إعلان الأمن العام أثار مخاوف كثير من اللبنانيين الذين لا يملكون جوازات سفر
إعلان الأمن العام أثار مخاوف كثير من اللبنانيين الذين لا يملكون جوازات سفر

أعلن الأمن العام اللبناني وقف العمل بالمنصة الإلكترونية المعتمدة من قبله لتقديم اللبنانيين طلبات الحصول على جوازات السفر وتحديد مواعيدها، وذلك بعد ما شارف مخزون جوازات السفر الموجود لديه على النفاد، فيما لم يتم تمويل عملية الحصول على جوازات جديدة.  

وصدر عن المديرية العامة للأمن العام اللبناني بيان يشرح الأسباب التي أوصلت إلى هذه المشكلة، مؤكدا أن "دوائر الأمن العام شهدت اعتبارا من العام 2020، ضغطا كبيرا على طلبات جوازات السفر، فاقت عشرات أضعاف الأعوام السابقة، مما أثر على مخزون جوازات السفر لديها." 

ولفت البيان إلى أن الأمن العام، "ومن أجل تدارك هذا الوضع قبل أن يتفاقم، سيما وأن الحصول على جواز سفر هو حق لكل لبناني"، اتخذ مطلع العام 2021 الإجراءات الإدارية اللازمة وفقا للقوانين والأنظمة المرعية لتأمين جوازات سفر جديدة".

وتواصل المسؤولون فيها مع إدارات الدولة ومؤسساتها لإبرام العقود المطلوبة والتعجيل بتأمين التمويل اللازم لتحقيق المشروع، "ولكن حتى تاريخه لم يتم ايفاء الشركة المتعاقدة قيمة العقد الموقع، مما أدى الى تأجيل تسليم الكمية المطلوبة إلى الأمن العام، في وقت بدأت الكمية المتوفرة من جوازات السفر بالنفاد"، وفق البيان. 

وبناء على ذلك، يقول البيان: "اضطرت المديرية العامة للأمن العام إلى وقف العمل بمنصة مواعيد جوازات السفر اعتبارا من تاريخ 27/4/2022 حفاظا على صدقية الأمن العام أمام المواطنين، لعدم منحهم مواعيد جديدة دون إمكانية استقبالهم، وذلك إلى حين قيام المعنيين بإجراء اللازم وتأمين الأموال المطلوبة لتنفيذ العقد المبرم مع الشركة." 

ويختم الأمن العام اللبناني بالتوضيح أن "كل من لديه موعد على المنصة سيتم منحه جواز سفر وفقا للموعد المعطى له سابقا".  

وأثار إعلان الأمن العام مخاوف كثير من اللبنانيين الذين لا يملكون جوازات سفر، أو يحملون جوازات ذات مدة صلاحية منتهية أو يقترب موعد انتهائها، وذلك لما يمثله ذلك من شبه احتجاز قسري لهم في البلاد التي تتداعى تحت وطأة أسوأ أزمة اقتصادية في تاريخها ومن الأعقد في تاريخ العام. 

وعبر اللبنانيون عن تلك المخاوف على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث رأوا بالقرار الأخير للأمن العام مشهدا جديدا من مشاهد تداعي وانهيار المؤسسات الرسمية في البلاد. فيما طالب آخرون بإيجاد حلول سريعة تضمن حق المواطن اللبناني بالحصول على جواز سفر كجزء من حقوقه المدنية المكتسبة والمكفولة في القوانين.  

وتستمر معاناة اللبنانيين على مدى العامين الماضيين في الحصول على جواز السفر أو تجديده، بسبب الإقبال الكثيف للحصول وتجديد جوازات السفر، تزامنا مع الأحداث التي عصفت بالبلاد، وما تبعها من تأثيرات وتبعات أدت إلى انهيار العملة المحلية ومعها القدرة الشرائية لرواتب اللبنانيين، ما أحال 55 في المئة منهم على خط الفقر، فيما يعاني أكثر من 80 في المئة منهم من فقر متعدد الأوجه بحسب تقارير صادرة عن "اليونيسكو".   

الإقبال الذي لم يكن متوقعا بحسب الأمن العام اللبناني، دفع به لاتخاذ إجراءات للحد من الإزدحام اليومي، عبر وضع شروط محددة للحصول على جوازات السفر المستعجلة، وتحديد العدد اليومي من الأفراد المجاز لهم تقديم طلبات الحصول على جوازات السفر، إضافة إلى اعتماد نظام المواعيد المحددة مسبقا لتقديم الطلبات والتي وصل مداها إلى أكثر من ثلاثة أشهر.  

ودفعت الأزمة باللبنانيين إلى الاتجاه أكثر نحو خيار الهجرة، لاسيما في ظل انعدام الحلول الواضحة في الأفق واستمرار الأزمة السياسية التي تنعكس أيضا على الواقع الاجتماعي للبلاد، حتى سميت المرحلة الحالية بـ"موسم الهجرة الثالثة"، في إشارة إلى كونها الموجة الأكبر بعد الأولى التي امتدت من أواخر القرن 19 وحتى الحرب العالمية الأولى حيث هاجر خلالها نحو 330 ألف شخص والموجة الثانية التي جرت خلال الحرب الأهلية (1975 – 1990) والتي سجلت هجرة حوالي 990 ألف شخص. 

ووفقا لأرقام صادرة عن "الدولية للمعلومات"، وصل عدد اللبنانيين المهاجرين والمسافرين عام 2021 إلى 79134 مقارنة بـ 17721 فردا في عام 2020، 18 ألفا في عام 2017، 33 ألفا في عام 2018 و66806 في عام 2019. وتبين، أيضا، أن عدد اللبنانيين الذين هاجروا وسافروا من لبنان خلال الأعوام 2017- 2021 قد وصل إلى 215,653 شخصا.   

وبحسب "الدولية للمعلومات" "تقف الأزمة الاقتصادية والمالية والمعيشية التي يشهدها لبنان، وراء ارتفاع أعداد المهاجرين والمسافرين بحثا عن فرصة عمل يفتقدونها في وطنهم، أو عن خدمات حياتية أساسية أصبحت شبه معدومة من الكهرباء والمياه والصحة والنظافة". 

الأرقام تظهر أن أكثر المهاجرين هم من الفئات الشابة، حيث أن 70 في المئة منهم تتراوح أعمارهم بين 25 و40 عاما، وقد خسر لبنان خلال السنوات الخمس الماضية نحو 5 في المئة من سكانه. 

ويواجه القطاع العام والمؤسسات الحكومية في لبنان أزمة تمويل كبيرة، كنتيجة لانهيار العملة المحلية، وهو ما انعكس تدنيا كبيرا في قدرة الحكومة اللبنانية على تمويل مشاريع تلك المؤسسات، وتشغيل المرافق والمؤسسات العامة، ما أدى إلى شلل شبه تام في عملها، ونقص فادح وصل إلى حد اللوازم اللوجستية والمكتبية، والعجز عن تأمين حتى الكهرباء اللازمة لعملها، فضلا عن تأمين التمويل اللازم للإصدار وثائق ثبوتية للمواطنين.  
 

متسوقون في سوق النبطية الذي أعيد فتحه بعد تدميره خلال الحرب الأخيرة بين إسرائيل وحزب الله، في النبطية، جنوبي لبنان، 19 مايو 2025. رويترز
متسوقون في سوق النبطية الذي أعيد فتحه بعد تدميره خلال الحرب الأخيرة بين إسرائيل وحزب الله، في النبطية، جنوبي لبنان، 19 مايو 2025. رويترز

وسط أنقاض خلفها القصف الإسرائيلي لجنوب لبنان، تحث ملصقات دعائية الناخبين على التصويت لجماعة حزب الله في الانتخابات البلدية غدا السبت، وسط مساعي الجماعة لإظهار أنها لا تزال تتمتع بنفوذ سياسي على الرغم من الضربات الموجعة التي تلقتها العام الماضي في الحرب مع إسرائيل.

والانتخابات البلدية بالنسبة لحزب الله أكثر أهمية من أي وقت مضى، إذ تتزامن مع تزايد الدعوات لنزع سلاح الجماعة واستمرار الضربات الجوية الإسرائيلية، وفي وقت لا يزال فيه كثير من قاعدتها الانتخابية من الشيعة يئنون تحت وطأة تداعيات الصراع.

ومضت بالفعل ثلاث جولات انتخابية أجريت هذا الشهر بشكل جيد بالنسبة للجماعة المدعومة من إيران. وفي الجنوب، لن تكون هناك منافسة في كثير من الدوائر، مما يمنح حزب الله وحلفاءه انتصارات مبكرة.

وقال علي طباجة البالغ من العمر 21 عاما "بالدم نريد أن ننتخب"، في إشارة إلى ولائه لحزب الله. وسيكون إدلاؤه بصوته في مدينة النبطية بدلا من قريته العديسة بسبب ما لحق بها من دمار.

وأضاف "العديسة صارت صحراء، راحت كلها، لم يعد فيها شيء".

ويعكس مشهد الأنقاض في الجنوب التداعيات المدمرة للحرب التي بدأت مع قصف جماعة حزب الله لإسرائيل "إسنادا" لحركة المقاومة الإسلامية الفلسطينية (حماس) مع اندلاع الحرب في غزة في أكتوبر 2023، وتطور الأمر إلى أن بلغ ذروته بهجوم إسرائيلي واسع النطاق.

وباتت الجماعة أضعف مما كانت عليه في السابق بعد مقتل قيادتها وآلاف من مقاتليها وتضاؤل ​​نفوذها على الدولة اللبنانية بشكل كبير وتزايد نفوذ خصومها في البلاد.

وفي مؤشر على مدى انقلاب الموازين، أعلنت الحكومة الجديدة أنها تهدف إلى حصر السلاح بيد الدولة ما يعني ضرورة نزع سلاح حزب الله كما هو منصوص عليه في اتفاق وقف إطلاق النار مع إسرائيل والذي توسطت فيه الولايات المتحدة.

وقال مهند الحاج علي من مركز كارنيغي للشرق الأوسط، وهو مركز أبحاث، إن نتائج الانتخابات تشير بناء على ذلك إلى أن "الحرب لم تحقق هدفها المتمثل في خفض شعبية حزب الله ... بل على العكس، يشعر كثير من الشيعة الآن بأن مصيرهم مرتبط بمصير حزب الله".

ولطالما كان سلاح الجماعة مصدر انقسام في لبنان ما أشعل فتيل اقتتال قصير عام 2008. ويقول منتقدون إن حزب الله جر لبنان إلى القتال.

وقال وزير الخارجية يوسف راجي، وهو معارض لحزب الله، إنه تم إبلاغ لبنان بأنه لن تكون هناك مساعدات من المانحين الأجانب لإعادة الإعمار حتى يكون السلاح بيد الدولة وحدها.

من ناحيته، ألقى حزب الله بعبء إعادة الإعمار على عاتق الحكومة واتهمها بالتقصير في اتخاذ خطوات تجاه هذا الأمر رغم وعود الحكومة.

شروط نزع السلاح

قال الحاج علي إن الهدف من ربط مساعدات إعادة الإعمار بنزع سلاح الجماعة هو تسريع العملية، لكن "من الصعب أن يقبل حزب الله بذلك".

وذكرت الجماعة أنه لا يوجد أي سلاح لها حاليا في الجنوب، لكنها تربط أي نقاش عما تبقى من ترسانة أسلحتها بانسحاب إسرائيل من خمسة مواقع لا تزال تسيطر عليها وبوقف الهجمات الإسرائيلية.

وتقول إسرائيل إن حزب الله لا يزال يمتلك بنية تحتية قتالية في الجنوب تضم منصات إطلاق صواريخ، ووصفت ذلك بأنه "انتهاك صارخ للتفاهمات بين إسرائيل ولبنان".

وذكر مصدر دبلوماسي فرنسي أن إعادة الإعمار لن تتحقق إذا استمرت إسرائيل في القصف وإذا لم تتحرك الحكومة اللبنانية بالسرعة الكافية لنزع السلاح.

ويريد المانحون أيضا أن يقوم لبنان بإصلاحات اقتصادية.

وقال هاشم حيدر، رئيس مجلس الجنوب، إن الدولة ليس لديها الأموال اللازمة لإعادة الإعمار، لكنه أشار إلى أن هناك تقدما في رفع الأنقاض. ووفقا لتقديرات البنك الدولي، يحتاج لبنان إلى 11 مليار دولار لإعادة الإعمار والتعافي.

وتشير كومة من الأنقاض في النبطية إلى مكان متجر خليل ترحيني (71 عاما) الذي كان بين عشرات المتاجر التي دمرها القصف الإسرائيلي في سوق النبطية المركزي.

ولم يحصل ترحيني على أي تعويض، ولا يرى جدوى من التصويت. وقال "الدولة لم تقف إلى جانبا"، في تعبير عن شعوره بالخذلان.

لكن الوضع كان مختلفا تماما بعد حرب سابقة بين حزب الله وإسرائيل في عام 2006 حين تدفقت المساعدات من إيران ودول الخليج العربية.

وقال حزب الله إنه ساعد 400 ألف شخص ودفع تكاليف الإيجار والأثاث وترميم الأضرار، لكن المستفيدين يقولون إن الأموال المتاحة له تبدو أقل بكثير من عام 2006.

واتهم حزب الله السلطات الحكومية بعرقلة وصول الأموال القادمة من إيران رغم أن طهران تعاني أيضا من ضائقة مالية أكبر مما كانت عليه قبل عقدين بسبب تشديد الولايات المتحدة للعقوبات التي تفرضها عليها وعودتها من جديد لسياسة ممارسة "أقصى الضغوط".

أما دول الخليج، فقد توقفت مساعداتها للبنان مع انخراط حزب الله في صراعات إقليمية وتصنيفها له منظمة إرهابية في عام 2016. وأيدت السعودية موقف الحكومة اللبنانية بأن تكون المتحكم الوحيد في السلاح.

وقال حسن فضل الله النائب البرلماني عن حزب الله إن تأمين تمويل لإعادة الإعمار يقع على عاتق الحكومة، واتهمها بالتقصير في اتخاذ "أي تحركات فعالة في هذا السياق".

وحذر من أن هذه المسألة قد تفاقم الانقسامات في لبنان إذا لم تُعالج. وتساءل "هل يمكن أن يستقر جزء من الوطن وجزء آخر يتألم؟ هذا لا يستقيم" في إشارة إلى الشيعة في الجنوب ومناطق أخرى، بما في ذلك الضاحية الجنوبية لبيروت التي يُهيمن عليها حزب الله، والتي تضررت بشدة من قصف إسرائيل.