النقطة التي انطلقنا منها، سبع ساعات ولم يتدخل الجيش، وفوق هذا هناك وثيقة اتصال أمنية صدرت سابقا عن احتمال هروبنا ومكان تواجد المركب ولم تحرك القوى الأمنية ساكنا، من هنا أؤكد أن ما حصل جريمة ممنهجة لإعدامنا".

بعد ساعات من انطلاق المركب إلى وجهته، طارده، بحسب "أبو إبراهيم"، زورق تابع للجيش اللبناني، بدأ بخلق أمواج من حولنا ورشنا بالمياه وشتمنا وتهديدنا بالسلاح، وعندما أدرك العسكريون أننا لن نتوقف اقترب زورق كبير على متنه ضابط، طلب منا "العودة"، مهددا بالقول "حتى ما قبّركم (عبارة عامية تعني حرفيا: دفنكم، ولكن تستخدم للتهديد"، أكملنا طريقنا وقبل أن نقطع المياه الإقليمية بنحو 5 دقائق اتخذ قراره بارتكاب مجزرة بحقنا وحق أطفالنا ونسائنا".

تعّمد زورق الجيش، وفق ما يقول "أبو إبراهيم" "الالتفاف نحو خمس مرات ليطفئ بعدها الإنارة ويصدم مؤخرة زورقه الفولاذي بمقدمة مركبنا المصنوع من الفيبر، ما أدى إلى شقه من الأسفل عندها بدأ عسكري بالصراخ متوجها إلى الضابط بالقول (قتلتهم، انشق المركب) وأنا أدعو هذا العسكري إن كان شريفا إلى الإدلاء بإفادته على العلن"، مضيفا "تجاوز الزورق بعدها مركبنا واصطدم بنا للمرة الثانية لتحل الفاجعة".

لكن في مؤتمر صحافي عقده قائد القوات البحرية في الجيش اللبناني، العقيد الركن هيثم ضناوي، قال "عملنا على إيقاف المركب وإقناع قائده أنه معرض للغرق حيث كان محملاً بما يزيد عن 15 أضعف حمولته المسموحة، حاولنا أن نمنعه من الانطلاق ولكنه كان أسرع منا".

وأوضح قائد القوات البحرية أن حمولة المركب لم تكن تسمح له بأن يبتعد عن الشاطئ، ولم يقتنعوا من عناصرنا الذين يعانون نفس معاناتهم، وقائد المركب اتخذ القرار بتنفيذ مناورات للهروب من الخافرة (زورق كبير للجيش) بشكل أدى إلى ارتطامه، ولم يتم استعمال السلاح من قبل عناصرنا.

ليست المرة الأولى كما قال "أبو إبراهيم" التي يحاول فيها الهجرة، فقبل حوالي الستة أشهر فعل الأمر نفسه، لكن مع أحد المهربين "لسوء الحظ تعطل المركب في البحر، عمل الجيش على سحبنا، لكن هذه المرة بعدما تم إغراق مركبنا تراجع الزورق العسكري خشية من خروج ناجين يروون ما حصل".

وعن السبب الذي سيدفع ضابط إلى إغراق مركبهم، قال "باختصار لأننا لم ندفع المال للمافيا البحرية ولم نتواصل معها كي تغطي هروبنا، ففي الرحلة السابقة التي كنت على متنها دفع مالك المركب 7 آلاف دولار لتأمين خروجه من المياه الاقليمية"، متسائلاً "لماذا سارع الجيش إلى إصدار بيان حملنا فيه مسؤولية ما حصل وذلك قبل فتح تحقيق؟ وكيف تمكّن مركب من الوصول إلى قبرص في اليوم التالي من دون أن يلاحقه الجيش"؟.

وشدد "خسرنا 10 أشخاص، دفنا اثنين منهم، بقي 8 جثث من عائلتنا في المياه نريد سحبها (انتشالها)، أما مطلبنا الثاني فهو تحويل القضية إلى المجلس العدلي لمحاكمة من أعطى أمر ارتكاب الجريمة ومن نفذها".

وختم "السياسيون هم من أوصلونا إلى هنا، خسرت زوجتي وابنتي وابني ونجا لي ولدان، في حين فقد شقيقي عميد ثلاثة أطفال أما شقيقي رائد فخسر زوجته وابنته وابنه".

شهادات "متطابقة"

دفعت الأوضاع الاقتصادية والمعيشية عددا من اللبنانيين إلى سلك الطريق الذي بدأه فلسطينيون وسوريون قبلهم بالمجازفة في البحر لتحقيق حلم الهجرة إلى أوروبا، وبحسب الأمم المتحدة، حاول 38 قارب على متنها أكثر من 1500 شخص منذ عام 2020 الفرار عبر البحر انطلاقاً من لبنان، وقد تم اعتراض أو إعادة أكثر من 75 في المئة منها.

المأساة كبيرة، أطفال تيتموا، منهم من خسر أحد والديه ومنهم من خسر كلاهما، ابن باب التبانة علي الحموي دفع الثمن باهظاً، فالطفل الذي كان يلعب مع أولاد جيرانه على مقربة من العزاء الذي أقامته العائلة على أرواح من دفنتهم ومن بقي منهم مفقودا في المياه، تحدث لموقع "الحرة" عن اللحظات التي سبقت الكارثة، قائلا "كنا نتناول الطعام حين تفاجأنا بزورقين للجيش، بدأ من عليهما بتهديدنا وتوعدنا بالموت، لينضم إليهما زورق ثالث، افتعلوا أمواجا في البحر قبل أن يختفيا ليصطدم بعدها زورق كبير بنا كسر المركب وأغرقنا، بدأ والدي بإنقاذ الناس وعندما حاول إنقاذ والدتي ابتلعته المياه في حين نجوت وشقيقتيّ".

خسر علي والديه وشقيقته إضافة إلى زوجة أبيه وابنتها، وكما قال عمه إبراهيم "لو لم يكن وضع شقيقي مزر إلى أبعد الحدود لما كان غامر بعائلته، فحتى الدواء والحفاضات لأولاده كان عاجزاً عن تأمينها، باع كل ما يملك وقرر البحث عن حياة جديدة لكن للأسف حتى الحلم يستكثره البعض على الفقراء".

كذلك تحدث الطفلان غازي ومحمد القدور (من سكان القبة) اللذان خسرا والدتهما وشقيقهما في البحر عن اصطدام مركب الجيش عمداً بمركبهم، وكما قال عمهما يوسف "المركب لم يكن للتجارة، العائلات اشتركت في دفع ثمنه وصيانته وتجهيزه حيث بلغت كلفته بين 40 إلى 50 ألف دولار".

وأضاف "في لبنان حتى من وضعه المادي جيد لا يمكنه العيش، فلا دواء ولا محروقات ولا كهرباء باختصار لا حياة، وفي طرابلس نعيش مأساة مختلفة عن باقي المناطق، فالغالبية العظمى منا تحت خط الفقر"، مشدداً "وجعنا كبير جداً، راتب شقيقي العسكري في الجيش مليون و300 ألف ليرة أي ما يناهز 48 دولار فكيف يكفي عائلة كانت مؤلفة من ثلاثة أولاد".

وفي القبة كذلك كان يوسف الجمل جالساً لتقبل التعازي، بعدما انقلب حلمه إلى كابوس، حيث خسر خمسة من أفراد عائلته هم زوجته هند وابنته ليليان وزوجة ابنه حنان مرعب وطفلاها يوسف وريماس.

وشرح "نحن عدة عائلات قررنا شراء مركب والهجرة من هذا البلد، انطلقنا وكل اعتقادنا أنه اذا لاحقنا الجيش أقصى ما سيفعله بحسب القانون مطاردتنا ونصحنا والمحاولة بطرق سلمية إعادتنا إلى الشاطئ لكن بدلاً من ذلك لاحقنا زورق عسكري حاول إغراقنا من خلال غمر مركبنا بمياه الأمواج المفتعلة، قبل أن يتراجع قليلاً ويتقدم زورق كبير نفذ قرار تدميرنا، بعد أن التف حولنا عدة مرات، شتمنا بكلام ناب، اصطدم بمقدمة مركبنا ما أدى إلى انشقاقه، وفي الاصطدام الثاني أغرقنا".

الرجال الذين كانوا في الطبقة الثانية من المركب قفزوا إلى المياه، أما النساء والأطفال فغرقوا مع المركب، وقال يوسف "استنجدنا بالجيش لإنقاذنا، رفضوا الاقتراب طالبين منا نحن الغرقى الاقتراب من زورقهم"، وشدد "لو دفعنا المال للضابط لكان رافقنا حتى نتجاوز المياه الإقليمية، ولأننا لم نفعل ذلك انتقم منا مرتكباً هذه المجزرة".

وعن وضعه الاجتماعي والاقتصادي الذي دفعه للهجرة، شرح "عاطل عن العمل وفي ذات الوقت أعاني من عدة أمراض سبق أن خضعت لعمليات ولا أملك ثمن الدواء".

كما تحدث محمد ابن شقيق يوسف قائلا "أنا عسكري فار من الجيش منذ خمسة أشهر، وجدت في الهجرة وسيلة للخلاص لكن ما واجهته لا يصدقه عقل، اطلعنا قبل الانطلاق أن الجيش قد يلاحقنا وطلب منا أن لا نوجه له أي كلام، حتى أننا لم نرتد سترات نجاة كوننا لم نتوقع أن تصل الأمور إلى هذا الحد وأن يأذينا من يفترض أنه حامي الوطن والشعب، ويصطدم بنا عمداً لإغراقنا بعد إطفائه الأنوار".

وأضاف "المشهد بعد غرقنا لا يوصف، صريخ الأطفال والنساء، أينما ألتفت كنت أجد أشخاصاً يغرقون وآخرين يبحثون عن أقاربهم وأطفالهم، وما ضرنا أكثر المازوت الذي تسرب وابتلعناه مع المياه".

أحد السوريين الناجين، رفض الكشف عن اسمه خوفاً من أن يتم توقيفه، كرر ما قاله الناجون بأن الاصطدام حصل عمداً "أردت الوصول إلى السواحل الإيطالية ومنها إلى ألمانيا، كان حلمي أن أتمكن من إجراء معاملات لم شمل لزوجتي وابني ونكمل ما تبقى لنا من العمر في دولة تحترم من يسكنها وذلك بعد 11 عاماً أمضيانها في لبنان على هامش الحياة"، مشدداً "سأعاود المحاولة فأنا في هذا البلد ميت مع وقف التنفيذ".

تحقيق وعلامات استفهام

يشكل شاطئا الميناء والقلمون، شمالي لبنان، نقطتي عبور رئيسيتين نحو "حلم" الحصول على اللجوء في إحدى الدول الأوروبية، وبعد الحادثة المأساوية تسود حالة غضب العائلات المفجوعة من كل سياسيي طرابلس ولبنان الذين لم يتم تحييدهم عن تحمل مسؤولية غرق المركب نتيجة سياساتهم التي أوصلت البلد إلى الانهيار.

يوم الثلاثاء صدر بيان عن قيادة الجيش، أكدت خلاله أن مديرية المخابرات تواصل بناء لإشارة مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية القاضي فادي عقيقي تحقيقاتها، وتمت معاينة مكان الحادثة من قبله مع فريق من الضباط المحققين، ولاتزال التحقيقات مستمرة لكشف الملابس.

مصدر في مخابرات الجيش اللبناني أكد لموقع "الحرة" أنه تم فتح التحقيق بالحادث وحتى الآن لديهم موقوفاً وهو قبطان المركب الذي يحمل الجنسية السورية، وسيشمل التحقيق كما قال "كل العناصر سواء المدنية أي الناجين الذين لديهم معطيات ويمكنهم مساعداتنا في الوصول إلى الحقيقة وكذلك الضباط والعناصر الذين شاركوا في الملاحقة العسكرية والأمور التقنية وكافة التفاصيل".

وشدد المصدر على أهمية كشف ملابسات ما حصل بشكل سريع "الموضوع حساس وخطير ودقيق على مستوى الساحة الطرابلسية بشكل خاص واللبنانية بشكل عام، القضية إنسانية وأخلاقية، وجميع اللبنانيين يريدون معرفة ما حصل".

وعن الاتهامات بالتقصير في سحب المفقودين، قال "على العكس نقوم بكل واجباتنا، عملية الإنقاذ مستمرة، نحن متواجدون على سطح المياه، لكن المشكلة عدم توفر الإمكانات لدينا لانتشال المركب من عمق 450 متراً، لذلك يفترض على الدولة اللبنانية أن تجري اتصالاتها مع دول لديها القدرة على المساعدة".

من جانبه، أكد الخبير الاستراتيجي، العميد الركن المتقاعد خالد حمادة، أن لا أحد يمكنه أن يتخذ قراراً بإغراق أي مركب، شارحاً "ربما مناورة الاعتراض لم تكن محترفة بما فيه الكفاية وربما تسببت حالة البحر بفشلها وأدت إلى حصول التصادم وهذا ما يفسر  تكرار المحاولة".

وأضاف في حديث لموقع "الحرة" "كان بالإمكان اقتراب زوارق مطاطية من المركب وصعود عناصر عسكرية عليه لضبطه والسيطرة عليه واقتياده إلى الشاطئ، وربما هناك تهور من قائد مركب المهاجرين ومحاولة الفرار. لا يمكن الجزم بأي تفسير قبل انتهاء التحقيق خاصة وأن الحادث حصل ليلاً ولا نعلم شروط الرؤية وطبيعة البحر ومستوى الأمواج".

لكن هناك تساؤلات تبقى مطروحة بالرغم من كل الظروف التي رافقت الحادث المفجع، حيث قال العميد حمادة "كيف تجمع عشرات الركاب ومنهم نساء وأطفال من دون أن تنتبه لهم العناصر الأمنية المولجة بمراقبة المرفأ لاسيما وأن المرافئ اللبنانية سواء كانت شرعية أو غير شرعية تخضع لسيطرة مخابرات الجيش والوحدات العسكرية؟ ولماذا لم  يرصد الرادار المركب منذ انطلاقته خاصة أن شبكة الرادارات المتوفرة لدى القوات البحرية قادرة على رصد أي جسم بحري يتحرك ضمن المياه الإقليمية؟ ولماذا تأخرت خافرة القوات البحرية في الوصول إلى المركب لنحو ثلاث ساعات؟ ولماذا لم تكن عملية الإنقاذ بالمستوى المطلوب؟".

من المؤكد كما قال العميد حمادة إن "خطأ جسيماً وقع، القضية تحتاج إلى تحقيق شفاف ومتخصص لتحديد المسؤوليات واتخاذ الإجراءات للحد من تكرار حوادث مماثلة".

بين المنازل السكنية في الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية، يزرع حزب الله الموت.. صواريخ وذخائر في أقبية المباني والمستودعات.
بين المنازل السكنية في الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية، يزرع حزب الله الموت.. صواريخ وذخائر في أقبية المباني والمستودعات.

بين المنازل السكنية في الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية، يزرع حزب الله الموت.. صواريخ وذخائر في أقبية المباني والمستودعات.

قبل أيام، عرض الجيش الإسرائيلي مشاهد لقصف استهدف بنية تحتية قال إنها خُصصت لتخزين صواريخ دقيقة في الضاحية الجنوبية لبيروت، مؤكداً أنه دمرها بالكامل. لم تكن هذه المرة الأولى التي تنشر فيها إسرائيل مقاطع تُظهر استهداف مستودعات أسلحة لحزب الله تتطاير منها الذخائر والصواريخ وسط أحياء سكنية.

أعادت واقعة الضاحية الجنوبية تسليط الضوء على المخاطر الجسيمة التي تتهدد حياة المدنيين في مناطق نفوذ حزب الله.

الدروع البشرية تحمي السلاح؟

بلغ حزب الله من حال الارتباك والضعف درجة الاحتماء بالمدنيين، كما يقول المحلل السياسي الياس الزغبي وهذا ما يفسّر برأيه "تخزينه الأسلحة في عمق المناطق الآهلة وفقاً لما ظهر في الهنغار الذي استهدفته إسرائيل قبل بضعة أيام في الضاحية الجنوبية لبيروت".

وهذا ما يفسّر أيضاً وفق ما يقوله الزغبي لموقع الحرة "الإنذار الذي وجهته إسرائيل إلى المدنيين القاطنين في محيط هذا الموقع كي تتفادى نقمة عالمية في حال سقوط قتلى من الأهالي. ولوحظ هذه المرة أن فترة الانذار كانت أطول من سابقاتها بهدف إتاحة الوقت الكافي لإخلاء الأبنية المحيطة بالموقع المستهدف".

عملياً، لم يعد حزب الله يقيم وزنا للمدنيين، يقول الزغبي، بل لعلّه يفضل وفق ما يشدد "سقوط قتلى كي يستثير العواطف ويؤجج مشاعر بيئته، فهو يضع أولوية الحفاظ على سلاحه قبل أي أمر آخر، حتى لو سقطت أرواح بريئة. وبذلك يكون قد استبدل شعاره "السلاح يحمي السلاح" بشعار جديد "الدروع البشرية تحمي السلاح"!.

يذكر أن للبنانيين تجارب عديدة مع استخدام حزب الله للمناطق اللبنانية في سبيل أنشطته العسكرية، لا سيما في حرب عام 2006، حيث أجرت منظمة "هيومن رايتس ووتش" تحقيقاً موسعاً حول أداء حزب الله خلال تلك الحرب، بيّن أن الميليشيا التي تصنفها الولايات المتحدة منظمة إرهابية، عرّضت في مواقف عدة موثقة بالتواريخ والأمكنة حياة المدنيين للخطر، إما بسبب نشاطها العسكري أو بسبب إخفاء مخازن أسلحة بين المدنيين.

ووثقت المنظمة حينها عدداً من الحالات التي انتهك فيها حزب الله قوانين الحرب عبر تخزين الأسلحة والذخيرة في مناطق مأهولة وعدم بذل أي جهد بغرض إبعاد المدنيين الواقعين تحت سيطرته عن تلك المناطق.

ونقل التحقيق معلومات مفادها أن حزب الله خزن أسلحةً في مناطق مدنية بضواحي بيروت الجنوبية. وقابل مدنيين في الضاحية الجنوبية نقلوا لـ"هيومن رايتس ووتش" مشاهداتهم لتخزين ونقل الأسلحة من مبان سكنية في الضاحية الجنوبية والاحتماء في ملاجئ مدنية، وهو ما اعتبره التحقيق انتهاكاً للقانون الدولي الإنساني بتعريض المدنيين للخطر.

في حينها، رأت المنظمة أن الحالات التي قام بها الحزب بتخزين الأسلحة ونشر المقاتلين في أحياء كثيفة السكان، فإنه كان يرتكب انتهاكاً جسيماً لقوانين الحرب، تتضمن "اتخاذ المدنيين دروعاً".

مخاوف محلية وتحذيرات دولية

منذ سنوات، يواصل الجيش الإسرائيلي نشر صور ومقاطع مصورة تُظهر منشآت ومخازن ومصانع صواريخ تابعة لحزب الله، أقيمت وسط مناطق مدنية مأهولة، بعضها يقع قرب مدارس ومساجد ومرافق حيوية. وتتهم إسرائيل الحزب باستخدام السكان المدنيين كدروع بشرية وكساتر لتخزين سلاحه وتنفيذ مخططاته العسكرية، في حين ينفي حزب الله هذه الاتهامات بشكل متكرر.

"والمشكلة أن المدنيين لا حول لهم ولا قدرة على مواجهة ما يقرره حزب الله"، كما يقول الزغبي، "وهم مجبرون على تنفيذ مشيئته ولو على حساب استقرارهم وسلامتهم، لكنهم يتهامسون فيما بينهم عن المصيبة التي أوقعهم فيها الحزب ويناشدون الدولة لإنقاذهم ويسلّمون أمرهم لله".

وشكّل هذا الملف على الدوام محور تجاذب وخلاف داخلي في لبنان، في ظل رفض شريحة واسعة من اللبنانيين لتحويل مناطقهم إلى ساحات عسكرية، وقد برزت هذه المعارضة بشكل واضح في حادثة بلدة شويا في قضاء حاصبيا عام 2021، حين اعترض الأهالي على إطلاق صواريخ من منطقتهم، وقاموا بتوقيف راجمة تابعة لحزب الله. وتكررت مشاهد التوتر في بلدة الكحالة، حيث اندلع اشتباك بين سكان المنطقة وعناصر من الحزب، إثر سقوط شاحنة كانت تنقل أسلحة في قلب البلدة.

وشهدت السنوات الماضية تصاعداً في التحذيرات المحلية من خطورة هذه الممارسات، والتي لم يقتصر على الساحة اللبنانية فحسب، بل اتخذ أبعاداً دولية. ففي عام 2020، أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو، من على منبر الجمعية العامة للأمم المتحدة، عن وجود مصنع صواريخ في منطقة الجناح في بيروت، ما أثار موجة من الجدل والقلق. ورداً على الاتهامات، نظّم الجانب اللبناني جولة ميدانية لسفراء عدد من الدول الأجنبية إلى الموقع المذكور، في مسعى لنفي صحة الاتهامات الإسرائيلية وتأكيد خلو المنطقة من أي نشاط عسكري.

وعقب الحرب الأخيرة بين حزب الله وإسرائيل، عاد الحديث عن سلاح الحزب إلى الواجهة، في ضوء اتفاق وقف إطلاق النار الذي يستند إلى القرار الدولي 1701، والذي يشدد بدوره على تنفيذ القرار 1559 القاضي بحصر السلاح بيد الدولة اللبنانية ونزع سلاح الميليشيات.

خرق للقانون الإنساني

يفرض تخزين الأسلحة والصواريخ الالتزام بإجراءات دقيقة وبروتوكولات صارمة تأخذ في الحسبان مختلف الاحتمالات، بما في ذلك خطر الاستهداف، أو التعرض لخلل تقني، أو نشوب حريق، أو تلف المواد المخزنة. ويستدعي ذلك دراسة منهجية لمواقع التخزين، وضمان ابتعادها عن المناطق السكنية لتفادي أي أضرار محتملة. كما يشترط، في هذا السياق، تفكيك المقذوفات كالصواريخ وجعلها غير مفعّلة أثناء التخزين، بهدف الحد من تداعيات أي طارئ قد يؤدي إلى انفجارها أو تسرب مواد خطرة إلى محيطها.

ويلزم القانون الإنساني الأطراف المتقاتلة اتخاذ الاحتياطات اللازمة لحماية ما تحت سيطرتها من سكان مدنيين من الأخطار الناجمة عن العمليات العسكرية، ويشمل هذا تجنب إقامة أهداف عسكرية (كالأسلحة والذخيرة) في المناطق المكتظة بالسكان، وعند تعذر ذلك نقل السكان المدنيين بعيداً عن المناطق المجاورة للأهداف.

وتشدد اللجنة الدولية للصليب الأحمر على اتخاذ أقصى "الاحتياطات المستطاعة" خلال الحروب لتجنيب المدنيين آثار العمليات العسكرية، حيث تدعو لاتخاذ الخطوات المطلوبة للتعرف على الهدف العسكري المشروع "في الوقت المناسب وبالشكل الذي يعفي السكان المدنيين من الضرر قدر المستطاع".

ومن بين الاحتياطات، تجنب "إقامة أهداف عسكرية داخل المناطق المكتظة بالسكان أو بالقرب منها، وتدعو أطراف النزاع للسعي بجهد إلى "نقل ما تحت سيطرتهم من السكان المدنيين بعيداً عن المناطق المجاورة للأهداف العسكرية".

وتحذر من أنه لا يجوز لأطراف النزاع استخدام المدنيين لصالح "درء الهجمات عن الأهداف العسكرية" أو التذرع بوجودهم في "درء الهجوم عن الأهداف العسكرية، أو تغطية، أو تحبيذ، أو إعاقة العمليات العسكرية، وإذا استخدم أحد أطراف النزاع المدنيين كدروع يجب ألا يفعل الطرف الآخر مثله، وأن يستمر في اتباع قواعد القانون الإنساني الدولي، وتفادي الهجمات العشوائية واتخاذ الاحتياطات لحماية المدنيين".

معادلة مكشوفة

منذ توريط حزب الله للبنان بالحرب الأخيرة مع إسرائيل، تتعالى أصوات داخل لبنان وخارجه تطالب حزب الله بالالتزام الكامل بالقرارات الدولية، إلا أن الحزب لا يزال يرفض التخلي عن سلاحه في شمال الليطاني، ويضع شروطاً مسبقة للدخول في أي حوار وطني حول هذه المسألة.

من أبرز شروط الحزب، بحسب تصريحات مسؤوليه، أن أي نقاش حول تسليم سلاحه يجب أن يسبقه انسحاب إسرائيل من خمس نقاط في جنوب لبنان.

وحتى الآن لا تبدو الدولة اللبنانية وفق ما يقوله الزغبي "قادرة على حماية الناس من سطوة الحزب، وتتعامل بحذر شديد معه تخوفاً من التصادم وشبح الحرب الأهلية، لكن المجتمع الدولي لن يسمح باستمرار هذا الوضع الضاغط على الدولة، وقد بدأ يضعها أمام استحقاق نزع السلاح غير الشرعي ضمن مهلة محددة قبل أن تتمادى إسرائيل في عملياتها العسكرية".

وفي أي حال بات لبنان كما يشدد الزغبي "أمام معادلة مكشوفة: حصر السلاح فعلياً في يد الجيش أو التعرض المستمر للغارات الإسرائيلية. والمسألة ليست مفتوحة، بل تقاس بالأسابيع".